صَلَاةُ الْإِمَامِ وَهُوَ جَالِسٌ (ص): (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ فَصَلَّى صَلَاةً مِنْ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ وَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ»)
_________________
(١) [المنتقى] عِنْدِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَسْتَدِيمُ نَقْصَ الْفَرَائِضِ وَالْفَضَائِلِ فَأَمَّا نَقْصُ الْفَرَائِضِ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ وَأَمَّا نَقْصُ الْفَضَائِلِ فَلِأَنَّهُ لَا يَشْهَدُ الْجَمَاعَاتِ. (مَسْأَلَةٌ): وَأَمَّا مَا يَقْرَبُ مِنْ الْأُنُوثَةِ فَكَالْخَصِيِّ لَا يَكُونُ إمَامًا وَإِنَّمَا قَالَهُ مَالِكٌ قَالَ عَنْهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَنَحَا بِهِ نَحْوَ التَّأْنِيثِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَعِيسَى بْنُ دِينَارٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ الْخَصِيُّ إمَامًا رَاتِبًا فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا. وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ لَهُ حَالًا ظَاهِرًا فِي الْقُرْبِ مِنْ الْأُنُوثَةِ وَالْبَعْدِ عَنْ الذُّكُورَةِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لِلْأُنُوثَةِ تَأْثِيرًا فِي مَنْعِ الْإِمَامَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا يَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْمَنْعِ مِنْهَا وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْعِنِّينِ فَإِنَّ لَيْسَ مِمَّا يَقْرَبُ مِنْ الْأُنُوثَةِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي إنَّ قَطْعَ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ لَا يَمْنَعُ اسْتِدَامَةَ الِائْتِمَامِ كَقَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ. (مَسْأَلَةٌ): وَأَمَّا النَّقَائِصُ الَّتِي تُسْرِعُ إلَى أَصْحَابِهَا الْأَلْسِنَةَ وَتُكْثِرُ فِيهِمْ الْمَقَالَةَ فَكَوَلَدِ الزِّنَا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ. (مَسْأَلَةٌ): وَأَمَّا مَا كَانَ نَقْصًا فِي الْخِلْقَةِ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنْ يَكُونَ الْعُضْوُ النَّاقِصُ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالصَّلَاةِ أَوْ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِهَا وَلَا يَقْرَبُ مِنْ الْأُنُوثَةِ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِمَامَةِ وَلَا فَضِيلَتَهَا كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَإِنْ كَانَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالصَّلَاةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا تَعَلُّقَ فَضِيلَةٍ كَالْيَدِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا فَضِيلَةُ السُّجُودِ وَغَيْرِهَا فَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الِائْتِمَامِ بِهِ. وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ لَا أَرَى أَنْ يَؤُمَّ الْأَقْطَعُ وَإِنْ حَسُنَتْ حَالُهُ وَلَا الْأَشَلُّ إذَا لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَا نَقَصَ مِنْ خَلْقِهِ لَا يَمْنَعُ شَيْئًا مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ فَلَا يُمْنَعُ الِائْتِمَامُ بِهِ كَالْعَمَى وَالصَّمَمِ. [صَلَاةُ الْإِمَامِ وَهُوَ جَالِسٌ] (ش): قَوْلُهُ فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ الْجَحْشُ مَعْنَاهُ الْخَدْشُ وَالتَّوَجُّعُ مِنْ السَّقْطَةِ وَنَحْوِهَا وَقَوْلُهُ فَصَلَّى صَلَاةً مِنْ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ وَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا قَوْلُهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ يَحْتَمِلُ أَلْ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ فَإِذَا قُلْنَا إنَّهَا لِلْعَهْدِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَرْجِعَ إلَى الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَرْجِعَ إلَى الصَّلَوَاتِ الَّتِي صَلَّاهَا بِهِمْ وَإِنْ كَانَتْ لِلْجِنْسِ فَإِنَّهَا تَكُونُ بِمَعْنَى التَّأْكِيدِ يُفِيدُ مَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ صَلَّى. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ وَهُوَ قَاعِدٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ إنْ جَعَلْنَا الْأَلْفَ وَاللَّامَ فِي الصَّلَوَاتِ لِلْعَهْدِ رَاجِعًا إلَى الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صَلَّى جَالِسًا فِي نَافِلَةٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ طَلَبًا لِلرِّفْقِ وَلِيَقْوَى عَلَى مَا يُرِيدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الطَّاعَاتِ فَتَكُونَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ رَاجِعَةً إلَى غَيْرِ الْمَفْرُوضَاتِ مِنْ الصَّلَوَاتِ أَوْ الْجِنْسِ فَأَمَّا الْفَرِيضَةُ فَلَا يَخْلُو إذَا صَلَّى الْإِمَامُ جَالِسًا لِعَجْزِهِ عَنْ الْقِيَامِ أَنْ يَكُونَ مَنْ وَرَاءَهُ مِثْلَهُ عَاجِزِينَ عَنْ الْقِيَامِ أَوْ قَادِرِينَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانُوا عَاجِزِينَ عَنْ الْقِيَامِ فَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُنَا فَرَوَى مُوسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا بَأْسَ أَنْ يَؤُمَّهُمْ فِي الْفَرِيضَةِ لِأَنَّ حَالَهُمْ قَدْ اسْتَوَتْ كَمَا لَوْ أَضَافُوا الْقِيَامَ وَبِهِ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ وَرَوَى سَحْنُونَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَؤُمُّهُمْ لِأَنَّ هَذَا عَاجِزٌ عَنْ الْقِيَامِ فَلَا يَؤُمُّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَا مَنْ يَعْجَزُ عَنْهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى الِاضْطِجَاعِ فَإِنَّهُ لَا يَؤُمُّ مَنْ سَاوَاهُ فِيهِ وَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَؤُمُّ
[ ١ / ٢٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [المنتقى] الْمُضْطَجِعُ الْمُضْطَجِعِينَ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ لَا يَؤُمُّ الْجَالِسُ الْجُلُوسَ مَعَ تَسَاوِيهِمْ فِي الْعَجْزِ فَوَقَعَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُجْزِئُ الْإِمَامَ وَيُعِيدُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ لِأَنَّ الْإِمَامَ قَدْ أَتَى بِصَلَاتِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ الِانْفِرَادِ وِتْرِكِ الِاقْتِدَاءِ بِغَيْرِهِ وَمَنْ ائْتَمَّ بِهِ فَقَدْ ائْتَمَّ بِمَنْ لَيْسَ بِإِمَامٍ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ كَمَا لَوْ ائْتَمَّتْ امْرَأَةٌ بِامْرَأَةٍ. (فَرْعٌ) فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ الْإِمَامُ عَلَى الْجُلُوسِ وَلَا مَنْ وَرَاءَهُ فَقَدْ رَوَى مُوسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا إمَامَةَ فِي هَذَا قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ فَإِنْ صَلَّوْا عَلَى ذَلِكَ أَجْزَأَتْهُ وَأَعَادُوا. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ مِنْ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ فَلَا تَصِحُّ إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ عَلَيْهَا كَمَا لَا يَجُوزُ التَّنَفُّلُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. (مَسْأَلَةٌ): فَإِنْ كَانَ مَنْ وَرَاءَ الْإِمَامِ قَادِرِينَ عَلَى الْقِيَامِ فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْتَمُّوا بِهِ وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ سَحْنُونَ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ هَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي النَّوَادِرِ وَاَلَّذِي فِي رِوَايَتِنَا فِي الْعُتْبِيَّةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ الْعُتْبِيِّ إنَّمَا اخْتَلَفَ فِيهَا قَوْلُ مَالِكٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ يَجُوزُ لَهُمْ الِائْتِمَامُ بِهِ قِيَامًا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَلَا يَصِحُّ الِائْتِمَامُ بِمَنْ عَجَزَ عَنْهُ كَالْقِرَاءَةِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَّ وَهُوَ جَالِسٌ وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ قِيَامٌ يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ» . (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْجُمْهُورِ فَصَلُّوا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ مُطَّرِفٌ تُجْزِئُهُ وَعَلَيْهِمْ الْإِعَادَةُ أَبَدًا. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ عَجَزَ عَنْ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَجْزِهِمْ مَا ائْتَمُّوا بِهِ فِيهِ مِنْ الصَّلَاةِ كَمَا لَوْ كَانَ الْإِمَامُ أَخْرَسَ وَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْوَلِيدِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى جَنْبِهِ مَنْ يَقْتَدِي بِهِ يَكُونُ عَالِمًا لِصَلَاتِهِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ الِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - «حِينَ صَلَّى بِالنَّاسِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ وَإِلَى جَنْبِهِ أَبُو بَكْرٍ قَائِمًا» . (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ يُرِيدُ لِيُقْتَدَى وَهَذَا يُفِيدُ الِاقْتِدَاءَ بِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَقَوْلُهُ فَإِذَا صَلَّى فَصَلُّوا قِيَامًا يُرِيدُ مَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ مِمَّنْ يَأْتَمُّ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّ جَالِسًا. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عَجْزَ الْمَأْمُومِ عَنْ الْقِيَامِ لَا يُدْخِلُ عَلَى الْإِمَامِ نَقْصًا فِي صَلَاتِهِ بَلْ يُدْرِكُ مَعَهُ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ أَفْعَالُ الْمَأْمُومِ كُلُّهَا بَعْدَ أَفْعَالِ الْإِمَامِ وَهُوَ مَعْنَى الِائْتِمَامِ بِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِفِعْلِهِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّتِهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَفْعَالٌ وَأَقْوَالٌ وَأَفْعَالُهَا عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ وَقِسْمٌ هُوَ فَضْلٌ لِغَيْرِهِ فَأَمَّا الْمَقْصُودُ فِي نَفْسِهِ كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَفْعَلَهُ الْمَأْمُومُ بَعْدَ فِعْلِ الْإِمَامِ أَوْ مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ فَإِنْ فَعَلَهُ بَعْدَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنْ يَتْبَعَ الْإِمَامَ فِي الدُّخُولِ فِيهِ وَالْخُرُوجِ عَنْهُ وَيُدْرِكُهُ فِيهِ فَهَذِهِ سُنَّةُ الصَّلَاةِ وَحُكْمُهَا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلُهُ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا. وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: بِأَنْ يَدْخُلَ فِي الْفِعْلِ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ عَنْهُ فَإِنَّ تَعَمُّدَهُ مَمْنُوعٌ. (مَسْأَلَةٌ): وَأَمَّا فِعْلُهُ مَعَهُ فَأَنْ يَنْحَطَّ لِلرُّكُوعِ مَعَ انْحِطَاطِهِ وَيَرْفَعَ مِنْهُ مَعَ رَفْعِهِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ - «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَهُوَ أَيْضًا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامُ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِأَكْثَرَ مِنْ مِقْدَارِ الْفَرْضِ فَإِذَا أَدْرَكَ الْمَأْمُومُ مِنْهُ بَعْدَ الْإِمَامِ مِقْدَارَ الْفَرْضِ فَلَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ ائْتِمَامِهِ لِأَنَّهُ قَدْ تَبِعَهُ فِي مِقْدَارِ فَرْضِهِ وَصَارَ مُؤْتَمًّا بِهِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ بَعْدَ الْإِمَامِ مِنْهُ الْأَقَلَّ مِنْ مِقْدَارِ الْفَرْضِ أَوْ كَانَ الْإِمَامُ اقْتَصَرَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مِقْدَارِ الْفَرْضِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ مَعَهُ. (مَسْأَلَةٌ): وَهَذَا فِي الْأَفْعَالِ وَأَمَّا الْأَقْوَالُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ فَرَائِضُ
[ ١ / ٢٣٨ ]
(ص): (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهَا قَالَتْ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ شَاكٌّ فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا»)
(ص): (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -
_________________
(١) [المنتقى] وَفَضَائِلُ فَالْفَرَائِضُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِمَا إذَا فُعِلَا قَبْلَ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فَإِنْ فَعَلَ مَعَ الْإِمَامِ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ الْمَأْمُومَ يُحْرِمُ بَعْدَ أَنْ يَسْكُتَ الْإِمَامُ فَإِنْ أَحْرَمَ مَعَهُ أَعَادَ الْإِحْرَامَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجُزْأَهُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَصْبَغُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ أَبَدًا مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ - ﵁ - وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي لِأَنَّ مِنْ صِحَّةِ الِائْتِمَامِ الِاقْتِدَاءَ بِفِعْلِهِ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَتَقَدَّمَ مَا يَقْتَدِي بِهِ وَإِذَا وُجِدَ مِنْهُمَا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَمْتَثِلَ أَحَدُهُمَا فِعْلَ صَاحِبِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ أَنَّ الْفِعْلَ أَمْرٌ يَدُومُ وَيَتَكَرَّرُ مِنْهُ مِقْدَارُ الْفَرْضِ وَمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ فَلِذَلِكَ قُلْنَا إنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَقْتَدِيَ بِمَنْ يَفْعَلُهُ مَعَهُ إذَا زَادَ عَلَى مِقْدَارِ الْفَرْضِ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ اتِّبَاعُهُ لَهُ فِي مِقْدَارِ الْفَرْضِ وَفِيمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَأَمَّا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهَا قَوْلٌ وَاحِدٌ غَيْرُ مُتَكَرِّرٍ جَمِيعُهَا فَرْضٌ وَاحِدٌ لَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَقَعُ عَلَى أَجْزَائِهَا اسْمُ تَكْبِيرٍ فَإِذَا وُجِدَ مِنْهَا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَتْبَعْ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي فَرْضِهِ وَلَا فِيمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ تَكْبِيرٍ مِنْهُ وَأَمَّا فَضَائِلُ الْأَقْوَالِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْمَأْمُومُ فِيهَا الْإِمَامَ وَلَا يُفْسِدُ ذَلِكَ صَلَاتَهُ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ إذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ مَا يَقُولُهُ الْمَأْمُومُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ يَأْتِي عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِاللَّفْظَيْنِ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ لَبَطَلَتْ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ وَالتَّقْسِيمِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ فَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ يَقْتَضِي مِنْ جِهَةِ سِيَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ إذَا صَلَّى جَالِسًا فِي مَوْضِعِ الْجُلُوسِ أَنْ يُقْتَدَى بِهِ فِي الْجُلُوسِ لِأَنَّهُ وَصَفَ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ مِنْ أَوَّلِهَا فَصْلًا فَصْلًا وَأَمَرَ الْمَأْمُومَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِالْإِمَامِ فِيهَا فَنَصَّ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي نُصِبَ لَهُ الْإِمَامُ هُوَ أَنْ يُقْتَدَى بِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ مُخَالَفَتَهُ ثُمَّ قَالَ وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ ثُمَّ قَالَ وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ فَانْتَقَلَ إلَى وَصْفِ الِائْتِمَامِ بِهِ فِي حَالِ الْجُلُوسِ وَهُوَ مَوْضِعُ التَّشَهُّدِ وَيُحْتَمَلُ مِنْ جِهَةِ السَّبَبِ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ إذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا أَيْ إذَا اسْتَطَاعَ الْقِيَامَ فَصَلُّوا بِصَلَاتِهِ قِيَامًا ثُمَّ ذَكَرَ صِفَةَ الِائْتِمَامِ بِهِ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ رُكْنٍ إلَى رُكْنٍ ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ يُرِيدُ إنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْقِيَامَ وَصَلَّى جَالِسًا فَحُكْمُكُمْ أَنْ تَجْلِسُوا بِجُلُوسِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ السَّبَبِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ سِيَاقِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ يُصَلِّي الْمَأْمُومُ جَالِسًا وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ إذَا صَلَّى الْإِمَامُ جَالِسًا وَالدَّلِيلُ لَنَا أَنَّ هَذَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْ الْمَأْمُومِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ إنَّهُ مَنْسُوخٌ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ مِنْهُ وَهَذَا يَصِحُّ عَلَى رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ. وَقَدْ تَأَوَّلَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ فِي النَّافِلَةِ وَذَلِكَ كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص): (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهَا قَالَتْ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ شَاكٌّ فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا») . (ش): وَقَوْلُهَا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا بَيَّنَ مَعْنَى مَا رَوَاهُ جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ وَالْمُخَالَفَةِ لِأَهْلِ فَارِسٍ فِي قِيَامِهِمْ عَلَى رُءُوسِ مُلُوكِهِمْ فَمَنَعَ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ وَرَاءَهُ أَحَدٌ قَائِمًا إذَا صَلَّى هُوَ جَالِسًا وَيَحْتَمِلُ مَعَ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ التَّأْوِيلِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَلَعَلَّهُمْ قَامُوا وَرَاءَهُ فِي مَوْضِعِ الْجُلُوسِ تَعْظِيمًا لَهُ فَأَمَرَهُمْ بِاتِّبَاعِهِ وَالْجُلُوسُ مَعَهُ إذَا جَلَسَ فِي التَّشَهُّدِ. (ص): (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - خَرَجَ فِي مَرَضِهِ فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَاسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ فَأَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ كَمَا أَنْتَ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ جَالِسٌ وَكَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ») .
[ ١ / ٢٣٩ ]
خَرَجَ فِي مَرَضِهِ فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَاسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ فَأَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ كَمَا أَنْتَ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ جَالِسٌ وَكَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ») .
_________________
(١) [المنتقى] (ش): اخْتَلَفَتْ الْآثَارُ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي مَوْضِعِهِ وَصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ اخْتِلَافًا بَيِّنًا وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا لِاخْتِلَافِهَا وَأَخَذَ كُلُّ طَائِفَةٍ بِبَعْضِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ فَرُوِيَ عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَّ أَبَا بَكْرٍ وَرَوَى الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ» وَرَوَاهُ مَسْرُوقٌ عَنْ عَائِشَةَ فَمَنْ جَوَّزَ أَنْ يَؤُمَّ الْقَاعِدُ الْقِيَامَ تَعَلَّقَ بِحَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ وَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ قَالَ إنَّ رِوَايَةَ عَائِشَةَ اخْتَلَفَتْ فِي ذَلِكَ وَلَمْ تَخْتَلِفْ رِوَايَةُ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَمَّهُ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ فَكَانَتْ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ «فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَكَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مُؤْتَمًّا بِهِ وَسَامِعًا بِتَكْبِيرِهِ وَكَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَرَّفُونَ بِهِ مَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَفْعَلُهُ فَيَأْتَمُّونَ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - ضَعُفَ صَوْتُهُ عَنْ أَنْ يُسْمِعَ النَّاسَ تَكْبِيرَ الِانْتِقَالِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُهُمْ ذَلِكَ وَهَذَا مَعْنَى صَلَاةِ النَّاسِ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ. وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِيمَنْ ائْتَمَّ بِمَأْمُومٍ فَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ إنَّمَا اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ مَنْ فَاتَتْهُ رَكْعَةً فَأَتَمَّ بِهِمْ صَلَاةَ الْإِمَامِ ثُمَّ قَامَ يَقْضِي فَائْتَمَّ بِهِ مَنْ فَاتَتْهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ أَنَّهَا تُجْزِئُهُمْ قَالَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدُوا، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مَنْ اتَّبَعَهُ فِيهَا مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ فَإِذَا قُلْنَا تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ صَلَّى مَعَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ فِيهَا فَقَدْ لَزِمَهُ حُكْمُ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ مَعَ ذَلِكَ الْمُسْتَخْلِفِ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَإِنَّمَا حُكْمُهُ أَنْ يَقْضِيَ مَا فَاتَهُ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَحْدَهُ. وَقَدْ رَوَى مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ فَقَضَاهَا مَعَ إمَامٍ فَاتَتْهُ مِنْ الْجَمَاعَةِ رَكْعَةٌ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ أَبَدًا وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْمَوَّازِ بَطَلَتْ عَلَيْهِ. وَقَالَ سَحْنُونَ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مَنْ لَزِمَهُ أَنْ يَقْضِيَ فَذًّا فَقَضَى بِإِمَامٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَنْ ائْتَمَّ بِمَأْمُومٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْوَجْهِ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ مَنْ اتَّبَعَ الْمَأْمُومَ فِي الْقَضَاءِ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مَنْ دَخَلَ مَعَهُ حِينَئِذٍ مُؤْتَمًّا بِهِ فِي تِلْكَ الرَّكْعَةِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي إمَامٍ كَانَ يُصَلِّي بِقَوْمٍ فِي السَّفَرِ فَرَأَى أَمَامَهُ جَمَاعَةً تُصَلِّي بِإِمَامٍ فَجَهِلَ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِمْ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ كَانَ مَأْمُومًا وَأَعَادَ مَنْ وَرَاءَهُ أَبَدًا لِأَنَّهُمْ لَا إمَامَ لَهُمْ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنْ لَقِيت مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَمَّا مَنْ قَالَ تُجْزِئُهُمْ فَقَدْ جَوَّزَ الصَّلَاةَ مَعَ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا فَبِأَنْ يُجْزِئَ مَعَ أَحَدِهِمَا أَوْلَى فَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ ذَلِكَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ يَأْتَمُّ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - وَالنَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ فَتَأْوِيلُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَاصًّا بِالنَّبِيِّ - ﷺ - كَمَا اخْتَصَّ بِأَنْ أَتَمَّ صَلَاةً افْتَتَحَهَا أَبُو بَكْرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ): فَإِذَا قُلْنَا إنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ الْإِمَامَ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَعْتَرِضُ فِيهِ فَصْلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَأْتَمَّ أَبُو بَكْرٍ قَائِمًا بِالنَّبِيِّ - ﷺ - جَالِسًا. وَقَدْ رَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ جَوَازَهُ فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَنْعِ مِنْهُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَاصًّا بِالنَّبِيِّ - ﷺ - فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لِتَرْكِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - ﵃ - الْإِمَامَةَ حَالَ الْجُلُوسِ وَهَذَا فِيهِ
[ ١ / ٢٤٠ ]