نسخنا، وضبطنا، عشرَ مجلدات كاملة، تزيد صفحاتها على أربعة آلاف، وكنا نُنصتُ للإمام أحمد بن عمر بيقظة تامة وحضور كامل، وهو يشرحُ كلمةً غريبة، بعد إيراد روايته لها، واستعراضِ أصلها وأوجه اشتقاقها، وتعدُّد معانيها، واختيار الأقرب والأنسب. أو وهو يتصدَّى للروايات المتعدّدة، لاستبعاد المشكل، وتأويل المختلف منها. أو وهو يكشفُ بنور إيمانه الوضَّاء ظلماتِ الأهواء الضالَّة، والدعواتِ الفاسدة.
ونتمنى في غمرة ذلك كلِّه أن يُطِلَّ علينا الإمام القرطبي بشخصه، ليُحدِّثنا عن نفسه في أي جانب من جوانب حياته الخاصَّة والعامَّة، وكان هذا قليلًا ونادرًا، وكم أثلجَ صُدورنا عندما أعلنَ في شرحه لمشكل كتاب الرؤيا أنه تردَّد في السفر من تونس إلى مصر، وهو في طريقه إلى الحجِّ، بسبب الأخبار السيئة التي سمعها عن البلاد المصرية من جهة العدو الذي غلب على دمياط. ثم رأى في المنام كأنه في مسجد النبي - ﷺ - وأنه قريب من منبره .. ثم عزم على السفر، ووصل المدينة المنورة، ورأى المسجد والقبر وقال: فرأيته والله في اليقظة على النحو الذي رأيته في المنام من غير زيادة ولا نقصان.
وكان هدفنا أن نصل إلى استكشاف شخصيته من كلامه، وأن نؤرِّخَ له من خلال
[ ١ / ٣٤ ]
ذكرياتِه واعترافاته، وعلى الرغم من موضوعيته الحازمة وانصرافه الجَادِّ إلى شرح ما أشكلَ من تلخيص صحيح مسلم؛ فإننا أمسكنا بشيء قليل من ملامح محدَّدة عن بعض مواقفه وآرائه:
أ - هو أشعريٌّ في اعتقاده، لا يقولُ بالعلوِّ، ويَرى التأويلَ في صفات الله تعالى.
ب - ومالكيٌّ متضلِّع في مذهب الإمام مالك، ومستحضرٌ لأقواله وأدلته، ولكنه يقفُ في بعض الأحيان مع الدليل، ويُصرِّح بمعارضته لمالك فيما ذهب إليه، لأن الحجَّةَ مع الشافعيِّ، أو مع أصحاب الحديث.
جـ - وعالم عامل وملتزمٌ بأحكام الشريعة، يعرفُ الله تعالى ويعبده في ضوء هدي كتاب الله وسُنَّة رسوله - ﷺ -.
ويُشرعُ قلمَه كالسَّيف الصَّارم في وجوه أصحاب الشَّطْح والمَخْرقة من أدعياء الصوفية، وقد كثر أمثالُ هؤلاء في المغرب، فقيَّضَ الله من المغرب نفسه علماءَ أفذاذًا يُنافحون عن هذا الدين، ويُعيدون له صفاءَه وجِدَّته:
١ - فهو ينعي على جُهَّال العَوامِّ والمبتدعة زعيقَهم وزفيرَهم وشهيقَهم، واصفًا ذلك بأنه يُشبه نهيقَ الحمير. وذلك، لأنهم لم يُدركوا حقيقةَ الوجد والخشوع عند ذكر الله تعالى.
٢ - ويعيبُ على الذين إذا سمعوا القرآنَ صاحوا صيحاتٍ غير متزنة، مدَّعِين الخشوعَ والتأثر، ظانِّين أنهم يقتدون بذلك ببعض الصحابة الكرام والعلماء الأفاضل. ويقول: "أين الدرُّ من الصَّدَف؟ ! والمِسْك من الجيف؟ ! هيهات قياس الملائكة بالحدَّادين، والمحقِّقين بالممخرِقين! ! ".
٣ - ويصبُّ جامَ غضبه على من يدّعي أن الأحكام والتكاليف الموجودة في القرآن والسُّنَّة إنما هي للعوام! أما الخواصُّ الأصفياءُ؛ فهؤلاء فوقَ التكليف،
[ ١ / ٣٥ ]
وأحكامهم تنبعُ من قلوبهم "حدثني قلبي عن ربي".
ويقررُ أن من يقولُ هذا كافرٌ يُقتل ولا يُستتاب ..
د - وهو عالم غيور، ومؤمنٌ صادق، يُعيدُ برأيه الشديد كلَّ من حادَ عن الجادة أو جانبَ الصواب، فيقول: "مهما كنتَ لاعبًا بشيء فإيَّاك أن تلعبَ بدينك".
ويستهجنُ، بل ويُسخِّف بكل رأي مخالف ومتهافت كقول الحريري في تسويغ التسوُّل والإلحاح فيه قياسًا على سؤال موسى ﵇ والخضر طعام الضيافة من أهل القرية؛ عندما يقول:
فإنْ رُدِدْتَ فما بالردِّ مَنْقَصَةٌ عليكَ قد رُدَّ موسى قبلُ والخضِرُ
ويردُّ بالحجج المتلاحقة على من فضَّل الخَضِر على موسى ﵇.
وأمثال هذه المواقف الشجاعة كثيرة النظائر؛ اكتفينا بإيراد بعضها لئلا نُطيل.