أُمِّ الْقُرْآنِ فَقَدْ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ) .
مَا جَاءَ فِي دُلُوكِ الشَّمْسِ وَغَسَقِ اللَّيْلِ (ص): (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ دُلُوكُ الشَّمْسِ مَيْلُهَا) .
جَامِعُ الْوُقُوتِ (ص): (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ») .
_________________
(١) [المنتقى] (ش): مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الِاعْتِدَادَ بِالسَّجْدَةِ وَلَيْسَتْ فَضِيلَةُ مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ دُونَ قِرَاءَةٍ كَفَضِيلَةِ مَنْ أَدْرَكَ الْقِرَاءَةَ مِنْ أَوَّلِهَا وَأَشَارَ مِنْ ذَلِكَ إلَى فَضِيلَةِ حُضُورِ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ لِأَنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ فَضِيلَةِ قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ وَالدَّاوُدِيُّ إنَّ تِلْكَ الْفَضِيلَةَ قَوْلُ الْمَأْمُومِ آمِينَ عِنْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ وَلَا الضَّالِّينَ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ لِلْإِمَامِ لَا تَسْبِقْنِي بِ آمِينَ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ لِإِدْرَاكِ هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ الْقِرَاءَةِ مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهِ إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ هَاهُنَا يَقْتَضِي أَنَّ الْفَضِيلَةَ الَّتِي أَدْرَكَ إنَّمَا هِيَ بِجَمِيعِ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ لِأَنَّ حُضُورَ قِرَاءَةِ جَمِيعِهَا فَضِيلَةٌ يَدْخُلُ فِيهَا فَضِيلَةُ إدْرَاكِ آمِينَ وَغَيْرِهَا وَفِي هَذَا الْأَثَرِ مَعْنًى آخَرُ وَهُوَ أَنَّ مَنْ جَاءَ فَوَجَدَ الْإِمَامَ رَاكِعًا كَبَّرَ وَرَكَعَ وَلَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَيَتْبَعُ الْإِمَامَ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الرُّكُوعِ وَلِذَلِكَ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ قَدْ فَاتَهُ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ وَلَوْ كَانَ مِنْ حُكْمِهِ أَنْ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ قَبْلَ اتِّبَاعِ الْإِمَامِ لَمَا وُصِفَ بِفَوَاتِ ذَلِكَ كَمَا لَا يُوصَفُ بِفَوَاتِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. [مَا جَاءَ فِي دُلُوكِ الشَّمْسِ وَغَسَقِ اللَّيْلِ] (ش): قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ مَعَ مَا يَنْضَافُ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْعِلْمِ بِالشَّرِيعَةِ وَصُحْبَةِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَالدِّينِ وَالْوَرَعِ وَإِذَا كَانَ يُحْتَجُّ بِقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ وَالنَّابِغَةِ فِي اللُّغَةِ فَبِأَنْ يُحْتَجَّ بِقَوْلِهِ أَوْلَى وَالْمَيْلُ بِتَسْكِينِ الْيَاءِ فِيمَا لَيْسَ بِخِلْقَةٍ ثَابِتَةٍ يُقَالُ مَالَتْ الشَّمْسُ مَيْلًا. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] وَأَمَّا الْخَلْقُ وَالْأَجْسَامُ فَبِفَتْحِ الْيَاءِ يُقَالُ فِي أَنْفِهِ مَيَلٌ وَفِي الْحَائِطِ مَيَلٌ. (ص): (مَالِكٌ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ أَخْبَرَنِي مُخْبِرٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ دُلُوكُ الشَّمْسِ إذَا فَاءَ الْفَيْءُ وَغَسَقُ اللَّيْلِ اجْتِمَاعُ اللَّيْلِ وَظُلْمَتُهُ) . (ش): دُلُوكُ الشَّمْسِ وَاقِعٌ عَلَى كُلِّ مَيْلٍ لَهَا فَابْتِدَاءُ دُلُوكِهَا إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ وَإِذَا فَاءَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا وَهُوَ دُلُوكٌ أَيْضًا وَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ وَقْتُ إقَامَةِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ وَبِذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ إلَى عُمَّالِهِ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ وَهُوَ وَقْتُ الْعَصْرِ إلَى آخِرِ وَقْتِهَا دُلُوكٌ أَيْضًا وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ دُلُوكٌ أَيْضًا وَهُوَ حَدٌّ لِدُخُولِ وَقْتِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَلِذَلِكَ رَوَى مُجَاهِدٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ دُلُوكُ الشَّمْسِ غُرُوبُهَا فَاسْمُ الدُّلُوكِ وَاقِعٌ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُعْتَقَدَ فِي الْآيَةِ أَنَّهَا تَتَنَاوَلُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جِهَةِ الْعُمُومِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُعْتَقَدَ فِيهَا بَعْضُ ذَلِكَ إذَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ وَغَسَقُ اللَّيْلِ اجْتِمَاعُ اللَّيْلِ وَظُلْمَتُهُ وَصَفَ اللَّيْلَ بِالِاجْتِمَاعِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ الْوَقْتُ وَلَا يُوصَفُ بِالِاجْتِمَاعِ وَإِنَّمَا يَجْتَمِعُ بِذَلِكَ ظَلَامُهُ وَقَوْلُهُ وَظُلْمَتُهُ عَطْفٌ عَلَى الِاجْتِمَاعِ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ سَوَادُهُ. [جَامِعُ الْوُقُوتِ] (ش): اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَعْنَى الْفَوَاتِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ إنَّمَا ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ فِي الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ وَهُوَ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّك مِثْلَيْك وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ الدَّاوُدِيُّ وَذَكَرَ سَحْنُونٌ فِي تَفْسِيرِ حَدِيثِ النَّبِيِّ - ﷺ - «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ
[ ١ / ٢١ ]
(ص): (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ فَلَقِيَ رَجُلًا لَمْ يَشْهَدْ الْعَصْرَ فَقَالَ لَهُ مَا حَبَسَك عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ فَذَكَرَ الرَّجُلُ لَهُ عُذْرًا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ طَفَّفْت قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ وَيُقَالُ لِكُلِّ شَيْءٍ وَفَاءٌ وَتَطْفِيفٌ) .
_________________
(١) [المنتقى] قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» قَالَ يُرِيدُ فِيمَا تَرَى وَقْتَهَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ هُوَ الَّذِي تَغْرُبُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَلَمْ يُدْرِكْ مِنْهَا شَيْئًا وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيُّ وَقَالَ الْفَوَاتُ هُوَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ أَنْ يَذْهَبَ النَّهَارُ كُلُّهُ وَهَذَا أَشْبَهُ بِلَفْظِ الْفَوَاتِ. وَقَدْ رُوِيَ التَّأْوِيلَانِ عَنْ نَافِعٍ فَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ بِإِثْرِ هَذَا الْحَدِيثِ قُلْت لِنَافِعٍ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَرَوَى الْوَلِيدُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ وَفَوَاتُهَا أَنْ تَدْخُلَ الشَّمْسَ صُفْرَةٌ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» وَمَعْنَى الْفَوَاتِ أَنْ لَا يُمْكِنَ الْأَدَاءُ فِي الْوَقْتِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي النَّاسِي. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ «وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ وَتْرَ أَهْلِهِ وَمَالِهِ فَوَاتُ ثَوَابٍ يُدَّخَرُ لَهُ فَيَكُونُ مَا فَاتَهُ مِنْ ثَوَابِ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي وَقْتِهَا مِثْلَ مَا فَاتَ الْمَوْتُورَ مِنْ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ الَّذِي وَعَدَهُ اللَّهُ عَلَى وَتْرِ أَهْلِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ يَلْحَقُهُ مِنْ الْأَسَفِ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الثَّوَابِ مِثْلُ مَا يَلْحَقُ مَنْ وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الِاسْتِرْجَاعِ مَا يَجِبُ عَلَى مَنْ وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ لِأَنَّ مَنْ فَرَّطَ فِي صَلَاتِهِ فَقَدْ أَتَى كَبِيرَةً يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَسَفُ وَالنَّدَمُ عَلَيْهَا وَالتَّوْبَةُ مِنْهَا وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الدَّاوُدِيُّ إنَّمَا يُتَوَجَّهُ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَامِدًا وَأَمَّا مَنْ تَرَكَهَا سَاهِيًا أَوْ نَاسِيًا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ قَدْ فَاتَهُ مِنْ الثَّوَابِ مِثْلُ مَا فَاتَ مَنْ وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ دُونَ ثَوَابٍ أَوْ يَلْحَقُهُ مِنْ الْأَسَفِ عِنْدَ مُعَايَنَةِ مَا فَاتَهُ مِنْ الثَّوَابِ مَا يَلْحَقُ مَنْ وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَعَلَى أَنَّ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ مَنْ وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِرْجَاعُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّبْرُ وَالتَّسْلِيمُ وَإِنْ اسْتَرْجَعَ مَعَ ذَلِكَ فَحَسَنٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] . وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَعْنَى مَنْ وُتِرَ أَهْلَهُ اُنْتُزِعُوا مِنْهُ وَذُهِبَ بِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش): ذَكَرَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي لَمْ يَشْهَدْ الْعَصْرَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهُ ابْنُ حَدِيدَةَ صَاحِبُ النَّبِيِّ - ﷺ - وَقَوْلُ عُمَرَ لَهُ طَفَّفْت أَيْ نَقَصْت نَفْسَك حَظَّهَا يُرِيدُ أَنَّهُ نَقَصَ حَظَّهَا مِنْ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ الْمَقْصُودَةِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - ﷺ - لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ جَمَاعَةً إذَا كَانَ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ قَدْ صَلَّى فِيهِ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُخَاطَبُ يُدْرِكُ فَضِيلَةَ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْفَذِّ وَيُدْرِكُ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ. (ص): (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إنَّ الْمُصَلِّيَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ وَمَا فَاتَهُ وَقْتُهَا وَلَمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا أَعْظَمُ أَوْ أَفْضَلُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ) . (ش): قَالَ مَالِكٌ فِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ وَيُصَلِّي النَّاسُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَوَسَطِهِ وَكُرِهَ التَّضْيِيقُ فِي ذَلِكَ وَوَجْهُ كَرَاهِيَةِ مَالِكٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ ظَاهِرَهُ يُعَارِضُ الْحَدِيثَ الَّذِي لَا خِلَافَ فِي صِحَّتِهِ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ - «الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» فَجَعَلَ - ﷺ - مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَجَعَلَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مَنْ صَلَّى الصَّلَاةَ فِي بَعْضِ وَقْتِهَا وَلَمْ يَفُتْهُ الْوَقْتُ أَنَّهُ قَدْ فَاتَهُ مِنْهُ بِفَوَاتِ أَوَّلِهِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ فَجَعَلَ فِي فَوَاتِ بَعْضِ الْوَقْتِ أَعْظَمَ مِمَّا جَعَلَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي فَوَاتِ جَمِيعِهِ وَفِي ذَلِكَ أَشَدُّ التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ. وَقَدْ ذَهَبَ أَشْهَبُ إلَى قَوْلِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فَقَالَ مَنْ صَلَّى الْعَصْرَ فِي تَغَيُّرِ الشَّمْسِ فَقَدْ فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَلَا أَقُولُ فَاتَهُ الْوَقْتُ كُلُّهُ حَتَّى تَغْرُبَ
[ ١ / ٢٢ ]
(ص): (مَالِكٌ مَنْ أَدْرَكَهُ الْوَقْتُ وَهُوَ فِي سَفَرٍ فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ سَاهِيًا أَوْ نَاسِيًا حَتَّى قَدِمَ عَلَى أَهْلِهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ قَدِمَ عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ فِي الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي صَلَاةَ الْمُقِيمِ وَإِنْ كَانَ قَدِمَ وَقَدْ ذَهَبَ الْوَقْتُ فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقْتَضِي مِثْلَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي أَدْرَكْت عَلَيْهِ النَّاسَ وَأَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا) .
(ص): (وَقَالَ مَالِكٌ الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ الَّتِي فِي الْمَغْرِبِ فَإِذَا ذَهَبَتْ الْحُمْرَةُ فَقَدْ وَجَبَتْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَخَرَجَتْ عَنْ وَقْتِ الْمَغْرِبِ) .
_________________
(١) [المنتقى] الشَّمْسُ فَجَعَلَ قَوْلَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَلَى فَوَاتِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ وَكَأَنَّ هَذَا يَنْحُو إلَى تَأْوِيلِ ابْنِ وَهْبٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش): قَوْلُهُ مَنْ أَدْرَكَهُ الْوَقْتُ فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ سَاهِيًا أَوْ نَاسِيًا السَّهْوُ الذُّهُولُ عَنْ الشَّيْءِ تَقَدَّمَهُ ذِكْرٌ أَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ وَأَمَّا النِّسْيَانُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ الذِّكْرُ فَمَعْنَى قَوْلِهِ هَذَا مَنْ غَفَلَ عَنْ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْوَقْتِ جُمْلَةً أَوْ غَفَلَ عَنْهَا بَعْدَ أَنْ ذَكَرَهَا فَحُكْمُهُ مَا ذُكِرَ وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَأْتِيَ بِاللَّفْظَيْنِ لِاخْتِلَافِهِمَا وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] وَإِنَّمَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْحَضَرِ إذَا قَدِمَ عَلَى أَهْلِهِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ مُؤَدِّيًا لَهَا فِي وَقْتِهَا فِي الْحَضَرِ وَقَدْ كَانَ الْمُصَلِّي مُخَيَّرًا بَيْنَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَفِي وَسَطِهِ وَآخِرِهِ فَلَمَّا لَمْ يُصَلِّ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَلَا فِي وَسَطِهِ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فِي آخِرِهِ وَكَانَ ذَلِكَ وَقْتَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ أَهْلِ الْحَضَرِ فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ حَضَرِيَّةً وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فِي الْحَضَرِ سَاهِيًا أَوْ نَاسِيًا وَسَافَرَ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ وَقْتِهَا فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا سَفَرِيَّةً هَذَا قَوْلُ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ فَرْضُهُ الْإِتْمَامُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١] وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ آخِرِ الْوَقْتِ وَأَوَّلِهِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي صِفَتِهَا بِوَقْتِ وُجُوبِهَا وَوَقْتُ الْوُجُوبِ مِنْ وَقْتِهَا غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ وَلَهُ تَعْيِينُهُ فِي أَيِّ جُزْءٍ شَاءَ مِنْهُ وَالتَّعْيِينُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْفِعْلِ دُونَ النِّيَّةِ وَالْقَوْلِ فَإِذَا أَخَّرَهَا حَتَّى سَافَرَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَقَدْ عَيَّنَ وَقْتَ الْوُجُوبِ فِيهِ وَهُوَ فِي حَالِ سَفَرِهِ فَلَزِمَتْهُ سَفَرِيَّةٌ.
(٢) (مَسْأَلَةٌ): وَالْمِقْدَارُ الَّذِي يُرَاعِي مَنْ أَدْرَكَ الْوَقْتَ فِي ذَلِكَ رَكْعَةٌ مِنْ الصَّلَاةِ الْمَنْسِيَّةِ فَإِنْ كَانَتْ الْعَصْرَ فَمِقْدَارُ رَكْعَةٍ وَإِنْ كَانَتْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فَمِقْدَارُ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ فَأَكْثَرَ لِأَنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَتَبْقَى رَكْعَةُ الْعَصْرِ وَإِنْ كَانَتْ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فَمِقْدَارُ رَكْعَةٍ فَأَكْثَرُ وَإِنْ كَانَتْ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا الْأَصْلِ إذَا خَرَجَ لِمِقْدَارِ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ فَعَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ يُصَلِّي الْعِشَاءَ سَفَرِيَّةً وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ يُصَلِّيهَا حَضَرِيَّةً.
(٣) (فَصْلٌ): وَإِنْ كَانَ قَدِمَ وَقَدْ ذَهَبَ الْوَقْتُ فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقْضِي مِثْلَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ - ﵀ - وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَقْضِيهَا حَضَرِيَّةً وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ مَقْضِيَّةٌ فَوَجَبَ أَنْ تُقْضَى عَلَى حَسَبِ مَا تُؤَدَّى عَلَيْهِ مِنْ قَصْرٍ أَوْ إتْمَامٍ أَصْلُهُ إذَا نَسِيَهَا فِي الْحَضَرِ ثُمَّ ذَكَرَهَا فِي السَّفَرِ. (فَرْعٌ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي إشْرَافِهِ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً سَفَرِيَّةً فَذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقْضِيَهَا سَفَرِيَّةً فَإِنْ أَتَمَّهَا كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ وَجَازَ وَمَنْ رَأَى مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْقَصْرَ فَرْضُ الْمُسَافِرِ قَالَ يَجِبُ قَصْرُهَا وَأَمَّا إذَا ذَكَرَهَا فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ يَقْضِيهَا سَفَرِيَّةً فَجَعَلَ لِذِكْرِهَا فِي الْحَضَرِ تَأْثِيرًا وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش): قَوْلُهُ الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا إنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ يَخْرُجُ بِمَغِيبِ الشَّفَقِ تَصْرِيحٌ مِنْهُ بِأَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ مُمْتَدٌّ كَسَائِرِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَأَنَّهُ يَنْتَهِي إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ فِي الْمُسَافِرِ الَّذِي يُجِدُّ بِهِ السَّيْرُ وَيُرِيدُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ وَهَذَا عُدُولٌ مِنْهُ عَنْ الظَّاهِرِ مَعَ أَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ إلَّا فِي الْوَقْتِ
[ ١ / ٢٣ ]
(ص): (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَذَهَبَ عَقْلُهُ فَلَمْ يَقْضِ الصَّلَاةَ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ فِيمَا نَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ ذَهَبَ فَأَمَّا مَنْ أَفَاقَ وَهُوَ فِي الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي) .
_________________
(١) [المنتقى] الْمُخْتَارِ لَهُمَا وَلِذَلِكَ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِذَلِكَ السَّبَبِ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْمُخْتَارِ لَهُمَا وَقَوْلُ مَالِكٍ - ﵀ - يَقْتَضِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ وَقْتَ الِاشْتِرَاكِ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ يَنْقَضِي بِمَغِيبِ الشَّفَقِ وَأَنَّ مَا بَعْدَهُ يَخْتَصُّ بِالْعِشَاءِ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ أَشْهَبَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ هُوَ وَقْتُ الِاشْتِرَاكِ وَأَنَّ مَا قَبْلَهُ يَخْتَصُّ بِالْمَغْرِبِ وَلَا يَتَّجِهُ حِينَئِذٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَقْتُ الِاشْتِرَاكِ إلَّا بِمِقْدَارِ فِعْلِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ فِيهِ بَدَلًا مِنْ الْأُخْرَى وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ الْمَرَاغِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ نُورُ الشَّفَقِ» وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ «وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ» .
[ ١ / ٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [المنتقى] (ش): هَذَا الَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ - ﵀ - مِنْ أَنَّ مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَذَهَبَ عَقْلُهُ حَتَّى انْقَضَى وَقْتُ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُغْمَ عَلَيْهِ إلَّا عَنْ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَلِمِقْدَارِ رَكْعَةٍ مِنْ آخِرِ وَقْتِهَا وَرَوَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵁ - وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ قَضَى الصَّلَاةَ وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَقْضِ مِنْ الصَّلَاةِ مَا أُخِّرَ وَقْتُهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا مَعْنًى يُسْقِطُ فَرْضَ الصَّلَاةِ كَثِيرُهُ فَوَجَبَ أَنْ يُسْقِطَ فَرْضَهَا قَلِيلُهُ كَالْحَيْضِ وَسَوَاءٌ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ مَرَضٌ أَوْ عَرَا عَنْهُ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ فَأَمَّا مَنْ أَفَاقَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْوَقْتِ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّلَاةِ الَّتِي أَفَاقَ فِي وَقْتِهَا لِلْحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» وَهَذَا قَدْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُدْرِكًا لِجَمِيعِهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
(٢) (مَسْأَلَةٌ): إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْوَقْتُ الَّذِي يُدْرِكُ الصَّلَاةَ بِهِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ يُفِيقُ وَالْحَائِضُ تَطْهُرُ وَالصَّبِيُّ يَحْتَلِمُ وَالْكَافِرُ يُسْلِمُ هُوَ وَقْتُ ضَرُورَةٍ وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَالْكَلَامُ هَاهُنَا فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ وَذَلِكَ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْ هَؤُلَاءِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِقْدَارَ خَمْسِ رَكَعَاتٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَهَذَا لِلْمُقِيمِ وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَإِنَّهُ يُدْرِكُ الصَّلَاتَيْنِ بِمِقْدَارِ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ إلَّا مِقْدَارَ رَكْعَتَيْنِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ وَفَاتَتْهُ الظُّهْرُ وَهَذَا حُكْمُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فَأَمَّا الْمُقِيمُ فَإِنْ أَدْرَكَ مِقْدَارَ خَمْسِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاتَيْنِ وَإِنْ أَدْرَكَ مِقْدَارَ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ لِأَنَّهُ إذَا صَلَّى الْمَغْرِبَ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعِشَاءِ وَهَكَذَا رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ وَرَوَى الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي مَبْسُوطِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ يُصَلِّي الْعِشَاءَ دُونَ الْمَغْرِبِ لِأَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ قَدْ خَرَجَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ وَالْقِيَاسُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ - ﵁ - وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي أَصْلَيْنِ إلَيْهِمَا تَعَدَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَعَلَيْهِمَا تَرَتَّبَتْ وَرُبَّمَا قِيلَ أَحَدُهُمَا أَصْلٌ لِلْآخَرِ فَأَمَّا الْأَصْلُ الْأَوَّلُ فَهُوَ أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ إنَّ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ بِمِقْدَارِ رَكْعَتَيْنِ لِلْمُسَافِرِ وَأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ لِلْمُقِيمِ يَخْتَصُّ بِالْعَصْرِ لَا مُشَارَكَةَ فِيهِ لِلظُّهْرِ وَإِنَّمَا يَشْتَرِكَانِ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَالْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي مَبْسُوطِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّ جَمِيعَ الْوَقْتِ مِنْ الزَّوَالِ وَالْعَصْرِ بِمَا قَبْلَ الْغُرُوبِ لِلتَّرْتِيبِ فَإِذَا سَقَطَ فَرْضُ الْعَصْرِ بِوَجْهٍ مَا وَبَقِيَ فَرْضُ الظُّهْرِ جَازَ أَنْ يُؤَدَّى قَبْلَ الْغُرُوبِ بِرَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ وَيَكُونُ الْمُصَلِّي لَهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مُؤَدِّيًا لَا قَاضِيًا وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ. مِثْلُ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا بَعْدَ الْغُرُوبِ بِمِقْدَارِ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ يَخْتَصُّ بِالْمَغْرِبِ وَمَا قَبْلَ الْفَجْرِ بِمِقْدَارِ رَكْعَتَيْنِ لِلْمُسَافِرِ وَأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ لِلْمُقِيمِ يَخْتَصُّ بِالْعِشَاءِ وَوَقْتِ الِاشْتِرَاكِ بَيْنَهُمَا وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي الِاشْتِرَاكُ مِنْ وَقْتِ الْغُرُوبِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ فَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةُ فَرْضٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهَا وَقْتٌ يَخْتَصُّ بِهَا كَالصُّبْحِ. وَوَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْهُمَا أَنَّ الْأُولَى تَسْقُطُ فَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُدْرِكُ الرَّكْعَةَ مُدْرِكًا لَهُمَا وَأَنْ تَسْقُطَ الْآخِرَةُ لِتَقَدُّمِ الْأُولَى فِي الرُّتْبَةِ فَلَمَّا سَقَطَتْ الْأُولَى مَعَ تَقَدُّمِهَا وَثَبَتَتْ الثَّانِيَةُ مَعَ تَأَخُّرِهَا ثَبَتَ أَنَّ الْوَقْتَ لِلثَّانِيَةِ خَاصَّةً دُونَ الْأُولَى يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَقْتَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَهُمَا إذَا اجْتَمَعَتَا قُدِّمَتْ الْأُولَى عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا وَقْتُ الْعَصْرِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ وَقْتًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الظُّهْرِ أَصْلُهُ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ السَّفَرَ لَا يَنْقُلُ أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْقُلَ الظُّهْرَ إلَى مَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَلَا الْفَجْرَ إلَى مَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ بِمِقْدَارِ رَكْعَتَيْنِ وَقْتًا لِلْعَصْرِ فِي الْحَضَرِ لَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ وَقْتًا لَهُمَا فِي السَّفَرِ وَالْأَصْلُ الثَّانِي أَنَّهُ إذَا ضَاقَ وَقْتُ الصَّلَاتَيْنِ فَهَلْ يُعْتَبَرُ إدْرَاكُ وَقْتِهَا بِاعْتِبَارِ وَقْتِ الْأُولَى مِنْهُمَا أَوَّلًا أَوْ بِاعْتِبَارِ وَقْتِ الْآخِرَةِ أَوَّلًا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَبْدَأُ أَوَّلًا بِاعْتِبَارِ وَقْتِ الْأُولَى وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَعْتَبِرُ أَوَّلًا بِإِدْرَاكِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ. مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يُفِيقَ مُغْمًى عَلَيْهِ لِمِقْدَارِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الْفَجْرِ فَإِنْ قُلْنَا بِاعْتِبَارِ وَقْتِ الْأُولَى فَإِنَّهُ مُدْرِكٌ لِوَقْتِ الصَّلَاتَيْنِ لِأَنَّهُ يُدْرِكُ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ لِلْمَغْرِبِ ثُمَّ رَكْعَةً مِنْ الْعِشَاءِ وَإِنْ قُلْنَا يَبْدَأُ بِاعْتِبَارِ وَقْتِ الْأُخْرَى فَإِنَّهُ مُدْرِكٌ لِوَقْتِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ. فَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ النَّظَرَ فِي وَقْتِ الصَّلَاتَيْنِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَسَبِ أَدَائِهَا مِنْ التَّرْتِيبِ فَيَكُونَ أَوَّلًا فِي الْمَغْرِبِ لِأَنَّ الْفِعْلَ يَتَنَاوَلُهَا قَبْلَ أَنْ يَتَنَاوَلَ الْعِشَاءَ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّ آخِرَ الصَّلَاتَيْنِ أَحَقُّ بِآخِرِ الْوَقْتِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْهُمَا تَسْقُطُ الْأُولَى فَكَانَ الِاعْتِبَارُ فِي الْوَقْتِ بِالثَّانِيَةِ مِنْهُمَا عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ فَإِنْ فَضَلَ عَنْهَا مِنْ الْوَقْتِ شَيْءٌ كَانَ لِلْأُولَى وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ سَقَطَتْ الْأُولَى. (مَسْأَلَةٌ): إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَاَلَّذِي تُحَصِّلُ بِهِ الْحَائِضُ مُدْرَكَةً لِلْوَقْتِ أَنْ تَكْمُلَ طَهَارَتُهَا وَتَتَمَكَّنَ مِنْ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهَا مِنْهُ مِقْدَارُ خَمْسِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إنْ كَانَتْ مُقِيمَةً أَوْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ إنْ كَانَتْ مُسَافِرَةً وَلَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ بِوَقْتِ انْقِطَاعِ الدَّمِ وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِوَقْتِ كَمَالِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ يَبْلُغُ فَأَمَّا الْكَافِرُ يُسْلِمُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ حَبِيبٍ يُرَاعِي وَقْتَ إسْلَامِهِ دُونَ فَرَاغِهِ مِنْ طَهُورِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَائِضِ أَنَّهُ عَاصٍ بِتَرْكِ الطَّهُورِ وَالصَّلَاةِ وَلَا تَعْصِي بِذَلِكَ الْحَائِضُ وَأَمَّا الْمُغْمَى عَلَيْهِ فَأَجْرَاهُ مَالِكٌ مَجْرَى الْحَائِضِ لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ غَيْرُ مَلُومٍ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ هُوَ كَالنَّصْرَانِيِّ يُسْلِمُ قَالَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ حِينَ يُفِيقُ مِنْ الصَّلَاةِ كَالْكَافِرِ وَإِنَّمَا هُوَ كَالْمُحْدِثِ وَأَمَّا الْحَائِضُ فَلَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْتَسِلَ وَمَا قَالَهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَلِمُنَازِعِهِ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ حَدَثَهُ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ كَاَلَّتِي انْقَطَعَ عَنْهَا دَمُهَا وَحَكَى ابْنُ سَحْنُونٍ فِي كِتَابِهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الْكَافِرَ يُسْلِمُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ يُفِيقُ كَالْحَائِضِ بَعْدَ فَرَاغِهَا مِنْ غُسْلِهَا وَكَذَا حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ عَنْ أَصْبَغَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ «الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ بِتَرْكِ الْإِسْلَامِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ قَبْلَ إسْلَامِهِ.
(٣) (مَسْأَلَةٌ): وَلَوْ أَنَّ مُغْمًى عَلَيْهِ أَفَاقَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَذَكَرَ صَلَاةً نَسِيَهَا قَبْلَ الْإِغْمَاءِ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ الَّتِي نَسِيَ فَإِنْ بَقِيَ بَعْدَ فَرَاغِهَا وَقْتٌ لِلصَّلَاتَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا صَلَّى مَا أَدْرَكَ وَقْتَهُ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا مِنْ الْوَقْتِ
[ ١ / ٢٥ ]
النَّوْمُ عَنْ الصَّلَاةِ (ص): (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ أَسْرَى حَتَّى إذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ عَرَّسَ، وَقَالَ لِبِلَالٍ اكْلَأْ لَنَا الصُّبْحَ وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ وَكَلَأَ بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ ثُمَّ اسْتَنَدَ إلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ مُقَابِلُ الْفَجْرِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَلَا بِلَالٌ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الرَّكْبِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمْ الشَّمْسُ فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ بِلَالٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِك فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - اقْتَادُوا فَبَعَثُوا رَوَاحِلَهُمْ وَاقْتَادُوا شَيْئًا ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الصُّبْحَ ثُمَّ قَالَ حِينَ قَضَى الصَّلَاةَ مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ
_________________
(١) [المنتقى] فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ لَا يُصَلِّي ظُهْرًا وَلَا عَصْرًا وَاخْتَارَهُ أَصْبَغُ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى يُصَلِّي مَا أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ وَرَوَاهُ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا فَإِذَا اجْتَمَعَ فِي هَذَا الْوَقْتِ ثَلَاثُ صَلَوَاتٍ اسْتَوْعَبَ الصَّلَاةَ الْأُولَى لِلْوَقْتِ وَسَقَطَ فَرْضُ مَا بَعْدَهَا لَمَّا كَانَتْ أَحَقَّ مِنْهَا بِالْوَقْتِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّهُ مُغْمًى عَلَيْهِ أَدْرَكَ وَقْتَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَلَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِمَا وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ عَلَيْهِمَا الْفَائِتَةُ لِلتَّرْتِيبِ لَا لِأَنَّ الْوَقْتَ مُخْتَصٌّ بِهَا وَذَلِكَ لَا يُسْقِطُ فَرْضَ الظُّهْرِ وَهَذَا حُكْمُ إفَاقَةِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَطُهْرِ الْحَائِضِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَأَمَّا مَا يَطْرَأُ مِنْ الْإِغْمَاءِ وَالْحَيْضِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يُسْقِطُ فَرْضَ الصَّلَاةِ إذَا أَدْرَكَ مِنْ وَقْتِهَا مِقْدَارَ رَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ فَقَدْ طَرَأَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَهُوَ مُقِيمٌ لِمِقْدَارِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الْغُرُوبِ أَوْ لِمِقْدَارِ رَكْعَتَيْنِ لِلْمُسَافِرِ سَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الْعَصْرِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِمِقْدَارِ خَمْسِ رَكَعَاتٍ فِي الْمُقِيمِ أَوْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ فِي الْمُسَافِرِ سَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لِمِقْدَارِ خَمْسِ رَكَعَاتٍ لِلْمُقِيمِ قَبْلَ الْفَجْرِ سَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَلَوْ كَانَ لِمِقْدَارِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الْفَجْرِ فَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ يَسْقُطُ فَرْضُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَعَلَى رِوَايَةِ الْقَاضِي أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ يَسْقُطُ فَرْضُ الْعِشَاءِ وَيَقْضِي الْمَغْرِبَ وَلَوْ كَانَ مُسَافِرًا فَطَرَأَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِمِقْدَارِ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الْفَجْرِ فَعَلَى رِوَايَةِ الْقَاضِي أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَمُحَمَّدٍ يَسْقُطُ فَرْضُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لِأَنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ جَمِيعَ وَقْتِ الْعِشَاءِ وَمِقْدَارَ رَكْعَةٍ مِنْ الْمَغْرِبِ وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ يَسْقُطُ فَرْضُ الْعِشَاءِ وَيَقْضِي الْمَغْرِبَ. (مَسْأَلَةٌ): فَإِنْ طَرَأَ ذَلِكَ عَلَى مُقِيمٍ لِمِقْدَارِ رَكْعَةٍ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ وَهُوَ نَاسٍ لِلْعَصْرِ سَقَطَ عَنْهُ فَرْضُهَا وَلَوْ كَانَ نَاسِيًا الظُّهْرَ مُصَلِّيًا لِلْعَصْرِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ وَعِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَقْضِي الظُّهْرَ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا وَرَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَقْضِي الظُّهْرَ لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَ وَقْتُهَا قَبْلَ الْإِغْمَاءِ فَرِوَايَةُ عِيسَى وَسَحْنُونٍ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الِاشْتِرَاكِ فِي جَمِيعِ الْوَقْتِ وَرِوَايَةُ يَحْيَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ مَا قَبْلَ الْمَغْرِبِ يَخْتَصُّ بِالْعَصْرِ وَأَخَذَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالِاحْتِيَاطِ فَإِذَا كَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي رِوَايَةِ عِيسَى وَسَحْنُونٍ أَخَذَ بِهَا وَذَكَرَ أَنَّهُ قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ وَإِذَا كَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى أَخَذَ بِهَا وَذَكَرَ أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فَلَوْ صَلَّتْ امْرَأَةٌ الظُّهْرَ بِثَوْبٍ نَجِسٍ وَالْعَصْرَ بِثَوْبٍ طَاهِرٍ ثُمَّ ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِمِقْدَارِ رَكْعَةٍ مِنْ النَّهَارِ لَمْ تَقْضِ الظُّهْرَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَقَضَتْهَا فِي قَوْلِ الْآخَرِينَ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِيَاطِ لِلصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ١ / ٢٦ ]