(ص): (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصَوْا وَاعْمَلُوا وَخَيْرُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ وَلَا يُحَافَظُ عَلَى الْوُضُوءِ إلَّا مُؤْمِنٌ») .
مَا جَاءَ فِي الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ (ص): (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْخُذُ الْمَاءَ بِأُصْبُعَيْهِ لِأُذُنَيْهِ) .
_________________
(١) [المنتقى] الْوُجُوبَ. (مَسْأَلَةٌ): وَغَسْلُ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ عِبَادَةٌ لَا لِنَجَاسَةٍ وَذَهَبَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إلَى أَنَّهُ لِلنَّجَاسَةِ وَلِلشَّكِّ فِي النَّجَاسَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يُغْسَلُ لِلنَّجَاسَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا حَيَوَانٌ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَكَانَ طَاهِرًا كَالْأَنْعَامِ. (ش): قَوْلُهُ اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا قَالَ ابْنُ نَافِعٍ مَعْنَاهُ وَلَنْ تُحْصُوا الْأَعْمَالَ الصَّالِحَاتِ وَلَا يُمْكِنُكُمْ الِاسْتِقَامَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ - ﵁ - مَعْنَاهُ عِنْدِي لَا يُمْكِنُكُمْ اسْتِيعَابُ أَعْمَالِ الْبِرِّ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] وَقَالَ مُطَرِّفٌ مَعْنَاهُ وَلَنْ تُحْصُوا مَا لَكُمْ مِنْ الْأَجْرِ إنْ اسْتَقَمْتُمْ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ - ﷺ - وَاعْمَلُوا وَخَيْرُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ يُرِيدُ أَنَّهَا أَكْثَرُ أَعْمَالِكُمْ أَجْرًا. وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ فَقَالَ الصَّلَاةُ» . (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ وَلَا يُحَافَظُ عَلَى الْوُضُوءِ إلَّا مُؤْمِنٌ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُدِيمُ فِعْلَهُ بِالْمَكَارِهِ وَغَيْرِهَا مُنَافِقٌ وَلَا يُوَاظِبُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا مُؤْمِنٌ. [مَا جَاءَ فِي الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ] (ش): وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَقْبِضُ أَصَابِعَهُ مِنْ كِلْتَيْ يَدَيْهِ وَيَمُدُّ أُصْبُعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الْإِبْهَامَيْنِ أُصْبُعًا مِنْ كُلِّ يَدٍ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا أُذُنَيْهِ مِنْ دَاخِلٍ وَخَارِجٍ قَالَ وَهُوَ حَسَنٌ مِنْ الْفِعْلِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عِيسَى مُحْتَمَلٌ وَهُوَ حَسَنٌ فِي صِفَةِ تَنَاوُلِ الْمَاءِ لِمَسْحِ الْأُذُنَيْنِ وَأَمَّا تَنَاوُلُهُ لِلْغَسْلِ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يُدْخِلُ يَدَيْهِ جَمِيعًا فِي الْإِنَاءِ فَيَأْخُذُ بِهِمَا الْمَاءَ وَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي مِسْحِ الرَّأْسِ يَتَنَاوَلُ الْمَاءَ بِيُمْنَاهُ وَيُفْرِغُهُ عَلَى يُسْرَاهُ وَكَذَلِكَ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي جَمِيعِ الْوُضُوءِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ بِيُمْنَاهُ ثُمَّ يَجْعَلَ بَعْضَهُ فِي يُسْرَاهُ فَيَنْقُلَهُ بِهِمَا إلَى وَجْهِهِ وَخَيَّرَ ابْنُ حَبِيبٍ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الطَّهَارَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْغَسْلُ بِالْيَدَيْنِ كَانَ تَنَاوَلَ الْمَاءَ بِهِمَا وَمَتَى كَانَ بِالْيُمْنَى خَاصَّةً كَانَ تَنَاوُلُ الْمَاءِ بِهَا وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ هَذَا عَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِ الطَّهَارَةِ لِلْوَجْهِ فَكَانَ حُكْمُهُ أَنْ يَكُونَ بِالْيَدَيْنِ كَإِمْرَارِهِمَا مَعَ الْمَاءِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَوَضَّأَ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا أَضَافَهَا إلَى يَدِهِ الْأُخْرَى ثُمَّ غَسَلَ بِهَا وَجْهَهُ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْت النَّبِيَّ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا تَنَاوُلُ الْمَاءِ لِلطَّهَارَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ بِالْيُمْنَى أَصْلُهُ إذَا غَرَفَ بِيُمْنَاهُ لِيَغْسِلَ يُسْرَاهُ وَوَجْهُ التَّخْيِيرِ تَسَاوِي الدَّلِيلَيْنِ وَهَكَذَا الْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ وَأَمَّا غَسْلُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فَلَا يَتَهَيَّأُ إلَّا أَنْ يَغْرِفَ الْمَاءَ بِالْيُمْنَى وَيَغْسِلَ بِالْيُسْرَى غَيْرَ غَسْلِ يَدِهِ الْيُسْرَى فَإِنَّهُ يَعْرِفُ بِالْيُمْنَى فَيُفْرِغُ بِهَا عَلَى الْيُسْرَى ثُمَّ يَغْسِلُ بِالْيُمْنَى.
(٢) (فَصْلٌ) وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْحَدِيثُ تَجْدِيدَ الْمَاءِ لِلْأُذُنَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ كَانَ يَأْخُذُ الْمَاءَ بِأُصْبُعَيْنِ مِنْ كُلِّ يَدٍ فَيَمْسَحُ بِهِمَا أُذُنَيْهِ وَهُوَ أَشْبَهُ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَنَحْوِ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ بَاطِنَ الْأُذُنَيْنِ يُمْسَحُ بِالسَّبَّابَةِ وَظَاهِرَهُمَا بِالْإِبْهَامِ وَهَذِهِ طَهَارَةُ الْأُذُنَيْنِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ يُغْسَلَانِ مَعَ الْوَجْهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُغْسَلُ
[ ١ / ٧٤ ]
(ص): (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ سُئِلَ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ فَقَالَ لَا حَتَّى يَمْسَحَ الشَّعْرَ بِالْمَاءِ) .
_________________
(١) [المنتقى] بَاطِنُهُمَا مَعَ الْوَجْهِ وَظَاهِرُهُمَا مَعَ الرَّأْسِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرُهُمَا بِالسَّبَّابَتَيْنِ وَبَاطِنُهُمَا بِإِبْهَامَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ): وَصِفَةُ مَسْحِهِمَا أَنْ يَمْسَحَ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا قَالَ مَالِكُ فِي الْمُخْتَصَرِ يُدْخِلُ أُصْبُعَيْهِ فِي صِمَاخَيْهِ لَا يَتْبَعُ غُضُونَهُمَا. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَهَلْ يُمْسَحَانِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَأَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ إلَى أَنَّهُمَا يُمْسَحَانِ فَرْضًا وَذَهَبَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُمَا يُمْسَحَانِ نَفْلًا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ - ﵀ -. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُمَا عُضْوَانِ جُعِلَا فِي الشَّرْعِ مَخْرَجًا لِخَطَايَا عُضْوٍ فَكَانَ حُكْمُهُمَا فِي الْوُضُوءِ حُكْمَهُ كَالْعَيْنَيْنِ مَعَ الْوَجْهِ وَالْأَظْفَارِ مَعَ الْيَدَيْنِ وَالرَّجُلَيْنِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُمَا عُضْوَانِ سُنَّ لَهُمَا تَجْدِيدُ الْمَاءِ فَلَمْ يَكُونَا مَعَ الرَّأْسِ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ وَكَانَ يَأْخُذُ الْمَاءَ بِأُصْبُعَيْهِ لِأُذُنَيْهِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ بِأُصْبُعَيْهِ وَيَقْتَضِي اسْتِئْنَافَ الْمَاءِ لَهُمَا وَلِذَلِكَ أَخَذَ الْمَاءَ لَهُمَا دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَعْضَاءِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ يُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُ الْمَاءِ لَهُمَا. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَنْ لَمْ يُجَدِّدْ لَهُمَا مَاءً فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَمْسَحْهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ إنْ شَاءَ جَدَّدَ لَهُمَا الْمَاءَ وَإِنْ شَاءَ مَسَحَهُمَا بِمَا فَضَلَ بِيَدِهِ مِنْ مَسْحِ رَأْسِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ لَا يُسْتَأْنَفُ لَهُمَا الْمَاءُ وَدَلِيلُنَا عَلَى اسْتِئْنَافِ الْمَاءِ لَهُمَا أَنَّ الْمَغْسُولَاتِ نَفْلًا لَمَّا انْفَصَلَتْ مِنْ الْمَغْسُولَاتِ فَرْضًا فَكَذَلِكَ الْمَمْسُوحَاتُ نَفْلًا يَجِبُ أَنْ تَنْفَصِلَ عَنْ الْمَمْسُوحَاتِ فَرْضًا وَأَمَّا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ إنْ شَاءَ مَسَحَهُمَا بِمَا فَضَلَ بِيَدِهِ مِنْ مَسْحِ رَأْسِهِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُمَا مَوْضِعٌ مِنْ الرَّأْسِ فَحُكْمُهُمَا حُكْمُهُ فِي تَجْدِيدِ الْمَاءِ غَيْرَ أَنَّهُمَا آخِرُ الْعُضْوِ فَيُخْتَمُ مَسْحُهُ بِمِسْحِهِمَا. (ش): قَوْلُهُ سُئِلَ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ قَالَ لَا حَتَّى يَمْسَحَ الشَّعْرَ بِالْمَاءِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ لَا يُجْزِي وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ أَحْمَدُ وَدَاوُد يُجْزِي الْمَسْحُ عَلَى عَمَائِمِ الْعَرَبِ وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ فَمَنْ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ لَمْ يَمْسَحْ رَأْسَهُ وَلَا امْتَثَلَ الْأَمْرَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا عُضْوٌ مُفْتَرَضٌ مَسْحُهُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِئَ الْمَسْحُ عَلَى حَائِلٍ دُونَهُ مَعَ السَّلَامَةِ كَالْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ.
(٢) (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ حَتَّى يُمْسَحُ الشَّعْرُ بِالْمَاءِ يَقْتَضِي مَسْحَ جَمِيعِهِ لِأَنَّ لَفْظَ يُمْسَحُ الشَّعْرُ بِالْمَاءِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَسْحَ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَا فِي يَدَيْهِ وَلَوْ مَسَحَهُ بِمَا عَلَى رَأْسِهِ مِنْ بَلَلٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْ رَأْسَهُ بِالْمَاءِ وَإِنَّمَا مَسَحَ شَعْرًا مَبْلُولًا بِيَدٍ جَافَّةٍ وَلَوْ مَسَحَهُ بِمَا فَضَلَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ بَلَلِ ذِرَاعَيْهِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ مَنْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِبَلَلِ ذِرَاعَيْهِ أَوْ لِحْيَتِهِ وَصَلَّى أَعَادَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ وَإِنْ ذَهَبَ الْوَقْتُ وَلَيْسَ هَذَا بِمَسْحٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ مَاءٌ فَلَا يَمْسَحُهُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْبَلَلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ مَاءٌ فَلْيَمْسَحْ بِهِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ فَقَوْلُ مَالِكٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِقَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي الْوُضُوءِ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدُ أَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِالْيَدَيْنِ مِنْ الْبَلَلِ مِنْ غَسْلِ الذِّرَاعَيْنِ أَوْ بَلَلِ اللِّحْيَةِ يَسِيرٌ لَا يَتَأَتَّى الْمَسْحُ بِهِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ وَلَيْسَ هَذَا بِمَسْحٍ وَلَوْ كَانَ مِنْ الْكَثْرَةِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يَمْسَحَ بِهِ لَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأُحْكَمُ. (ص): (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ عُرْوَةَ كَانَ يَنْزِعُ الْعِمَامَةَ وَيَمْسَحُ رَأْسَهُ بِالْمَاءِ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ رَأَى صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ امْرَأَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ تَنْزِعُ خِمَارَهَا وَتَمْسَحُ رَأْسَهَا بِالْمَاءِ وَنَافِعٌ يَوْمئِذٍ صَغِيرٌ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخِمَارِ فَقَالَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَمْسَحَ الرَّجُلُ وَلَا الْمَرْأَةُ عَلَى عِمَامَةٍ وَلَا خِمَارٍ وَلْيَمْسَحَا عَلَى رُؤْسِهِمَا) . (ش): هَذَا عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ يَجِبُ مُبَاشَرَةُ الشَّعْرُ بِالْمَاءِ
[ ١ / ٧٥ ]
(ص): (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَوَضَّأَ فَنَسِيَ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى جَفَّ وُضُوءُهُ قَالَ أَرَى أَنْ يَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى يُعِيدُ الصَّلَاةَ) .
مَا جَاءَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ (ص): (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ وَهُوَ مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَة بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ الْمُغِيرَةُ فَذَهَبْت مَعَهُ بِمَاءٍ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَسَكَبْت عَلَيْهِ الْمَاءَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْ جُبَّتِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ مِنْ ضِيقِ كُمَّيْ الْجُبَّةِ فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ومَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَؤُمُّهُمْ وَقَدْ صَلَّى لَهُمْ رَكْعَةً فَصَلَّى لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِمْ فَفَزِعَ النَّاسُ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -
_________________
(١) [المنتقى] وَلَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى حَائِلٍ دُونَ الرَّأْسِ وَإِنَّ حُكْمَ الْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الرَّجُلِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ وَنَافِعٌ يَوْمئِذٍ صَغِيرٌ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ وَقْتَ رَآهَا تَفْعَلُ ذَلِكَ صَغِيرًا سِنُّهُ بِحَيْثُ لَا تَحْتَجِبُ مِنْهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى مِثْلِ هَذَا مِنْ حَالِ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ وَذَلِكَ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ حَالُ صِغَرٍ وَهِيَ حَالٌ لَا تُؤْمَرُ فِيهَا بِالِاسْتِتَارِ ثُمَّ حَالُ شَبَابٍ وَهِيَ حَالٌ تُؤْمَرُ فِيهَا بِالِاسْتِتَارِ ثُمَّ حَالُ هَرَمٍ وَهِيَ حَالٌ تُؤْمَرُ فِيهَا بِبَعْضِ الِاسْتِتَارِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ كُلِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. (ش): وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ وَنَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْوَضُوءِ أَوْ مَا يُقَارِبُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْوَضُوءِ أَوْ قُرْبِهِ مَسَحَ رَأْسَهُ وَمَا بَعْدَهُ لِيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ الْمَشْرُوعُ فِي الطَّهَارَةِ وَإِنْ كَانَ مَا نَسِيَ مَغْسُولًا كَرَّرَ فِيهِ الْغَسْلَ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يَفْعَلهُ فِي نَفْسِ الطَّهَارَةِ وَلَا يُكَرِّرُ الْغَسْلَ فِيمَا يَأْتِي بِهِ بَعْدَهُ لِمَعْنَى التَّرْتِيبِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عِمْرَانَ. (مَسْأَلَةٌ): إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ تَفْرِيقَ الْوُضُوءِ لِغَيْرِ عُذْرٍ يُبْطِلُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يُبْطِلُهُ وَقَدْ تَأَوَّلَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ يُبْطِلُهَا الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ فَكَانَتْ الْمُوَالَاةُ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا كَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِهَا الْمُوَالَاةُ كَطَهَارَةِ النَّجَاسَةِ.
(٢) (مَسْأَلَةٌ): وَأَمَّا تَفْرِيقُ الطَّهَارَةِ لِعُذْرٍ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: النِّسْيَانِ. وَالثَّانِي: الْعَجْزُ عَنْ قَدْرِ الْكِفَايَةِ. فَأَمَّا النِّسْيَانُ فَلَا يُفْسِدُ الطَّهَارَةَ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ سَوَاءٌ كَانَ مَا أَخَّرَ مَغْسُولًا أَوْ مَمْسُوحًا طَالَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَطُلْ وَرَوَى عَنْ مَالِكٍ مُطَّرِفٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْمَمْسُوحِ وَالْمَسْنُونِ مِنْ الْمَغْسُولِ قَالَ أَبُو زَيْدٍ فِي ثَمَانِيَتِهِ إذَا كَانَ الْمَمْسُوحُ رَأْسًا دُونَ خُفٍّ وَأَمَّا الْمَغْسُولُ مِنْ الْمَفْرُوضِ فَإِنَّ تَأْخِيرَهُ يُفْسِدُ الطَّهَارَةِ بِأَيِّ وَجْهٍ أَخَّرَهُ مِنْ نِسْيَانِ أَوْ غَيْرِهِ. وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْمَغْسُولَ أَحَدُ نَوْعَيْ الطَّهَارَةِ فَلَمْ يُفْسِدْهَا تَأْخِيرُهُ نَاسِيًا كَالْمَمْسُوحِ. وَأَنْكَرَ حَبِيبُ بْنُ الرَّبِيعِ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ عَنْ مَالِكٍ عَلَى ابْنِ حَبِيبِ وَقَالَ هِيَ سَهْوٌ عَلَى مَنْ نَقَلَهَا وَقَدْ تَابَعَ ابْنَ حَبِيبٍ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَبُو زَيْدٍ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَاحْتَجَّ لَهَا بِأَنَّ شَأْنَ الْمَسْحِ أَخَفُّ. (مَسْأَلَةٌ): وَأَمَّا عَجْزُ الْمَاءِ عَنْ قَدْرِ الْكِفَايَةِ فَإِنَّهُ يُبْطِلُ الْوُضُوءَ تَفْرِيقُهُ لَهُ مِنْ أَجْلِهِ إذَا طَالَ وَلَا يُبْطِلُهُ فِيمَا قَرُبَ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَبْنِي فِي عَجْزِ الْمَاءِ عَنْ قَدْرِ الْكِفَايَةِ وَإِنْ جَفَّ وَفِي الطُّولِ الْمُعْتَبَرِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَبْنِي مَا لَمْ يَجِفَّ. وَالثَّانِي: الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ اجْتِهَادُ الْمُتَطَهِّرِ دُونَ الْجُفُوفِ كَالْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ١ / ٧٦ ]