بَابُ مَا جَاءَ فِي الْإِنْصَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ (ص): (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «إذَا قُلْت لِصَاحِبِك أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ لَغَوْت»)
(ص): (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ الْقُرَظِيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُصَلُّونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَخْرُجَ عُمَرُ فَإِذَا خَرَجَ عُمَرُ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ قَالَ ثَعْلَبَةُ جَلَسْنَا نَتَحَدَّثُ فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُونَ وَقَامَ عُمَرُ يَخْطُبُ أَنْصَتْنَا فَلَمْ يَتَكَلَّمْ مِنَّا أَحَدٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَخُرُوجُ الْإِمَامِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَكَلَامُهُ يَقْطَعُ الْكَلَامَ) .
_________________
(١) [المنتقى] أَحَبُّ إلَيَّ وَمَا هُوَ بِالْبَيِّنِ وَفِيهِ سَعَةٌ وَمَنْ كَانَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ مِيلًا فَاغْتَسَلَ لَمْ يُجْزِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ مَا جَاءَ فِي الْإِنْصَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ] (ش): مَعْنَى هَذَا الْمَنْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْمَنْعُ مِنْ الْكَلَامِ إذَا خَطَبَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَكَّدَ ذَلِكَ - ﷺ - بِأَنَّ مَنْ أَمَرَ حِينَئِذٍ غَيْرَهُ بِالصَّمْتِ فَهُوَ لَاغٍ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى مِنْ الْكَلَامِ بِمَا نُهِيَ عَنْهُ كَمَا أَنَّ مَنْ نَهَى فِي الصَّلَاةِ مُصَلِّيًا عَنْ الْكَلَامِ فَقَدْ أَفْسَدَ عَلَى نَفْسِهِ صَلَاتَهُ وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى أَنَّ الْآمِرَ بِالصَّمْتِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ لَاغٍ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ كُلَّ مُكَلِّمٍ غَيْرَهُ لَاغٍ وَاللَّغْوُ رَدِيءُ الْكَلَامِ وَمَا لَا خَيْرَ فِيهِ مِنْهُ قَالَ الدَّاوُدِيُّ تَرْكُ اللَّغْوِ وَرَفَثُ التَّكَلُّمِ وَالْإِنْصَاتُ لِلْخُطْبَةِ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ شَهِدَهَا سَمِعَهَا أَوْ لَمْ يَسْمَعْهَا قَالَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ لَا يَجُوزُ الْإِنْصَاتُ إلَّا إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ خَاصَّةً وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَجِبُ الْإِنْصَاتُ عَلَى مَنْ سَمِعَ الْخُطْبَةَ دُونَ مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمُ وَهُوَ عَامٌّ فَإِنْ قِيلَ فَإِنَّ مَعْنَى قَدْ لَغَوْت أَنَّك أَمَرْت بِالْإِنْصَاتِ مَنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَنَا فِي الْأَمْرِ بِالْإِنْصَاتِ لَاغِيًا لِأَجْلِ أَمْرِهِ لِأَنَّ الْإِنْصَاتَ مَأْمُورٌ بِهِ فِي الْجُمُعَةِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَاغِيًا لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي وَقْتٍ هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ الْكَلَامِ فِيهِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - ﷺ - «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ ثُمَّ ادَّهَنَ أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ ثُمَّ إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ أَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى» . (مَسْأَلَةٌ): إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ مَنْ حَضَرَ الْجُمُعَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ فِيهِ عِبَادَةٌ كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَضَرْبٌ لَا عِبَادَةَ فِيهِ فَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ مَمْنُوعٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَأَمَّا مَا فِيهِ عِبَادَةٌ فَإِنَّ كَثِيرَهُ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ مَشْرُوعَةٌ لِمَعْنَى التَّذْكِيرِ وَالْوَعْظِ وَأَمْرُ الْإِمَامِ وَنَهْيُهُ وَتَعْلِيمُهُ فَهُوَ ذِكْرٌ مَخْصُوصٌ يُفَوِّتُ مَا قُصِدَ بِهَا وَمَا يَأْتِي بِهِ مِنْ الذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لَا يُفَوِّتُهُ وَأَمَّا يَسِيرُ الذِّكْرِ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ يَخْتَصُّ بِهِ كَحَمْدِ اللَّهِ عِنْدَ الْعُطَاسِ وَالتَّعَوُّذِ مِنْ النَّارِ عِنْدَ ذِكْرِهَا فَهَذَا خَفِيفٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَشْغَلُ عَنْ الْإِصْغَاءِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ الْإِنْصَاتِ إلَى الْخُطْبَةِ. وَقَالَ أَشْهَبُ الْإِنْصَاتُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ وَإِنْ فَعَلُوا فَسِرًّا فِي أَنْفُسِهِمْ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: لَا يَخْتَصُّ بِهِ مِثْلُ أَنْ يَعْطِسَ غَيْرُهُ فَيُشَمِّتَهُ فَهَذَا مَمْنُوعٌ مِنْهُ. وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ إذَا قَرَأَ الْإِمَامُ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فَلْيُصَلِّ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إذَا دَعَا الْإِمَامُ فِي خُطْبَتِهِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ أَمَّنَ النَّاسُ وَجَهَرُوا جَهْرًا لَيْسَ بِالْعَالِي قَالَ وَذَلِكَ فِيمَا يَنُوبُ النَّاسَ مِنْ قَحْطٍ أَوْ غَيْرِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ بِدُعَائِهِ مُسْتَدْعٍ تَأْمِينَهُمْ وَآذِنٌ فِيهِ وَكَذَلِكَ إذَا قَرَأَ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الْآيَةَ مُسْتَدْعٍ مِنْهُمْ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ - ﷺ - تَسْلِيمًا فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي إبَاحَتِهِ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي صِفَةِ النُّطْقِ بِهِ مِنْ سِرٍّ وَجَهْرٍ. (مَسْأَلَةٌ): وَالْإِنْصَاتُ الْمَذْكُورُ لَازِمٌ مِنْ وَقْتِ يَشْرَعُ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ إلَى أَنْ تَكْمُلَ الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ. ش: قَوْلُهُ كَانُوا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُصَلُّونَ يَوْمَ
[ ١ / ١٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [المنتقى] الْجُمُعَةِ يَعْنِي الْمُهَجِّرِينَ إلَى الْجُمُعَةِ يُصَلُّونَ فَإِذَا خَرَجَ عُمَرُ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقْتَضِي اسْتِقْرَاءَهُ لِلْعَمَلِ وَتَتَبُّعَهُ الْأَخْبَارَ عِنْدَ اتِّصَالِ خُرُوجِهِ عَلَى النَّاسِ بِارْتِقَائِهِ الْمِنْبَرَ وَلَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِرُكُوعٍ وَلَا غَيْرِهِ وَهَذِهِ السُّنَّةُ أَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ إلَى الْمَسْجِدِ فَيَرْقَى الْمِنْبَرَ بِإِثْرِ دُخُولِهِ وَلَا يَرْكَعُ لِأَنَّ دُخُولَهُ الْمَسْجِدَ يَمْنَعُ صَلَاةَ النَّافِلَةِ وَيَقْتَضِي الْأَخْذَ فِي الْغَرَضِ مِنْ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ بَعْدَهَا وَإِنَّمَا يَرْكَعُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ مَنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ وَأَمَّا مَتَى شَرَعَ فِي الْغَرَضِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ رُكُوعٌ. (فَصْلٌ): قَوْلُهُ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ حُكْمُ الْإِمَامِ إذَا صَعِدَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَنْ يَجْلِسَ وَلَا يُسَلِّمَ وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ شِهَابٍ مَنْ فِعْلِ عُمَرَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ كَانَ مِمَّنْ إذَا دَخَلَ رَقِيَ الْمِنْبَرَ وَوَقَفَ إلَى جَنْبِهِ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّاسِ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مَعَ النَّاسِ رَكَعَ أَوْ لَمْ يَرْكَعْ فَإِنَّهُ لَا يُسَلِّمُ إذَا جَلَسَ لِلْخُطْبَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُسَلِّمُ إذَا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَلَمْ يَفْصِلْ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْمُتَّصِلُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ فِيمَا طَرِيقُهُ الْخَبَرُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَوْضِعُ شُغُلٍ بِافْتِتَاحِ عِبَادَةٍ فَلَمْ يُشْرَعْ فِيهِ السَّلَامُ عَلَى النَّاسِ كَافْتِتَاحِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فَإِنَّهُ يَجْهَرُ بِالسَّلَامِ فَيُسْمِعُ مَنْ يَلِيهِ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَنْ سَمِعَهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مِنْ حُكْمِ الْمُسَلِّمِ أَنْ يُسْمِعَ الْمُسَلَّمَ عَلَيْهِمْ أَوْ بَعْضَهُمْ وَيَلْزَمُ الرَّدُّ عَلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ): وَلَا خِلَافَ فِي الْجُلُوسِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَمَّا فِي سَائِرِ الْخُطَبِ فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يَجْلِسُ لِأَنَّ ارْتِقَاءَ الْمِنْبَرِ لِلْخُطْبَةِ يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ فَكَانَ مِنْ سُنَّتِهِ الْجُلُوسُ كَالِارْتِقَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَجْلِسُ لِأَنَّ الْجُلُوسَ إنَّمَا شُرِعَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ انْتِظَارًا لِفَرَاغِ الْمُؤَذِّنِينَ مِنْ الْأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَا أَذَانَ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ فَلَا مَعْنَى لِلْجُلُوسِ فِي أَوَّلِهَا. (فَصْلٌ): وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَجَلَسْنَا نَتَحَدَّثُ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَإِبَاحَةَ الْكَلَامِ لِأَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى صَلَاةٍ حَتَّى إذَا خَرَجَ عُمَرُ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ وَهَذَا أَبْيَنُ فِي تَرْكِهِمْ مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَانْتِقَالِهِمْ إلَى حَالٍ أُخْرَى غَيْرِهَا وَهُوَ الْحَدِيثُ وَأَمَّا الْإِنْصَاتُ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجِبُ الْإِنْصَاتُ إذَا قَعَدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَقَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ فِي الْخُطْبَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْصَاتَ إنَّمَا هُوَ لِلْإِصْغَاءِ إلَى الْخُطْبَةِ وَقَبْلَ أَنْ يَبْتَدِئَ الْإِمَامُ بِالْخُطْبَةِ لَمْ يُوجَدْ مَا يُصْغَى لَهُ وَلَمْ يَلْزَمْ بَعْدَ حُكْمِ الْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ فَلَا مَعْنَى لَهُ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْإِنْصَاتِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِنْصَاتِ قَدْ لَزِمَ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَذَانَ كَانَ عِنْدَ جُلُوسِ عُمَرَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهِيَ السُّنَّةُ فَإِذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُونَ وَقَامَ عُمَرُ يَخْطُبُ أَنْصَتْنَا يَقْتَضِي أَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْخُطْبَةِ الْقِيَامَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ» كَمَا تَفْعَلُونَ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ أَنْصَتْنَا فَلَمْ يَتَكَلَّمْ مِنَّا أَحَدٌ بَيَّنَ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى الْإِنْصَاتِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَهُمْ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ خُرُوجَ الْإِمَامِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَكَلَامَهُ يَقْطَعُ الْكَلَامَ تَفْسِيرٌ لِحَدِيثِ ثَعْلَبَةَ وَتَقْرِيرٌ لِمَعْنَاهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُتَنَفِّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَا يَخْلُو أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَ دُخُولِ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَ دُخُولِ الْإِمَامِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يَتَمَادَى عَلَى صَلَاتِهِ وَإِنْ خَرَجَ الْإِمَامُ لِأَنَّهُ قَدْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ فِي وَقْتٍ يَجُوزُ لَهُ الشُّرُوعُ فِيهَا وَلَزِمَهُ إتْمَامُهَا وَإِنْ دَخَلَ الْإِمَامُ الْمَسْجِدَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَقْعُدُ وَلَا يُحْرِمُ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ الصَّلَاةُ جَائِزَةٌ إلَى أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَإِنَّمَا كُرِهَ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بَعْدَ دُخُولِ الْإِمَامِ وَقَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ لِقُرْبِ ذَلِكَ مِنْ جُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ الصَّلَاةَ قَبْلَ
[ ١ / ١٨٩ ]
> (ص): (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ مَالِكٍ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ قَلَّ مَا يَدَعُ ذَلِكَ إذَا خَطَبَ إذَا قَامَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا فَإِنَّ لِلْمُنْصِتِ الَّذِي لَا يَسْمَعُ مِنْ الْحَظِّ مِثْلَ مَا لِلْمُنْصِتِ السَّامِعِ فَإِذَا قَامَتْ الصَّلَاةُ فَاعْدِلُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بِالْمَنَاكِبِ فَإِنَّ اعْتِدَالَ الصُّفُوفِ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ ثُمَّ لَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَهُ رِجَالٌ قَدْ وَكَّلَهُمْ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ فَيُخْبِرُونَهُ أَنْ قَدْ اسْتَوَتْ فَيُكَبِّرُ) .
(ص): (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَشَمَّتَهُ إنْسَانٌ عَنْ جَنْبِهِ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ
_________________
(١) [المنتقى] أَنْ يَجْلِسَ. (مَسْأَلَةٌ): فَإِنْ دَخَلَ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْمُؤَذِّنُونَ يُؤَذِّنُونَ فَلَا يُصَلِّي وَإِنْ أَحْرَمَ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ وَلْيُتِمَّهَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ تَلَبَّسَ بِالصَّلَاةِ وَلَزِمَهُ حُكْمُهَا فَكَانَ عَلَيْهِ إتْمَامُهَا. (مَسْأَلَةٌ): وَأَمَّا مَنْ جَاءَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ وَلَا يَرْكَعُ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَجَمَاعَةِ أَصْحَابِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَرْكَعُ مَنْ دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَدَلِيلُنَا عَلَى ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ وَالْمُصَلِّي لَا يُمْكِنُهُ الْإِنْصَاتُ لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْقِرَاءَةِ. . (ش): هَذَا الْخَبَرُ وَخَبَرُ ثَعْلَبَةَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ حُجَّتَانِ فِيمَا تَضَمَّنَهُ كُلُّ خَبَرٍ مِنْهُمَا لِحُضُورِ الصَّحَابَةِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ لَهُمَا وَعَدَمِ الْمُخَالِفِ وَتَرْكُ الِاعْتِرَاضِ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا، وَمُثَابَرَةُ عُثْمَانَ - ﵁ - فِي خُطْبَتِهِ عَلَى الْأَمْرِ بِالْإِنْصَاتِ عِنْدَ الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَأَكُّدِ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَعِنْدَ مَنْ سَمِعَهُ مِمَّنْ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ. (فَصْلٌ): قَوْلُهُ فَإِنَّ لِلْمُنْصِتِ الَّذِي لَا يَسْمَعُ مِنْ الْحَظِّ مِثْلَ مَا لِلْمُنْصِتِ السَّامِعِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِوَاءِ الْحَالَتَيْنِ فِي الْوُجُوبِ وَأَمَّا فِي الْأَجْرِ فَقَدْ قَالَ الدَّاوُدِيُّ إنَّمَا ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يُفَرِّطْ فِي التَّهْجِيرِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ لِأَنَّ الْمُفَرِّطَ فِي التَّهْجِيرِ وَغَيْرَ الْمُفَرِّطِ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْإِنْصَاتُ وَيُؤْجَرَانِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ حَالُهُمَا وَيَتَبَايَنُ أَجْرُهُمَا فِي التَّهْجِيرِ وَتِلْكَ قُرْبَةٌ أُخْرَى غَيْرُ الْإِنْصَاتِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ فَإِذَا قَامَتْ الصَّلَاةُ فَاعْدِلُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بِالْمَنَاكِبِ أَمْرٌ بِتَعْدِيلِ الصُّفُوفِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ وَإِقَامَتِهَا وَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مَنْ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَوْضِعٌ تَصِحُّ صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِيهِ فَصَحَّتْ صَلَاةُ الرَّجُلِ فِيهِ كَالصَّفِّ. (فَصْلٌ): قَوْلُهُ وَكَانَ عُثْمَانُ - ﵁ - قَدْ وَكَّلَ أُنَاسًا بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ لَمَّا عَلِمَ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِذَلِكَ وَعَلِمَ اعْتِقَادَ النَّاسِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ وَفَضَائِلِهَا دُونَ فَرَائِضِهَا فَرُبَّمَا تَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِ صِحَّةَ صَلَاتِهِ وَكَانَ عُثْمَانُ - ﵁ - يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِالْأَفْضَلِ الْأَكْمَلِ. (ص): (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَأَى رَجُلَيْنِ يَتَحَدَّثَانِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَحَصَبَهُمَا أَنْ اُصْمُتَا) . ش: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى الْمُتَحَدِّثِينَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِمَا فَحَصَبَهُمَا وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى تَحْصِيبِ مَنْ تَكَلَّمَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُشِيرَ إلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ إنَّمَا حَصَبَهُمَا لِبُعْدِهِمَا وَخُلُوِّ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا وَأَمِنَ أَنْ يُؤْذِيَ بِذَلِكَ أَحَدًا فَحَصَبَهُمَا يَعْنِي أَنَّهُ رَمَى الْحَصْبَ بِقُرْبِهِمَا لِيَنْظُرَا إلَيْهِ فَيُشِيرَ إلَيْهِمَا بِالصَّمْتِ فَإِنْ كَانَ ابْنُ دِينَارٍ خَافَ مِنْ أَنْ يُؤْذِيَ أَحَدًا بِذَلِكَ فَإِنَّمَا أَنْكَرَ إطْلَاقَ اللَّفْظِ مَنْ أَذَى الْمَحْصُوبَ أَوْ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَاصِبِ وَإِنْ كَانَ أَنْكَرَ كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَالِاشْتِغَالَ عَنْ الْخُطْبَةِ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَفِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّ مُقْتَضَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنْ لَا يُشِيرَ إلَيْهِمَا وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ إلَيْهِمَا أَنْ يَصْمُتَا بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ لَهُمَا اُصْمُتَا فِي تَرْكِ الْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ وَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ - ﷺ - مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَاغِيًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ١ / ١٩٠ ]