[١٠٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَن يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: وَقَد وَجَدتُّمُوهُ؟ !، قَالُوا: نَعَم، قَالَ: ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ.
رواه أحمد (٢/ ٤٤١)، ومسلم (١٣٢)، وأبو داود (٥١١١)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٦٦٤).
[١٠٣] وعَن عَبدِ اللهِ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنِ الوَسوَسَةِ؟ فَقَالَ: تِلكَ مَحضُ الإِيمَانِ.
رواه مسلم (١٣٣).
_________________
(١) وَمِن بَابِ: استِعظَامُ الوَسوَسَةِ، وَالنُّفرَةُ مِنهَا خَالِصُ الإِيمَانِ (قوله: وَقَد وَجَدتُّمُوهُ؟ !) كذا صحَّت الروايةُ وقد بالواو، ومعنى الكلام: الاستفهامُ على جهة الإنكارِ والتعجُّبِ، فَيَحتملُ: أن تكونَ همزةُ الاستفهامِ محذوفةً، والواو للعطفِ، فيكونُ التقدير: أَوَقَد وَجَدتموه؟ ! ويَحتمل: أن تكونَ الواو عِوَضَ الهمزة؛ كما قرأ قُنبُلٌ، عن ابن كَثِيرٍ: قَالَ فِرعَونُ وَآمَنتُم بِهِ، قال أبو عمرو الداني: هي عِوَضٌ من همزة الاستفهام، وهذه الواو مثلها. والضميرُ في وَجَدتُّمُوهُ عائدٌ على التعاظم الذي دَلَّ عليه يتعاظم. والصَّرِيحُ والمَحضُ: الخالصُ الصافي، وأصلُهُ في اللبن. ومعنى هذا الحديثِ: أنَّ هذه الإلقاءاتِ والوساوسَ التي تلقيها الشياطينُ في صدور المؤمنين،
[ ١ / ٣٤٤ ]
[١٠٤] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: يَأتِي الشَّيطَانُ أَحَدَكُم فَيَقُولُ: مَن خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَن خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ، فَليَستَعِذ بِاللهِ وَليَنتَهِ.
ــ
تَنفِرُ منها قلوبُهُم، ويَعظُمُ عليهم وقوعُهَا عندهم، وذلك دليل صِحَّةِ إيمانهم ويقينِهِم ومعرفتِهِم بأنَّها باطلة، ومن إلقاءاتِ الشيطان (١)، ولولا ذلك، لركنوا إليها، وَلَقَبِلوها، ولم تَعظُم عندهم، ولا سَمَّوهَا وسوسةً، ولمَّا كان ذلك التعاظُمُ، وتلك النُّفرَةُ عن ذلك الإيمانَ، عبَّر عن ذلك بأنَّه خالصُ الإيمان، ومحضُ الإيمان؛ وذلك مِن باب تسميةِ الشيءِ باسمِ الشيء؛ إذا كان مُجَاوِرًا له، أو كان منه بِسَبَبٍ.
و(قوله: فَليَستَعِذ بِاللهِ، وَليَنتَهِ) لمَّا كانت هذه الوساوسُ مِن إلقاءِ الشيطان، ولا قُوَّةَ لأحدٍ بدفعِهِ إلا بمعونةِ الله وكفايتِهِ: أمَرَ بالالتجاءِ إليه، والتعويلِ في دفع ضرَرِهِ عليه، وذلك معنى الاستعاذةِ على ما يأتي، ثم عقَّب ذلك بالأمرِ بالانتهاءِ عن تلك الوساوسِ والخواطرِ، أي: عن الالتفاتِ إليها والإصغاءِ نحوها، بل يُعرِضُ عنها ولا يبالي بها. وليس ذلك نهيًا عن إيقاعِ ما وَقَعَ منها، ولا عن أَلَاّ يقَعَ منه؛ لأنَّ ذلك ليس داخلًا تحت الاختيار ولا الكَسب، فلا يكلَّفُ بها، والله أعلم (٢).
و(قوله في الحديث الآخر: قُل: آمَنتُ بِاللهِ) أمرٌ بتذكُّرِ (٣) الإيمانِ الشرعيِّ، واشتغالِ القلب به؛ لِتُمحَى تلك الشبهات، وتَضمَحِلَّ تلك التُّرَّهَات. وهذه كلُّها أدويةٌ للقلوبِ السليمة، الصحيحةِ المستقيمة، التي تَعرِضُ الترهاتُ لها، ولا تَمكُثُ فيها؛ فإذا استُعمِلَت هذه الأدويةُ على نحو ما أمر به، بَقِيَتِ القلوبُ على صِحَّتها، وانحفَظَت سلامتها.
فأمَّا القلوبُ التي تمكَّنَت منها أمراضُ الشُّبَه فيها، ولم تَقدِر على
_________________
(١) في (ع): الشياطين.
(٢) في (م): والله أعلم بغيبه وأحكم.
(٣) في (ط): تذكير.
[ ١ / ٣٤٥ ]
وَفِي رِوَايَةٍ: فَليَقُل: آمَنتُ بِاللهِ.
رواه البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٥)، وأبو داود (٤٧٢١) و(٤٧٢٢).
* * *
ــ
دفع ما حَلَّ بها بتلك الأدويةِ المذكورة، فلا بُدَّ من مشافهتها بالدليلِ العقليّ، والبرهانِ القطعيّ؛ كما فعل النبي - ﷺ - مع الذي خالَطَتهُ شبهةُ الإبلِ الجُرب، حين قال النبي - ﷺ -: لَا عَدوَى، فقال أعرابيٌّ: فما بَالُ الإِبِلِ تكونُ في الرَّملِ كأنَّهَا الظِّبَاءُ، فإذا دخَلَ فيها البَعِيرُ الأَجرَبُ أَجرَبَهَا؟ فقال النبي - ﷺ -: فَمَن أَعدَى الأَوَّلَ؟ ! (١) فاستأصَلَ الشبهةَ من أصلها.
وتحريرُ ذلك على طريقِ البرهانِ العقليِّ أن يقال: إن كان الداخلُ أجرَبَهَا، فمن أجرَبَهُ؛ فإن كان أجرَبَهُ بعيرٌ آخر كان الكلامُ فيه كالكلامِ في الأوَّل، فإمَّا أن يتسلسَلَ أو يَدُور، وكلاهما محال، فلا بُدَّ أن نقف عند بَعِيرٍ أجربَهُ الله مِن غير عَدوَى؛ وإذا كان كذلك، فاللهُ تعالى هو الذي أجرَبَهَا كلَّها، أي: خلَقَ الجَرَبَ فيها. وهذا على منهاجِ دليلِ المتكلِّمين على إبطالِ عِلَلٍ وحوادثَ لا أَوَّلَ لها على ما يُعرَفُ في كتبهم.
والوَسوَسَةُ وزنها: فَعلَلَة، وهي صيغةٌ مُشعِرَةٌ بالتحرُّكِ والاضطرابِ؛ كالزَّلزَلَةِ، والقَلقَلَةِ، والحَقحَقَة، وأصلُ الوسوسة: الصوتُ الخفيُّ، ومنه سمِّي صوتُ الحَليِ: الوَسوَاس.
* * *
_________________
(١) رواه البخاري (٥٧١٧)، ومسلم (٢٢٢٠)، وأبو داود (٣٩١١ و٣٩١٢ و٣٩١٣ و٣٩١٤ و٣٩١٥).
[ ١ / ٣٤٦ ]