(ص): (مَالِكٌ عَنْ إسْمَاعِيلِ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارِ أَخْبَرَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَبَّرَ فِي صَلَاةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ ثُمَّ أَشَارَ إلَيْهِمْ بِيَدِهِ أَنْ اُمْكُثُوا فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ وَعَلَى جِلْدِهِ أَثَرُ الْمَاءِ») (ص): (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ زُبَيْدِ بْنِ الصَّلْتِ أَنَّهُ قَالَ خَرَجْت مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إلَى الْجَرْفِ فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ قَدْ احْتَلَمَ وَصَلَّى وَلَمْ يَغْتَسِلْ فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا أَرَانِي إلَّا احْتَلَمْت وَمَا شَعَرْت وَصَلَّيْت وَمَا
_________________
(١) [المنتقى] (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَيَمْسَحُ بِرَأْسِهِ لَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ لِأَنَّهُ عُضْوٌ يَسْقُطُ مُبَاشَرَتُهُ بِالْمَاءِ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَذَلِكَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [إعَادَةُ الْجُنُبِ الصَّلَاة وَغَسَلَهُ إذَا صَلَّى وَلَمْ يَذْكُرْ وَغَسْلُهُ ثَوْبَهُ] (ش): قَوْلُهُ كَبَّرَ فِي صَلَاةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ يُرِيدُ تَكْبِيرَ الْإِحْرَامِ لِأَنَّهَا أَظْهَرُ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ هَذَا اللَّفْظُ مِنْهَا وَقَوْلُهُ ثُمَّ أَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اُمْكُثُوا يُرِيدُ أَنْ يُقِيمُوا عَلَى حَالِهِمْ وَهَذِهِ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ لَا يَتَكَلَّمُ الْإِمَامُ إذَا طَرَأَ لَهُ مَا يَمْنَعُهُ التَّمَادِيَ فِي الصَّلَاةِ وَيَسْتَخْلِفُ إشَارَةً أَوْ يُشِيرُ إلَيْهِمْ بِالْمُكْثِ إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا فَلْيَتَكَلَّمْ وَلَوْ تَكَلَّمَ عَامِدًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ بَيَانٌ عَنْ تَكْبِيرِ أَصْحَابِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اُمْكُثُوا بَعْدَ أَنْ كَبَّرُوا. وَقَدْ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ إنَّ الْمَأْمُومِينَ إذَا كَانُوا فِي الصَّلَاةِ فَأَشَارَ إلَيْهِمْ إمَامُهُمْ بِالْمُكْثِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ انْتِظَارُهُ حَتَّى يَأْتِيَ فَيُتِمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زِيَادِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ انْتِظَارُهُ وَأَمَّا الَّذِي فَعَلَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَهُوَ لَهُ خَاصٌّ وَهَذَا الَّذِي رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ فِي اخْتِصَاصِ هَذَا الْحُكْمِ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - إلَّا أَنَّ فِي عِبَارَةِ أَصْحَابِهِ عَنْهُ تَجَوُّزًا فَقَدْ يَنْقُلُونَ الْعَمَلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ عِنْدَهُمْ وَيَنْقُلُونَ عَنْهُ هَذَا خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - يُرِيدُ أَنَّ ظَاهِرَهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ وَيُتَوَرَّعُ عَنْ تَأْوِيلِهِ فِي خَاصَّةِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَيُمْسَكُ عَنْهُ وَيُقَالُ هَذَا خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - وَفِي الْجُمْلَتَيْنِ الْقَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى صِحَّةِ بِنَاءِ الصَّحَابَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَكْبِيرِهِمْ لِلصَّلَاةِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الطَّاهِرِ خَلْفَ إمَامٍ مُحْدِثٍ نَاسٍ لِحَدَثِهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي زِيَادٍ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ مَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ وَانْتَظَرُوهُ حَتَّى اغْتَسَلَ ثُمَّ عَادَ أَنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ وَقَالَ هَذَا الثَّابِتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحْرَمَ وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ هَذَا الْقَائِلُ لَيْسَ بِبَيِّنٍ لِأَنَّ مَا سُئِلَ عَطَاءٌ فَسُنَّةٌ يُعْمَلُ بِهَا عِنْدَنَا لَا سِيَّمَا. وَقَدْ رُوِيَ مُسْنَدًا وَالْأَبْيَنُ أَنَّ تَكْبِيرَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثَابِتٌ وَتَكْبِيرَ مَنْ خَلْفَهُ مُحْتَمَلٌ فَإِنْ قُلْنَا بِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ فَنَحْمِلُهُ أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يُحْرِمُوا وَأَنَّهُ أَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ يَنْتَظِرُوا لَمَّا لَمْ يَدْخُلُوا فِي الصَّلَاةِ وَذَلِكَ حُكْمُ الْإِمَامِ مَعَ النَّاسِ الْيَوْمَ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ أَوْ بَعْدَ مَا أَحْرَمَ إنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ سَوَاءٌ وَيَسْتَخْلِفُ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ الصَّلَاةَ وَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ فِي جَوَازِ ذَلِكَ لِلنَّاسِ الْيَوْمَ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْغَالِبِ مِنْ الْحَالِ لِأَنَّ الْإِمَامَ مَتَى كَبَّرَ كَبَّرَ النَّاسُ بِأَثَرِهِ وَلَا يَكَادُ يَتَأَخَّرُ تَكْبِيرُهُمْ عَنْ تَكْبِيرِهِ.
(٢) (مَسْأَلَةٌ): إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ لِلْإِمَامِ قَطْعُ صَلَاتِهِ وَلَا يُفْسِدُ لِذَلِكَ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ غَلَبَةُ الْحَدَثِ أَوْ ذِكْرُ حَدَثٍ مُتَقَدِّمٍ وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ إذَا صَلَّى الْإِمَامُ رَكْعَةً ثُمَّ انْفَلَتَتْ دَابَّتُهُ وَخَافَ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى صَبِيٍّ أَوْ أَعْمَى أَنْ يَقَعَ فِي نَارٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ ذَكَرَ مَتَاعًا خَافَ عَلَيْهِ أَنْ يَتْلَفَ فَذَلِكَ عُذْرٌ يُبِيحُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ وَلَا يُفْسِدُ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ شَيْئًا. (ص): (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ زُبَيْدِ بْنِ الصَّلْتِ أَنَّهُ قَالَ خَرَجْت مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إلَى الْجَرْفِ فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ قَدْ احْتَلَمَ وَصَلَّى وَلَمْ يَغْتَسِلْ فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا أَرَانِي إلَّا احْتَلَمْت وَمَا شَعَرْت وَصَلَّيْت وَمَا اغْتَسَلْت قَالَ فَاغْتَسَلَ وَغَسَلَ مَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ وَنَضَحَ مَا لَمْ يَرَ وَأَذَّنَ أَوْ أَقَامَ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ارْتِفَاعِ الضُّحَى مُتَمَكِّنًا) .
[ ١ / ٩٩ ]
اغْتَسَلْت قَالَ فَاغْتَسَلَ وَغَسَلَ مَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ وَنَضَحَ مَا لَمْ يَرَ وَأَذَّنَ أَوْ أَقَامَ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ارْتِفَاعِ الضُّحَى مُتَمَكِّنًا)
_________________
(١) [المنتقى] (ش): قَوْلُهُ خَرَجْت مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إلَى الْجَرْفِ الْجَرْفُ مَوْضِعٌ وَقَوْلُهُ فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ قَدْ احْتَلَمَ وَصَلَّى وَلَمْ يَغْتَسِلْ يُرِيدُ أَنَّهُ رَأَى فِي ثَوْبِهِ مِنْ أَثَرِ الْمَنِيِّ مَا دَلَّهُ عَلَى الِاحْتِلَامِ فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا أَرَانِي إلَّا وَقَدْ احْتَلَمْت وَمَا شَعَرْت ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ احْتِلَامَهُ جُمْلَةً وَقَوْلُهُ وَصَلَّيْت وَمَا اغْتَسَلْت يُرِيدُ أَنَّهُ فَعَلَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلَاةِ وَإِنَّ خُرُوجَ الْمَنِيِّ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِلَامِ يُوجِبُ الْغُسْلَ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَلَى وَجْهِ اللَّذَّةِ كَخُرُوجِهِ حَالَ الْيَقِظَةِ بِمُلَاعَبَةٍ أَوْ تَذْكَارٍ وَسَوَاءٌ ذَكَرَ أَنَّهُ جَامَعَ فِي نَوْمِهِ وَالْتَذَّ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ مَنْ رَأَى الْمَنِيَّ فِي ثَوْبِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ لِأَنَّ الْغَالِبَ خُرُوجُهُ عَلَى وَجْهِ اللَّذَّةِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ حَالِهِ.
(٢) (مَسْأَلَةٌ): وَقَدْ تَتَقَدَّمُ اللَّذَّةُ الْمَنِيَّ ثُمَّ يَخْرُجُ بَعْدَ سُكُونِهَا كَالرَّجُلِ يُلَاعِبُ أَهْلَهُ فَيَجِدُ اللَّذَّةَ الْكُبْرَى وَلَا يُنْزِلُ فَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي ثُمَّ يُنْزِلُ فَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ مِنْ الْمَجْمُوعَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا لَمْ تُقَارِنْهُ لَذَّةٌ حَالَ خُرُوجِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ غُسْلٌ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَاءَ انْفَصَلَ عَنْ مُسْتَقَرِّهِ بِاللَّذَّةِ وَذَلِكَ الْمُرَاعَى فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ دُونَ ظُهُورِهِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا تَعَلَّقَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ مِنْ أَنَّ الِاعْتِبَارَ مِنْ اللَّذَّةِ مَا قَارَنَ خُرُوجَ الْمَنِيِّ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْمَنِيِّ فِي وُجُوبِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَثُبُوتِ الْحَدَثِ وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا حُكْمَ لَهُ. (فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ فَهَلْ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ رُوِيَ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يُعِيدُ الصَّلَاةَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَصْبَغَ يَغْتَسِلُ وَلَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ رَأَى أَنَّهُ احْتَلَمَ وَلَمْ يُنْزِلْ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَنْزَلَ لِغَيْرِ لَذَّةٍ فَالرِّوَايَةُ الْأُولَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ رَاعَى اللَّذَّةَ حِينَ انْفِصَالِ الْمَاءِ عَنْ مُسْتَقَرِّهِ فَصَلَّى عَلَى حَالِ جَنَابَةٍ لَمَّا لَمْ يَغْتَسِلْ مِنْ ذَلِكَ فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الْغُسْلَ وَالصَّلَاةَ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّهُ إنَّمَا صَارَ جُنُبًا بِخُرُوجِ الْمَاءِ وَذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ الصَّلَاةِ وَصِحَّتِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَمَعْنَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمَاءَ خَرَجَ بِلَذَّةٍ ثَانِيَةٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ - ﵁ - وَقَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ عِنْدَنَا ظَاهِرٌ يُرِيدُ أَنَّهُ لَوْ اغْتَسَلَ قَبْلَ خُرُوجِ الْمَاءِ لَمْ يُجْزِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ): وَمَنْ جَامَعَ وَلَمْ يُنْزِلْ فَاغْتَسَلَ لِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَصَلَّى ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَسَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ وَقَدْ قَالَ أَيْضًا يُعِيدُ الْغُسْلَ وَحَكَاهُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَوَّازِ وَسَحْنُونٌ مِنْ أَنَّهُ مَاءٌ اغْتَسَلَ لَهُ مَرَّتَيْنِ وَاحْتَجَّ لَهُ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ بِأَنَّهُ مَا خَرَجَ لِغَيْرِ لَذَّةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ اللَّذَّةَ الْكُبْرَى الَّتِي يُقَدَّرُ مَعَهَا انْفِصَالُ الْمَاءِ عَنْ مُسْتَقَرِّهِ وَإِنَّمَا وَجَدَ لَذَّةَ الْإِنْعَاظِ خَاصَّةً وَالْمُبَاشَرَةِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي الَّذِي يُوجِبُ إعَادَةَ الْغُسْلِ إنْ وَجَدَ لَذَّةَ الْجِمَاعِ مَعَ وُجُودِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ وَهُوَ بِانْفِرَادِهِ حَدَثٌ وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ حَدَثٌ فَإِذَا اجْتَمَعَا تَدَاخَلَا وَإِذَا انْفَصِلَا لَزِمَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْغُسْلُ. (فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ لَا يَجِبُ بِهَذَا الْمَنِيِّ الْغُسْلُ فَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الْوُضُوءَ فِيهِ وَاجِبٌ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ هُوَ مُسْتَحَبٌّ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الْفَرْجِ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ وَالْعَادَةِ فَوَجَبَ بِهِ طَهَارَةٌ كَالْبَوْلِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا مَنِيٌّ فَلَمْ يَجِبْ بِهِ الْوُضُوءُ كَمَنِيِّ السَّلَسِ وَإِنْ قُلْنَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ قَالَ سَحْنُونٌ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ وَقَالَ آخَرُ يُعِيدُ الْغُسْلَ وَلَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ وَتَوْجِيهُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ كَاَلَّذِي تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ١ / ١٠٠ ]
(ص): (مَالِكٌ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ غَدَا إلَى أَرْضِهِ بِالْجَرْفِ فَرَأَى فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا فَقَالَ لَقَدْ اُبْتُلِيتُ بِالِاحْتِلَامِ مُنْذُ وُلِّيت أَمْرَ النَّاسِ فَاغْتَسَلَ وَغَسَلَ مَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ مِنْ الِاحْتِلَامِ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ) .
_________________
(١) [المنتقى] فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ فَاغْتَسَلَ عُمَرُ يُرِيدُ مِنْ جَنَابَةٍ وَغَسَلَ مَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ غَسَلَ مَا تَيَقَّنَ فِي ثَوْبِهِ مِنْ الْمَنِيِّ لِنَجَاسَتِهِ وَنَضَحَ مَا لَمْ يَرَ مِنْهُ يُرِيدُ مَا شَكَّ فِيهِ مِنْ ثَوْبِهِ أَنْ يُصِيبَهُ مَنِيٌّ وَهَذَا حُكْمُ مَا يُشَكُّ فِيهِ مِنْ الثِّيَابِ أَنْ تُنْضَحَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا تُنْضَحُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ. (مَسْأَلَةٌ): إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَا شَكَّ فِيهِ مِنْ النَّجَاسَةِ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَيَقَّنَ وُصُولَ النَّجَاسَةِ إلَى الثَّوْبِ وَيَشُكَّ هَلْ غَسَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْ لَا. وَالثَّانِي: أَنَّ يَشُكَّ هَلْ أَصَابَهُ بَوْلٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَوْ تَيَقَّنَ وُصُولَهُ إلَيْهِ لَحَكَمَ بِنَجَاسَتِهِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يُصِيبَ الثَّوْبَ شَيْءٌ لَا يَدْرِي أَطَاهِرٌ هُوَ أَوْ نَجِسٌ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ وَلَا يُجْزِي نَضَحَهُ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ مُتَيَقَّنَةٌ فَلَا يَزُولُ حُكْمُهَا إلَّا بِيَقِينٍ. وَأَمَّا الثَّانِي فَحُكْمُهُ النَّضْحُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلَيْسَ فِيهِ نَضْحٌ وَلَا غَيْرُهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُنْضَحُ.
(٢) (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ هَذَا فَهَذَا حُكْمُ الثَّوْبِ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ إنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الثَّوْبِ فِي النَّضْحِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْجَسَدِ الْغَسْلُ إذَا شَكَّ فِي نَجَاسَتِهِ وَذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ غَسْلُ أُنْثَيَيْهِ مِنْ الْمَذْيِ إلَّا أَنْ يَخْشَى أَنْ يُصِيبَهُمَا شَيْءٌ وَهَذَا يَقْتَضِي إنْ خَشِيَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ غَسْلُهُمَا وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّوْبِ لِأَنَّ الثَّوْبَ يَفْسُدُ بِالْغَسْلِ وَالْجَسَدَ لَا يَفْسُدُ بِالْغَسْلِ. (ص): (مَالِكٌ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ غَدَا إلَى أَرْضِهِ بِالْجَرْفِ فَرَأَى فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا فَقَالَ لَقَدْ اُبْتُلِيتُ بِالِاحْتِلَامِ مُنْذُ وُلِّيت أَمْرَ النَّاسِ فَاغْتَسَلَ وَغَسَلَ مَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ مِنْ الِاحْتِلَامِ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ) . (ش): قَوْلُهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ غَدَا إلَى أَرْضِهِ بِالْجَرْفِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى أَرْضِهِ وَيَتَعَاهَدَ ضَيْعَتَهُ وَأُمُورَ دُنْيَاهُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبِ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُطَالِعَ الْقَاضِي ضَيْعَتَهُ فَيُقِيمَ فِي إصْلَاحِهَا الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا الَّذِي قَالَ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ لَوْ مَنَعَ ذَلِكَ لَأَدَّى إلَى خَرَابِ ضَيْعَتِهِ وَفَسَادِ حَالِهِ وَذَهَابِ قُوتِ عِيَالِهِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ فَرَأَى فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا يُرِيدُ مَنِيًّا مِنْ احْتِلَامٍ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ ثَوْبَ لُبْسِهِ كَانَ لِنَوْمِهِ وَقَوْلُهُ لَقَدْ اُبْتُلِيَتْ بِالِاحْتِلَامِ مُنْذُ وُلِّيت أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ شُغْلَهُ بِأَمْرِ النَّاسِ وَاهْتِمَامَهُ بِهِمْ صَرَفَهُ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالنِّسَاءِ وَكَثُرَ عَلَيْهِ الِاحْتِلَامُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَقْتًا لِابْتِلَائِهِ بِالِاحْتِلَامِ لِمَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي لَمْ يَذْكُرْهُ وَوَقَّتَهُ بِمَا ذَكَرَ مِنْ وِلَايَتِهِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ فَاغْتَسَلَ وَغَسَلَ مَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ مِنْ الِاحْتِلَامِ يُرِيدُ اغْتَسَلَ مِنْ حَدَثِ الْجَنَابَةِ وَغَسَلَ مَا بِجَسَدِهِ مِنْهَا وَغَسَلَ ثَوْبَهُ مِنْ مَنِيِّ الِاحْتِلَامِ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَقَضَى صَلَاتَهُ حِينَئِذٍ إذْ لَمْ يَكُنْ صَلَّاهَا عَلَى طَهَارَةٍ. (ص): (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ ثُمَّ غَدَا إلَى أَرْضِهِ بِالْجَرْفِ فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا فَقَالَ إنَّا لَمَّا أَصَبْنَا الْوَدَكَ لَانَتْ الْعُرُوقُ فَاغْتَسَلَ وَغَسَلَ الِاحْتِلَامَ مِنْ ثَوْبِهِ وَعَادَ لِصَلَاتِهِ) . (ش): قَوْلُهُ إنَّا لَمَّا أَصَبْنَا الْوَدَكَ لَانَتْ الْعُرُوقُ قِيلَ إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا وُلِّيَ كَانَ يَرِدُ عَلَيْهِ أَعْيَانُ النَّاسِ وَالْعَرَبِ مِنْ الْبِلَادِ وَكَانَ يُطْعِمُهُمْ وَيَأْكُلُ مَعَهُمْ اسْتِئْلَافًا لَهُمْ وَالْمَشْهُورُ مِنْ حَالِ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ حَالِهِ شَيْءٌ بِالْوِلَايَةِ وَلَا كَانَ يَصْطَنِعُ لِمَنْ وَرَدَ عَلَيْهِ مِنْ الطَّعَامِ إلَّا مِثْلَ مَا كَانَ يَأْكُلُهُ تَعْلِيمًا لَهُمْ وَإِنْكَارًا عَلَى النَّاسِ السَّرَفَ فِيهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ فِي جَهْدٍ مِنْ الْجَدْبِ فَامْتَنَعَ مِنْ أَكْلِ الْوَدَكِ وَالسَّمْنِ لِيَكُونَ حَالُهُ فِي الْقِلَّةِ حَالَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ ضَرَبَ بَطْنَهُ وَقَالَ لَأَصْبِرَنَّ عَلَى أَكْلِ الزَّيْتِ مَا دَامَ السَّمْنُ يُبَاعُ بِالْأَوَاقِيِ وَأَنَّهُ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يَأْكُلَ سَمْنًا حَتَّى يَنَالَهُ جَمِيعُ النَّاسِ
[ ١ / ١٠١ ]
(ص): (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ أَنَّهُ اعْتَمَرَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي رَكْبٍ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَرَّسَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَرِيبًا مِنْ بَعْضِ الْمِيَاهِ فَاحْتَلَمَ عُمَرُ وَقَدْ كَادَ أَنْ يُصْبِحَ فَلَمْ يَجِدْ مَعَ الرَّكْبِ مَاءً فَرَكِبَ حَتَّى جَاءَ الْمَاءُ فَجَعَلَ يَغْسِلُ مَا رَأَى مِنْ ذَلِكَ الِاحْتِلَامِ حَتَّى أَسْفَرَ فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَصْبَحْت وَمَعَنَا ثِيَابٌ فَدَعْ ثَوْبَك يُغْسَلُ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَاعَجَبًا لَك يَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ لَئِنْ كُنْت تَجِدُ ثِيَابًا أَفَكُلُّ النَّاسِ تَجِدُ ثِيَابًا وَاَللَّهِ لَوْ فَعَلْتهَا لَكَانَتْ سُنَّةً بَلْ أَغْسِلُ مَا رَأَيْت وَأَنْضَحُ مَا لَمْ أَرَ) .
_________________
(١) [المنتقى] ثُمَّ إنَّ النَّاسَ أَخْصَبُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَعَادَ إلَى أَكْلِ السَّمْنِ وَالْوَدَكِ فَكَثُرَ عَلَيْهِ الِاحْتِلَامُ فَقَالَ لَمَّا إنَّا أَصَبْنَا الْوَدَكَ لَانَتْ الْعُرُوقُ وَكَانَ قَبْلَ الْخِلَافَةِ إذَا أَصَابَ الْوَدَكَ وَالْخِصْبَ نَالَ مِنْ النِّسَاءِ مَا يَقْطَعُ عَنْهُ الِاحْتِلَامَ فَلَمَّا وُلِّيَ الْخِلَافَةَ وَاشْتَغَلَ عَنْ الْإِكْثَارِ مِنْ الْجِمَاعِ وَنَالَ الْوَدَكَ أَصَابَهُ الِاحْتِلَامُ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ وَعَادَ لِصَلَاتِهِ يُرِيدُ قَضَاءَ صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ كَانَ صَلَّاهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَأَمَّا مَنْ كَانَ صَلَّى بِصَلَاتِهِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ إنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ نَاسِيًا لِجَنَابَتِهِ فَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ صَحِيحَةٌ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِهَا فَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ فَاسِدَةٌ وَرَوَى ابْنُ الْحَكَمِ فِي الْمُوَلَّدَات عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ صَحِيحَةٌ فِي الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ فَاسِدَةٌ فِي الْوَجْهَيْنِ وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ فِي حَاوِيهِ أَنَّ هَذَا قِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ إنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ مُرْتَبِطَةٌ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْإِمَامُ بِجَنَابَتِهِ حَدِيثُ عَطَاءٍ الْمُتَقَدِّمُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اُمْكُثُوا فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ وَعَلَى جِلْدِهِ أَثَرُ الْمَاءِ» . وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ الْكَلَامِ إلَى الْإِشَارَةِ مَعَ أَنَّ الْكَلَامَ أَعَمُّ وَأَبْيَنُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى إلَّا لِتَصْحِيحِ صَلَاةِ مَنْ خَلْفَهُ إذْ لَا فَائِدَةَ لِذَلِكَ غَيْرُهَا وَلَا مَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ مِنْ الْحَدَثِ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ لَا يُفْسِدْ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ عَالِمًا بِجَنَابَتِهِ أَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَ الْفَاسِقِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ وَحَكَى ابْنُ الْقَصَّارِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْأَبْهَرِيِّ أَنَّهُ يُعِيدُ الْمُصَلِّي خَلْفَهُ أَبَدًا وَهَذَا إذَا تَعَمَّدَ الصَّلَاةَ بِالنَّاسِ جُنُبًا فَاسِقٌ فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ وَلِأَنَّ كُلَّ مَعْنَى لَوْ عَلِمَهُ الْمَأْمُومُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فَإِذَا عَلِمَهُ الْإِمَامُ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ كَالْكُفْرِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ ابْتِدَاءَ حَدَثِ الْإِمَامِ عَامِدًا يُبْطِلُ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ وَابْتِدَاءَهُ سَهْوًا وَغَلَبَةً لَا يُبْطِلُ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ فَكَذَلِكَ اسْتِدَامَةُ الصَّلَاةِ بِهِ عَمْدًا تُبْطِلُ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ وَاسْتِدَامَةُ ذَلِكَ سَهْوًا لَا تُبْطِلُ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ. (ش): قَوْلُهُ اعْتَمَرَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي رَكْبٍ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لَمَّا كَانَ سَبَبًا لِقَوْلِ عُمَرَ مَا احْتَاجَ إلَى إيرَادِهِ مِنْ الْعِلْمِ وَقَوْلُهُ إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَرَّسَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَرِيبًا مِنْ بَعْضِ الْمِيَاهِ يُرِيدُ أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ بِقُرْبِ بَعْضِ الْمِيَاهِ الَّتِي بِطَرِيقِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الْوُصُولِ إلَى الْمَاءِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيقِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْهُ بُعْدُ مَسَافَةٍ أَوْ خَوْفُ سَرَفِ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْمِيَاهِ الَّتِي تُجْزِئُ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَلَا تُجْزِئُ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ فَاحْتَلَمَ عُمَرُ وَقَدْ كَادَ أَنْ يُصْبِحَ فَلَمْ يَجِدْ مَعَ الرَّكْبِ مَاءً يَقْتَضِي طَلَبَهُ عِنْدَهُمْ وَكَذَلِكَ يَجِبُ لِمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ أَنْ يَطْلُبَهُ عِنْدَ رُفْقَتِهِ إذَا كَانَتْ عَدَدًا يَسِيرًا. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ فَرَكِبَ حَتَّى جَاءَ الْمَاءُ ذُكِرَ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي جَاءَ هُوَ مَاءُ الرَّوْحَاءِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَكَبَ عَنْ طَرِيقِهِ إلَيْهِ إمَّا لِقُرْبِهِ أَوْ لِمُبَالَغَتِهِ فِي طَلَبِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَلْزَمُهُ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُسَافِرِ يَكُونُ الْمَاءُ حَائِدًا عَنْ طَرِيقِهِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ قُوَّةِ الرَّجُلِ وَضَعْفِهِ وَبُعْدِ الْمَوْضِعِ وَقُرْبِهِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَشَقَّةٌ أَجْزَأَهُ التَّيَمُّمُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ إلَيْهِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ
[ ١ / ١٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [المنتقى] طَرِيقِهِ إلَى الْمَاءِ مِيلِينِ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَاءُ عَلَى طَرِيقِهِ وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ إلَّا بِأَنْ يَنْفَرِدَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْمِيلَ وَنِصْفَ الْمِيلِ وَيَخَافُ فِي ذَلِكَ لِسَلَابَةٍ أَوْ سِبَاعٍ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَسَنَذْكُرُ شَيْئًا مِنْ هَذَا فِي التَّيَمُّمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ عَلَى طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَعَجَّلَ السَّيْرَ إلَيْهِ حِينَ احْتَلَمَ بِحَاجَتِهِ إلَى الِاغْتِسَالِ وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ فَجَعَلَ يَغْسِلُ مَا رَأَى مِنْ الِاحْتِلَامِ حَتَّى أَسْفَرَ يُرِيدُ أَنَّهُ تَتَبَّعَ مَا كَانَ فِي ثَوْبِهِ مِنْ الْمَنِيِّ حَتَّى أَسْفَرَ الصُّبْحُ رَأَى أَنَّ تَطْهِيرَ ثَوْبِهِ الَّذِي هُوَ فَرْضٌ أَوْلَى مِنْ مُبَادَرَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَنِيِّ لِأَنَّ اشْتِغَالَهُ بِهِ وَتَتَبُّعَهُ لَهُ حَتَّى ذَهَبَ أَكْثَرُ الْوَقْتِ وَخِيفَ عَلَيْهِ مِنْ ضِيقِهِ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ التَّأْخِيرَ وَأَمَرَهُ بِاسْتِبْدَالِ ثَوْبٍ دَلِيلٌ عَلَى نَجَاسَةِ الثَّوْبِ عِنْدَهُمْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ نَجِسًا عِنْدَهُمْ لَمَا اشْتَغَلَ عُمَرُ بِغُسْلِهِ وَلَوْ اشْتَغَلَ بِهِ لَقِيلَ لَهُ تَشْتَغِلُ عَنْ الصَّلَاةِ بِإِزَالَةِ مَا لَمْ تَلْزَمْ إزَالَتُهُ وَبِنَجَاسَةِ الْمَنِيِّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ طَاهِرٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى نَجَاسَتِهِ فِعْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي سَفَرِهِ وَأَفْعَالُهُ كَانَتْ تُنْقَلُ وَيُتَحَدَّثُ بِهَا وَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ مُنْكَرٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ مَائِعٌ تُثِيرُهُ الشَّهْوَةُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا كَالْمَذْيِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَصْبَحْت هَذِهِ اللَّفْظَةُ تَقُولُهَا الْعَرَبُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الصَّبَاحِ بِمَعْنَى أَنَّك قَارَبْت الصَّبَاحَ وَتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى تَمَكُّنِ الصَّبَاحِ وَتَنْبِيهِهِ عَلَى قُرْبِ فَوَاتِهِ كَقَوْلِ عَمْرٍو لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَصْبَحْت وَقَدْ أَسْفَرَ تَنْبِيهًا عَلَى تَمَكُّنِ الْوَقْتِ وَخَوْفِ فَوَاتِهِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ وَمَعَنَا ثِيَابٌ يُرِيدُ أَنَّ مَعَهُمْ ثِيَابًا طَاهِرَةً يُصَلِّي بِهَا وَيَتْرُكُ ثَوْبَهُ حَتَّى يُغْسَلَ بَعْدَ صَلَاتِهِ لِئَلَّا يَفُوتَهُمْ الْوَقْتُ أَوْ يَصِيرُوا فِي ضَيِّقٍ مِنْهُ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ وَاعَجَبًا لَك يَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ لَئِنْ كُنْت تَجِدُ ثِيَابًا أَفَكُلُّ النَّاسِ تَجِدُ ثِيَابًا تَعَجَّبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حَيْثُ لَمْ يَنْظُرُ فِي حَالِ جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِي لَا يَجِدُ أَكْثَرُهُمْ إلَّا ثَوْبًا وَاحِدًا وَبَنَى قَوْلَهُ عَلَى حَالِ نَفْسِهِ وَأَهْلِ الْجِدَّةِ مِثْلِهِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ فَكَانَ يَجْرِي أَمْرُهُ مَجْرًى يَقْتَدِي بِهِ الْفَقِيرُ وَالضَّعِيفُ قَالَ فَإِذَا كُنْت تَجِدُ ثِيَابًا تَلْبَسُهَا مِنْ احْتِلَامٍ وَلَا تَشْتَغِلُ بِغَسْلِ ثَوْبِك فَمِنْ أَيْنَ يَجِدُ غَيْرُك ذَلِكَ. (فَصْلٌ): ثُمَّ قَالَ وَاَللَّهِ لَوْ فَعَلْتهَا لَكَانَتْ سُنَّةً يُرِيدُ لَوْ تَرَكْت الِاشْتِغَالَ بِغَسْلِ ثَوْبِي لَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةً يَقْتَدِي بِهَا مَنْ بَعْدِي فَيُؤَدِّيهِمْ ذَلِكَ إلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا تَرْكُ غَسْلِ الثِّيَابِ وَالصَّلَاةُ بِهَا عَلَى نَجَاسَتِهَا وَإِمَّا اتِّخَاذُ ثِيَابٍ مُعَدَّةٍ لِذَلِكَ وَيُكَلَّفُ مَا لَا يَلْزَمُ مِنْ الِاسْتِكْثَارِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ - كَانَ يُؤْثِرُ التَّقَلُّلَ.
(٢) (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ بَلْ أَغْسِلُ مَا رَأَيْت وَأَنْضَحُ مَا لَمْ أَرَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَالنَّضْحُ هُوَ الرَّشُّ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ هُوَ صَبُّ الْمَاءِ وَلَيْسَ بِالرَّشِّ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ الْغَسْلِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ - ﵁ - وَأَنْضَحُ يُسْتَعْمَلُ عِنْدِي فِي الْوَجْهَيْنِ فِي هَذَا الثَّوْبِ لَمَّا خَصَّ بِهِ مَا شَكَّ فِيهِ مِنْ النَّجَاسَةِ فِي الثِّيَابِ عَلَى مَعْنَى التَّدْفِئَةِ وَلَوْ كَانَ صَبُّ الْمَاءِ يَبْلُغُ مَبْلَغَ الْغَسْلِ لَقَالَ أَغْسِلُ مَا رَأَيْت وَمَا لَمْ أَرَ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُ عُمَرَ بَلْ أَغْسِلُ مَا رَأَيْت وَأَنْضَحُ مَا لَمْ أَرَ يَقْتَضِي وُجُوبَ النَّضْحِ لِأَنَّهُ لَا يَشْتَغِلُ عَنْ الصَّلَاةِ بِالنَّاسِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَعَ ضِيقِهِ إلَّا لِمَعْنًى وَاجِبٍ مَانِعٍ مِنْ الصَّلَاةِ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يَسْمَعْ مُنْكِرًا لِقَوْلِهِ ذَلِكَ مِمَّنْ حَضَرَهُ وَلَا مِمَّنْ بَلَغَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ - ﵁ - شَكَّ فِي نَجَاسَةِ ثَوْبِهِ لِشَيْءٍ رَآهُ فِيهِ لَا يَدْرِي أَنَجِسٌ هُوَ أَمْ طَاهِرٌ فَهَذَا قَدْ قُلْنَا إنَّهُ يَجِبُ نَضْحُهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ
[ ١ / ١٠٣ ]
(ص): (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ أَثَرَ احْتِلَامٍ وَلَا يَدْرِي مَتَى كَانَ وَلَا يَذْكُرُ شَيْئًا رَأَى فِي مَنَامِهِ قَالَ لِيَغْتَسِلْ مِنْ أَحْدَثِ نَوْمٍ نَامَهُ فَإِنْ كَانَ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ النَّوْمِ فَلْيُعِدْ مَا كَانَ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ النَّوْمِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا احْتَلَمَ وَلَا يَرَى شَيْئًا وَيَرَى وَلَا يَحْتَلِمُ فَإِذَا وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ مَاءً فَعَلَيْهِ الْغُسْلِ وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَعَادَ مَا كَانَ صَلَّى لِآخِرِ نَوْمٍ نَامَهُ وَلَمْ يُعِدْ مَا كَانَ قَبْلَهُ) .
_________________
(١) [المنتقى] يَكُونَ كَانَ يَنْضَحُهُ لِمَا يَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ الْمَنِيِّ مَعَ النَّوْمِ وَعَدَمِ التَّوَقِّي. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مَنْ صَلَّى وَلَمْ يَنْضَحْ ثَوْبَهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِغَيْرِ شَكٍّ كَالْجُنُبِ وَالْحَائِضِ فَلَا شَيْءَ وَيَنْضَحُهُ لِمَا يَسْتَقْبِلُ وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ لِشَكٍّ فِي نَجَاسَتِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ صَلَّى بِهِ جَاهِلًا أَعَادَ أَبَدًا وَإِنْ صَلَّى بِهِ نَاسِيًا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ لِأَنَّ النَّضْحَ لِمَا شَكَّ فِيهِ كَالْغَسْلِ لِمَا تَيَقَّنَ وَلَيْسَ يُشْبِهُ الْمُحْتَلِمَ هَذَا شَكَّ وَذَلِكَ لَمْ يَشُكَّ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ شَكَّ فِي نَجَاسَةِ ثَوْبِهِ فَصَلَّى قَبْلَ أَنْ يَنْضَحَهُ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ. (ش): وَهَذَا كَمَا ذَكَرَ مَالِكٌ - ﵀ - فِيمَنْ وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا رَآهُ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْغُسْلَ وَجَبَ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالنَّخَعِيُّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَيَقِّنٍ لِطَهَارَتِهِ وَهِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَإِذَا لَمْ يَتَيَقَّنْ طَهَارَتَهُ لَمْ تَتَيَقَّنْ صِحَّةُ صَلَاتِهِ وَلَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ مِنْهَا. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ فِيمَنْ وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا وَلَا يَدْرِي مَتَى كَانَ وَلَا يَذْكُرُ شَيْئًا أَنَّهُ يَغْتَسِلُ مِنْ أَحْدَثِ نَوْمٍ نَامَهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَلْبَسَ ذَلِكَ الثَّوْبَ أَبَدًا لَا يَنَامُ إلَّا فِيهِ أَوْ يَكُونُ يَنَامُ فِيهِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ دُونَ بَعْضٍ فَإِنْ كَانَ يَنَامُ فِيهِ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ دُونَ بَعْضٍ أَعَادَ مَا صَلَّى مِنْ الصَّلَوَاتِ بَعْدَ أَحْدَثِ نَوْمَةٍ نَامَهَا لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَشُكُّ أَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةُ صَلَّاهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الِاحْتِلَامُ فِي تِلْكَ النَّوْمَةِ أَوْ قَبْلَهَا وَمَا قَبْلَ تِلْكَ النَّوْمَةِ مِنْ الصَّلَوَاتِ فَهُوَ شَاكٌّ فِيهَا وَهَذَا الشَّكُّ إنَّمَا طَرَأَ عَلَى الصَّلَاةِ بَعْدَ كَمَالِهَا وَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْهَا وَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: إنَّهُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِيهَا كَمَا لَوْ سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ ثُمَّ شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ بَعْدَ طَهَارَتِهِ أَمْ لَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ شَكٌّ طَرَأَ بَعْدَ تَمَامِ الْعِبَادَةِ وَتَيَقُّنِ سَلَامَتِهَا فَهَذَا الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّكَّ يُؤَثِّرُ فِيهَا وَيُوجِبُ إعَادَتَهَا فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا مِنْ أَوَّلِ نَوْمَةٍ نَامَهَا فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ فَيَلْزَمُهُ إعَادَةُ مَا صَلَّى بَعْدَ أَحْدَثِ نَوْمَةٍ نَامَهَا فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ قَوْلًا وَاحِدًا وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَهَذَا لَمْ يَغْتَسِلْ فِي طُولِ هَذِهِ الْمُدَّةِ فَإِنْ اغْتَسَلَ فِيهَا وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً تَعَلَّقَ الشَّكُّ بِجَمِيعِ الصَّلَوَاتِ وَجَرَى الِاخْتِلَافُ فِي جَمِيعِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(٢) (مَسْأَلَةٌ): وَلَوْ كَانَ لَابِسُ هَذَا الثَّوْبِ لَا يَنَامُ إلَّا فِيهِ فَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ مِنْ أَوَّلِ نَوْمَةٍ نَامَهَا فِيهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ - ﵁ - وَرَوَاهُ أَكْثَرُ شُيُوخِنَا يَحْمِلُونَ هَذَا عَلَى أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِمَسْأَلَةِ الْمُوَطَّأِ وَأَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ مُفْتَرِقَتَانِ فَإِذَا كَانَ يَنَامُ فِي غَيْرِ هَذَا الثَّوْبِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ مِنْ أَحْدَثِ نَوْمَةٍ نَامَهَا فِيهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَنَامُ إلَّا فِيهِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ مِنْ أَوَّلِ مَا نَامَ فِيهِ وَهَذَا التَّأْوِيلُ عِنْدِي غَيْرُ بَيِّنٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لِأَنَّ الَّذِي يَنَامُ فِيهِ أَبَدًا يَتَيَقَّنُ أَنَّ أُخْرَى الصَّلَوَاتِ صَلَّاهَا عَلَى حَدَثٍ وَيَشُكُّ فِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا يَفْعَلُ الَّذِي يَنَامُ فِيهِ مَرَّةً وَفِي غَيْرِهِ أُخْرَى قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ - ﵁ - وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَنَقَلَهَا عَنْهُ النَّاقِلُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الثَّانِيَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ مِنْ جَنَابَةٍ فَإِنْ اغْتَسَلَ مِنْ جَنَابَةٍ كَانَ حُكْمُهُ مَا تَقَدَّمَ أَيْضًا. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا احْتَلَمَ وَلَا يَرَى شَيْئًا وَيَرَى وَلَا يَحْتَلِمُ يُرِيدُ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَكُونُ
[ ١ / ١٠٤ ]