. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [المنتقى] وَكَثِيرِهِ كَسَائِرِ الدِّمَاءِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّهُ مَائِعٌ خَرَجَ مِنْ الْقُبُلِ فَاسْتَوَى قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ كَالْبَوْلِ وَرَوَى أَبُو الطَّاهِرِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ مَنْ صَلَّى بِدَمِ حَيْضَةٍ أَوْ دَمِ مَيْتَةٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ رَجِيعٍ أَوْ احْتِلَامٍ فَإِنَّهُ يُعِيدُ أَبَدًا وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّ دَمَ الْمَيْتَةِ كَدَمِ الْمُذَكَّى وَدَمِ الْإِنْسَانِ وَالْبَهِيمَةِ وَالْحُوتِ لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ إلَّا مِنْ كَثِيرِهِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ إنَّ دَمَ الْحُوتِ طَاهِرٌ وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ مَائِعٌ يُجَاوِرُ الْمَيْتَةَ وَيُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَوَجَبَ أَنْ يُغْسَلَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ كَالْمَاءِ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهَا.
(٢) (مَسْأَلَةٌ): وَكَمْ مِقْدَارُ الْيَسِيرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ مِنْ الدَّمِ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ قَدْرَ الدِّرْهَمِ مِنْ الدَّمِ لَا تُعَادُ مِنْهُ الصَّلَاةُ وَلَكِنْ الْفَاشِيَ الْكَثِيرَ الْمُنْتَشِرَ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَرَآهُ كَثِيرًا وَرَأَى قَدْرَ الْخِنْصَرِ قَلِيلًا فَوَجْهُ رِوَايَةِ عَلِيٍّ أَنَّهَا نَجَاسَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ وَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْ يَسِيرِهَا فَوَجَبَ أَنْ تَتَقَدَّرَ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ كَمَوْضِعِ النَّجْوِ. (فَرْعٌ) وَمَعْنَى ذَلِكَ فِي الدَّمِ دُونَ أَثَرِهِ فَإِنَّ مَا فَوْقَ الدِّرْهَمِ مِنْهُ فِي حَيِّزِ الْيَسِيرِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَنْ لَمْ يَغْسِلْ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ مِنْ الدَّمِ حَتَّى صَلَّى لَمْ يُعِدْ وَمِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ تَجَفَّفَ مِنْ غُسْلٍ فِي ثَوْبٍ فِيهِ دَمٌ يَسِيرٌ لَا يَخْرُجُ بِالتَّجْفِيفِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ كَثِيفًا يَخَافُ أَنْ يَخْرُجَ بِبَلَلِ التَّجْفِيفِ فَلْيَغْسِلْ جِلْدَهُ. [بَابُ اخْتِلَافِ النَّجَاسَةِ بِاخْتِلَافِ مَحَلِّهَا] وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَحْكَامِ النَّجَاسَاتِ لِاخْتِلَافِ مَحَالِّهَا فَهُوَ أَنَّ النَّجَاسَاتِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ يَنْدُرُ وَيُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فِي الثَّوْبِ وَالْجَسَدِ فِي غَيْرِ مَخْرَجَيْهِمَا وَكَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ فِي الثَّوْبِ وَالْجَسَدِ وَكَالدَّمِ الْكَثِيرِ فِيهِمَا فَهَذَا تَجِبُ إزَالَةُ عَيْنِهِ وَأَثَرِهِ وَضَرْبٌ مُتَكَرِّرٌ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فِي مَخْرَجَيْهِمَا وَمَا يَتَطَايَرُ مِنْ بَعْضِ النَّجَاسَاتِ فِي الطُّرُقَاتِ عَلَى الثَّوْبِ وَالْجَسَدِ وَالْخُفِّ وَنَجَاسَةِ الدَّمِ عَلَى السَّيْفِ فَهَذَا تَجِبُ إزَالَةُ عَيْنِهِ دُونَ أَثَرِهِ فَأَمَّا وُجُوبُ إزَالَةِ عَيْنِ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ وَأَثَرِهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ. وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: فَهُوَ عَلَى أَقْسَامٍ مِنْهَا مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ وَمِنْهَا مَا اُتُّفِقَ عَلَيْهِ فَأَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فَأَثَرُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فِي مَخْرَجَيْهِمَا فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا تَجِبُ إزَالَتُهُ وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ كَثِيرَةٌ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ النَّاسَ مُحْتَاجُونَ إلَى التَّصَرُّفِ فِي السَّفَرِ فِي مَوَاضِعَ تَقِلُّ فِيهَا الْمِيَاهُ وَخُرُوجُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ أَمْرٌ مُعْتَادٌ لَا يُمْكِنُ مُدَافَعَتُهُ فَلَوْ كُلِّفَ النَّاسُ إزَالَةَ أَثَرِهِ بِالْمَاءِ لَكَانَ فِي ذَلِكَ مَنْعًا مِنْ أَكْثَرِ الْأَسْفَارِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَمُعْظَمِ الْعِبَادَاتِ. (مَسْأَلَةٌ): إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَا الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ هَذَا الْحُكْمُ رَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْمَخْرَجِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَهَذَا الَّذِي يَحْكِيهِ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ يَذْكُرُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَحُكْمُ ذَلِكَ سَوَاءٌ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الَّذِي يُرِيدُ ابْنُ الْقَاسِمِ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَازِمٍ وَإِنَّمَا يُخَالِفُ فِي الْعِبَارَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَتَطْهِيرُ الْمَحَلَّيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُزِيلَ الْعَيْنَ بِالْجِمَارِ وَالْأَثَرَ بِالْمَاءِ وَهَذَا أَفْضَلُهَا. وَالثَّانِي: أَنْ يُزِيلَ الْعَيْنَ وَالْأَثَرَ بِالْمَاءِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يُزِيلَ الْعَيْنَ بِالْجِمَارِ وَيَبْقَى الْأَثَرُ وَهُوَ أَضْعَفُهَا لِأَنَّهُ مُزِيلٌ لِلْعَيْنِ خَاصَّةً دُونَ الْأَثَرِ. (فَرْعٌ) وَهَذَا فِيمَا يَخْرُجُ مِنْ النَّجَاسَاتِ وَالسَّبِيلَيْنِ وَالِاسْتِنْجَاءُ مَشْرُوعٌ فِيهِ وَأَمَّا مَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا مِنْ طَاهِرٍ كَالرِّيحِ فَلَا اسْتِنْجَاءَ فِيهِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يُسْتَنْجَى مِنْهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّجْوِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ نَجْوٌ لَمْ يُشْرَعْ الِاسْتِنْجَاءُ. (مَسْأَلَةٌ): وَأَمَّا خُرُوجُ الْحَصَى وَالدُّودِ دُونَ شَيْءٍ مِنْ الْآدَمِيِّ فَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ الِاسْتِنْجَاءُ إنْ أَمْكَنَ الرَّدُّ مَعَ بُعْدِهِ لِأَنَّهُ خَارِجٌ طَاهِرٌ فَلَمْ يَجِبْ مِنْهُ الِاسْتِنْجَاءُ كَالرِّيحِ.
(٣) (فَصْلٌ): وَأَمَّا مَا يَتَطَايَرُ مِنْ نَجَاسَاتِ الطُّرُقَاتِ عَلَى الثَّوْبِ وَالْجَسَدِ وَالْخُفِّ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا:
[ ١ / ٤٤ ]
(ص): (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْثِرُ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ إنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ) .
_________________
(١) [المنتقى] مَا تَخْفَى عَيْنُهُ وَيُتَيَقَّنُ وُجُودُهُ لِكَثْرَتِهِ فِي الطُّرُقَاتِ وَتَكَرُّرِهِ بِهَا فَهَذَا لَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ خُفٍّ وَلَا ثَوْبٍ وَلَا جَسَدٍ لِأَنَّهُ مِمَّا يَتَكَرَّرُ وَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَكَانَ مَعْفُوًّا عَنْهُ وَثَانِيهِمَا مَا ظَهَرَتْ عَيْنُهُ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ مُحَرَّمٍ وَمَكْرُوهٍ وَالْمُحَرَّمُ كَبَوْلِ بَنِي آدَمَ وَعَذِرَتِهِمْ وَالدِّمَاءِ وَبَوْلِ مَا حَرُمَ لَحْمُهُ وَمَا يَأْكُلُ النَّجَاسَاتِ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ فَهَذَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ الثَّوْبِ وَالْخُفِّ وَالْجَسَدِ لِأَنَّهُ مِمَّا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَلَا يَتَكَرَّرُ وَلَا تَخْفَى عَيْنُهُ وَلَا يَكْثُرُ كَثْرَةً تَمْنَعُ الِاحْتِرَازَ مِنْهُ. (مَسْأَلَةٌ): وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ فَكَرَوْثِ الدَّوَابِّ وَبَوْلِهَا وَمَا يُكْرَهُ أَكْلُ لَحْمِهِ فَلَا خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِغَسْلِ الثَّوْبِ وَالْجَسَدِ مِنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي غَسْلِهِ مَشَقَّةٌ دَاعِيَةٌ لَأَنْ يَتْرُكَ الْمُتَوَقِّي مِنْهُ عِبَادَاتٍ يُضْطَرُّ إلَى ذَلِكَ فِيهَا كَالْمُجَاهِدِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ يُمْسِكُ فَرَسَهُ وَلَا يَكَادُ يَنْجُو مِنْ بَوْلِهِ فَهَذَا لَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُهُ وَأَمَّا فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَتَوَقَّى جُهْدَهُ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ فَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّوَقِّي إلَى مَنْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ مِنْ مَعِيشَتِهِ فِي السَّفَرِ بِالدَّوَابِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ): وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي غَسْلِ الْخُفِّ مِنْهُ فَقَالَ مَرَّةً يَغْسِلُ وَقَالَ مَرَّةً يُجْزِي الْمَسْحُ فَوَجْهُ الْغَسْلِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِغَسْلِ الثَّوْبِ مِنْهُ فَكَانَ مَأْمُورًا بِغَسْلِ الْخُفِّ مِنْهُ كَبَوْلِ مَا حَرُمَ لَحْمُهُ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَصْلِهِ فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ لُحُومَ الْحُمُرِ مُحَرَّمَةٌ فَإِنَّ هَذَا مُتَكَرِّرٌ فِي الطُّرُقَاتِ لَا يُمْكِنُ حِفْظُ الْخُفِّ مِنْهُ وَيُمْكِنُ حِفْظُ الثِّيَابِ وَيُخَالِفُ هَذَا الْعَذِرَةُ وَبَوْلُ النَّاسِ لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يُوجَدُ فِي وَسَطِ الطُّرُقِ وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا الْمُسْتَرَاحُ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ لُحُومَ الْحُمُرِ مَكْرُوهَةٌ فَلِأَنَّ أَرْوَاثَهَا لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ إنَّمَا هِيَ مَكْرُوهَةٌ وَلَا يُمْكِنُ حِفْظُ الْخِفَافِ مِنْهَا مَعَ أَنَّ الْخُفَّ يَفْسُدُ بِالْغَسْلِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ فِي الْخُفِّ فَهَلْ يُجْزِئُ ذَلِكَ فِي النَّعْلِ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا الْغَسْلُ وَرَوَى عِيسَى أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ فَرَّقَ بَيْنَ الْخُفِّ وَالنَّعْلِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَا ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَسْحَ يُجْزِئُ فِيهِمَا فَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمَشَقَّةَ لَا تَلْحَقُ بِنَزْعِهِمَا فِي الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْخُفِّ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْغَسْلَ يُفْسِدُ النَّعْلَيْنِ كَالْخُفِّ. (مَسْأَلَةٌ): أَمَّا الرِّجْلُ فَلَمْ أَرَ فِيهَا نَصًّا وَعِنْدَنَا أَنَّ الْمَسْحَ يُجْزِئُ فِيهَا بَعْدَ إزَالَةِ الْعَيْنِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمُبِيحَةَ لِمَسْحِ الْخُفِّ تَكَرُّرٌ لِهَذِهِ الْعَيْنِ وَعَدَمُ خُلُوِّ الطُّرُقَاتِ مِنْهَا وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْقَدَمِ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِغَسْلِ الْقَدَمِ لِأَنَّ الْغَسْلَ لَا يُفْسِدُهَا وَبِمَسْحِ الْخُفِّ لِأَنَّ الْغَسْلَ يُفْسِدُهُ. (مَسْأَلَةٌ): وَأَمَّا الدَّمُ عَلَى السَّيْفِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يَمْسَحُ وَيُصَلِّي بِهِ وَقَدْ عَلَّلَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ ذَلِكَ بِصِقَالَتِهِ وَأَنَّ النَّجَاسَةَ تَزُولُ عَيْنُهَا وَأَثَرُهَا بِمَسْحِهِ لِأَنَّهَا لَا تَبْقَى فِيهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ فِي ذَلِكَ إنَّ الَّذِي يَبْقَى مِنْهُ فِيهِ يَسِيرٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ كَأَثَرِ الْمَحَاجِمِ وَهَذَا آكِدٌ لِأَنَّ السَّيْفَ يَفْسُدُ بِالْغَسْلِ وَالْحَاجَةُ إلَى مُبَاشَرَةِ الدِّمَاءِ مُتَكَرِّرَةٌ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (ش): قَوْلُهُ إنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِمَا مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ يُرِيدُ أَنَّ الْفَاعِلَ لِذَلِكَ لَا يُخَالِفُ السُّنَّةَ الْمُبَاحَةَ وَلَا يَخْرُجُ وَإِنْ تَرَكَ الْأَفْضَلَ وَقَوْلُهُ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْثِرُ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَفْعَلَ الْمَضْمَضَةَ كُلَّهَا وَالِاسْتِنْثَارَ كُلَّهُ مِنْ غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَجْمَعَ كُلَّ مَضْمَضَةٍ وَاسْتِنْثَارَةٍ فِي غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَأْتِي بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْثَارِ فِي ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ مَالِكٍ إنَّ تَفْرِيقَ ذَلِكَ أَوْلَى عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَفْضَلَ عِنْدَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَضْمَضَةٍ وَاسْتِنْثَارَةٍ فِي غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ يَأْتِيَ بِهِمَا فِي ثَانِيَةٍ ثُمَّ فِي ثَالِثَةٍ فَيَفْعَلَ ذَلِكَ فِي ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَأْتِيَ بِالْمَضْمَضَةِ عَلَى النَّسَقِ فِي ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ ثُمَّ يَأْتِيَ بِالِاسْتِنْشَاقِ عَلَى نَسَقٍ فِي ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ فَيَأْتِيَ
[ ١ / ٤٥ ]
(ص): (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ مَاتَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَسْبِغْ الْوُضُوءَ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ») .
(ص): (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَحْلَاءَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَتَوَضَّأُ بِالْمَاءِ وُضُوءًا لِمَا تَحْتَ إزَارِهِ) .
(ص): (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ يَتَوَضَّأُ فَنَسِيَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ أَوْ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ وَجْهَهُ فَقَالَ أَمَّا الَّذِي غَسَلَ وَجْهَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ فَلْيُمَضْمِضْ وَلَا يُعِدْ غَسْلَ وَجْهِهِ وَأَمَّا الَّذِي غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ قَبْلَ وَجْهِهِ فَلْيَغْسِلْ وَجْهَهُ ثُمَّ لِيُعِدْ غَسْلَ ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يَكُونَ غَسْلُهُمَا بَعْدَ وَجْهِهِ إذَا كَانَ فِي مَكَانِهِ أَوْ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ) .
_________________
(١) [المنتقى] بِهِمَا فِي سِتِّ غَرَفَاتٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فِي غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ أَفْضَلُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ رِوَايَةُ وُهَيْبٍ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ وَفِيهِ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَيْنِ عُضْوَانِ مُنْفَصِلَانِ فَوَجَبَ أَنْ يُفْصَلَ بَيْنَهُمَا فِي الطَّهَارَةِ كَالْيَدَيْنِ. (ش): قَوْلُ «عَائِشَةَ - ﵂ - أَسْبِغْ الْوُضُوءَ» عَلَى وَجْهِ التَّنْبِيهِ لَهُ عَلَى إكْمَالِ وَاسْتِيعَابِ أَعْضَائِهِ وَقَوْلُهُ - ﷺ - «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَائِشَةَ تَلَقَّنَتْ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ - عَلَى الْوَعِيدِ لِمَنْ لَمْ يَبْلُغْ بِالْوُضُوءِ أَعْقَابَهُ وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ - ﷺ - وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ وَأَنْ يُرِيدَ بِهِ الْأَعْقَابَ الَّتِي لَا يَنَالُهَا الْوُضُوءُ وَيَبْعُدُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْجِنْسَ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ وَعِيدًا لِمَنْ أَخَلَّ بِبَعْضِ الْوُضُوءِ. (ش): مَعْنَى قَوْلِهِ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَتَوَضَّأُ بِالْمَاءِ يُرِيدُ أَنَّهُ سَمِعَ وَقْعَ الْمَاءِ وَحَرَكَةَ يَدَيْهِ وَقَوْلَهُ وُضُوءًا لِمَا تَحْتَ إزَارِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ وَقَدْ كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَغَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَيَقُولُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ إنَّمَا ذَلِكَ وُضُوءُ النِّسَاءِ فَبَيَّنَ مَالِكٌ - ﵀ - وَجْهَ إبَاحَتِهِ بِالْعَمَلِ الْجَارِي بِهِ مَعَ مَا يُعَضِّدُهُ مِنْ النَّظَرِ فِي مُبَالَغَةِ التَّطْهِيرِ بِهِ وَقَوْلُهُ لِمَا تَحْتَ إزَارِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ اللَّامَ بِمَعْنَى فِي وَكَنَّى عَنْ مَوْضِعِ الْحَدَثِ بِمَا تَحْتَ الْإِزَارِ لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَوْ أُطْلِقَ لَكَانَ الْأَظْهَرُ حَمْلَهُ عَلَى الْوُضُوءِ الرَّافِعِ لِلْحَدَثِ فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الِاسْتِنْجَاءُ. يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ النَّاسِيَ لِأَنَّهُ لَا عَتْبَ عَلَيْهِ فِي فِعْلِهِ وَلَا إنْكَارَ بِتَرْكِ التَّرْتِيبِ الْمُسْتَحَبِّ فِي الطَّهَارَةِ وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ فَهُوَ أَبْيَنُ لِأَنَّ حُكْمَ النَّاسِي عِنْدَهُ غَيْرُ حُكْمِ الْعَامِدِ وَالْجَاهِلِ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ التَّرْتِيبَ مَشْرُوعٌ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي وُجُوبِهِ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَبَيْنَ غَسْلِ الْوَجْهِ فِي التَّرْتِيبِ لِأَنَّ الْمَضْمَضَةَ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ وَغَسْلُ الْوَجْهِ مِنْ فَرَائِضِهِ وَحُكْمُ التَّرْتِيبِ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْفَرَائِضِ وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَمَّا ابْنُ حَبِيبٍ فَقَالَ مَنْ نَكَّسَ طَهَارَتَهُ عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا ابْتَدَأَ الْوُضُوءَ وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ نَاسِيًا نَظَرْت فَإِنْ خَالَفَ بَيْنَ مَفْرُوضٍ وَمَسْنُونٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ مَفْرُوضَيْنِ أَخَّرَ مَا قَدَّمَ وَأَتَى بِمَا بَعْدَهُ مِنْ مَفْرُوضٍ وَمَسْنُونٍ حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَرَوَى ابْنُ مَسْلَمَةَ فِي الْمَبْسُوطِ فِيمَنْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ قَبْلَ مَسْحِ رَأْسِهِ يَمْسَحُ رَأْسَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ لِأَنَّ الْمَسْحَ خَفِيفٌ. (فَصْلٌ): وَأَمَّا الَّذِي غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ قَبْلَ وَجْهِهِ فَلْيَغْسِلْ وَجْهَهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْ ذِرَاعَيْهِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ بَدَأَ بِغَسْلِ يَدَيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدُ أَنَّهُ يَغْسِلُ وَجْهَهُ فَهَذَا إنْ كَانَ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ غَسَلَ وَجْهَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَسَلَهُ بَعْدَ غَسْلِ يَدَيْهِ ثُمَّ أَتَى بِبَاقِي وُضُوئِهِ لِيَحْصُلَ لَهُ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ وَأَمَّا إنْ كَانَ ذَكَرَ بَعْدَ أَنْ غَسَلَ وَجْهَهُ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ غَسْلِ وَجْهِهِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ غَسْلَ يَدَيْهِ لِيَكُونَ غَسْلُهُمَا بَعْدَ وَجْهِهِ
[ ١ / ٤٦ ]
(ص): (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ نَسِيَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ أَوْ يَسْتَنْثِرَ حَتَّى صَلَّى قَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ وَلْيَتَمَضْمَضْ وَلْيَسْتَنْثِرْ لِمَا يُسْتَقْبَلُ إنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ) .
وُضُوءُ النَّائِمِ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ (ص): (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ
_________________
(١) [المنتقى] فَيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ يُتِمَّ وُضُوءَهُ عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا حُكْمُ مَنْ أَتَى بِالْوُضُوءِ كُلِّهِ غَيْرَ غَسْلِ وَجْهِهِ ثُمَّ ذَكَرَهُ فَإِنَّهُ يَغْسِلُهُ ثُمَّ يُعِيدُ غَسْلَ يَدَيْهِ ثُمَّ يُتِمُّ وُضُوءَهُ فَيَحْصُلُ لَهُ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ إنْ كَانَ فِي مَكَانِهِ أَوْ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّهُ إذَا بَدَأَ بِغَسْلِ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ فَإِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ لِيَحْصُلَ لَهُ التَّرْتِيبُ الْمُسْتَحَبُّ إذَا أَدْرَكَ الْمُوَالَاةَ الْمُسْتَحَقَّةَ وَإِنْ ذَكَرَ غَسْلَ وَجْهِهِ بَعْدَ أَنْ طَالَ وَزَالَ عَنْ مَكَانِهِ غَسَلَ وَجْهَهُ خَاصَّةً وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ إعَادَةُ غَسْلِ يَدَيْهِ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ الْمُسْتَحَقَّةَ قَدْ فَاتَتْهُ فَسَقَطَ حُكْمُ التَّرْتِيبِ الْمُلَازِمِ لَهَا وَفِي الْمَبْسُوطِ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ الْمُوَطَّأِ هَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسْخَةِ الثَّانِيَةِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ إذَا كَانَ فِي مَكَانِهِ أَوْ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ وَيَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْمُوَالَاةِ لِأَنَّ جَبْرَ التَّرْتِيبِ يَحْصُلُ لَهُ بِغَسْلِ يَدَيْهِ وَسَائِرِ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ بَعْدَ وَجْهِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَقَضَ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ عَلَى سَائِرِ الْأَعْضَاءِ فَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ وَلَمَّا كَانَ لِهَذَا الْغَسْلِ الْآخَرِ حَظٌّ مِنْ الْوُضُوءِ بِتَرْتِيبِهِ شُرِعَتْ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ مَا لَمْ يَجِفَّ الْوُضُوءُ وَلَمْ تَفُتْ الْمُوَالَاةُ فَإِذَا جَفَّ الْوُضُوءُ فَاتَتْ الْمُوَالَاةُ فَلَمْ يُشْرَعْ الْإِتْيَانُ بِبَاقِي الطَّهَارَةِ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي ذَلِكَ إلَّا الْمُوَالَاةُ وَقَدْ فَاتَ حُكْمُهَا وَإِنَّمَا تَجِبُ مَعَ الذِّكْرِ دُونَ النِّسْيَانِ وَفِي الْمَبْسُوطِ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ يُعِيدُ غَسْلَ ذِرَاعَيْهِ بَعْدَ وَجْهِهِ إنْ كَانَ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ وَإِنْ تَطَاوَلَ اسْتَأْنَفَ وُضُوءَهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ فَرَّقَ وُضُوءَهُ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ طَوِيلَ النِّسْيَانِ يُبْطِلُ الْمُوَالَاةَ وَعَلَى أَنَّ الْمُوَالَاةَ مُسْتَحَقَّةٌ وَالتَّرْتِيبَ مُسْتَحَقٌّ عَلَى وَجْهٍ مَا وَفَرَّقَ ابْنُ حَبِيبٍ بَيْنَ مَسْأَلَةِ التَّنْكِيسِ وَمَسْأَلَةِ النِّسْيَان لِبَعْضِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَجَعَلَهُ يَسْتَأْنِفُ الْوُضُوءَ فِي مَسْأَلَةِ النِّسْيَانِ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الطَّهَارَةِ. (فَرْعٌ) وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ التَّرْتِيبَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الطَّهَارَةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ التَّرْتِيبَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الطَّهَارَةِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] فَعَطَفَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ وَالْوَاوُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ تَقْتَضِي الْجَمْعَ دُونَ التَّرْتِيبِ فَإِنْ قَالُوا فَإِنَّهُ قَالَ فَاغْسِلُوا فَتَلَقَّى الْأَمْرَ بِالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ فَاغْسِلُوا وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَإِذَا وَجَبَ التَّرْتِيبُ فِي الْوَجْهِ وَالْبُدَاءَةِ وَجَبَ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا فَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ وَإِنَّمَا هِيَ لِجَوَابِ الشَّرْطِ وَإِنَّمَا تَكُونُ لِلتَّرْتِيبِ فِي الْعَطْفِ خَاصَّةً وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ لَمَا لَزِمَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَطَفَ الْأَعْضَاءَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ الَّتِي تَقْتَضِي الْجَمْعَ فَكَأَنَّهُ قَالَ إذَا قُمْتُمْ لِلصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا هَذِهِ الْأَعْضَاءَ وَهَذَا يَمْنَعُ التَّرْتِيبَ. (ش): وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ لَيْسَا مِنْ فَرْضِ الْوُضُوءِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَنْ نَسِيَهَا أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ إذَا أَتَى بِالْوَاجِبِ مِنْ الطَّهَارَةِ وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْثَارِ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ لِيُكْمِلَ نَفْلَ طَهَارَتِهِ وَفَرْضَهَا فَإِنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُصَلِّيَ فَلَا يُمَضْمِضُ وَلَا يَسْتَنْثِرُ لِأَنَّ وَقْتَ ذَلِكَ قَدْ ذَهَبَ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةُ عِبَادَةٌ لَا تُرَادُ لِنَفْسِهَا وَإِنَّمَا تُرَادُ لِغَيْرِهَا.
[ ١ / ٤٧ ]