(ص): (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ») .
مَا جَاءَ فِي النِّدَاءِ لِلصَّلَاةِ (ص): (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَدْ أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ خَشَبَتَيْنِ يُضْرَبُ بِهِمَا لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ لِلصَّلَاةِ فَأُرِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ ثُمَّ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ مِنْ الْخَزْرَجِ خَشَبَتَيْنِ فِي النَّوْمِ فَقَالَ إنَّ هَاتَيْنِ لَنَحْوٌ مِمَّا يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ أَلَا تُؤَذِّنُونَ لِلصَّلَاةِ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِالْأَذَانِ»)
_________________
(١) [المنتقى] وَالْمُبَاهَاةُ وَالنَّظَافَةُ مِنْ أَفْضَلِ التَّجَمُّلِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طِيبٌ فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ عَلَى مَعْنَى النَّدْبِ إلَيْهِ وَالتَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ وَلَا لَازِمٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَالْكُلْفَةِ وَقَدْ يَشُقُّ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى مَنْ لَا يَجِدُهُ أَوْ مَنْ يَتَكَلَّفُ تَحْصِيلَهُ بِمُؤْنَةٍ وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فَلَا مَشَقَّةَ فِيهِ فِي الْغَالِبِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ «وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ» أَمَرَ بِهِ وَنَدَبَ إلَيْهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ دَاوُد أَنَّهُ قَالَ السِّوَاكُ وَاجِبٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ تَنْظِيفٌ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا كَغَسْلِ الْفَمِ مِنْ الذَّفَرِ وَالْغَمَرِ. (ص): (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ») ش قَوْلُهُ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ» عَلَى مَا عُلِمَ مِنْ إشْفَاقِهِ - ﷺ - عَلَى أُمَّتِهِ وَرِفْقِهِ بِهِمْ وَحِرْصِهِ عَلَى التَّخْفِيفِ عَنْهُمْ وَالْمُرَاعَاةِ لِمَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ هَاهُنَا الْوُجُوبُ وَاللُّزُومُ دُونَ النَّدْبِ فَقَدْ نَدَبَ - ﷺ - إلَى السِّوَاكِ وَلَيْسَ فِي النَّدْبِ إلَيْهِ مَشَقَّةٌ لِأَنَّهُ إعْلَامٌ بِفَضِيلَتِهِ وَاسْتِدْعَاءٌ لِفَضْلِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ امْتِنَاعُهُ - ﷺ - مِنْ الْأَمْرِ لَهُمْ لِمَعْنَى الْمَشَقَّةِ أَيْ لَوْلَا الْمَشَقَّةُ لَأَمَرَهُمْ بِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - الْآمِرُ بِالْأَحْكَامِ وَإِيجَابِهَا وَأَنَّ ذَلِكَ مَصْرُوفٌ إلَى اجْتِهَادِهِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْهُ الْإِشْفَاقُ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ أَنْ يُوجِبَ عَلَيْهِمْ السِّوَاكَ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ كَانَ الْبَارِي تَعَالَى قَدْ أَمَرَهُ بِهِ وَأَوْجَبَهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْبَارِي أَمَرَ بِهِ وَأَوْجَبَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إيجَابُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةٌ عَلَى أُمَّتِهِ وَيَدُلُّ هَذَا أَيْضًا عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. (ص): (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِهِ لَأَمَرَهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ») . (ش): قَوْلُهُ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَمْرَ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ امْتَنَعَ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ فَهَذَا يَثْبُتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَيَثْبُت بِحَدِيثِ الْأَعْرَجِ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْأَمْرِ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ فِي الْجُمْلَةِ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [مَا جَاءَ فِي النِّدَاءِ لِلصَّلَاةِ] (ش): قَوْلُهُ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَدْ أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ خَشَبَتَيْنِ يُضْرَبُ بِهِمَا» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ لَهُ الِاجْتِهَادُ فِي أُمُورِ الشَّرِيعَةِ مَا لَمْ يُنَصَّ لَهُ عَلَى الْحُكْمِ وَلِذَلِكَ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى اتِّخَاذِ الْخَشَبَتَيْنِ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الْأَذَانَ صَارَ إلَيْهِ وَلَوْ أَمَرَهُ بِاِتِّخَاذِ الْخَشَبَتَيْنِ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ ذَلِكَ لِرُؤْيَا رَآهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ - ﷺ - اجْتِمَاعَ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ فَأُرِيَ عَبْدُ اللَّهُ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ خَشَبَتَيْنِ فِي النَّوْمِ إلَى أَنْ قِيلَ أَلَا تُؤَذِّنُونَ قَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى مِثْلَ ذَلِكَ. وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَشَارَ بِذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ أَشْهَرُ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص): (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ زَيْدٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «إذَا سَمِعْتُمْ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ») .
[ ١ / ١٣٠ ]
الْمُؤَذِّنُ) .
_________________
(١) [المنتقى] (ش): قَوْلُهُ «إذَا سَمِعْتُمْ النِّدَاءَ يُرِيدُ الْأَذَانَ» لِأَنَّهُ النِّدَاءُ الشَّرْعِيُّ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِي الْعُمُومَ وَأَنَّهُ مَتَى سَمِعَ النِّدَاءَ فَعَلَى السَّامِعِ أَنْ يَقُولَ مِثْلَهُ. وَقَدْ يَكُونُ الْأَذَانُ فِي وَقْتٍ يَكُونُ السَّامِعُ فِي صَلَاةِ نَافِلَةٍ أَوْ فَرْضٍ أَوْ قِرَاءَةِ قُرْآنٍ فَدَلَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ فِي النَّافِلَةِ وَلَا يَقُولُهُ فِي الْفَرِيضَةِ وَرَوَى أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ يَقُولُ ذَلِكَ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ. وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَقُولُهُ فِي فَرْضٍ وَلَا نَفْلٍ. وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْفَرِيضَةَ آكَدُ مِنْ النَّافِلَةِ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهَا وَالِاشْتِغَالُ عَنْهَا بِالنَّافِلَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ فِي نَافِلَةٍ فَهَذِهِ زِيَادَةٌ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ وَهُوَ يَعُودُ إلَى مَا كَانَ فِيهِ مِنْ نَافِلَةٍ وَلِذَلِكَ جَازَ الِاشْتِغَالُ فِي النَّافِلَةِ بِالتَّعَوُّذِ وَالْبَسْمَلَةِ وَالْإِتْيَانِ بِهَا وَمُنِعَ ذَلِكَ فِي الْفَرِيضَةِ. وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ أَنَّ هَذَا ذِكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مُنَافٍ لِلصَّلَاةِ فَلَا يُمْنَعُ فِي صَلَاةِ فَرْضٍ وَلَا نَفْلٍ كَالتَّشَهُّدِ وَالدُّعَاءِ. وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ الصَّلَاةَ وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ الْأَذْكَارِ فَلَا يَجُوزُ قَطْعُهُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَذْكَارِ لِأَنَّهُ لَا يَقْطَعُهُ لِمَا هُوَ مِثْلُهُ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ - ﷺ - «فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَتِهِ يَقُولُ التَّشَهُّدَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِذَا رَجَعَ إلَيْهِ الْمُؤَذِّنُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَنْ يَقُولُ مِثْلَهُ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ يُعَاوِدُ التَّشَهُّدَ إذَا عَاوَدَهُ الْمُؤَذِّنُ. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ إنَّمَا يَرْجِعُ إلَيْهِ بِرَفْعِ صَوْتِهِ يُرِيدُ الْإِسْمَاعَ وَالسَّامِعُ لَهُ إنَّمَا يَقُولُهُ فِي حَدٍّ وَاحِدٍ فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ لَهُ. وَوَجْهُ قَوْلُ الدَّاوُدِيِّ التَّعَلُّقُ بِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» . (مَسْأَلَةٌ): قَالَ مَالِكٌ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ أَنَّ ذَلِكَ إلَى آخِرِ التَّشَهُّدِ فِيمَا يَقَعُ فِي قَلْبِي وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا يُرِيدُ مَالِكٌ أَنَّ تَخْصِيصَهُ اللَّفْظَ الْعَامَّ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ لَا مِنْ جِهَةِ نَصٍّ عِنْدَهُ وَأَنَّ مَنْ اقْتَصَرَ عَلَى مَا رَآهُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ هَلْ يَقُولُ مَا بَعْدَ ذَلِكَ بَأْسٌ أَوْ لَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ مَعْنَى قَوْلِهِ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا يَعْنِي لَوْ أَتَمَّ الْأَذَانَ مَعَ الْمُؤَذِّنِ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ الْقَوْلَ إلَى آخِرِ التَّشَهُّدِ خَاصَّةً وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ التَّشَهُّدَ مِنْ الدُّعَاءِ إلَى الصَّلَاةِ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ الْمُؤَذِّنُونَ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ السَّامِعِ مِثْلَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَاعٍ لِلصَّلَاةِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ حَيِّ عَلَى الْفَلَاحِ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِنْ شَاءَ السَّامِعُ قَالَ مِثْلَهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ. وَقَالَ حَبِيبٌ إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ حَيِّ عَلَى الصَّلَاةِ أَوْ حَيِّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ السَّامِعُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ فَإِذَا عَادَ إلَى التَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ قَالَ مِثْلَهُ. وَجْهُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا انْتَهَى إلَى التَّشَهُّدِ فَلَمْ يَتْبَعْهُ فِيمَا بَعْدَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهُ مِنْ الْقَوْلِ لِأَنَّهُ لَمَّا قَطَعَ مُتَابَعَتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ بَعْدَهُ. وَوَجْهُ مَا قَالَهُ أَبُو الْقَاسِمِ مِنْ التَّخْيِيرِ أَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى التَّكْبِيرِ فَقَدْ شُرِعَ لَهُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ وَشُرِعَ لَهُ أَيْضًا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْقَوْلِ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] فَكَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَهُمَا وَمَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ رَوَاهُ عُمَرُ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ - ﷺ - «فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» وَلَكِنَّهُ مَشْرُوعٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فَإِنَّ هَذَا إذَا كَانَ السَّامِعُ خَارِجَ الصَّلَاةِ بِأَنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ حَيِّ عَلَى الصَّلَاةِ فَقَدْ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيُّ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ تَبْطُلُ وَهُوَ كَالْمُتَكَلِّمِ. (مَسْأَلَةٌ): وَهَلْ يَقُولُ ذَلِكَ قَبْلَ الْمُؤَذِّنِ أَوْ بَعْدَهُ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إنْ أَبْطَأَ الْمُؤَذِّنُ فَلَهُ أَنْ يُعَجِّلَ قَبْلَهُ وَرَوَى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ يَقُولُ بَعْدَهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَهَذَا يَخْتَلِفُ فَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ أَوْ ذِكْرٍ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ وَكَانَ الْمُؤَذِّنُ بَطِيئًا يُطَوِّلُ مِنْ صَوْتِهِ لِلِاسْتِمَاعِ فَلَهُ أَنْ يُعَجِّلَ لِيَعُودَ إلَى
[ ١ / ١٣١ ]
(ص): (مَالِكٌ عَنْ سُمَيِّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا») .
(ص): (مَالِكٌ «عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ وَإِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وأَتُوهَا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ يَعْمِدُ إلَى الصَّلَاةِ») .
_________________
(١) [المنتقى] مَا هُوَ فِيهِ مِنْ ذِكْرٍ أَوْ صَلَاةٍ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مُنْفَرِدًا لِلِاسْتِمَاعِ فَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ الْمُؤَذِّنِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ قَائِلًا مِثْلَ قَوْلِهِ إلَّا بَعْدَ قَوْلِهِ. (ش): قَوْلُهُ «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا» يُرِيدُ - ﷺ - تَعْظِيمَ أَمْرِ الثَّوَابِ عَلَى النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ يَعْلَمُونَ مِقْدَارَ ذَلِكَ لَتَبَادَرُوا ثَوَابَهُ كُلُّهُمْ وَلَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ تَشَاحًّا فِيهِ وَرَغْبَةً فِي ثَوَابِهِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَقِيلَ مَعْنَاهُ السَّابِقُ إلَى الْمَسْجِدِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ الصَّفُّ الَّذِي يَلِي الْإِمَامَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ مَقْصُورَةٌ يُمْنَعُ مِنْ دُخُولِهَا بَعْضُ النَّاسِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فَالصَّفُّ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي يَلِي الْمَقْصُورَةَ.
(٢) (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إلَيْهِ» التَّهْجِيرُ هُوَ التَّبْكِيرُ إلَى الصَّلَاةِ فِي الْهَاجِرَةِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا لِلظُّهْرِ أَوْ الْجُمُعَةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّنَفُّلِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ذَلِكَ الْوَقْتَ تَنَفَّلَ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ - ﷺ - «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» خَصَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ بِذَلِكَ لِأَنَّ السَّعْيَ إلَيْهِمَا أَشَقُّ مِنْ السَّعْيِ إلَى غَيْرِهِمَا لِمَا فِي أَوْقَاتِهِمَا مِنْ مَشَقَّةِ الْخُرُوجِ وَالتَّصَرُّفِ فَأَخْبَرَ - ﷺ - عَنْ عَظِيمِ الْأَجْرِ عَلَى إتْيَانِهِمَا حَضًّا لِلنَّاسِ عَلَيْهِمَا وَأَنَّ الْمَشْيَ إلَيْهِمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا حَبْوًا لَاسْتَسْهَلَهُ مَنْ يَعْلَمُ مِقْدَارَ الثَّوَابِ عَلَيْهِمَا. (ش): قَوْلُهُ «إذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ» التَّثْوِيبُ إعَادَةُ الصَّوْتِ يُقَالُ نَادَى فُلَانٌ ثُمَّ ثَوَّبَ يُرِيدُ أَعَادَ النِّدَاءَ وَقَدْ وَرَدَ فِي الشَّرْعِ بِمَعْنَى الرُّجُوعِ إلَى التَّشَهُّدِ فِي الْأَذَانِ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ إلَى الْأَذَانِ وَقَدْ يُقَالُ لِلْأَذَانِ بَعْدَ الْأَذَانِ تَثْوِيبٌ وَقَدْ يُقَالُ لِلْإِقَامَةِ تَثْوِيبٌ لِأَنَّهَا إعَادَةٌ لِلنِّدَاءِ بِالصَّلَاةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَى الْإِقَامَةِ وَهِيَ الَّتِي تَقْتَضِي تَعْجِيلَ مَنْ سَمِعَهَا خَوْفَ فَوَاتِ بَعْضِهَا فَأَمَّا الْأَذَانُ وَالتَّرْجِيعُ فِيهِ فَلَا يَقْتَضِي شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ «وَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ» السَّعْيُ هُنَا الْجَرْيُ مُنِعَ فِي إتْيَانِ الصَّلَاةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَرْكِ الْوَقَارِ الْمَشْرُوعِ فِيهَا وَفِي الْقَصْدِ إلَيْهَا وَأَمَّا الْإِسْرَاعُ الَّذِي لَا يُنَافِي الْوَقَارَ وَالسَّكِينَةَ لِمَنْ سَمِعَ الْإِقَامَةَ وَخَافَ أَنْ يَفُوتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سَمِعَ الْإِقَامَةَ وَهُوَ بِالْبَقِيعِ فَأَسْرَعَ الْمَشْيَ إلَى الْمَسْجِدِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ «فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا» يَقْتَضِي الْوُجُوبَ فِي الدُّخُولِ مَعَ الْإِمَامِ عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي يُوجَدُ عَلَيْهَا وَلَا يَشْتَغِلُ بِإِعَادَةِ مَا فَاتَ مِنْهَا لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي أَنْ لَا يُصَلِّيَ مَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ وَيَقْتَضِي أَنْ يَتْبَعَهُ فِيمَا لَا يَعْتَدُّ بِهِ مِنْ صَلَاتِهِ كَالسَّجْدَةِ الَّتِي فَاتَتْ رَكْعَتُهَا لِأَنَّهُ مِمَّا أَدْرَكَ فِعْلَهُ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» اُخْتُلِفَ فِي رِوَايَةِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَرَوَاهَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَذَلِكَ وَتَابَعَهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ «عَنْ الزُّهْرِيِّ غَيْرَ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَإِنَّهُ قَالَ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» وَكَذَلِكَ رَوَاهُ
[ ١ / ١٣٢ ]
(ص): «مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْأَنْصَارِيِّ ثُمَّ الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ لَهُ إنِّي أَرَاك تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْت فِي غَنَمِك أَوْ بَادِيَتِك فَأَذَّنْت بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَك بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -») .
(ص): (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ النِّدَاءَ فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ حَتَّى إذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ حَتَّى إذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ اُذْكُرْ كَذَا اُذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى»)
_________________
(١) [المنتقى] أَبُو رَافِعِ بْنِ سِيرِينَ وَأَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (ش): قَوْلُهُ فَإِذَا كُنْت فِي غَنَمِك أَوْ بَادِيَتِك فَارْفَعْ صَوْتَك بِالنِّدَاءِ ذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ النِّدَاءَ إنَّمَا يَلْزَمُ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ وَالْقَبَائِلِ وَحَيْثُ يَكُونُ الْأَئِمَّةُ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ مَالِكٌ وَأَمَّا الرَّجُلُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فَإِنْ أَذَّنَ فَحَسَنٌ وَإِنْ تَرَكَ الْأَذَانَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْجَمَاعَاتُ يُصَلِّي بِهِمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ غَيْرُ الْإِمَامِ الْمُقَدَّمِ لِأُمُورِ النَّاسِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أَذَانٌ. وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ لِلرَّجُلِ الْمُنْفَرِدِ فِي غَنَمِهِ أَوْ بَادِيَتِهِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي غَنَمِهِ أَوْ بَادِيَتِهِ مُعْتَزِلًا عَنْ الْحَوَاضِرِ الَّتِي يُقَامُ فِيهَا الْأَذَانُ فِي الْمَسَاجِدِ يَحْتَاجُ إلَى شِعَارِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ الْأَذَانُ لِيَتَحَرَّكَ بِشِعَارِ الْإِسْلَامِ وَتَجْتَنِبَهُ سَرَايَا الْمُسْلِمِينَ وَجُيُوشُهُمْ. وَقَدْ رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُغِيرُ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَكَانَ يَسْتَمِعُ الْأَذَانَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغَارَ فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الْفِطْرَةِ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ قَالَ خَرَجْت مِنْ النَّارِ فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ رَاعِي مِعْزَى» وَمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ فِي حَوَاضِرِ الْمُسْلِمِينَ وَبِلَادِهِمْ اسْتَغْنَى عَنْ الْأَذَانِ لِأَنَّ الْأَذَانَ فِي الْمَسَاجِدِ وَعِنْدَ الْإِمَامِ شِعَارٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ مِمَّنْ سَكَنَ ذَلِكَ الْبَلَدَ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ «فَارْفَعْ صَوْتَك بِالنِّدَاءِ» أَمَرَهُ بِرَفْعِ صَوْتِهِ بِالْإِعَادَةِ لِيَسْمَعَهُ مَنْ بَعُدَ عَنْهُ وَتُعْلَمُ بِذَلِكَ حَالُهُ وَجَعَلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْأَجْرِ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ سَمِعَ صَوْتَهُ مِنْ جِنٍّ وَإِنْسٍ وَقَوْلُهُ وَلَا شَيْءَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ سَائِرَ الْحَيَوَانِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَصِحُّ أَنْ يَسْمَعَ صَوْتَهُ وَمَعْنَى فَائِدَةِ الْمُؤَذِّنِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ بِهِ أَعْظَمَ أَجْرًا فِي الْآخِرَةِ مِمَّنْ أَذَّنَ فَلَمْ يَسْمَعْهُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ بِهِ. (ش): قَوْلُهُ - ﷺ - «إذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ» إخْبَارٌ عَنْ انْزِعَاجِهِ وَفِرَارِهِ حِينَ الْأَذَانِ عَنْ سَمَاعِهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَارِي تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ بِتَأَذِّيهِ بِالْأَذَانِ حِينَ سَمَاعِهِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ يَبْعُدُ إلَى مِثْلِ الرَّوْحَاءِ عَنْ الْمَدِينَةِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ - ﷺ - «فَإِذَا قُضِيَ الْأَذَانُ أَقْبَلَ» يُرِيدُ أَقْبَلَ إلَى الْإِنْسَانِ لِيُوَسْوِسَ لَهُ وَيُدْهِيَهُ عَنْ أَعْمَالِ الطَّاعَةِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ - ﷺ - «حَتَّى إذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ» قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَقَالَ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ مَعْنَاهُ حَتَّى إذَا نُودِيَ لَهَا يُرِيدُ النِّدَاءَ الثَّانِيَ وَقَوْلُ عِيسَى أَبَيْنُ. وَقَدْ رُوِيَ مُفَسَّرًا مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ فَإِذَا سَمِعَ الْإِقَامَةَ ذَهَبَ حَتَّى لَا يَسْمَعَ صَوْتَهُ فَإِذَا سَكَتَ رَجَعَ فَوَسْوَسَ. (فَصْلٌ): قَوْلُهُ «حَتَّى إذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ» يُرِيدُ حَتَّى يَمُرَّ بَيْنَ الْمَرْءِ
[ ١ / ١٣٣ ]
(ص): «مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ سَاعَتَانِ تُفْتَحُ لَهُمَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَقَلَّ دَاعٍ تُرَدُّ عَلَيْهِ دَعْوَتُهُ حَضْرَةُ النِّدَاءِ لِلصَّلَاةِ وَالصَّفُّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ») .
(ص): (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ النِّدَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ هَلْ يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَحُلَّ الْوَقْتُ فَقَالَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ) .
(ص): (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ تَثْنِيَةِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَمَتَى يَجِبُ الْقِيَامُ عَلَى النَّاسِ حِينَ تُقَامُ الصَّلَاةُ فَقَالَ لَمْ يَبْلُغْنِي فِي النِّدَاءِ وَالْإِقَامَةِ إلَّا مَا أَدْرَكْت النَّاسَ عَلَيْهِ فَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَإِنَّهَا لَا تُثَنَّى وَذَلِكَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا وَأَمَّا قِيَامُ النَّاسِ حِينَ تُقَامُ الصَّلَاةُ فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْ فِي ذَلِكَ بِحَدٍّ يُقَامُ لَهُ إلَّا إنِّي أَرَى ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ طَاقَةِ النَّاسِ فَإِنَّ مِنْهُمْ الثَّقِيلَ وَالْخَفِيفَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَكُونُوا كَرَجُلٍ وَاحِدٍ) .
_________________
(١) [المنتقى] وَنَفْسِهِ فَيَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُهُ مِنْهَا وَالْإِقْبَالِ عَلَى صَلَاتِهِ وَالِاهْتِبَالِ بِمَعْرِفَتِهِ مَا قَضَى مِنْهَا وَمَا بَقِيَ عَلَيْهِ فَيَقُولَ لَهُ اُذْكُرْ كَذَا اُذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ ذَكَرَهُ فِي صَلَاتِهِ فَيَشْغَلَهُ بِذَلِكَ عَنْهَا حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى مَعْنَاهُ يَبْقَى مُتَحَيِّرًا لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى يُقَالُ ظَلَّ فُلَانٌ يَفْعَلُ كَذَا إذَا أَقَامَ يَفْعَلُهُ قَالَ الدَّاوُدِيُّ وَيُرْوَى حَتَّى يَضِلَّ الرَّجُلُ وَمَعْنَاهُ يَتَحَيَّرُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى ذَلِكَ غَيْرَ مَا قَالَ أَبُو جَعْفَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (ص): «مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ سَاعَتَانِ تُفْتَحُ لَهُمَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَقَلَّ دَاعٍ تُرَدُّ عَلَيْهِ دَعْوَتُهُ حَضْرَةُ النِّدَاءِ لِلصَّلَاةِ وَالصَّفُّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ») . (ش): قَوْلُهُ «سَاعَتَانِ تُفْتَحُ لَهُمَا» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ تُفْتَحُ فِيهِمَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ مِنْ أَجْلِ فَضِيلَتِهِمَا وَقَوْلُهُ «وَقَلَّ دَاعٍ تُرَدُّ عَلَيْهِ دَعْوَتُهُ حَضْرَةُ النِّدَاءِ لِلصَّلَاةِ» إخْبَارٌ بِأَنَّ الْإِجَابَةَ فِي ذَيْنِك الْوَقْتَيْنِ هِيَ الْأَكْثَرُ وَأَنَّ رَدَّ الدُّعَاءِ فِيهِمَا يَنْدُرُ وَلَا يَكَادُ يَقَعُ. (ش): وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا يُؤَذَّنُ لَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا وَوَقْتُهَا زَوَالُ الشَّمْسِ كَالظُّهْرِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ الْجُمُعَةِ مَنْ صَلَّاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ أَعَادَ الْخُطْبَةَ وَالصَّلَاةَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ وَلَوْ خَطَبَ بِهِمْ قَبْلَ الزَّوَالِ وَصَلَّى بَعْدَهُ لَمْ يُجْزِهِمْ وَيُعِيدُونَ الْجُمُعَةَ بِخُطْبَةٍ مَا لَمْ تَغْرُبُ الشَّمْسُ زَادَ ابْنُ سَحْنُونٍ وَيُعِيدُونَ الظُّهْرَ أَفْذَاذًا أَبَدًا وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُؤَذَّنُ لَهَا وَتُصَلَّى قَبْلَ الزَّوَالِ وَالدَّلِيلُ لَنَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةُ فَرْضٍ يَجُوزُ الْأَذَانُ لَهَا بَعْدَ الزَّوَالِ فَلَمْ يَجُزْ الْأَذَانُ لَهَا قَبْلَ الزَّوَالِ كَالظُّهْرِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ رَقَى الْمِنْبَرَ فَجَلَسَ فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ عَلَى الْمَنَارِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَخَطَبَ قَالَ ثُمَّ أَمَرَ عُثْمَانُ لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ أَنْ يُؤَذَّنَ عِنْدَ الزَّوَالِ بِالزَّوْرَاءِ وَهُوَ مَوْضِعُ السُّوقِ لِيَرْتَفِعَ مِنْهَا النَّاسُ فَإِذَا خَرَجَ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ عَلَى الْمَنَارِ» ثُمَّ إنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي إمَارَتِهِ نَقَلَ الْأَذَانَ الَّذِي فِي الزَّوْرَاءِ فَجَعَلَهُ مُؤَذِّنًا وَاحِدًا يُؤَذِّنُ عِنْدَ الزَّوَالِ عَلَى الْمَنَارِ فَإِذَا خَرَجَ هِشَامٌ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِذَا فَرَغُوا خَطَبَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَفِعْلُ النَّبِيِّ - ﷺ - أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ. (ش): وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ إلَّا مَا أَدْرَكَ النَّاسَ عَلَيْهِ وَاتَّصَلَ الْعَمَلُ بِهِ فِي الْمَدِينَةِ وَهُوَ أَصْلٌ يَجِبُ أَنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ وَفِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ خَمْسُ مَسَائِلَ. (الْأُولَى) أَنَّهُ يُقَالُ فِي أَوَّلِ الْأَذَانِ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ مَرَّتَيْنِ وَلَا يُقَالُ أَرْبَعًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ يُرَبَّعُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي غَيْرِهِ أَنَّ الْأَذَانَ بِالْمَدِينَةِ أَمْرٌ مُتَّصِلٌ يُؤْتَى بِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِرَارًا جَمَّةً بِحَضْرَةِ الْجُمْهُورِ الْعَظِيمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الَّذِينَ أَدْرَكَهُمْ مَالِكٌ - ﵏ - وَعَاصَرَهُمْ وَهُمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ لَا يَجُوزُ عَلَى مِثْلِهِمْ التَّوَاطُؤُ وَلَا يَصِحُّ عَلَى جَمِيعِهِمْ النِّسْيَانُ وَالسَّهْوُ عَمَّا ذُكِرَ بِالْأَمْسِ مِنْ الْأَذَانِ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ تَرْكُ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ أَرَادَ تَبْدِيلَهُ أَوْ تَغْيِيرَهُ كَمَا لَا يَجُوزُ وَلَا يَصِحُّ عَلَى جَمِيعِهِمْ نِسْيَانُ يَوْمِهِمْ الَّذِي هُمْ فِيهِ وَلِأَشْهُرِهِمْ الَّذِي يُؤَرِّخُونَ بِهِ وَاهْتِمَامُهُمْ بِأَمْرِ الْأَذَانِ وَمُثَابَرَتُهُمْ عَلَى مُرَاعَاتِهِ أَكْثَرُ مِنْ اهْتِمَامِهِمْ بِذِكْرِ
[ ١ / ١٣٤ ]
(ص): (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ قَوْمٍ حُضُورٍ أَرَادُوا أَنْ يَجْمَعُوا الْمَكْتُوبَةَ فَأَرَادُوا أَنْ يُقِيمُوا وَلَا يُؤَذِّنُوا قَالَ ذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُمْ وَإِنَّمَا يَجِبُ النِّدَاءُ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ الَّتِي تُجْمَعُ فِيهَا الصَّلَاةُ) .
_________________
(١) [المنتقى] الْيَوْمِ وَالشَّهْرِ وَمُرَاعَاتِهِمْ لَهُ فَإِذَا رَأَيْنَا الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ شَهِدُوا بِالْأَمْسِ الْأَذَانَ قَدْ سَمِعُوهُ الْيَوْمَ وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ إنْكَارٌ لِشَيْءٍ مِنْهُ عُلِمَ أَنَّهُ هُوَ الْأَذَانُ الَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا حُكْمُهُ مِنْ التَّكْرَارِ وَالِانْتِشَارِ وَيَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ التَّبْدِيلُ وَالتَّغْيِيرُ وَيَذْهَبُ ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِهِمْ جَازَ أَنْ يَذْهَبَ عَلَيْهِمْ تَبْدِيلُ مَسْجِدِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ مَا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ فَكَيْفَ أَنْ يَرْضَى بِالْتِزَامِهِ مُسْلِمٌ وَهَذَا أَمْرٌ طَرِيقُهُ الْقَطْعُ وَالْعِلْمُ وَهُوَ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ فِيهِ إلَى الِاسْتِدْلَالِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ الَّتِي مُقْتَضَاهَا غَلَبَةُ الظَّنِّ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ «حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - ﷺ - عَلَّمَهُ هَذَا الْأَذَانَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» إلَى آخِرِهِ. (أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فَإِنَّ التَّرْجِيعَ مَسْنُونٌ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ بِمَسْنُونٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ النَّقْلُ الْمُسْتَفِيضُ بِالْمَدِينَةِ وَالْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ بِهَا عَلَى حَسَبِ مَا قَدَّمْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ «حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ فِي الْأَذَانِ وَفِيهِ ثُمَّ يَعُودُ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» . (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) فَهِيَ أَنَّ قَوْلَهُ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَسْنُونٌ فِي الْأَذَانِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ ذَلِكَ بِمَسْنُونٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ النَّقْلُ الْمُسْتَفِيضُ بِالْمَدِينَةِ وَالْعَمَلُ الْمُتَّصِلُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَهَلْ يُقَالُ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ قَالَ مَالِكٌ يُقَالُ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ يُقَالُ مَرَّةً وَاحِدَةً فَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ - ﵀ - الْعَمَلُ الْمُسْتَفِيضُ بِالْمَدِينَةِ وَمَا رَوَى أَنَسٌ «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا أَحَدُ النِّدَاءَيْنِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْمُخْتَصُّ بِهِ مِنْ جِنْسِهِ فِي شَفْعٍ أَوْ وَتْرٍ أَصْلُهُ قَوْلُهُ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ فِي الْإِقَامَةِ. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ لَفْظٌ يَخْتَصُّ بِأَحَدِ النِّدَاءَيْنِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ سُنَّتُهُ الْإِفْرَادَ أَصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ فِي الْإِقَامَةِ. (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) فَهِيَ أَنَّ الْإِقَامَةَ لَا تُثَنَّى فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تُثَنَّى كَالْأَذَانِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ نَقْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْمُتَوَاتِرُ وَعِلْمُهُمْ الْمُسْتَفِيضُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ» وَهَذَا نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ. (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) فَإِنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُقِيمَ يَقُولُ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَرَوَى عَنْهُ الْمِصْرِيُّونَ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ شَعْبَانَ يَقُولُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عُمُومُ قَوْلِ أَنَسٍ أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ.
(٢) (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ وَأَمَّا قِيَامُ النَّاسِ حِينَ تُقَامُ الصَّلَاةُ فَلَمْ أَسْمَعْ فِي ذَلِكَ بِحَدٍّ يُقَامُ لَهُ يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ حَدٌّ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ أَحْوَالِ النَّاسِ فَمِنْهُمْ الْخَفِيفُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي التَّقْدِيمِ وَمِنْهُمْ الثَّقِيلُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي التَّأْخِيرِ وَإِنَّمَا يُرَادُ أَنْ يَتَكَامَلَ النَّاسُ قِيَامًا فِي صُفُوفِهِمْ فِي آخِرِ الْإِقَامَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْقِيَامَ يَكُونُ إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ وَمَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ - ﵀ - بَيِّنٌ لِأَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَخِفُّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فَيُدْرِكُ الْإِمَامَ قَبْلَ التَّكْبِيرِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَثْقُلُ عَلَيْهِ وَيَحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّأَنِّي وَالتَّكَلُّفِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي أَنْ يُشْرَعَ الْقِيَامُ قَبْلَ ذَلِكَ لِيُدْرِكَ التَّكْبِيرَ مَعَ الْإِمَامِ. (ش): وَهَذَا كَمَا قَالَ وَهُوَ أَنَّ الْأَذَانَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ عَطَاءٌ مَنْ صَلَّى دُونَ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ أَعَادَ. وَقَالَ دَاوُد الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ فَرْضٌ فِي الْجَمَاعَةِ وَلَيْسَ عَلَى الْفَذِّ وَلَا عَلَى
[ ١ / ١٣٥ ]
(ص): (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ تَسْلِيمِ الْمُؤَذِّنِ عَلَى الْإِمَامِ وَدُعَائِهِ إيَّاهُ لِلصَّلَاةِ وَمَنْ أَوَّلُ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ التَّسْلِيمَ كَانَ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ) .
_________________
(١) [المنتقى] الْمَرْأَةِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ ذِكْرٍ لَا يَكُونُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ صَلَاةِ الْفَذِّ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ. (مَسْأَلَةٌ): إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْأَذَانَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ وَاجِبٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْجَمَاعَاتِ الرَّاتِبَةِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ مُؤَكَّدِ السُّنَنِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ - ﵁ - وَحَمْلُ لَفْظِ مَالِكٍ عَلَى ظَاهِرِهِ عِنْدِي أَوْلَى وَأَنَّ الْأَذَانَ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَوُجُوبُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ مِصْرٍ اتَّفَقُوا عَلَى تَرْكِ الْأَذَانِ لَأَثِمُوا بِذَلِكَ وَلَوَجَبَ جَبْرُهُمْ عَلَيْهِ وَأَخْذُهُمْ بِهِ وَوُجُوبُهُ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ شِعَارُ الْإِسْلَامِ وَلِذَلِكَ رَوَى أَنَسٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُغِيرَ اسْتَمَعَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغَارَ» . وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ دَعَا إلَى الصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي لَا يَجُوزُ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ فِيهَا وَالْإِعْلَامِ بِأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَرْكِ مُرَاعَاتِهَا إلَّا أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَحْمِلُ مُرَاعَاتَهَا عَنْ بَعْضٍ فَإِذَا عَلِمَ بِأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ أَعْلَمَ بِهَا بِالْأَذَانِ فَعَلَى هَذَا تُحْمَلُ الْأَخْبَارُ بِالْأَمْرِ بِالْأَذَانِ عَلَى ظَاهِرِهَا. وَمَالِكٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَرَادَ بِهِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ): إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْأَذَانَ مَأْمُورٌ بِهِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ خَاصَّةً فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَلْزَمُ الدُّعَاءُ فِيهَا إلَيْهَا وَهِيَ الْمَسَاجِدُ وَمَوَاضِعُ الْأَئِمَّةِ وَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ الَّتِي نُصِبَتْ لِإِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ وَأُمِرَ النَّاسُ بِإِتْيَانِهَا لِذَلِكَ وَأَمَّا الْفَذُّ وَالْجَمَاعَةُ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ وَدُونَ ائْتِمَامٍ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْحَوَاضِرِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ أَذَانٌ لِأَنَّ مَعْنَى شِعَارِ الْإِسْلَامِ قَدْ سَقَطَ عَنْهُمْ بِقِيَامِ أَهْلِ الْمِصْرِ بِهِ وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لِلدُّعَاءِ إلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّ مَوْضِعَهُمْ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ مَنْصُوبٍ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ فَيُدْعَى النَّاسُ إلَيْهِ فَإِنْ أَذَّنُوا فَحَسَنٌ لِأَنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْلَامٌ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ وَأَخْذٌ بِحَظٍّ مِنْ إظْهَارِ شِعَارِ الْإِسْلَامِ وَأَمَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَرْضِ قَفْرٍ أَوْ سَفَرٍ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ لَا أَذَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْجَمَاعَةِ وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى تَفْصِيلٍ فَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ مَعَ جَمَاعَةٍ فِي سَفَرٍ أَوْ وَحْدَهُ فَإِنَّ مِنْ سُنَّتِهِ الْأَذَانَ لِأَنَّهُ جَمَاعَةٌ وَقَدْ نَصَبَ مَوْضِعَهُ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ فَلَزِمَ أَنْ يَدْعُوَ إلَى الصَّلَاةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ إمَامٍ فَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّ الْأَذَانَ مَشْرُوعٌ لِأَنَّهُ شِعَارُ الْإِسْلَامِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَقَدْ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ. (فَرْعٌ) وَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا هِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَقَدْ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ أَنَّ مَنْ تَرَكَهَا عَامِدًا أَعَادَ الصَّلَاةَ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا يُعِيدُ قَالَ الْقَاضِي وَأَنَّ ابْنَ كِنَانَةَ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّغْلِيظَ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ. (ش): وَهَذَا كَمَا قَالَ مَالِكٌ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ - ﵃ - أَجْمَعِينَ وَإِنَّمَا كَانَ الْمُؤَذِّنُونَ يُؤَذِّنُونَ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي شُغُلٍ جَاءَ الْمُؤَذِّنُ فَأَعْلَمَهُ بِاجْتِمَاعِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ دُونَ تَكَلُّفٍ وَلَا اسْتِعْمَالٍ فَأَمَّا مَا كَانَ يُتَكَلَّفُ الْيَوْمَ لِلْأَمِيرِ مِنْ وُقُوفِ الْمُؤَذِّنِ بِبَابِهِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ وَالدُّعَاءِ لِلصَّلَاةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ بِمَعْنَى الْمُبَاهَاةِ وَالتَّكَبُّرِ وَالصَّلَاةُ يَجِبُ أَنْ تُنَزَّهَ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي مَبْسُوطِهِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ كَيْفِيَّةَ السَّلَامِ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا الْأَمِيرُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ يَرْحَمُك اللَّهُ قَالَ وَأَمَّا فِي الْجُمُعَةِ فَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا الْأَمِيرُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ قَدْ حَانَتْ الصَّلَاةُ قَدْ حَانَتْ الصَّلَاةُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ. وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أَنْكَرَ
[ ١ / ١٣٦ ]
(ص): (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ مُؤَذِّنٍ أَذَّنَ لِقَوْمٍ ثُمَّ انْتَظَرَ هَلْ يَأْتِيهِ أَحَدٌ فَلَمْ يَأْتِهِ أَحَدٌ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَلَّى وَحْدَهُ ثُمَّ جَاءَ النَّاسُ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ يُعِيدُ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ قَالَ لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ وَمَنْ جَاءَ بَعْدَ انْصِرَافِهِ فَلْيُصَلِّ لِنَفْسِهِ وَحْدَهُ) .
(ص): (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ مُؤَذِّنٍ أَذَّنَ لِقَوْمٍ ثُمَّ تَنَفَّلَ فَأَرَادُوا أَنْ يُصَلُّوا بِإِقَامَةِ غَيْرِهِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إقَامَتُهُ وَإِقَامَةُ غَيْرِهِ سَوَاءٌ) .
_________________
(١) [المنتقى] ذَلِكَ عَلَى أَبِي مَحْذُورَةَ دُعَاءَهُ إيَّاهُ لِلصَّلَاةِ وَأَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ - ﵁ -. (ش): وَهَذَا كَمَا قَالَ وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْإِمَامَ الرَّاتِبَ لِلْمَسْجِدِ لَهُ إقَامَةُ الصَّلَاةِ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ فَإِذَا جَمَعَ فِيهِ الصَّلَاةَ ثُمَّ أَتَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَجْمَعَ فِيهِ لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ يَجِبُ الِاجْتِمَاعُ إلَيْهِمْ وَالِاتِّفَاقُ عَلَى تَقْدِيمِهِمْ فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ الِاخْتِلَافُ عَلَيْهِمْ وَلَوْ جَازَ الْجَمْعُ فِي مَسْجِدٍ مَرَّتَيْنِ لَكَانَ ذَلِكَ دَاعِيَةً إلَى الِافْتِرَاقِ وَالِاخْتِلَافِ وَلَكَانَ أَهْلُ الْبِدَعِ يُفَارِقُونَ الْجَمَاعَةَ بِإِمَامِهِمْ وَيَتَأَخَّرُونَ مِنْ جَمَاعَتِهِمْ ثُمَّ يُقَدِّمُونَ مِنْهُمْ وَلَوْ جَازَ مِثْلُ هَذَا لَفَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ بِالْإِمَامِ الَّذِي تُؤَدَّى إلَيْهِ الطَّاعَةُ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى إظْهَارِ مُنَابَذَةِ الْأَئِمَّةِ وَمُخَالَفَتِهِمْ وَمُفَارَقَةِ الْجَمَاعَةِ فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ سَدُّ هَذَا الْبَابِ وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَوْ وُسِّعَ فِي مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ لَأَدَّى إلَى أَنْ لَا تُرَاعَى أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ وَلَأَخَّرَ مَنْ شَاءَ وَصَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فِي جَمَاعَةٍ وَقَصْرُ النَّاسِ عَلَى إمَامٍ وَاحِدٍ دَاعٍ إلَى مُرَاعَاةِ صَلَاتِهِ وَالْمُبَادَرَةِ إلَى إدْرَاكِ الصَّلَاةِ مَعَهُ. (مَسْأَلَةٌ): فَإِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ يُجْمَعُ فِيهِ بَعْضُ الصَّلَوَاتِ وَلَا يُجْمَعُ سَائِرُهَا فَهَلْ يَجْمَعُ فِيهِ غَيْرُ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ فِي تِلْكَ الصَّلَوَاتِ وَغَيْرِهَا أَمْ لَا وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ يُجْمَعُ فِيهَا غَيْرُ صَلَوَاتِ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ الْإِمَامَ الرَّاتِبَ إنَّمَا يُرَاعَى الْخِلَافُ عَلَيْهِ فِي الصَّلَوَاتِ الَّتِي يَجْمَعُهَا وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الصَّلَوَاتِ فَلَا خِلَافَ عَلَيْهِ فِيهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِمَامٍ فِيهَا. وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا رَتَبَ لِبَعْضِ الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسْجِدِ كَانَ إمَامَهُ فِي جَمِيعِهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفْتَاتَ عَلَيْهِ فِي الْجَمْعِ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ فِي مُؤَذِّنٍ أَذَّنَ لِقَوْمٍ ثُمَّ انْتَظَرَ أَنْ يَأْتِيَهُ أَحَدٌ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَسْأَلْ مَالِكٌ - ﵀ - إنْ كَانَ الْمُؤَذِّنُ إمَامَ الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرَ إمَامِهِ وَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَإِنْ كَانَ إمَامَ الْمَسْجِدِ فَأَذَّنَ وَانْتَظَرَ الْجَمَاعَةَ فَلَمْ يَأْتِهِ أَحَدٌ فَصَلَّى وَحْدَهُ ثُمَّ أَتَتْ الْجَمَاعَةُ بَعْدَهُ فَإِنَّهَا لَا تَجْمَعُ فِيهِ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْجَمَاعَةِ بِالْإِمَامِ لَا بِالْمَأْمُومِينَ بِدَلِيلِ أَنَّ أَمْرَهَا مَصْرُوفٌ إلَيْهِ وَاتِّبَاعُهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ وَلَوْ تَعَمَّدَ إفْسَادَ صَلَاتِهِمْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ وَلَوْ تَعَمَّدُوا إفْسَادَ صَلَاتِهِمْ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ فَثَبَتَ أَنَّهُمْ تَبَعٌ لَهُ فَإِنْ صَلَّى وَحْدَهُ فَقَدْ قُضِيَتْ الْجَمَاعَةُ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ فَلَا يُصَلِّيهَا فِيهِ غَيْرُهُ. (مَسْأَلَةٌ): وَإِنْ كَانَ الْمُؤَذِّنُ لَا يَؤُمُّهُمْ فَهَلْ تَقُومُ صَلَاتُهُ مَقَامَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْجَمَاعَةِ. وَقَالَ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ حُكْمُهُ حُكْمُ الْفَذِّ. وَجْهُ مَا قَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ إمَامٌ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ فَإِذَا جَمَعَ فِي مَوْضِعِهِ فَقَدْ أَقَامَ الْجَمَاعَةَ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ مَنْ يَؤُمُّ فِيهِ فَلَا يُجْمَعُ فِيهِ ثَانِيَةً. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ لَيْسَ بِإِمَامٍ فِي الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا يُؤْتَمُّ بِهِ فِي مُرَاعَاةِ الْأَوْقَاتِ وَالدُّعَاءِ إلَى الصَّلَوَاتِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ قَوْلَ عِيسَى إنَّمَا هُوَ فِي مَسْجِدٍ لَهُ مُؤَذِّنٌ رَاتِبٌ وَلَيْسَ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ وَلَوْ كَانَ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ لَكَانَ حُكْمُ الْجَمَاعَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ دُونَ الْمُؤَذِّنِ. (ش): سُؤَالُهُ عَنْ مُؤَذِّنٍ أَذَّنَ لِقَوْمٍ ثُمَّ تَنَفَّلَ هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَابْنُ الْقَاسِمِ وَالْقَعْنَبِيُّ وَرَوَاهُ ابْنُ بُكَيْر ثُمَّ تَنَفَّلَ فَأَمَّا تَنَفُّلُهُ بَعْدَ الْأَذَانِ فَإِنَّ تَنَفُّلَهُ وَتَنَفُّلَ غَيْرِهِ بَعْدَ الْأَذَانِ جَائِزٌ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُسْتَحَبُّ التَّنَفُّلُ بَعْدَ الْأَذَانِ إلَّا فِي الْمَغْرِبِ قَالَ الْقَاضِي وَعِنْدِي أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُزَادَ وَبِإِثْرِ الْأَذَانِ لِلْجُمُعَةِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ مَأْمُورٌ بِتَقْدِيمِهَا بِإِثْرِ الْأَذَانِ لِلِاخْتِلَافِ بِاخْتِصَاصِهَا بِذَلِكَ الْوَقْتِ وَلِمَا فِي تَعْجِيلِهَا مِنْ الرِّفْقِ
[ ١ / ١٣٧ ]
(ص): (قَالَ مَالِكٌ لَمْ تَزَلْ الصُّبْحُ يُنَادَى لَهَا قَبْلَ الْفَجْرِ فَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ فَإِنَّا لَمْ نَرَهَا يُنَادَى لَهَا إلَّا بَعْدَ أَنْ يَحُلَّ وَقْتُهَا)
(ص): (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ جَاءَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يُؤْذِنَهُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَوَجَدَهُ نَائِمًا فَقَالَ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي نِدَاءِ الصُّبْحِ) .
(ص): (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ
_________________
(١) [المنتقى] بِالنَّاسِ لِفِطْرِ الصَّائِمِ وَانْصِرَافِ الْمُتَصَرِّفِ جَمِيعَ نَهَارِهِ إلَى بَيْتِهِ فَكَانَ تَعْجِيلُهَا أَوْلَى مِنْ التَّنَفُّلِ قَبْلَهَا فَمَنْ آثَرَ التَّنَفُّلَ تَنَفَّلَ بَعْدَهَا وَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَإِنَّ الْأَذَانَ تَتَعَقَّبُهُ الْخُطْبَةُ وَهِيَ تَمْنَعُ التَّنَفُّلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ): وَأَمَّا قَوْلُهُ إقَامَتُهُ وَإِقَامَةُ غَيْرِهِ سَوَاءٌ فَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ وَدَلِيلُنَا عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مُؤَذِّنٌ فَجَازَ أَنْ يُقِيمَ غَيْرُهُ كَالْمُؤَذِّنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ. (ش): وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّهُ لَا يُنَادَى لِشَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ قَبْلَ وَقْتِهَا لِأَنَّ الْأَذَانَ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَوَاتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ وَأَمَّا صَلَاةُ الصُّبْحِ فَإِنَّهُ يُنَادَى لَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُنَادَى لَهَا قَبْلَ الْفَجْرِ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ كَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ فَسَمِعَ الْأَذَانَ فَعَلِمَ أَنَّهُ عِلْمُهُمْ الْمُتَّصِلُ فَرَجَعَ فِي ذَلِكَ إلَى قَوْلِ مَالِكٍ كَمَا رَجَعَ فِي مَسْأَلَةِ الصَّاعِ بِمَا شَهِدَ مِنْ النَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ مَا وَقَعَ لَهُ بِهِ الْعِلْمُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ قَوْلُهُ - ﷺ - «أَنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآثَارِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَذَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ هُوَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ إنْ كَانَ الْخِلَافُ فِي الْأَذَانِ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَالْآثَارُ حُجَّةٌ لِمَنْ أَثْبَتَهُ وَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ فِي الْمَقْصُودِ بِهِ فَيَحْتَاجُ إلَى مَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ اتِّصَالِ الْأَذَانِ إلَى الْفَجْرِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وَقْتِ الْأَذَانِ لَهَا فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَسَحْنُونٌ لَا يُؤَذَّنُ لَهَا حَتَّى يَبْقَى السُّدُسُ الْآخِرُ مِنْ اللَّيْلِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُؤَذَّنُ لَهَا بَعْدَ آخِرِ أَوْقَاتِ الْعِشَاءِ وَذَلِكَ نِصْفُ اللَّيْلِ وَقَالَ الْوَقَارُ يُؤَذَّنُ لَهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَهَذَا قَوْلٌ فِيهِ بُعْدٌ وَالْأَظْهَرُ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش): قَوْلُهُ فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي نِدَاءِ الصُّبْحِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ قَالَ ذَلِكَ إنْكَارًا لِاسْتِعْمَالِهِ لَفْظَةً مِنْ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ فِي غَيْرِ الْأَذَانِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَقَالَ لَهُ اجْعَلْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي الْأَذَانِ يَعْنِي لَا تَسْتَعْمِلْهَا فِي غَيْرِهِ وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا التَّثْوِيبَ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْمُؤَذِّنُ إذَا اسْتَبْطَأَ النَّاسَ حَيِّ عَلَى الْفَلَاحِ لِإِفْرَادِ بَعْضِ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ وَالنِّدَاءِ بِهِ فِي غَيْرِ الْأَذَانِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ التَّثْوِيبَ بَعْدَ الْأَذَانِ وَالْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ مَكْرُوهٌ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْكَرَ عُمَرُ قَوْلَ الْمُؤَذِّنِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ فَقَالَ اجْعَلْهَا فِي نِدَاءِ الصُّبْحِ يَعْنِي لَا تَسْتَعْمِلْهَا فِي غَيْرِهِ. (مَسْأَلَةٌ): وَلَا يَتْرُكُ الْمُؤَذِّنُ قَوْلَهُ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ فِي نِدَاءِ الصُّبْحِ فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ وَمَنْ أَذَّنَ فِي ضَيْعَتِهِ مُتَنَحِّيًا عَنْ النَّاسِ فَتَرَكَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ لَا يَأْتِيَ بِهِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ شَعْبَانَ. (ص): (مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْت عَلَيْهِ النَّاسَ إلَّا النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ) . (ش): قَوْلُهُ مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْت عَلَيْهِ النَّاسَ يُرِيدُ الصَّحَابَةَ لِأَنَّهُ قَدْ أَنْكَرَ أَكْثَرَ أَفْعَالِ أَهْلِ عَصْرِهِ وَرَأَى أَنَّهَا مُخَالِفَةً لِمَا أَدْرَكَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّحَابَةِ وَذَلِكَ أَنَّ التَّغْيِيرَ يُمْكِنُ أَنْ يَلْحَقَ صِفَةَ الْفِعْلِ كَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ أَوْقَاتِهَا وَيُمْكِنُ أَنْ يَلْحَقَ الْفِعْلَ جُمْلَةً كَتَرْكِ الْأَمْرِ بِكَثِيرٍ مِنْ الْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْمُنْكَرِ مَعَ عِلْمِ النَّاسِ بِذَلِكَ كُلِّهِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ إلَّا النِّدَاءَ يُرِيدُ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَلَوْ دَخَلَهُ تَغْيِيرٌ لَعَرَفَ النَّاسُ ذَلِكَ وَلَعَرَفُوا أَوَّلَ مَنْ غَيَّرَهُ فَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِالْمَدِينَةِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ لَمْ يَدْخُلْهُ تَغْيِيرٌ وَلَا تَبْدِيلٌ.
[ ١ / ١٣٨ ]