صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْوِتْرِ (ص): (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ فَإِذَا فَرَغَ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ» .
_________________
(١) [المنتقى] وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ شَاءَ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ مِنْ أَرْبَعٍ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ صَلِّ كَمْ شِئْت بِسَلَامٍ وَاحِدٍ بَعْدَ أَنْ تَجْلِسَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ الْحَدِيثُ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هَذَا مِنْ الْأَصْلِ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» فَإِنْ قِيلَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَجْلِسَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا اللَّفْظِ لَا يُسْتَعْمَلُ لِلْفَصْلِ بِالْجُلُوسِ وَلِذَلِكَ لَا يُقَالُ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ مَثْنَى مَثْنَى وَإِنْ كَانَ يَجْلِسُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُمَا وَيُقَالُ صَلَاةُ الصُّبْحِ مَثْنَى لَمَّا كَانَ يُسَلِّمُ فِيهَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا صَلَاةً وَلَا تَكُونُ صَلَاةً إلَّا بِأَنْ يَفْصِلُهَا عَمَّا بَعْدَهَا بِالسَّلَامِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ صَلَاةُ نَفْلٍ فَلَمْ تَجُزْ الزِّيَادَةُ فِيهَا عَلَى رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ. [صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْوِتْرِ] (ش): رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ فَزَادُوا فِيهِ «يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» وَقَوْلُهُ يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْوِتْرَ مِنْ جُمْلَتِهَا رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْوِتْرِ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ إحْدَاهَا: وُجُوبُهُ. وَالثَّانِيَةِ: عَدَدُهُ. وَالثَّالِثَةِ: إفْرَادُهُ مِنْ الشَّفْعِ. فَأَمَّا وُجُوبُهُ فَإِنَّ مَالِكًا - ﵀ - ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ وَالْوَاجِبُ عِنْدَهُ دُونَ الْفَرْضِ وَفَوْقَ السُّنَنِ وَمِيزَتُهُ عَلَى السُّنَنِ أَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُ السُّنَنِ وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْوَاجِبِ وَنَقْصُهُ عَنْ الْفَرْضِ أَنَّهُ يَكْفُرُ جَاحِدُ الْفَرْضِ وَلَا يَكْفُرُ جَاحِدُ الْوَاجِبِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْوَاجِبُ عِنْدَنَا وَالْفَرْضُ وَاللَّازِمُ وَالْحَتْمُ وَالْمُسْتَحَقُّ بِمَعْنًى فَيَتَحَقَّقُ مَعَهُمْ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ أَرَادُوا بِالْوَاجِبِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ تَرْكُهُ فَهُوَ خِلَافٌ فِي عِبَارَةٍ فَلَا مَعْنَى لِلِانْتِقَالِ بِالْمُنَاظَرَةِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ قَالُوا أَنَّهُ مِمَّا يَحْرُمُ تَرْكُهُ فَهُوَ خِلَافٌ فِي مَعْنًى وَالدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِ وُجُوبِهِ حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ فِي «الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ الْفَرَائِضِ فَقَالَ - ﷺ - خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا فَقَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ»: فَوَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ - ﷺ - سُئِلَ عَنْ الْفَرْضِ فَأَجَابَ بِالْخَمْسِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْخَمْسَ صَلَوَاتٍ هِيَ جَمِيعُ فَرْضِ الصَّلَاةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ لَا فَنَفَى وُجُوبَ غَيْرِهَا. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ فَوَصَفَ مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسِ بِالتَّطَوُّعِ. (فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فِي عَدَدِ الْوِتْرِ فَإِنَّ مَالِكًا - ﵀ - ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْوِتْرَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْوِتْرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا يَقُولُهُ قَوْلُ «عَائِشَةَ - ﵂ - فِي الْحَدِيثِ يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ» . (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) وَهُوَ أَنَّ الْوِتْرَ لَا يَكُونُ إلَّا عَقِيبَ شَفْعٍ وَأَقَلُّهُ رَكْعَتَانِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَالَ سَحْنُونَ فِي كِتَابِ ابْنِهِ. وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ يُوتِرُ الْمُسَافِرُ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَدْ أَوْتَرَ سَحْنُونَ فِي مَرَضِهِ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَذَلِكَ يَدُلُّ مِنْ رَأْيِهَا عَلَى تَخْفِيفِ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ وَأَنَّ الشَّفْعَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الْوِتْرِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ جَائِزٌ دُونَ عُذْرٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةُ وِتْرٍ
[ ١ / ٢١٤ ]
(ص): (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ «أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي رَمَضَانَ فَقَالَتْ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ فَقَالَ يَا عَائِشَةَ إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي»)
_________________
(١) [المنتقى] فَوَجَبَ أَنْ يُوتِرَ بِهَا مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهَا كَالْمَغْرِبِ الَّتِي تُوتِرُ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهَا وَهُوَ الْفَرْضُ.
(٢) (فَرْعٌ) وَهَلْ يَتَعَيَّنُ لِلْوِتْرِ قِرَاءَةٌ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ الِاسْتِحْبَابِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ إنَّ النَّاسَ لَيَلْتَزِمُونَ فِي الْوِتْرِ قِرَاءَةَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ وَمَا هُوَ بِلَازِمٍ وَهَذَا يَنْفِي الْوُجُوبَ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ إنِّي لَأَفْعَلُهُ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مَنْ قَرَأَ فِي الْوِتْرِ سَهْوًا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ.
(٣) (مَسْأَلَةٌ): وَأَمَّا الشَّفْعُ قَبْلَ الْوِتْرِ فَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ مَا عِنْدِي شَيْءٌ يُسْتَحَبُّ الْقِرَاءَةُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الشَّفْعَ مِنْ جِنْسِ سَائِرِ النَّوَافِلِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ وَهَذَا عِنْدِي لِمَنْ كَانَ وِتْرُهُ بِوَاحِدَةٍ عَقِيبَ صَلَاتِهِ بِاللَّيْلِ فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُوتِرْ إلَّا عَقِيبَ شَفْعِ الْوِتْرِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الشَّفْعِ بِسَبِّحْ اسْمِ رَبِّك الْأَعْلَى وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ فَإِذَا فَرَغَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ إذَا فَرَغَ مِنْ الْإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّهَا الَّتِي ذَكَرَ فِعْلَهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَرَاغَ كَانَ مِنْهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فَإِذَا فَرَغَ يَعْنِي مِنْ جَمِيعِ مَا صَلَّى إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْأَظْهَرُ إذْ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالْوِتْرُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَالْأَوْزَاعِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «أَنَّ اضْطِجَاعَهُ - ﷺ - إنَّمَا كَانَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ رَاحَةً وَانْتِظَارًا لِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَكَانَ يَضْطَجِعُ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ رَاحَةً وَانْتِظَارَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ» . (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ هَذِهِ الضَّجْعَةَ لَيْسَتْ بِقُرْبَةٍ وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَضْطَجِعُ رَاحَةً وَإِبْقَاءً عَلَى نَفْسِهِ قَالَ مَالِكٌ مَنْ فَعَلَهَا رَاحَةً فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَمَنْ فَعَلَهَا سُنَّةً وَعِبَادَةً فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ اُسْتُحِبَّ الضَّجْعَةُ بَيْنَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إذَا صَلَّى فَإِنْ كُنْت مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلَّا اضْطَجَعَ حَتَّى يُؤْذَنَ بِالصَّلَاةِ» وَأَمَّا اضْطِجَاعُهُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَلِمَا رُوِيَ عَنْهُ «أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» . (ش): قَوْلُهُ كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي رَمَضَانَ يَحْتَمِلُ السُّؤَالُ عَنْ صِفَةِ صَلَاتِهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سُؤَالًا عَنْ عِدَّةِ مَا يُصَلِّي مِنْ الرَّكَعَاتِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ جَوَابُ عَائِشَةَ مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً فَأَجَابَتْهُ بِالْعَدَدِ ثُمَّ أَتْبَعَتْ ذَلِكَ الصِّفَةَ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْحَدِيثِ وَقَدْ تَأْتِي كَيْفَ بِمَعْنَى كَمْ وَإِنَّمَا قَصَرَ السُّؤَالَ عَلَى رَمَضَانَ لِمَا رَأَى مِنْ الْحَضِّ عَلَى صَلَاةِ رَمَضَانَ فَظُنَّ لِذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَخُصُّهُ بِصَلَاةٍ فَأَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ أَنَّ فِعْلَهُ كَانَ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ وَفِي ذَلِكَ بَيَانُ أَنَّ حُصُولَنَا عَلَى صَلَاةِ رَمَضَانَ لِمَا عُلِمَ مِنْ ضَعْفِنَا عَنْ إقَامَةِ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْعَامِ فَحَضَّنَا عَلَى أَفْضَلِ أَوْقَاتِ الْعَامِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلُ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ تُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِكَلَامٍ
[ ١ / ٢١٥ ]
(ص): (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ يُصَلِّي إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ») .
_________________
(١) [المنتقى] وَلَكِنَّهَا جَمَعَتْهُمَا فِي اللَّفْظِ لِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّ صِفَتَهُمَا وَطُولَهُمَا وَحُسْنَهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَأَنَّ الْأَرْبَعَ الْأُخَرَ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِهَا وَإِنْ كَانَتْ قَدْ أَخَذَتْ مِنْ الْحُسْنِ وَالطُّولِ حَظَّهَا. وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا ثُمَّ يَنَامُ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا ثُمَّ يَنَامُ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَاسْتَيْقَظَ فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ وَهُوَ يَقُولُ إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِآيَاتٍ لِأُوَلِي الْأَلْبَابِ فَقَرَأَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَامَ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِسِتِّ رَكَعَاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيَقْرَأُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَخَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفَضْلِ وَإِنَّ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ جِنْسِ الْوِتْرِ فِي الْحُسْنِ وَالطُّولِ وَقَوْلُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ بِإِثْرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ قَبْلَ أَنْ يُوتِرَ ثُمَّ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ لِصَلَاتِهِ وَوِتْرِهِ فَقَالَتْ لَهُ كَيْفَ تَفْعَلُ ذَلِكَ وَرُبَّمَا ذَهَبَ بِك النَّوْمُ عَنْ وِتْرِك. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا ثُمَّ نَامَ قَبْلَ أَنْ يُوتِرَ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ يَا عَائِشَةُ إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَنَامُ عَنْ مُرَاعَاةِ الْوَقْتِ. وَهَذَا مِمَّا خُصَّ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ وَالْعِصْمَةِ وَلِذَلِكَ كَانَ - ﷺ - لَا يَحْتَاجُ إلَى الْوُضُوءِ مِنْ النَّوْمِ لِعِلْمِهِ بِمَا يَكُونُ مِنْهُ. (ص): (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ يُصَلِّي إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ») . (ش): ذَكَرَتْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً غَيْرَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَذَكَرَتْ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ أَنَّ رِوَايَةَ عَائِشَةَ - ﵂ - اضْطَرَبَتْ فِي الْحَجِّ وَالرَّضَاعِ وَصَلَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِاللَّيْلِ وَقَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ وَهَذَا غَلَطٌ مِمَّنْ قَالَهُ وَسَهْوٌ عَنْ وَجْهِ التَّأْوِيلِ وَلَوْ اضْطَرَبَتْ رِوَايَتُهَا فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِاللَّيْلِ مَعَ مُشَاهَدَتِهَا لَهُ مُدَّةَ عُمْرِهَا فِي حَيَاتِهِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ اضْطِرَابُ رِوَايَتِهَا فِيمَا لَمْ تُشَاهِدْهُ إلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَشَدَّ وَلَا تَصِحُّ لَهَا رِوَايَةٌ وَقَدْ أَجْمَعَ مَنْ تَعَلَّقَ بِشَيْءٍ مِنْ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا مِنْ أَحْفَظِ الصَّحَابَةِ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ قِلَّةُ مَعْرِفَتِهِ بِمَعَانِي الْكَلَامِ وَوُجُوهِ التَّأْوِيلِ وَرِوَايَةُ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدَهُمَا: أَنَّهُ كَانَ - ﷺ - تَخْتَلِفُ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ لِأَنَّهُ لَا حَدَّ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ فَمَرَّةً كَانَتْ تُخْبِرُ بِمَا شَاهَدَتْ مِنْهُ فِي وَقْتٍ مَا وَمَرَّةً كَانَتْ تُخْبِرُ بِمَا شَاهَدَتْ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ وَإِنَّمَا قَالَتْ إنَّهُ - ﷺ - كَانَ لَا يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً تُرِيدُ صَلَاتَهُ الْمُعْتَادَةَ الْغَالِبَةَ وَإِنْ كَانَ رُبَّمَا يَزِيدُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ عَلَى ذَلِكَ فَقَصَدَتْ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ إلَى الْإِخْبَارِ عَنْ غَالِبِ صَلَاتِهِ وَذَكَرَتْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ تَنْتَهِي إلَيْهِ صَلَاتُهُ فِي النَّادِرِ أَنَّ مَا كَانَتْ تَنْتَهِي إلَيْهِ صَلَاتُهُ فِي الْأَغْلَبِ إذَا زَادَ عَلَى الْمُعْتَادِ. وَالْوَجْهَ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ - ﵂ - تَقْصِدُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ إلَى الْإِخْبَارِ عَنْ جَمِيعِ صَلَاتِهِ فِي لَيْلَةٍ وَتَقْصِدُ فِي وَقْتٍ ثَانٍ إلَى ذِكْرِ نَوْعٍ مِنْ صَلَاتِهِ فِي اللَّيْلِ وَجَمِيعِ صَلَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِاللَّيْلِ فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّي إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً بِالْوِتْرِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» فَلَمْ تَعْتَدَّ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ وَأَبِي سَلَمَةَ بِرَكْعَتَيْ الِافْتِتَاحِ وَلَا بِرَكْعَتَيْ
[ ١ / ٢١٦ ]
(ص): (مَالِكٌ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ كُرَيْبٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ «أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَهِيَ خَالَتُهُ قَالَ فَاضْطَجَعْت فِي عُرْضِ الْوِسَادَةِ وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى إذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ثُمَّ قَامَ إلَى شَنٍّ مُعَلَّقٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقُمْت فَصَنَعْت مِثْلَ مَا صَنَعَ ثُمَّ ذَهَبْت فَقُمْت إلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ») .
_________________
(١) [المنتقى] الْفَجْرِ فَلِذَلِكَ وَصَفَتْ صَلَاتَهُ بِأَنَّهَا إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَرَوَى هَاشِمُ بْنُ عُرْوَةَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً غَيْرَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَاعْتَدَّتْ فِيهَا بِرَكْعَتَيْ الِافْتِتَاحِ. وَقَدْ رَوَى عَنْهَا أَبُو سَلَمَةَ أَيْضًا أَنَّهَا قَالَتْ كَانَتْ صَلَاتُهُ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِاللَّيْلِ مِنْهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ فَعَائِشَةُ - ﵂ - كَانَتْ تُخْبِرُ بِالْأَمْرِ عَلَى وُجُوهٍ شَتَّى وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ أَسْبَابِ السُّؤَالِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهَا ثُمَّ يُصَلِّي إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ تُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي إذَا عَلِمَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَمِنْ سُنَّتِهَا التَّخْفِيفُ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (ش): قَوْلُهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَهِيَ خَالَتُهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ الِاسْتِئْنَاسَ وَالصِّلَةَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ بِذَلِكَ تَعَلُّمَ الْعِلْمِ وَمَعْرِفَةَ عَمَلِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ فَاضْطَجَعْت فِي عُرْضِ الْوِسَادَةِ وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي طُولِهَا الْوِسَادَةُ هُوَ الْفِرَاشُ الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ فَكَانَ اضْطِجَاعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي عَرْضِهَا عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَوْ عِنْدَ أَرْجُلِهِمَا وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ الْوِسَادَةُ مَا يَضَعُونَ عَلَيْهِ رُءُوسَهُمْ لِلنَّوْمِ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَأَهْلُهُ رُءُوسَهُمَا فِي طُولِهَا وَوَضَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَأْسَهُ فِي عُرْضِهَا وَالْعُرْضُ بِالضَّمِّ هُوَ الْجَانِبُ الضَّيِّقُ مِنْهَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ وَهَذَا لَيْسَ بِالْبَيِّنِ عِنْدِي وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ لَقَالَ يَتَوَسَّدُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَأَهْلُهُ طُولَ الْوِسَادَةِ وَتَوَسَّدَ ابْنُ عَبَّاسٍ عُرْضَهَا وَأَمَّا قَوْلُهُ وَاضْطَجَعَ فِي عُرْضِهَا فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْعُرْضُ مَحَلًّا لِاضْطِجَاعِهِ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ فِرَاشًا لَهُ وَمَا قَالَهُ فِي الْعُرْضِ غَيْرُ صَحِيحٍ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ فِي عَرْضِهَا بِالْفَتْحِ وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ فِي عِلْمِنَا بِالضَّمِّ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَإِنَّ الْعُرْضَ الْجَانِبُ وَاَلَّذِي كَانَ يَتَوَسَّدُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْهَا إنَّمَا كَانَ الْجَانِبُ بِلَا فَرْقٍ بَيْنَهُمَا إلَّا بِالطُّولِ وَالْعُرْضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا فِرَاشٌ غَيْرُهُ وَلِذَلِكَ نَامُوا جَمِيعًا فِيهِ وَهَذَا نِهَايَةُ مَا يَكُونُ مِنْ تَقْرِيبِ النَّبِيِّ - ﷺ - لِأَهْلِهِ وَأَهْلِ مَيْمُونَةَ زَوْجِهِ وَفِيهِ إبَاحَةُ مِثْلِ هَذَا لِمَنْ كَانَ فِي مِثْلِ سِنِّهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سِنُّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ نَحْوُ الْعَشَرَةِ الْأَعْوَامِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَى عُمْرَةِ الْقَضَاءِ. وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ السِّنِّ وَهُوَ سِنٌّ يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَرْقُدَ مَنْ بَلَغَهُ مَعَ أَحَدٍ مِنْ الْأَجَانِبِ أَوْ ذِي الْمَحَارِمِ دُونَ حَائِلٍ بَيْنَهُمَا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى. وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ «يُؤْمَرُ الصِّبْيَانُ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ وَيُضْرَبُونَ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ
[ ١ / ٢١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [المنتقى] عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَأَلْته مَتَى يُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا ثَغَرُوا مِنْ نَاحِيَةِ التَّفْرِقَةِ فِي الْبَيْعِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ تَفْسِيرُ الْحَدِيثِ» وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ أَنْ لَا يَتَجَرَّدَ الْغُلَامُ وَالْجَارِيَةُ إذَا بَلَغَا عَشْرًا وَلَا الْجَارِيَتَانِ وَلَا الْغُلَامَانِ وَإِنْ كَانُوا أَخَوَيْنِ وَلَا يَتَجَرَّدَا مَعَ أَبِيهِمَا وَلَا مَعَ أُمِّهِمَا إلَّا وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبٌ. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ تَفْرِقَةٌ فَكَانَ حَدُّهَا الْإِثْغَارَ كَالتَّفْرِقَةِ فِي الْبَيْعِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَبِهَا قَالَ عِيسَى إنَّ الصَّبِيَّ لَا يَعْرِفُ مَعَانِيَ الْجِمَاعِ وَلَا يَتَشَوَّقُ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا فِي أَقَلِّ مِنْ عَشْرَةٍ فَلَزِمَتْ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ وَأَمَّا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ فَلَا يَأْبَهُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ فَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.
(٢) (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى إذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ عَلَى مَعْنَى التَّغْرِيرِ وَهَذَا هُوَ الْوَقْتُ الْمُسْتَحَبُّ فِي الْقِيَامِ وَقَوْلُهُ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ إزَالَةَ النَّوْمِ مِنْ الْوَجْهِ. وَالثَّانِي: إزَالَةُ الْكَسَلِ بِمَسْحِ الْوَجْهِ. وَقَوْلُهُ: ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ يَعْنِي مِنْ قَوْلِهِ إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَى آخِرِ السُّورَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِيَبْتَدِئَ يَقَظَتَهُ بِذِكْرِ اللَّهِ وَيَخْتِمَهَا بِذِكْرِ اللَّهِ عِنْدَ نَوْمِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِيَذْكُرَ مَا نَدَبَ إلَيْهِ مِنْ الْعِبَادَةِ وَمَا وَعَدَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الثَّوَابِ وَتَوَعَّدَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ مِنْ الْعِقَابِ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ جَامِعَةٌ لِكَثِيرٍ مِنْ ذَلِكَ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَنْشِيطًا لَهُ عَلَى الْعِبَادَةِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ ثُمَّ قَامَ إلَى شَنٍّ مُعَلَّقٍ وَهُوَ السِّقَاءُ الْبَالِي فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ يُقَالُ أَحْسَنَ فُلَانٌ كَذَا بِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَتَى بِهِ عَلَى أَكْمَلِ هَيْئَةٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلِمَ كَيْفَ يَأْتِي بِهِ يُقَالُ فُلَانٌ يُحْسِنُ صَنْعَةَ كَذَا أَيْ يَعْلَمُ كَيْفَ يَصْنَعُ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ قَامَ يُصَلِّي إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُمْت فَصَنَعْت مِثْلَ مَا صَنَعَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ جَمِيعَ مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى وَجْهِ الِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - وَالْمُبَادَرَةِ إلَى الِانْتِفَاعِ بِمَا تَعَلَّمَ مِنْهُ فَقَامَ إلَى جَنْبِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ قَامَ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ. وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ عَنْهُ مُفَسَّرًا فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ يَأْتَمُّ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ أَنْ يَؤُمَّ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَامَ يُصَلِّي ثُمَّ قَامَ بَعْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَتَوَضَّأَ وَدَخَلَ مَعَهُ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ حَتَّى يَنْوِيَ ذَلِكَ الْإِمَامُ عِنْدَ إحْرَامِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَأْتَمُّ بِهِ الرَّجُلُ وَلَا يَأْتَمُّ بِهِ النِّسَاءُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ فِعْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ - ﷺ - وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى الْمُنْكَرِ فَإِنْ قِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ صَادَفَ دُخُولُهُ فِي الصَّلَاةِ افْتِتَاحَ النَّبِيِّ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ مِمَّا قَبْلَهُمَا فَنَوَى النَّبِيُّ - ﷺ - إمَامَتَهُ: فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ كَانَ يُقِيمُهُ عَلَى جَنْبِهِ وَلَمْ يَكُنْ لِيُقِرَّهُ عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَى يَسَارِهِ فَيُدِيرَهُ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ حَكَى أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ إدَارَتِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ أَوْتَرَ لِأَنَّهُ وَصَفَ إدَارَتَهُ ثُمَّ قَالَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ وَالْفَاءُ تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ فِي الْعَطْفِ. وَقَدْ قَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ كُرَيْبٍ «كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً» فَثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَفُتْهُ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - شَيْءٌ غَيْرُ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهَا نِيَّةٌ لَا تُؤَثِّرُ فِي صَلَاةِ مَنْ نَوَاهَا فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِي صَلَاةِ غَيْرِهِ كَالتَّخْفِيفِ.
(٣) (مَسْأَلَةٌ): وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ إذَا عَقَلَ مَعْنَى الصَّلَاةِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ «النَّبِيِّ - ﷺ - يُؤْمَرُ الصِّبْيَانُ
[ ١ / ٢١٨ ]
(ص): (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ «لَأَرْمُقَنَّ اللَّيْلَةَ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ فَتَوَسَّدْت عَتَبَتَهُ أَوْ فُسْطَاطَهُ وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ
_________________
(١) [المنتقى] بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ وَيُضْرَبُونَ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ لَا يَدْخُلُ مِنْ جِهَةِ إسْنَادِهِ فَقَدْ قَالَ فِيهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ أَصْلٌ صَحِيحٌ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ أَنْ يُؤْمَرَ الصَّبِيُّ بِالصَّلَاةِ إذَا أَثَغْرَ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَابْنُ شِهَابٍ يُؤْمَرُ بِذَلِكَ إذَا عَرَفَ يَمِينَهُ مِنْ شِمَالِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ مُتَقَارِبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَا يُضْرَبُ عَلَيْهَا لِسَبْعِ سِنِينَ قَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَقَالَ أَشْهَبُ يُؤْمَرُ بِهَا لِلسَّبْعِ وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا فَإِذَا بَلَغَ عَشْرَةَ أَعْوَامٍ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُضْرَبُ عَلَيْهَا. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ فَقُمْت إلَى جَنْبِهِ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ الْمُؤْتَمُّ بِهِ وَحْدَهُ وَلِلْمَأْمُومِ مَعَ الْإِمَامِ سَبْعَةُ أَحْوَالٍ: إحْدَاهَا أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ رَجُلًا وَاحِدًا فَإِنَّ مِنْ سُنَّتِهِ أَنْ يَقِفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ يَقُومُ عَنْ يَسَارِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ مَا رُوِيَ عَنْ «أَنَسٍ صَلَّيْت خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ» . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ قُمْت إلَى شِقِّ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الْأَيْسَرِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ وَرَاءَ ظَهْرِهِ يَعْدِلُنِي كَذَا مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ إلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ» . (فَرْعٌ) فَإِنْ قَامَ عَنْ يَسَارِهِ أَدَارَهُ الْإِمَامُ عَنْ يَمِينِهِ وَتَكُونُ إدَارَتُهُ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَهُوَ بَيِّنٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ تَحْوِيلَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ مِنْ بَابِ الْمُرُورِ بَيْنِ يَدَيْ الْمُصَلِّي وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ. (مَسْأَلَةٌ): فَإِنْ كَانَ الْمُقْتَدِي بِالْإِمَامِ رَجُلَيْنِ فَزَائِدًا صَلَّوْا وَرَاءَهُ خِلَافًا لِابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ يُصَلِّي بَيْنَهُمَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ عَنْ «جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ سِرْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي غَزَاةٍ فَقَامَ يُصَلِّي ثُمَّ جِئْت حَتَّى قُمْت عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَجَاءَ ابْنُ صَخْرٍ حَتَّى قَامَ عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تَكُونُ مِنْ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا وَلَا تَكُونُ وَاحِدًا وَكَذَلِكَ الصَّفُّ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا فَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا وَقَفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ لِيَقُومَ مِنْهُمَا صَفٌّ وَاحِدٌ فَإِذَا كَانَا اثْنَيْنِ صَحَّ مِنْهُمَا الصَّفُّ وَلَزِمَ تَقَدُّمُ الْإِمَامِ.
(٢) (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِهِ وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ يَسِيرَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ تَأْنِيسًا لَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَهُ إيقَاظًا لَهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ «فَجَعَلَ إذَا أَغْفَيْت يَأْخُذُ بِشَحْمَةِ أُذُنِي» .
(٣) (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ الْفَصْلَ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِسَلَامٍ وَلَوْ لَمْ يُسَلِّمْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ لَكَانَ يَجْمَعُهُنَّ فِي التَّسْمِيَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ مِنْ صَلَاتِهِ - ﷺ - اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً غَيْرَ الْوِتْرِ وَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ يَقْتَضِي أَيْضًا أَنَّ الْوِتْرَ هُوَ الرَّكْعَةُ الْوَاحِدَةُ الْمُنْفَرِدَةُ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ كُرَيْبٌ «أَنَّ صَلَاتَهُ - ﷺ - تَتَامَّتْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً» . (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ مَالِكٍ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ وَهَذَا الِاضْطِجَاعُ لِانْتِظَارِ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ وَقَوْلُهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ يَعْنِي بِذَلِكَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لِأَنَّهُ صَلَاةٌ بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ غَيْرُهُمَا.
[ ١ / ٢١٩ ]