(ص): (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لِيَنْثِرْهُ وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ») .
_________________
(١) [المنتقى] وَلَوْ قُلْت رَأَيْت زَيْدًا وَمَرَرْت بِعَمْرٍو وَخَالِدًا وَأَنْتَ تُرِيدُ الْعَطْفَ عَلَى مَوْضِعِ عَمْرٍو لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ حِينَئِذٍ عَلَى أَيِّهِمَا تُرِيدُ عَطْفَهُ وَوَجْهٌ آخَرُ فِي الْعَطْفِ وَهُوَ أَنَّ الْغَسْلَ قَدْ يُسَمَّى مَسْحًا لِأَنَّ الْمَسْحَ خَفِيفُ الْغَسْلِ حَكَى ذَلِكَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ قَالَ وَلِذَلِكَ يُقَالُ تَمَسَّحْت لِلصَّلَاةِ بِمَعْنَى تَوَضَّأْت فَيَجُوزُ لِذَلِكَ أَنْ يُعْطَفَ عَلَى الرَّأْسِ فَيَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْغَسْلَ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ وَالْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ مَتَى اشْتَرَكَا فِي لَفْظِ مَا يُعْطَفُ بِهِ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ جَازَ الْعَطْفُ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْمَعْنَى يَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي لَفْظِ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مِنْ الْبَارِي تَعَالَى بِمَعْنَى الرَّحْمَةِ وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ وَأَبُو كَامِلٍ جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ قَالَ أَبُو كَامِلٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ «تَخَلَّفَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا وَنَادَى وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ عُضْوٌ مَنْصُوصٌ عَلَى حِدَةٍ فَكَانَ فَرْضُهُ فِي الْوُضُوءِ الْغَسْلَ كَالْيَدَيْنِ وَدَلِيلٌ ثَانٍ أَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ تَرْفَعُ الْحَدَثَ فَكَانَ فَرْضُ الرِّجْلَيْنِ فِيهَا الْغَسْلَ كَالطَّهَارَةِ الْكُبْرَى أَمَّا هُمْ فَاحْتَجَّ مَنْ نَصَّ قَوْلَهُمْ بِمَا رَوَاهُ يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ عَنْ أَوْسِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَتَى كِظَامَةَ قَوْمٍ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى قَدَمَيْهِ» وَالْجَوَابُ أَنَّ حَدِيثَ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ هَذَا لَيْسَ مِمَّا يَجْرِي مَجْرَى الصَّحِيحِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عِلَّةٌ إلَّا اجْتِمَاعَ الرُّوَاةِ عَلَى مُخَالَفَتِهِ فِيهِ لَقَالُوا وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَجَازَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِأَنَّ مَنْ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مَسَحَ عَلَى قَدَمَيْهِ وَكَذَلِكَ لَوْ ضَرَبَ خُفًّا فِيهِ رِجْلُهُ لَجَازَ أَنْ يُقَالَ ضَرَبَ رِجْلَهُ وَيُقَالُ أَخَذْت بِعَضُدِ زَيْدٍ وَإِنَّمَا أَخَذْت بِثَوْبِهِ مِنْ فَوْقِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الْغَسْلَ وَسَمَّاهُ مَسْحًا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فَنَحْمِلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَنَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْمُتَقَدِّمِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ مَسَحَ رِجْلَيْهِ لَجَازَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَهُ لِعِلَّةٍ مَانِعَةٍ مِنْ الْغَسْلِ. (مَسْأَلَةٌ): إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْكَعْبَيْنِ اللَّذَيْنِ إلَيْهِمَا حَدُّ الْغَسْلِ فِي الْوُضُوءِ فَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُمَا الْعَظْمَانِ اللَّذَانِ فِي ظُهُورِ الْقَدَمَيْنِ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا أَنَّهُمَا النَّاتِئَانِ فِي جَانِبَيْ السَّاقَيْنِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الْمَشْهُورَةُ عَنْ مَالِكٍ وَهِيَ الْأَظْهَرُ. (ش): وَقَوْلُهُ «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ يُرِيدُ الْمَاءَ» وَكَذَلِكَ هُوَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِنْشَاقَ هُوَ وَضْعُ الْمَاءِ فِي الْأَنْفِ وَجَذْبُهُ بِالنَّفَسِ وَالْمُبَالَغَةُ فِي ذَلِكَ مُسْتَحَبَّةٌ لِغَيْرِ الصَّائِمِ وَأَمَّا الصَّائِمُ فَمَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِصَوْمِهِ. (فَصْلٌ): قَوْلُهُ «ثُمَّ لِيَنْثِرْهُ» مَعْنَاهُ يُنْزِلْ الْمَاءَ مِنْ أَنْفِهِ يَدْفَعُهُ بِنَفَسِهِ وَمِنْ سُنَّتِهِ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ عَلَى أَنْفِهِ وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي الَّذِي يَسْتَنْثِرُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى أَنْفِهِ أَنَّهُ أَنْكَرَهُ وَقَالَ هَكَذَا يَفْعَلُ الْحِمَارُ. [بَابُ حُكْمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ] ١ (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ «وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» اخْتَلَفَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِي الِاسْتِجْمَارِ فَرَوَى سَحْنُونٌ فِي التَّفْسِيرِ قَالَ قَالَ لَنَا عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ قُلْت لِمَالِكٍ كَيْفَ الْوِتْرُ فِي الِاسْتِجْمَارِ فَقَالَ أَمَّا أَنَا فَآخُذُ الْعُودَ فَأَكْسِرُهُ ثَلَاثَ كِسَرٍ وَأَسْتَجْمِرُ بِكُلِّ كِسْرَةٍ مِنْهُنَّ فَإِنْ كَانَ الْعُودُ مَدْقُوقًا أَخَذْت مِنْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ عَلِيٌّ فَكَلَّمَهُ فِي ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَأَنَا شَاهِدٌ فَقَالَ إنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحِجَارَةِ مِنْ
[ ١ / ٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [المنتقى] الْغَائِطِ اسْتِجْمَارًا فَرَجَعَ إلَى ذَلِكَ مَالِكٌ قَالَ عَلِيٌّ وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ أَحَبُّ إلَيَّ قَالَ سَحْنُونٌ الْقَوْلُ مَا رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ الْأَوَّلِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّ الِاسْتِجْمَارَ هُوَ الِاسْتِنْجَاءُ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَعْنَاهُ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْجَارِ وَهِيَ الْجِمَارُ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ اسْتَجْمَرَ الرَّجُلُ إذَا تَمَسَّحَ بِالْجِمَارِ وَالْجِمَارُ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ وَبِهِ سُمِّيَتْ جِمَارُ مَكَّةَ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ أُخِذَ مِنْ الِاسْتِجْمَارِ بِالْبَخُورِ الَّذِي تَطِيبُ بِهِ الرَّائِحَةُ وَهَذَا يُزِيلُ الرَّائِحَةَ الْقَبِيحَةَ وَهَذَا الْفَصْلُ يَتَعَلَّقُ بِهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: أَحَدُهَا: وُجُوبُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ. وَالثَّانِي: تَمْيِيزُ النَّجَاسَاتِ مِنْ غَيْرِهَا. وَالثَّالِثُ: فِي اخْتِلَافِ أَحْكَامِهَا لِاخْتِلَافِ مَحَالِّهَا. (بَابُ حُكْمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ) فَأَمَّا إزَالَةُ النَّجَاسَةِ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا الْعِرَاقِيِّينَ اخْتَلَفُوا فِيمَا حَكَوْا عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْمَعُونَةِ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ. إحْدَاهُمَا: أَنَّ إزَالَتَهَا وَاجِبَةٌ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ فَمَنْ صَلَّى بِهَا عَامِدًا ذَاكِرًا أَعَادَ أَبَدًا وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو طَاهِرٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وُجُوبَ السُّنَنِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ صَلَّى بِهَا عَامِدًا أَثِمَ وَلَمْ يُعِدْ إلَّا فِي الْوَقْتِ اسْتِحْبَابًا وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا مَنْ صَلَّى بِهَا نَاسِيًا أَوْ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى إزَالَتِهَا أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ إلَى أَنَّنَا إنْ قُلْنَا إنَّهَا وَاجِبَةٌ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ أَعَادَ الصَّلَاةَ أَبَدًا مَنْ صَلَّى بِهَا نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا وَإِذَا قُلْنَا إنَّهَا وَاجِبَةٌ وُجُوبَ السُّنَنِ أَعَادَ الصَّلَاةَ أَبَدًا مَنْ صَلَّى بِهَا عَامِدًا، وَمَنْ صَلَّى بِهَا نَاسِيًا أَوْ مُضْطَرًّا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ اسْتِحْبَابًا. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ مِثْلَ هَذَا فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَقَالَ فِي تَلْقِينِ الْمُبْتَدِئِ إنَّهَا وَاجِبَةٌ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْإِزَالَةِ هَلْ هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ أَمْ لَا وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي إنْ شَاءَ اللَّهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَيْسَتْ هَاهُنَا طَهَارَةٌ وَاجِبَةٌ لِلثِّيَابِ غَيْرَ طَهَارَتِهَا مِنْ النَّجَاسَةِ. فَإِنْ قِيلَ إنَّ الثِّيَابَ هَاهُنَا الْقَلْبُ وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ تَطْهِيرُهُ مِنْ الشِّرْكِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ، وَالْوُضُوءُ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ إنَّمَا شُرِعَ لِلصَّلَاةِ فَالْجَوَابُ أَنَّ اسْمَ الثِّيَابِ أَظْهَرُ فِي ثِيَابِ اللِّبَاسِ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا هُوَ أَظْهَرُ فِيهِ أَوْ يُحْمَلَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا لِاحْتِمَالِهِ لَهُمَا إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى إخْرَاجِ بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ مِنْ الْجُمْلَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْقَلْبُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - ﷺ - خُصَّ بِذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَفُرِضَ عَلَيْهِ دُونَ أُمَّتِهِ ثُمَّ وَرَدَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ لِأُمَّتِهِ. وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ اتَّبَعَ فِي الصَّلَاةِ شَرْعَ مَنْ قَبْلَهُ مِنْ النَّبِيِّينَ فَوَجَبَ ذَلِكَ بِاتِّبَاعِهِمْ وَتَأَخَّرَ الْأَمْرُ بِهِ بِنَصِّ شَرْعِنَا عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أُمِرَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ بِتَطْهِيرِ الثِّيَابِ لِلصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ وَرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ نَصُّ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَازِمٍ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْته قَالَ لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» . (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَوَجْهُ قَوْلِنَا إنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الَّذِي يُنَاظِرُ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّ كُلَّ مَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ مَعَ يَسِيرِهِ فَإِنَّهَا تَصِحُّ مَعَ كَثِيرِهِ كَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ فَإِنْ قِيلَ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ الْكَثِيرِ بِالْيَسِيرِ لِأَنَّ دَمَ
[ ١ / ٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [المنتقى] الْبَرَاغِيثِ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَلِذَلِكَ صَحَّتْ الصَّلَاةُ بِهِ وَأَمَّا مَا كَثُرَ مِنْ النَّجَاسَةِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَلَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ بِهِ كَالْحَدَثِ فَالْجَوَابُ أَنَّ مَا قُلْتُمُوهُ مِنْ أَنَّ يَسِيرَ الدَّمِ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَلِذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ بِهِ كَالْمُحْدِثِ غَيْرُ صَحِيحٍ عَلَى أَصْلِكُمْ لِأَنَّهُ يَنْتَقِضُ بِمَنْ لَهُ جُرْحٌ يَنْفَجِرُ دَمًا فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ عَلَيْهِ عِنْدَكُمْ إعَادَةَ الصَّلَاةِ بِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الطَّهَارَةِ وَطَهَارَةِ الْحَدَثِ عَلَى أُصُولِنَا أَنَّ هَذِهِ لَا تَجِبُ بِالشَّكِّ وَطَهَارَةَ الْحَدَثِ تَجِبُ بِالشَّكِّ فَلِذَلِكَ قُلْنَا إنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ دُونَ هَذِهِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَبِهَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ تَجِبُ لِلصَّلَاةِ فَكَانَتْ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَهَلْ تَكُونُ شَرْطًا مَعَ النِّسْيَانِ وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ إلَى أَنَّهَا شَرْطٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالنِّسْيَانِ وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي نَعَامَةَ السَّعْدِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ ذَلِكَ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَلَاتَهُ قَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إلْقَاءِ نِعَالِكُمْ قَالُوا رَأَيْنَاك أَلْقَيْت نَعْلَيْك فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا وَقَالَ إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلِهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ النِّسْيَانَ يُسْقِطُ التَّكْلِيفَ كَعَدَمِ الْمَاءِ ثُمَّ ثَبَتَ وَتَقَدَّرَ أَنَّهُ لَوْ عَدِمَ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ لِعَدَمِ الْمَاءِ لَصَحَّتْ صَلَاتُهُ فَكَذَلِكَ إذَا نَسِيَ وَوَجْهُ مَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ أَنَّهَا طَهَارَةٌ تَجِبُ لِلصَّلَاةِ فَكَانَ عَدَمُهَا وَنِسْيَانُهَا سَوَاءً فِي إبْطَالِ الصَّلَاةِ كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ رَأَى نَجَاسَةً مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي ثَوْبِهِ أَوْ فِي جَسَدِهِ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ كَانَ وَرَاءَ الْإِمَامِ وَيَبْتَدِئُهَا بَعْدَ إزَالَةِ ذَلِكَ وَحَكَى أَبُو الْفَرَجِ فِي حَاوِيهِ إنْ اسْتَطَاعَ إزَالَتَهَا تَمَادَى فِي صَلَاتِهِ.
(٢) (فَرْعٌ) وَمَنْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ ثَوْبٌ نَجِسٌ فَسَقَطَ عَنْهُ مَكَانَهُ قَالَ سَحْنُونٌ أَرَى أَنْ يَبْتَدِئَ صَلَاةً وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي الْفَرَجِ فَإِنَّهُ يَتَمَادَى فِي صَلَاتِهِ وَمَنْ رَآهَا بَعْدَ أَنْ كَمُلَتْ صَلَاتُهُ فَإِنَّهُ يُعِيدُهَا مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْوَقْتِ وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فِي تَحْدِيدِ آخِرِ الْوَقْتِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ وَقْتَ صَلَاتَيْ النَّهَارِ فِي ذَلِكَ إلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ وَرَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَنَّ وَقْتَهَا إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَهَذَا فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَاضِحٌ لِأَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ أَنْ يَكُونَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ وَقْتَ اخْتِيَارِ الصَّلَاةِ تُشَارِكُهَا فِي الْوَقْتِ كَانَ وَقْتًا لِاسْتِدْرَاكِ فَضِيلَتِهَا فَعَلَى هَذَا لِلظُّهْرِ ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ وَقْتُ اخْتِيَارٍ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ وَوَقْتُ اسْتِدْرَاكِ فَضِيلَتِهِ وَهُوَ إلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ أَوْ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ وَوَقْتُ ضَرُورَةٍ وَهُوَ إلَى أَنْ يَبْقَى قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَدْرُ مَا تَخْتَصُّ بِهِ الْعَصْرُ أَوْ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي هَذَا الْحُكْمِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى فَإِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَعَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِلَى أَنْ يَمْضِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ وَيَمْضِيَ نِصْفُهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ وَوَقْتُ اسْتِدْرَاكِ فَضِيلَةِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَوَقْتُ مَغِيبِ الشَّفَقِ إلَى انْقِضَاءِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لِلْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَأَمَّا صَلَاةُ الصُّبْحِ فَوَقْتُهَا عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنْ قُلْنَا لَيْسَ لَهَا وَقْتُ ضَرُورَةٍ فَإِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَإِنْ قُلْنَا لَهَا وَقْتُ ضَرُورَةٍ فَإِلَى آخِرِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَهُوَ الْإِسْفَارُ وَلَيْسَ لَهَا
[ ١ / ٤٢ ]