يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ») .
مَا جَاءَ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ (ص): (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا وَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ») .
_________________
(١) [المنتقى] [قَدْرُ السُّحُورِ مِنْ النِّدَاءِ] (ش): قَوْلُهُ إنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَجَوَازِ الْأَذَانِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَلِذَلِكَ قَالَ - ﷺ - «فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» فَأَبَاحَ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ فِي وَقْتٍ يُؤَذِّنُ فِيهِ بِلَالٌ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. (ص): (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «إنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ قَالَ وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْت أَصْبَحْت») . (ش): قَوْلُهُ «فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» يَقْتَضِي مَنْعَ الْأَكْلِ إذَا أَذَّنَ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ فِي الْغَايَةِ وَيَدُلُّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ مُؤَذِّنَيْنِ فِي مَسْجِدٍ يُؤَذِّنَانِ لِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلْقَوْمِ فِي السَّفَرِ وَالْحَرَسِ وَالْمَرْكَبِ ثَلَاثَةُ مُؤَذِّنِينَ وَأَرْبَعَةٌ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُتَّخَذَ فِي الْمَسْجِدِ أَرْبَعَةُ مُؤَذِّنِينَ وَخَمْسَةٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا بَأْسَ فِيمَا اتَّسَعَ وَقْتُهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ كَالصُّبْحِ وَالظُّهْرِ وَالْعِشَاءِ أَنْ يُؤَذِّنَ خَمْسَةٌ إلَى عَشَرَةٍ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ وَفِي الْعَصْرِ مِنْ الثَّلَاثَةِ إلَى الْخَمْسَةِ وَلَا يُؤَذِّنُ فِي الْمَغْرِبِ إلَّا وَاحِدٌ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلًا أَعْمَى دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَذَانِ الْأَعْمَى إذْ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَدْ اتَّخَذَهُ مُؤَذِّنًا لِأَنَّ عَمَاهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْإِعْلَامِ بِالصَّلَاةِ إذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُعْلِمُهُ بِالْأَوْقَاتِ وَيَرْقُبُهَا لَهُ فَيُجْزِئُ عَنْهَا عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يُخْبِرُ بِهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ قَالَ مَالِكٌ إنَّ الْمُؤَذِّنَ إمَامٌ وَالْأَعْمَى يَجُوزُ أَنْ يَكُون إمَامًا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يُقَالُ وَقْتُ الصَّلَاةِ إلَى الْأَئِمَّةِ إقَامَتُهَا وَيُقْتَدَى بِهِمْ فِيهَا. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْت أَصْبَحْت قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ أَصْبَحْت أَصْبَحْت لَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الصُّبْحَ قَدْ ظَهَرَ وَانْفَجَرَ وَلَكِنَّهُ عَلَى مَعْنَى التَّحْذِيرِ مِنْ طُلُوعِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَلِهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ وَالْأَوْلَى عِنْدِي أَنَّهُ كَانَ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ مَنْ يَرْقُبُ الْفَجْرَ أَصْبَحْت بِمَعْنَى أَنَّ الْفَجْرَ قَدْ بَدَا فَيُؤَذِّنُ حِينَئِذٍ وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ وَضَّاحٍ أَذَانُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فِي بَقِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ قَبْلَ انْفِجَارِ الصُّبْحِ وَلَكَانَ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَإِنْ قِيلَ لَوْ لَمْ يُؤَذِّنْ حَتَّى يَقُولَ لَهُ مَنْ رَأَى الْفَجْرَ أَصْبَحْت وَقَدْ أَبَاحَ النَّبِيُّ - ﷺ - الْأَكْلَ حَتَّى يُؤَذِّنَ لَكَانَ أَكْلُ الْمُنْتَظِرِ لِأَذَانِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ وَقَعَ أَكْلُهُ إلَى وَقْتٍ يَتَبَيَّنُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ صَوْمِهِ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ لِلصَّائِمِ أَنْ يَأْكُلَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ وَأَنَّهُ إنْ أَكَلَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَقَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ فَصَوْمُهُ صَحِيحٌ وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ - ﵊ - «فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» أَنَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ مُبَاحٌ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي أُمِرَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ أَنْ يُؤَذِّنَ فِيهِ إذَا قِيلَ لَهُ أَصْبَحْت وَهُوَ أَوَّلُ طُلُوعِ الْفَجْرِ. [مَا جَاءَ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ] (ش): قَوْلُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
[ ١ / ١٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [المنتقى] - ﷺ - كَانَ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ يَكُونُ بِالنُّطْقِ بِالتَّكْبِيرِ وَلَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى النُّطْقِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَأَفْعَالُ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى الْوُجُوبِ. (مَسْأَلَةٌ): وَلَا يُجْزِئُ مِنْ النُّطْقِ غَيْرُ التَّكْبِيرِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ كُلُّ لَفْظٍ فِيهِ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى نَحْوُ اللَّهُ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ وَاَللَّهُ الْكَبِيرُ وَاَللَّهُ الْعَظِيمُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ وَإِذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ عَرَا مِنْ لَفْظِ التَّكْبِيرِ وَبِنِيَّتِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ إحْرَامًا بِالصَّلَاةِ أَصْلُ ذَلِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَلَيْسَ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَلَا مِنْ فَضَائِلِهَا التَّوْجِيهُ عَلَى مَا قَبْلَ الْإِحْرَامِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا بَأْسَ بِهِ وَأَمَّا بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ شَعْبَانَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ صَلَّيْت مَعَ مَالِكٍ فِي بَيْتِهِ فَكَانَ يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَقَالَ مَالِكٌ أَكْرَهُ أَنْ أَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ فَيَقُولُ جَاهِلٌ هَذَا مِنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي الْإِحْرَامِ إلَّا التَّكْبِيرُ فَلَا يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُجْزِئُ اللَّهُ الْأَكْبَرُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ غَيَّرَتْ مِنْ بِنْيَةِ قَوْلِهِ اللَّهُ أَكْبَرُ فَمَنَعَتْ صِحَّةَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ بِهَا أَصْلُ ذَلِكَ اللَّهُ أَكْبَرُ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ فِي الرَّفْعِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ إحْدَاهَا بَيَانُ مَوَاضِعِ الرَّفْعِ فَالْخِلَافُ فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَهَا مَشْرُوعٌ. وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ أَصْحَابُنَا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَكَانَ رَفْعُ الْيَدَيْنِ ضَعِيفًا إلَّا فِي الِافْتِتَاحِ وَصَرَّحَ بِهَا الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي مُخْتَصَرِهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الرَّفْعَ مَشْرُوعٌ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا ذُكِرَ فِي أَحَدِ طَرَفَيْ الصَّلَاةِ فَكَانَ مِنْ حُكْمِهِ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ عَمَلٌ كَالسَّلَامِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ التَّكْبِيرَ شُرِعَ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ عَمَلٍ قُرِنَ بِهِ لِلِانْتِقَالِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ عَمَلٌ مِنْ الِانْتِقَالِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ قَرَنَ بِهِ رَفْعَ الْيَدَيْنِ كَمَا قَرَنَ بِالسَّلَامِ الْإِشَارَةَ بِالرَّأْسِ وَالْوَجْهِ إلَى الْيَمِينِ. (فَرْعٌ) وَأَمَّا الْمَوْضِعُ الثَّانِي فَعِنْدَ الِانْحِطَاطِ لِلرُّكُوعِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ الْمَنْعَ مِنْهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ عَنْهُ الرَّفْعَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَتَعَلَّقَ أَصْحَابُنَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّهْشَلِيُّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ «عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ ثُمَّ لَا يَعُودُ» وَهَذَا الْحَدِيثُ مَوْقُوفٌ عَلَى عَلِيٍّ - ﵁ - وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا تَكْبِيرٌ لِلِانْتِقَالِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ رَفْعُ الْيَدَيْنِ كَالِانْتِقَالِ مِنْ الْجُلُوسِ إلَى السُّجُودِ. وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ تَكْبِيرَةَ الرَّكْعَةِ تَكْبِيرَةٌ تَجْعَلُ مُدْرِكَهَا مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ الْأُولَى فَشُرِعَ فِيهَا رَفْعُ الْيَدَيْنِ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. (فَرْعٌ) وَأَمَّا التَّكْبِيرُ عِنْدَ السُّجُودِ فَلَمْ يُشْرَعْ الرَّفْعُ مَعَهُ وَقَدْ رُوِيَتْ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ لَا تَثْبُتُ. (مَسْأَلَةٌ): وَأَمَّا نِهَايَةُ الرَّفْعِ فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَى مَنْكِبَيْهِ وَبِهِ قَالَ
[ ١ / ١٤٢ ]
(ص): (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ صَلَاتَهُ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ ﷿»)
_________________
(١) [المنتقى] الشَّافِعِيُّ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ يَرْفَعُ إلَى صَدْرِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَرْفَعُ إلَى أُذُنَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى نِهَايَةِ الرَّفْعِ إلَى الْمَنْكِبَيْنِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمُ وَفِيهِ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَأَمَّا مَا رَوَى مَالِكٌ بْنُ الْحُوَيْرِثِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ إذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ» فَلَنَا عَلَى ذَلِكَ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: التَّرْجِيحُ. وَالثَّانِي: الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ. فَأَمَّا التَّرْجِيحُ فَإِنَّ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَصَحُّ مِنْ قَتَادَةَ عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّا نَقُولُ كَانَ يُحَاذِي بِكَفَّيْهِ مَنْكِبَيْهِ وَبِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ أُذُنَيْهِ فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ إطْرَاحِ أَحَدِهِمَا.
(٢) (مَسْأَلَةٌ): وَأَمَّا صِفَةُ الرَّفْعِ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ شُيُوخُنَا الْعِرَاقِيُّونَ أَنْ تَكُونَ يَدَاهُ قَائِمَتَيْنِ تُحَاذِي كَفَّاهُ مَنْكِبَيْهِ وَأَصَابِعُهُ أُذُنَيْهِ. وَرُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُمَا تَكُونَانِ مَنْصُوبَتَيْنِ ظُهُورُهُمَا إلَى السَّمَاءِ وَبُطُونُهُمَا إلَى الْأَرْضِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَالْأَوَّلُ عِنْدِي أَوْلَى لِأَنَّا نَتَمَكَّنُ بِذَلِكَ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ فِي التَّكَلُّفِ وَأَيْسَرُ فِي الرَّفْعِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا لَمْ يَذْكُرْ يَحْيَى رَفْعَهُمَا عِنْدَ الِانْحِنَاءِ لِلرُّكُوعِ وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو مُصْعَبٍ وَالْقَعْنَبِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُوَطَّأِ وَزَادَ الرَّفْعَ عِنْدَ الِانْحِنَاءِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحُفَّاظِ مِنْهُمْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُمْ وَقَوْلُهُمْ أَوَّلًا لِأَنَّهُمْ زَادُوا وَفِيهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحُفَّاظِ الْأَثْبَاتِ. (ش): قَوْلُهُ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ» يُرِيدُ بِالْخَفْضِ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَبِالرَّفْعِ الرَّفْعَ مِنْ السُّجُودِ وَأَمَّا الرَّفْعُ مِنْ الرُّكُوعِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ حُكْمَهُ التَّحْمِيدُ دُونَ التَّكْبِيرِ وَالتَّكْبِيرُ وَالتَّحْمِيدُ لِلِانْتِقَالِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ وَحُكْمُهُ أَنْ يَكُونَ فِي نَفْس الْخَفْضَيْنِ وَأَمَّا الرَّفْعُ عِنْدَ التَّكْبِيرِ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الثَّالِثَةِ فَإِنَّ حُكْمَهُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَكُونَ إذَا اسْتَوَى قَائِمًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُكَبِّرُ فِي نَفْسِ الْقِيَامِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ هَذَا رَفْعُ رَأْسٍ مِنْ سُجُودٍ فَلَمْ يُشْرَعْ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ تَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ إلَى اسْتِيفَاءِ الْقِيَامِ كَالْقِيَامِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ اخْتِصَاصِ إحْدَى الْحَالَتَيْنِ بِالتَّكْبِيرِ اخْتَصَّ بِهَا رَفْعُ الرَّأْسِ مِنْ السُّجُودِ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ الْعَمَلِ وَابْتِدَاءُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَمَلِ فَعَرَا آخِرُ الْقِيَامِ مِنْ تَكْبِيرٍ وَمِنْ حُكْمِهِ أَيْضًا أَنْ لَا يَنْتَقِلَ مِنْ عَمَلٍ إلَى عَمَلٍ إلَّا بِتَكْبِيرِ فَاخْتَصَّ بِذَلِكَ أَوَّلُ الْقِيَامِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَوَّلُ الْوُقُوفِ. وَالثَّانِي أَنَّهَا حَالٌ قَدْ شُرِعَ فِيهَا تَكْبِيرَةٌ وَهِيَ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَأَمَّا الْقِيَامُ مِنْ الْجُلُوسِ فَإِنَّهُ آخِرُ عَمَلٍ فَلَمْ يُشْرَعْ فِيهِ ابْتِدَاءُ تَكْبِيرٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص): (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ») . (ش): قَوْلُهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ إخْبَارٌ عَنْ رَفْعِهِمَا فِي الْجُمْلَةِ وَلَمْ يُعَيِّنْ مَوْضِعَ رَفْعِهِمَا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ إلَّا عَلَى مَنْ مَنَعَ الرَّفْعَ جُمْلَةً. (ص): (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ فَإِذَا انْصَرَفَ قَالَ وَاَللَّهِ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -») . (ش): قَوْلُهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ أَوْ رَفَعَ يَقُولُ وَاَللَّهِ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَقْتَضِي الشَّبَهَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَالَ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهَذَا عَامٌّ فِي التَّكْبِيرِ وَغَيْرِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الرَّاوِيَ إنَّمَا ذَكَرَ مِنْ صَلَاةِ أَبِي هُرَيْرَةَ التَّكْبِيرَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَصَدَ بِهِ الشَّبَهَ
[ ١ / ١٤٣ ]
(ص): (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ) .
(ص): (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إذَا أَدْرَكَ الرَّجُلُ الرَّكْعَةَ فَكَبَّرَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً أَجْزَأَتْ عَنْهُ تِلْكَ التَّكْبِيرَةُ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ إذَا نَوَى بِتِلْكَ التَّكْبِيرَةِ افْتِتَاحَ الصَّلَاةِ) .
_________________
(١) [المنتقى] بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ إنَّ التَّكْبِيرَ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَقَدْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى التَّكْبِيرِ. (مَسْأَلَةٌ): وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ التَّكْبِيرَ غَيْرُ وَاجِبٍ إلَّا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ خِلَافًا لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي قَوْلِهِ أَنَّ التَّكْبِيرَ كُلَّهُ وَاجِبٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا تَكْبِيرٌ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يُشْرَعْ لِلِافْتِتَاحِ فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا كَالتَّكْبِيرِ فِي الْعِيدَيْنِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَأَمَّا مَسَائِلُ أَصْحَابِنَا فَإِنَّهَا تَقْتَضِي وُجُوبَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - دَلِيلٌ عَلَى اقْتِدَائِهِمْ بِصَلَاتِهِ وَحِرْصِهِمْ عَلَى الشَّبَهِ بِهِ وَفَخْرِهِمْ بِالْمَزِيَّةِ فِي ذَلِكَ، وَتَرْكُ الْجَمَاعَةِ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ وَالرَّدَّ لِقَوْلِهِ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ. (ص): (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ) . (ش): قَوْلُهُ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ يَقْتَضِي ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّا نَخُصُّهُ بِالدَّلِيلِ فِي رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الرُّكُوعِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي السُّجُودِ أَخْفَضُ مِنْهُ فِي الرُّكُوعِ وَلَا وَجْهَ لَهُ نَعْلَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُون لِلِاتِّبَاعِ إنْ كَانَ فِيهِ أَثَرٌ فَالِاتِّبَاعُ أَحْسَنُ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ أُحِبُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ لَا يَجْهَرَ بِالتَّكْبِيرِ وَبِقَوْلِهِ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ فَإِنْ جَهَرَ بِذَلِكَ جَهْرًا يُسْمِعُ مَنْ يَلِيهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَأُحِبُّ أَنْ لَا يَجْهَرَ مَعَهُ إلَّا بِالسَّلَامِ جَهْرًا يُسْمِعُ مَنْ يَلِيهِ. (ص): (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَانَ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا دُونَ ذَلِكَ) . (ش): قَوْلُهُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا دُونَ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَاهُ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَكَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ رَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ كَذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهُ بْنُ عُمَرَ كَانَ يَفْعَلُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا وَيَرَى ذَلِكَ وَاسِعًا فِيهِمَا. (ص): (مَالِكٌ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ قَالَ فَكَانَ يَأْمُرُنَا نُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضْنَا وَرَفَعْنَا) . (ش): قَوْلُهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ مُؤَكِّدُ أَحْكَامِ السُّنَنِ فِي الصَّلَاةِ وَلِذَلِكَ كَانَ يَهْتَبِلُ بِهِ اهْتِبَالًا يَخُصُّهُ بِالتَّعْلِيمِ. (ش): قَوْلُهُ إذَا أَدْرَكَ الرَّجُلُ الرَّكْعَةَ فَكَبَّرَ يُرِيدُ إدْرَاكَ أَصْلِهَا مَعَ الْإِمَامِ وَلَمْ يَفُتْهُ ذَلِكَ وَهُوَ بِأَنْ يَصِيرَ الْإِمَامُ إلَى رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ فِيهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ بِالْإِحْرَامِ لَهَا. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ فَكَبَّرَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً أَجْزَأَتْ عَنْهُ تِلْكَ التَّكْبِيرَةُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَتِلْكَ التَّكْبِيرَةُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ قَبْلَ خَفْضِ الْمَأْمُومِ إلَى الرُّكُوعِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمَأْمُومِ مِنْ جُزْءٍ مِنْ الْقِيَامِ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْتَتِحَهَا رَاكِعًا وَإِنَّمَا يَفْتَتِحُهَا قَائِمًا وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُهُ مِنْ الْقِيَامِ قَدْرُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَحْمِلُ عَنْهُ الْقِرَاءَةَ فَيُحْمَلُ عَنْهُ قِيَامُهَا وَلَمَّا لَمْ يَحْمِلْ عَنْهُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لَمْ يُحْمَلْ عَنْهُ قِيَامُهَا وَظَاهِرُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ مُخَالِفٌ لِهَذَا الْقَوْلِ لِأَنَّهُ قَالَ فَإِنْ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ يَنْوِي بِذَلِكَ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهَا تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ تَمَادَى وَأَعَادَ الصَّلَاةَ وَالتَّكْبِيرُ لِلرُّكُوعِ لَا يَكُونُ فِي حَالِ الْقِيَامِ وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي نَفْسِ الِانْحِطَاطِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا ابْتَدَأَهُ فِي آخِرِ أَجْزَاءِ الْقِيَامِ أَجُزْأَهُ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ إذَا نَوَى بِتِلْكَ التَّكْبِيرَةِ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ الَّتِي لَيْسَتْ كَذَلِكَ وَلَا تَتَمَيَّزُ مِنْ غَيْرِهَا إلَّا
[ ١ / ١٤٤ ]
(ص): (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فَنَسِيَ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ وَتَكْبِيرَ الرُّكُوعِ حَتَّى صَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَبَّرَ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ وَلَا عِنْدَ الرُّكُوعِ وَكَبَّرَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ يَبْتَدِئُ صَلَاتَهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَلَوْ سَهَا مَعَ الْإِمَامِ عَنْ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَكَبَّرَ فِي الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ رَأَيْت ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ إذَا نَوَى بِهَا تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ) .
_________________
(١) [المنتقى] بِمُقَارَنَةِ النِّيَّةِ لَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش): وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّهُ إذَا رَكَعَ دُونَ تَكْبِيرٍ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ الصَّلَاةَ مَتَى مَا ذَكَرَ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي صَلَاةٍ لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِيهَا وَلَا لَفْظُهُ فَهُوَ إذَا ذَكَرَ كَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَعَلَيْهِ أَنْ يَبْتَدِئَ الصَّلَاةَ فَإِنْ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ يَنْوِي بِذَلِكَ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ أَجْزَأَ ذَلِكَ عَنْهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ. (مَسْأَلَةٌ): وَإِنْ كَانَ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ أَوَّلَ رَكْعَةٍ وَلَمْ يَنْوِ الِافْتِتَاحَ فَهَلْ يَتَمَادَى فِي الصَّلَاةِ أَوْ يَبْتَدِئُهَا عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنْ يَبْتَدِئَهَا. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَتَمَادَى وَيُعِيدُهَا. وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهَا صَلَاةٌ لَا تُجْزِئُهُ وَلَا تَبْرَأُ بِهَا ذِمَّتُهُ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا يَتَمَادَى عَلَيْهَا كَمَا لَوْ لَمْ يُكَبِّرْ لِلرُّكُوعِ وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ بِالتَّمَادِي عَلَيْهَا ثُمَّ يَقْضِي الصَّلَاةَ بِنَفْسِ الِانْفِرَادِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ مِنْ أَنَّهَا صَلَاةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا لِأَنَّ ابْنَ شِهَابٍ يَرَى أَنَّهَا مُجْزِئَةٌ عَنْهُ وَرَبِيعَةُ يَقُولُ لَا تُجْزِي عَنْهُ فَقَدْ عَقَدَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةٍ مُخْتَلَفٍ فِيهَا فَيُكْرَهُ أَنْ يُبْطِلَ صَلَاتَهُ وَعَمَلًا قَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إجْزَائِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَمَادَى عَلَيْهَا ثُمَّ يُعِيدَهَا فَيَجْمَعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ. (مَسْأَلَةٌ): وَهَذَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَأَمَّا إنْ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ رَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ فَنَسِيَ الْإِحْرَامَ فَلْيُكَبِّرْ مَتَى مَا ذَكَرَ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ أَوْ لَمْ يُكَبِّرْ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَ بِسَلَامٍ وَلَا كَلَامٍ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ فِي الثَّانِيَةِ تَمَادَى وَأَعَادَ زَادَ ابْنُ الْمَوَّازِ بَعْدَ أَنْ يَقْضِيَ رَكْعَةً. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ الْوَارِدَ لِلصَّلَاةِ وَالْعَامِدَ إلَيْهَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ لَا تُوجَدَ مِنْهُ نِيَّةٌ إلَيْهَا فَإِذَا نَسِيَهَا عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَاَلَّذِي حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا لَا تُجْزِئُهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ - ﵀ - وَهُوَ عِنْدِي مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ وَرَبِيعَةَ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا تُجْزِئُهُ إذَا نَوَاهَا قَبْلَ التَّكْبِيرِ عِنْدَ الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ وَإِنْ نَسِيَهَا عِنْدَ التَّكْبِيرِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ شِهَابٍ. فَإِذَا وُجِدَتْ مِنْهُ النِّيَّةُ عِنْدَ الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ وَلَمْ يُكَبِّرْ لِلْإِحْرَامِ وَكَبَّرَ لِلرُّكُوعِ اقْتَضَتْ النِّيَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ بِتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ فَأَجْزَأَتْهُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ شِهَابٍ وَلَمْ تُجْزِهِ عِنْدَ رَبِيعَةَ مَا لَمْ تُقَارِنْ النِّيَّةُ التَّكْبِيرَ وَإِنْ لَمْ يُكَبِّرْ لِلرُّكُوعِ لِلرَّكْعَةِ الْأُولَى وَكَبَّرَ لِلرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَصَلَ بَيْنَ النِّيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَبَيْنَ تَكْبِيرَةِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ عَمَلُهُ لِلرَّكْعَةِ الْأُولَى فَلَمْ يَصِحَّ انْتِظَامُهَا بِهَا لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ النِّيَّةِ وَبَيْنَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ عَمَلٌ كَثِيرٌ وَلَا مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهَذَا فِيمَنْ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ فَلَمْ يُكَبِّرْ إلَّا لِلرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَأَمَّا مَنْ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مِنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَوَجْهُ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ أَنَّ تَمَامَ الصَّلَاةِ عَلَى تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ إنَّمَا هُوَ لِئَلَّا يُبْطِلَ عَمَلًا مُخْتَلَفًا فِي إجْزَائِهِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي مَسْأَلَتِنَا فَيَجِبُ إتْمَامُهَا.
(٢) (مَسْأَلَةٌ): وَمَنْ نَسِيَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فِي الْجُمُعَةِ فَقَدْ رَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُجْزِيه فِي هَذَا خَاصَّةً أَنْ يُكَبِّرَ فِي الثَّانِيَةِ وَيَجْعَلَهَا أُولَاهُ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَتَمَادَى وَيُعِيدُهَا ظُهْرًا. وَجْهُ رِوَايَةِ يَحْيَى أَنَّ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ تَصِحُّ فِي غَيْرِ إمَامٍ فَيَتَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَيُعِيدُهَا لِأَنَّ تَمَادِيهِ لَا يُفِيتُهَا وَالْجُمُعَةُ لَا تَصِحُّ بِغَيْرِ إمَامٍ فَتَمَادِيهِ مَعَ الْإِمَامِ فِي صَلَاةٍ لَا تُجْزِيهِ يُفِيتُ الْجُمُعَةَ الَّتِي تُجْزِيهِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا نَسِيَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ ثُمَّ ذَكَرَهَا بَعْدَ أَنْ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ فَيَلْزَمُهُ
[ ١ / ١٤٥ ]