. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [المنتقى] أَنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ فَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ - ﷺ - «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا الْغُسْلَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ لِمَا يَكُونُ بِالْإِنْسَانِ مِنْ الْعَرَقِ وَالصُّنَانِ الَّذِي يَلْزَمُ إزَالَتُهُ لِلصَّلَاةِ الَّتِي شُرِعَ لَهَا النَّظَافَةُ وَالتَّجَمُّلُ فَإِنَّهُ قَدْ اعْتَبَرَ فِيهَا مِنْ الْعَدَدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُعْتَبَرُ فِي الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ كَالْوُضُوءِ وَغُسْلِ الْجَنَابَةِ فَثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الْعِبَادَةِ فَافْتَقَرَتْ إلَى النِّيَّةِ وَلِأَنَّهَا أَيْضًا تَتَعَدَّى مَحَلَّ مُوجِبِهَا لِأَنَّهَا تَلْزَمُ مَنْ لَا عَرَقَ لَهُ وَلَا صُنَانَ وَتَتَعَلَّقُ مِنْ الْأَعْضَاءِ بِمَا يُعْدَمُ فِيهِ ذَلِكَ كَمَا تَتَعَلَّقُ بِمَا يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ وَأَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهَا طَهَارَةٌ لِإِزَالَةٍ مَعْنًى فَاعْتُبِرَتْ إزَالَتُهُ دُونَ النِّيَّةِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ.
(٢) (مَسْأَلَةٌ): وَأَمَّا غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ فَإِنَّ افْتِقَارَهُ إلَى النِّيَّةِ يَتَخَرَّجُ عَلَى وَجْهَيْنِ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ كَابْنِ الْقَاسِم اعْتَبَرَ فِيهِ النِّيَّةَ وَمَنْ رَأَى غَسْلَهُمَا عَلَى سَبِيلِ النَّظَافَةِ كَأَشْهَبَ وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى فَلَا يَعْتَبِرُ فِي ذَلِكَ نِيَّةً وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ مَا يَقْتَضِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. (مَسْأَلَةٌ): وَأَمَّا غَسْلُ الذَّكَرِ مِنْ الْمَذْيِ فَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ كَغَسْلِ النَّجَاسَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ - ﵁ - وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ تَتَعَدَّى مَحَلَّ وُجُوبِهَا وَأَمَّا مَنْ خَلَعَ خُفَّيْهِ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا فَأَرَادَ أَنْ يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ أَوْ يَمْسَحَ عَلَى خُفَّيْنِ أَسْفَلَيْنِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ - ﵁ - وَقَدْ انْفَصَلَتْ مِنْ جُمْلَتِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ النِّيَّةِ لَهَا وَكَذَلِكَ مَنْ نَسِيَ غَسْلَ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى ثُمَّ ذَكَرَهُ بَعْدَ أَنْ جَفَّ وُضُوءُهُ وَطَالَ أَمْرُهُ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ فِي غَسْلِهِ مِنْ النِّيَّةِ. (مَسْأَلَةٌ): وَأَمَّا مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ بِيَدِهِ فِي أَثْنَاءِ غُسْلِهِ قَبْلَ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ عِنْدَ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [بَابٌ فِي إيضَاحِ مَا يُجْزِئُ مِنْ النِّيَّةِ] ١ ِ وَأَمَّا الْبَابُ الثَّانِي فِيمَا يُجْزِئُ مِنْ النِّيَّةِ فِي الطَّهَارَةِ فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ بِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِمَا يَتَنَاوَلُ مِنْ الْأَحْدَاثِ وَالْأَسْبَابِ. وَالثَّانِي: بِمَا يَتَنَاوَلُ مِنْ الْعِبَادَاتِ. فَإِذَا تَسَاوَتْ الطَّهَارَتَانِ فِي أَنْفُسِهِمَا وَفِيمَا تَتَنَاوَلُهُ مِنْ الْأَحْدَاثِ وَالْأَسْبَابِ وَفِيمَا تَمْنَعُهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ نِيَّةَ إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ تَنُوبُ عَنْ الْأُخْرَى وَإِنْ تَسَاوَتَا فِي الْغُسْلِ وَاخْتَلَفَتَا فِي أَنَّ إحْدَاهُمَا عَنْ حَدَثٍ وَالْأُخْرَى سَبَبُ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَالْغُسْلِ لِلرَّوَاحِ لِلْجُمُعَةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ وَلَمْ يَنْوِ الْجَنَابَةَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُجْزِيهِ نِيَّةُ الْغُسْلِ لِلرَّوَاحِ عَنْ نِيَّةِ الْجَنَابَةِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ كِنَانَةَ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ نَافِعٍ تُجْزِيهِ وَرَوَوْهُ عَنْ مَالِكٍ فَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ فَلَا تُجْزِيهِ نِيَّةٌ عَنْ نِيَّةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَهُوَ وَاجِبٌ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ مَشْرُوعٌ مَأْمُورٌ بِهِ فَوَجَبَ أَنْ تُجْزِئَ نِيَّتُهُ عَنْ نِيَّةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ كَمَنْ تَوَضَّأَ لِنَافِلَةٍ فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِهَا فَرِيضَةً. (فَرْعٌ) وَإِنْ نَوَى الْجَنَابَةَ فَهَلْ يُجْزِيهِ عَنْ نِيَّةِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَأَشْهَبُ يُجْزِيهِ وَجْهُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الْحَدَثِ وَلَا يَنْتَقِضُ بِالْحَدَثِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ أَشْهَبَ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ فَإِنْ نَوَى الطَّهَارَتَيْنِ مَعًا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ تُجْزِيهِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ لَا تُجْزِيهِ إلَّا أَنْ يَغْتَسِلَ لِلْجَنَابَةِ وَيُجْزِيهِ ذَلِكَ عَنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ.
(٣) (مَسْأَلَةٌ): وَأَمَّا مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ عَلَى وُضُوءٍ يَتَوَضَّأُ مُجَدِّدًا لِلطَّهَارَةِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ فَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ
[ ١ / ٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [المنتقى] عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِيهِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ لِأَنَّهُ قَصَدَ النَّافِلَةَ وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْفَرْضِ فِي تَكْرَارِ الْوُضُوءِ يَجِبُ أَنْ يُفْعَلَ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ لِتَنُوبَ الْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ عَمَّا نَقَصَ مِنْ الْأُولَى فَإِنْ أَتَى بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ بِنِيَّةِ الْفَصْلِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي تَجْدِيدِ الطَّهَارَةِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ - ﵁ -: إنَّهُ لَا يَكُونُ التَّكْرَارُ بِنِيَّةِ النَّفْلِ وَإِنَّمَا يُؤْتَى بِهِ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ بِمَنْزِلَةِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِأَنَّ النَّفَلَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْفَرْضِ فَتَتِمَّ بِهِ فَضِيلَتُهُ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ صَلَّى صَلَاةَ فَرْضٍ فَذًّا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُعِيدَهَا فِي جَمَاعَةٍ لِلْفَضِيلَةِ فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُهَا إلَّا بِنِيَّةِ الْفَرْضِ وَلَوْ صَلَّاهَا بِنِيَّةِ النَّفْلِ لَمَا كَمَلَتْ بِهَا فَضِيلَةُ الْأُولَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (مَسْأَلَةٌ): وَمَنْ لَمْ يَذْكُرْ جَنَابَةً فَاغْتَسَلَ عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَتْ بِهِ جَنَابَةٌ فَهَذَا الْغُسْلُ يَرْفَعُ حُكْمَهَا ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ جَنَابَةً فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُجْزِيهِ. وَقَالَ عِيسَى يُجْزِيهِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ ابْنَ كِنَانَةَ قَالَ مَنْ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ نَاسِيًا لِلْجَنَابَةِ أَجْزَاهُ قَالَ عِيسَى فَكَيْفَ بِهَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ - ﵁ - وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ نِيَّةَ الطَّهَارَةِ الْوَاجِبَةِ لَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةِ الْوُجُوبِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ وَتَقْسِيمٍ وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَغْتَسِلُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَخْلُو أَنْ يَشُكَّ هَلْ أَجْنَبَ بَعْدَ غُسْلِهِ أَوْ أُرِيَ شَيْئًا فَشَكَّ أَهُوَ جَنَابَةٌ أَوْ غَيْرُهَا أَوْ لَمْ يَشُكَّ بَلْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ عَلَى طَهَارَةٍ فَإِنْ شَكَّ فِي الْجَنَابَةِ بَعْدَ الْغُسْلِ فَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَهَذَا الشَّكُّ عِنْدَهُ يَقُومُ مَقَامَ تَيَقُّنِ الْجَنَابَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُجْزِيهِ وَلَا أَنْ يُشَبِّهَهُ بِغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّ الطَّهَارَةَ مَعَ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الشَّكِّ مُسْتَحَبَّةٌ وَأَمَّا مَنْ رَأَى بَلَلًا فَشَكَّ فِيهِ فَإِنَّهُ يَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّ الْغُسْلَ يَلْزَمُهُ وَعَلَى رِوَايَةِ ابْنِ زِيَادٍ أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَلْزَمُهُ وَأَمَّا مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ فَاغْتَسَلَ مَعَ ذَلِكَ اسْتِظْهَارًا مُجَدِّدًا لِغُسْلِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَوَضَّأَ مُجَدِّدًا لِوُضُوئِهِ.
(٢) (مَسْأَلَةٌ): فَإِذَا تَسَاوَتْ الطَّهَارَتَانِ عَنْ حَدَثٍ وَاخْتَلَفَتْ مَوَانِعُهُمَا كَالْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ فَإِنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ الْوَطْءَ وَلَا تَمْنَعُهُ الْجَنَابَةُ فَإِنْ اغْتَسَلَتْ الْحَائِضُ تَنْوِي الْجَنَابَةَ دُونَ الْحَيْضِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ لَا يُجْزِئُ وَفِي كِتَابِ الْحَاوِي لِلْقَاضِي أَبِي الْفَرَجِ يُجْزِي. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ مِمَّا لَا تَمْنَعُ مِنْهُ الْجَنَابَةُ وَإِذَا رَفَعَ مُوجِبَ الْجَنَابَةِ لَمْ يَرْتَفِعْ جَمِيعُ مُوجِبِ الْحَيْضِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِيَهُ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّ هَذَيْنِ حَدَثَانِ مُوجِبُهُمَا وَاحِدٌ فَوَجَبَ أَنْ تَنُوبَ نِيَّةُ أَحَدِهِمَا عَنْ نِيَّةِ الْآخَرِ كَالْوُضُوءِ مِنْ النَّوْمِ وَالْبَوْلِ وَاخْتِلَافُ مَوَانِعِهِمَا لَا يُوجِبُ التَّنَافِيَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْحَائِضَ لَوْ نَوَتْ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ خَاصَّةً لَأَجْزَأَهَا ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ مَوَانِعِ الْحَيْضِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي مَسْأَلَتِنَا وَلِهَذَا اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الْجُنُبِ يَتَيَمَّمُ نَاسِيًا لِجَنَابَتِهِ يَنْوِي مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ فَمَنَعَ مِنْهُ مَالِكٌ وَجَوَّزَهُ ابْنُ مَسْلَمَةَ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ. (مَسْأَلَةٌ): فَإِنْ نَوَتْ بِغُسْلِهَا الْحَيْضَ دُونَ الْجَنَابَةِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يُجْزِيهَا عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَهَذَا مُطَّرِدٌ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ لَا يَرَى لِلْحَائِضِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ وَعَلَى رِوَايَةِ مَنْ لَا يَرَى لَهَا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ جُمْلَةً وَأَمَّا مَنْ حَمَلَ قَوْلَ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ عَلَى تَجْوِيزِ الْقِرَاءَةِ لَهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ فَإِنَّهُ يَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ نِيَّةَ الْحَيْضِ لَا تُجْزِي عَنْ نِيَّةِ الْجَنَابَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(٣) (مَسْأَلَةٌ): وَأَمَّا مَا تَخْتَلِفُ مُوجِبَاتُهُ وَمَوَانِعُهُ كَالْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ فَإِنَّ نِيَّةَ الْأَعَمِّ مِنْهُ تَنُوبُ عَنْ نِيَّةِ مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْهُ فَتَنُوبُ نِيَّةُ الْجَنَابَةِ عَنْ نِيَّةِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَلَا تُجْزِئُ نِيَّةُ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ عَنْ نِيَّةِ الْأَكْبَرِ فِي الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ وَأَمَّا فِي التَّيَمُّمِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِاخْتِلَافِ مَوَانِعِهِمَا وَاتِّفَاقِ مُوجِبِهِمَا.
[ ١ / ٥١ ]