[١٣٤] عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: سِرنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بَينَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، فَمَرَرنَا بِوَادٍ، فَقَالَ: أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ فَقَالُوا: وَادِي الأَزرَقِ، فقالَ: كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى مُوسَى - فَذَكَرَ مِن لَونِهِ وَشَعَرِهِ شَيئًا لَم يَحفَظهُ دَاوُدُ - وَاضِعًا إِصبَعَيهِ فِي أُذُنَيهِ، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلبِيَةِ، مَارًّا بِهَذَا الوَادِي. قَالَ: ثُمَّ سِرنَا حَتَّى أَتَينَا عَلَى ثَنِيَّةٍ، فَقَالَ: أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ قَالُوا: هَرشَى أو لِفتٌ، فَقَالَ: كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمرَاءَ، عَلَيهِ جُبَّةُ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفٌ خُلبَةٌ مَارًّا بِهَذَا الوَادِي مُلَبِّيًا.
رواه أحمد (١/ ٢١٥ و٢٣٢)، ومسلم (١٦٦)، وابن ماجه (٢٨٩١).
_________________
(١) ومن باب رؤيته - ﵊ - للأنبياء (قوله - ﵊ -: كأنّي أنظرُ إلى موسى؛ يحتمل أن يكون هذا النظر في اليقظة على ظاهره، وحقيقته ليلة الإسراء، وهو ظاهر حديث جابر وأبي هريرة الآتي، ويحتمل أن يكون ذلك كله مناما. ورؤيا الأنبياء وحيٌ، وهو نص حديث ابن عمر. والجؤار رفع الصوت، وهو مهموز، ومنه قوله تعالى: فَإِلَيهِ تَجأَرُونَ. وهَرشِى بفتح الهاء وسكون الراء. جبل من بلاد تهامة على طريق الشام والمدينة قريب من الجحفة. ولَفت روي عن أبي بحرٍ أنه قاله بفتح اللام وسكون الفاء، وقاله ابن سراج بكسر اللام وسكون الفاء. وأنشد بعضهم: مررت بلفتٍ والثريا كأنها قلائد درٍ حلّ عنها نظامها
[ ١ / ٣٩٦ ]
[١٣٥] وَعَن جَابِرٍ؛ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: عُرِضَ عَلَيَّ الأَنبِيَاءُ. فَإِذَا مُوسَى ضَربٌ مِنَ الرِّجَالِ كَأَنَّهُ مِن رِجَالِ شَنوءَةَ، وَرَأَيتُ عِيسَى ابنَ مَريَمَ، فَإِذَا أَقرَبُ مَن رَأَيتُ بِهِ شَبَهًا عُروَةُ بنُ مَسعُودٍ، وَرَأَيتُ إِبرَاهِيمَ، فَإِذَا أَقرَبُ مَن رَأَيتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُم - يَعنِي نَفسَهُ - وَرَأَيتُ جِبرِيلَ فَإِذَا أَقرَبُ مَن رَأَيتُ بِهِ شَبَهًا دِحيَةُ بنُ خَلِيفَةَ.
رواه مسلم (١٦٧)، والترمذي (٣٦٥١).
ــ
بالكسر. وقاله القاضي الشهيد بفتح اللام والفاء، والخلبة وهو بضم الخاء: الليف، وفيها لغتان: ضم اللام، وسكونها. والضَّرب من الرجال الذي له جسم بين جسمين، ليس بالضخم ولا الضئيل. قال طرفة:
أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه (١) . . . . . . . . . . . . . .
وأزد شنوءة حي من اليمن، شُبّه بهم موسى في كيفية خِلقتهم، وسموا شنوءة؛ لِشنوءتهم، وهي تباعدهم من الأنجاس، يقال: رجل فيه شنوءة؛ أي: تقزز في المباعدة عن الأقذار، حكاه الجوهري. وقال القتبي: سُموا بذلك؛ لأنهم تشانؤوا؛ أي: تباغضوا.
تنبيه: إن تنزلنا على أن رؤيته - ﷺ - للأنبياء حقيقة في اليقظة فصلاته وصلاتهم وطوافهم (٢) بالبيت كذلك، فلا يستبعد من حيث إنهم قد ماتوا، أو من حيث إن ما بعد الموت ليس بمحل تكليف؛ لأنا نجيب عن الأول بأنهم أحياء كالشهداء، بل هم أولى.
وعن الثاني: أنهم يُحبب إليهم ذلك ويلهمونه، فيتعبدون بما يجدون من دواعي أنفسهم، لا بما يلزمون كما يحمده ويسبّحه أهل
_________________
(١) وعجزه: خشاش كرأس الحية المتوقِّدِ.
(٢) ساقط من (ع) و(م).
[ ١ / ٣٩٧ ]
[١٣٦] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لَقَد رَأَيتُنِي فِي الحِجرِ، وَقُرَيشٌ تَسأَلُنِي عَن مَسرَايَ، فَسَأَلَتنِي عَن أَشيَاءَ مِن بَيتِ المَقدِسِ لَم أُثبِتهَا، فَكُرِبتُ كَربة مَا كُرِبتُ مِثلَهُ قَطُّ. قَالَ: فَرَفَعَهُ اللهُ لِي أَنظُرُ إِلَيهِ، مَا يَسأَلُونِي عَن شَيءٍ إِلا أَنبَأتُهُم بِهِ. وَقَد رَأَيتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَربٌ جَعدٌ كَأَنَّهُ مِن رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، أَقرَبُ النَّاسِ شَبَهًا بهِ عُروَةُ بنُ مَسعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا إِبرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُم - يَعنِي نَفسَهُ -، فَحَانَتِ الصَّلاةُ فَأَمَمتُهُم، فَلَمَّا فَرَغتُ مِنَ الصَّلاةِ، قَالَ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ! هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ فَسَلِّم عَلَيهِ: فَالتَفَتُّ إِلَيه، فَبَدَأَنِي بِالسَّلامِ.
رواه مسلم (١٦٨)، والبخاري (٣٣٩٤)، والترمذي (٣٨٢٩) بنحوه.
ــ
الجنة، ولذلك قال - ﵊ -: يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس (١).
والمسيح ابن مريم لا خلاف أنه بفتح الميم، وكسر السين مخففة. وأما المسيح الدجّال، فتقييده عند أكثر العلماء مثل الأول، وقيّده أبو إسحاق بن جعفر: بكسر الميم وتشديد السين، وقاله كذلك غير واحد. وبعضهم يقوله كذلك بالخاء المنقوطة (٢)، وبعضهم يقول: مَسيحٌ بفتح الميم وبالحاء والتخفيف. واختُلِف في المسيح ابن مريم ممّاذا أُخِذ؟ فقيل: لأنه مسح الأرض؛ أي: ذهب فيها، فلم يسكن بكن (٣). وقيل: لأنه ممسوح بدهن البركة. وقيل: لأنه كان ممسوح الأخمصين.
_________________
(١) رواه أحمد (٣/ ٣٤٩ و٣٥٤ و٣٨٤)، ومسلم (٢٨٣٥).
(٢) في (ل): المعجمة.
(٣) "الكِنّ": كلّ ما يردّ البَرْد والحرّ من الأبنية والمغاور ونحوها.
[ ١ / ٣٩٨ ]
[١٣٧] وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ يَومًا بَينَ ظَهرَانَيِ النَّاسِ - المَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ لَيسَ بِأَعوَرَ، أَلا إِنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعوَرُ العَينِ اليُمنَى، كَأَنَّ عَينَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ. قَالَ: وَقَالَ
ــ
وقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهةٍ إلا برأ. وقيل: لأن الجمال مسحه؛ أي: أصابه وظهر عليه. وقال ابن الأعرابي: المسيح: الصدّيق، وبه سُمي عيسى، وقيل: هو اسم سمّاه الله تعالى به؛ أي: أنه غير مشتق. وأما الدجّال، فسمّي مسيحًا؛ لأنه ممسوح العين اليُمنى، وقيل: لأنه مسح الأرض؛ أي: قطعها بالذهاب. ومن قاله بالخاء فمن المسخ.
و(قوله: بين ظهراني الناس) أي: في الناس ومعهم، يقال: ظهراني بنون وبغير نون، وظهور، كلها بمعنى واحد.
و(قوله في هذا الحديث: أعور العين اليُمنى) هذا هو الصحيح والمشهور، وقد وقع في رواية: اليسرى، وكأنه وهمٌ، ويمكن أن يحمل هذا على ما يتخيله بعض العامة من أن العوراء هي الصحيحة؛ إذ قد بقيت منفردة عديمة قرينتها (١)، وليس بشيء، بل العوراء التي أصابها العور؛ أي: العيب.
و(قوله: طافية) بغير همز، وعليه أكثر الروايات، وهكذا قال الأخفش، ومعناه أنها ممتلئة قد طفت (٢) وبرزت، وقد روي بالهمز؛ أي: قد ذهب ضوؤها وتقبّضت، ويؤيد هذه الرواية قوله في أخرى: أنه ممسوح العين، وأنها ليست جحرا ولا ناتئة وأنها مطموسة، وهذه صفة حبة العنب إذا طفئت وزال ماؤها، وبهذا فسره عيسى بن دينار.
_________________
(١) في (م): قرينها.
(٢) في (م) طفئت، والمثبت من (ع) و(ل).
[ ١ / ٣٩٩ ]
رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَرَانِي اللَّيلَةَ فِي المَنَامِ عِندَ الكَعبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ كَأَحسَنِ مَا تَرَى مِن أُدمِ الرِّجَالِ، تَضرِبُ لِمَّتُهُ بَينَ مَنكِبَيهِ، رَجِلُ الشَّعرِ، يَقطُرُ رَأسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَيهِ عَلَى مَنكِبَي رَجُلَينِ وهو بَينَهُمَا يَطُوفُ بِالبَيتِ، فَقُلتُ: مَن هَذَا؟ فَقَالُوا: المَسِيحُ ابنُ مَريَمَ. وَرَأَيتُ وَرَاءَهُ رَجُلًا جَعدًا قَطَطًا، أَعوَرَ العَينِ اليُمنَى، كَأَشبَهِ مَن رَأَيتُ مِنَ النَّاسِ بِابنِ قَطَنٍ، وَاضِعًا يَدَيهِ عَلَى
ــ
وقوله في وصف عيسى: آدم من الأدمة، وهو لون فوق السُّمرة ودون السحمة (١) بالسين المهملة، وكأن الأدمة يسير سوادٍ يضرب إلى الحمرة، وهو غالب ألوان العرب. ولهذا جاء في أخرى في وصف عيسى: إنه أحمر مكان آدم وعلى هذا يجتمع ما في الروايتين. وقد روى البخاري من رواية أبي هريرة في صفة عيسى: أنه أحمر، كأنما خرج من ديماس (٢)، وقد أنكر ابن عمر هذا وحلف أن النبي - ﷺ - لم يقله.
واللمة بكسر اللام: الشعر الواصل إلى المنكب، كأنه ألمّ به؛ أي: نزل. والجُمة: الشعر الواصل إلى شحمة الأذن، وهو أيضا الوفرة. والرَّجِلُ: فوق السبط ودون الجعد، وهو الذي فيه يسير تكسُّر. والجعد الكثير التكسر والتقبّض. والقطط - بفتح الطاء وكسرها -: هو الشديد الجعودة الذي لا يطول إلا إذا جبذ، كشعور غالب السودان، وهو من وصف الدجّال.
و(قوله: يقطر رأسه ماءً) يعني: أنه قريب عهد بغسل، وكأنه اغتسل للطواف. وفي الرواية الأخرى: ينطف، ومعناه. يقطر. وفي رواية: قد رجّلها أي: مشّطها، وشعر مرجّل؛ أي: ممشوط مسرّح. والشعر الرَّجِل منه.
_________________
(١) "السُّحْمة": السَّواد.
(٢) رواه أحمد (٢/ ٢٨٢)، والبخاري (٣٣٩٤)، ومسلم (١٦٨)، والترمذي (٣٨٢٩)، و"الديماس": الحمّام.
[ ١ / ٤٠٠ ]
مَنكِبَي رَجُلَينِ، يَطُوفُ بِالبَيتِ، فَقُلتُ: مَن هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا المَسِيحُ الدَّجَّالُ.
رواه أحمد (٢/ ٣٧ و١٣١)، والبخاري (٣٤٣٩) و(٧٤٠٧)، ومسلم (١٦٩).
* * *