. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [المنتقى] تِلْكَ الْمَسَائِلِ وَالْمَعَانِي الَّتِي يَجْمَعُهَا وَيَنُصُّهَا مَا يَخِفُّ وَيَقْرُبُ لِيَكُونَ ذَلِكَ حَظَّ مَنْ ابْتَدَأَ بِالنَّظَرِ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِيفَاءِ إنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ وَعَوْنًا لَهُ إنْ طَمَحَتْ هِمَّتُهُ إلَيْهِ فَأَجَبْتُك إلَى ذَلِكَ وَانْتَقَيْته مِنْ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ عَلَى حَسَبِ مَا رَغِبْتَهُ وَشَرَطْتَهُ وَأَعْرَضْتُ فِيهِ عَنْ ذِكْرِ الْأَسَانِيدِ وَاسْتِيعَابِ الْمَسَائِلِ وَالدَّلَالَةِ وَمَا احْتَجَّ بِهِ الْمُخَالِفُ وَسَلَكْتُ فِيهِ السَّبِيلَ الَّذِي سَلَكْتُ فِي كِتَابِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ إيرَادِ الْحَدِيثِ وَالْمَسْأَلَةِ مِنْ الْأَصْلِ ثُمَّ أَتْبَعْتُ ذَلِكَ مَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ الْفَرْعِ وَأَثْبَتَهُ شُيُوخُنَا الْمُتَقَدِّمُونَ - ﵃ - مِنْ الْمَسَائِلِ وَسُدَّ مِنْ الْوُجُوهِ وَالدَّلَائِلِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ وَبِهِ أَسْتَعِينُ وَعَلَيْهِ أَتَوَكَّلُ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَقَدْ قَدَّمْت فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ مَا لَا أُخْلِي هَذَا الْكِتَابَ مِنْ حَرْفٍ مِنْ ذِكْرِهِ وَذَلِكَ أَنَّ فَتْوَى الْمُفْتِي فِي الْمَسَائِلِ وَكَلَامَهُ عَلَيْهَا وَشَرْحَهُ لَهَا إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ مَا يُوَفِّقُهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ وَيُعِينُهُ عَلَيْهِ وَقَدْ يَرَى الصَّوَابَ فِي قَوْلٍ مِنْ الْأَقْوَالِ فِي وَقْتٍ وَيَرَاهُ خَطَأً فِي وَقْتٍ آخَرَ وَلِذَلِكَ يَخْتَلِفُ قَوْلُ الْعَالِمِ الْوَاحِدِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ فَلَا يَعْتَقِدُ النَّاظِرُ فِي كِتَابِي أَنَّ مَا أَوْرَدْته مِنْ الشَّرْحِ وَالتَّأْوِيلِ وَالْقِيَاسِ وَالتَّنْظِيرِ طَرِيقُهُ الْقَطْعُ عِنْدِي حَتَّى أَعِيبَ مَنْ خَالَفَهَا وَأَذُمَّ مَنْ رَأَى غَيْرَهُ. وَإِنَّمَا هُوَ مَبْلَغُ اجْتِهَادِي وَمَا أَدَّى إلَيْهِ نَظَرِي وَأَمَّا فَائِدَةُ إثْبَاتِي لَهُ فَتَبْيِينُ مَنْهَجِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَالْإِرْشَادِ إلَى طَرِيقِ الِاخْتِبَارِ وَالِاعْتِبَارِ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ فَلَهُ أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ وَيَعْمَلَ بِحَسَبِ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ مِنْ وِفَاقِ مَا قُلْته أَوْ خِلَافِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ نَالَ هَذِهِ الدَّرَجَةَ فَلْيَجْعَلْ مَا ضَمَّنْته كِتَابِي هَذَا سُلَّمًا إلَيْهَا وَعَوْنًا عَلَيْهَا وَاَللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ وَالْهَادِي إلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. [وُقُوتُ الصَّلَاةِ] ١ ِ: جَمْعُ وَقْتٍ كَضَرْبٍ وَضُرُوبٍ وَفَلْسٍ وَفُلُوسٍ وَوَجْهٍ وَوُجُوهٍ فَوَقْتُ الصَّلَاةِ يَتَّسِعُ لِتَكْرَارِ فِعْلِهَا مِرَارًا وَجَمِيعُهُ وَقْتٌ لِجَوَازِ فِعْلِهَا وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ مِنْهُ فَذَهَبَ أَكْثَرُ شُيُوخِنَا مِنْ الْمَالِكِيِّينَ إلَى أَنَّ جَمِيعَهُ وَقْتٌ لِلْوُجُوبِ وَذَهَبَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ آخِرَهُ وَقْتٌ لِلْوُجُوبِ وَذَهَبَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّ أَوَّلَهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ وَإِنَّمَا ضُرِبَ آخِرُهُ فَصْلًا بَيْنَ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ وَقْتَ الْوُجُوبِ مِنْهُ وَقْتٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَإِنَّ لِلْمُكَلَّفِ تَعْيِينَهُ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ فِيهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ - ﵁ - وَهَذَا أَظْهَرُ عِنْدِي وَأَجْرَى عَلَى أُصُولِ الْمَالِكِيَّةِ لِأَنَّ مُعْظَمَهُمْ قَالُوا إنَّ الْأَفْعَالَ الْمُخَيَّرَ بَيْنَهَا كَالْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ فِي الْكَفَّارَةِ الْوَاجِبُ مِنْهَا وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وَلِلْمُكَلَّفِ تَعْيِينُ وُجُوبِهِ بِفِعْلِهِ وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّ جَمِيعَهَا وَاجِبٌ فَإِذَا فَعَلَ الْمُكَلَّفُ أَحَدَهَا سَقَطَ وُجُوبُ سَائِرِهَا وَمَا قَدَّمْنَاهُ هُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ الْوَاجِبَ جَمِيعُهَا لَا يَسْقُطُ وُجُوبُ بَعْضِهَا بِفِعْلِ غَيْرِهَا. (مَسْأَلَةٌ): إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي جَوَازِ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ فَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَصْرٍ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا لِبَدَلٍ وَهُوَ الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِهَا وَحُكِيَ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهُ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ وَقْتِهَا مَا يُفْعَلُ فِيهِ وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّ الْعَزْمَ وَاجِبٌ وَلَا أُسَمِّيهِ بَدَلًا وَهَذَا أَظْهَرُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ تَرْكُ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهَا مَتَى تَذَكَّرَهَا فِي وَقْتٍ وَلَا غَيْرِهِ.
(٢) (مَسْأَلَةٌ): وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَالزَّجَّاجِيُّ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ إنَّ الصَّلَاةَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الدُّعَاءُ وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَمِنْ
[ ١ / ٣ ]
(ص): (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا وَهُوَ بِالْكُوفَةِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ قَالَ بِهَذَا أُمِرْتُ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَعْلَمُ مَا تُحَدِّثُ بِهِ يَا عُرْوَةُ أَوْ إنَّ جِبْرِيلَ هُوَ الَّذِي أَقَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَقْتَ الصَّلَاةِ قَالَ عُرْوَةُ وَكَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ عُرْوَةُ وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ») .
_________________
(١) [المنتقى] ذَلِكَ سُمِّيَتْ صَلَاةُ الْجَنَائِزِ صَلَاةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ - ﵁ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵀ - إنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مِنْ الصَّلَوَيْنِ وَهُمَا عِرْقَانِ فِي الرِّدْفِ يَنْحَنِيَانِ فِي الصَّلَاةِ وَحُكِيَ مِثْلُ هَذَا عَنْ الْمُبَرِّدِ. وَقَالَ ابْنُ عَزِيزٍ الصَّلَاةُ الرَّحْمَةُ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي لَفْظِ الصَّلَاةِ فَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إلَى أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ وَاقِعٌ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَسَائِرِ مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ مِنْ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ إلَى أَنَّهَا لَفْظَةٌ عَامَّةٌ لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ عَلَى الدُّعَاءِ مِنْهَا خَاصَّةً وَأَنَّ سَائِرَ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ شُرُوطٌ فِيهَا وَمَعَانٍ تَقْتَرِنُ بِهَا. (فَصْلٌ): وَإِنَّمَا ابْتَدَأَ مَالِكٌ - ﵀ - بِذِكْرِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ فِي كِتَابِهِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَا يُرَاعَى مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ وَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَجِبُ فِعْلُ الطَّهَارَةِ بِحَسَبِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ فَكَانَ الِابْتِدَاءُ بِذِكْرِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ أَوْلَى فِي الرُّتْبَةِ. (ش): قَوْلُهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ فَأَخْبَرَهُ بِالْحَدِيثِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ أَخَّرَهَا عَنْ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ إلَى آخِرِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَخَّرَهَا عَنْ جَمِيعِهِ إلَى وَقْتِ الضَّرُورَةِ وَالْأَشْبَهُ بِفَضْلِ عُمَرَ وَحَالِهِ أَنْ يَكُونَ التَّأْخِيرُ وَقْتَ الْإِسْفَارِ فَيَكُونَ عُرْوَةُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ تَأْخِيرَهَا بِالْجَمَاعَةِ الَّتِي مِنْ سُنَّتِهَا أَنْ تُقَامَ صَلَاتُهَا فِي أَوَّلِ الْأَوْقَاتِ وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ عَلَيْهِ السَّهْوُ عَنْ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ عَنْ جَمِيعِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ خَفِيَ عَلَيْهِ - ﵀ - بَعْضُ الْعِلْمِ بِالْوَقْتِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَعْتَذِرْ لِعُرْوَةِ بِمَانِعٍ مَنَعَهُ مِنْ تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَإِنَّمَا رَاجَعَهُ مُرَاجَعَةَ مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ مَا أَوْرَدَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْوَقْتِ.
(٢) (فَصْلٌ): وَقَوْلُ عُرْوَةَ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا وَهُوَ بِالْكُوفَةِ وَمَا قَالَهُ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ سُنَّةٌ فِي مُلَاطَفَةِ الْإِنْكَارِ لِمَا يَجِبُ إنْكَارُهُ لَا سِيَّمَا لِمَنْ عُلِمَ انْقِيَادُهُ لِلْحَقِّ وَحِرْصُهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ لَهُ إلَى الرُّجُوعِ إلَى الْحَقِّ وَأَسْلَمُ لِنَفْسِهِ مِنْ الْغَضَبِ الْمُوجِبِ لِلْعِنَادِ وَكَذَلِكَ يَجِبُ لِمَنْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ وَنَهَى عَنْ مُنْكَرٍ أَنْ يَرْفُقَ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] وَفِي فِعْلِ الْمُغِيرَةِ تَأْنِيسٌ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهَذَا الْأَمْرِ بَلْ قَدْ سَهَا عَنْ عِلْمِهِ كَبِيرٌ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ وَذَلِكَ مِمَّا يُخَفِّفُ عَلَى عُمَرَ سَهْوَهُ وَاحْتَجَّ عُرْوَةُ عَلَى قَوْلِهِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ - ﷺ - لِيَصِحَّ قَوْلُهُ وَتَثْبُتَ حُجَّتُهُ لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يَسُوغُ لَهُمْ الِاجْتِهَادُ فَلَيْسَ لِعُرْوَةِ أَنْ يَرُدَّهُ عَنْ رَأْيِهِ وَمَا يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ إلَّا بِخَبَرٍ يَمْنَعُ الِاجْتِهَادَ الْمُؤَدِّيَ إلَى مَا يُخَالِفُهُ وَأَرْسَلَ عُرْوَةُ الْخَبَرَ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ عُمَرُ إرْسَالَهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْقَوْلِ بِالْمَرَاسِيلِ.
(٣) (فَصْلٌ): وَقَوْلُ أَبِي مَسْعُودٍ مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ
[ ١ / ٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [المنتقى] - ﷺ - عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ لِفِعْلِهِ إنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ مِنْ صَلَاةِ جِبْرِيلَ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - وَتَبْيِينِ الْأَوْقَاتِ لَهُ مَا عَلِمَ هُوَ وَاسْتِبْعَادِ أَنْ يَخْفَى هَذَا عَلَى مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ - ﷺ - كَصُحْبَةِ الْمُغِيرَةِ لَهُ وَإِخْبَارُهُ أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى بِالنَّبِيِّ - ﷺ - فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ، وَاحْتِجَاجُهُ بِهِ عَلَى الْمُغِيرَةِ فِي مُرَاعَاةِ الْوَقْتِ غَيْرُ بَيِّنٍ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا فِيهِ مِنْ التَّعَلُّقِ بِذَلِكَ أَنَّ هَاهُنَا وَقْتًا مَأْمُورًا بِالصَّلَاةِ فِيهِ وَأَمَّا تَعْيِينُ الْوَقْتِ فَلَيْسَ فِي لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا انْفَرَدَ بِهِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ وَلَا يُحْتَمَلُ مُخَالَفَةُ مِثْلِ ذَلِكَ وَغَيْرُهُ مِنْ حُفَّاظِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُغِيرَةُ عَلِمَ وَقْتَ الصَّلَاةِ وَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ مَصْرُوفٌ إلَى اجْتِهَادِهِ وَنَظَرِهِ وَأَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ وَالْفَضِيلَةِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ وَالتَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْقَاتِ فَأَخْبَرَهُ أَبُو مَسْعُودٍ أَنَّ جِبْرِيلَ أَقَامَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ تَأْخِيرَهَا عَنْ هَذَا الْوَقْتِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إلَى أَنَّ الْفَاءَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - إذَا ائْتَمَّ بِجِبْرِيلَ - ﵇ - يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُصَلِّيًا مَعَهُ وَإِذَا حُمِلَتْ الْفَاءُ عَلَى حَقِيقَتِهَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُصَلِّيًا بَعْدَهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ - ﵁ - وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ الْفَاءَ عَلَى بَابِهَا لِلتَّعْقِيبِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ كُلَّمَا فَعَلَ جُزْءًا مِنْ الصَّلَاةِ فَعَلَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - بَعْدَهُ وَهَذِهِ سُنَّةُ الصَّلَاةِ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ تَبَعًا لِلْإِمَامِ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ يَفْعَلُهَا بَعْدَهُ وَلَا يَفْعَلُهَا مَعَهُ فَإِنْ فَعَلَهَا مَعَهُ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ مِنْهُمَا مَا تَفْسُدُ بِهِ الصَّلَاةُ وَمِنْهُمَا مَا لَا تَفْسُدُ بِهِ وَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا مُبَيَّنًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ صَلَّى زَيْدٌ فَصَلَّى عَمْرٌو إذَا افْتَتَحَ زَيْدٌ الصَّلَاةَ قَبْلَ عَمْرٍو وَفَعَلَا سَائِرَ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ عَلَى ذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُولُ سَافَرَ زَيْدٌ فَسَافَرَ عَمْرٌو إذَا شَرَعَ زَيْدٌ فِي السَّفَرِ وَخَرَجَ لَهُ قَبْلَ عَمْرٍو وَإِنْ كَانَ عَمْرٌو قَدْ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ تَمَامِ زَيْدٍ وَهَذَا أَوْضَحُ فِي ائْتِمَامِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِجِبْرِيلَ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ بِمَعْنَى الْوَاوِ وَلِأَنَّ الْعَطْفَ بِالْوَاوِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - ﷺ - صَلَّى قَبْلَ جِبْرِيلَ وَالْفَاءُ لَا تَحْتَمِلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَهِيَ أَبْعَدُ مِنْ وُجُوهِ الِاحْتِمَالِ وَأَبْلَعُ فِي الْبَيَانِ.
(٢) (فَصْلٌ): وَاحْتِجَاجُ أَبِي مَسْعُودٍ عَلَى الْمُغِيرَةِ وَعُرْوَةُ عَلَى عُمَرَ بِهَذَا الْخَبَرِ إنْ كَانَا أَخَّرَا الصَّلَاةَ عَنْ جَمِيعِ وَقْتِهَا الْمُسْتَحَبِّ بَيِّنٌ وَإِنْ كَانَا إنَّمَا أَخَّرَاهَا إلَى آخِرِهِ فَلِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِفَوَاتِهَا وَالتَّشْدِيدِ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ بِتَأَكُّدِ وُجُوبِهَا وَإِنَّمَا تَتِمُّ الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ تَقَدَّرَ عِنْدَ الْمُغِيرَةِ وَعُمَرَ مِنْ خَبَرِ أَبِي مَسْعُودٍ وَعُرْوَةَ وَقْتُ صَلَاةِ جِبْرِيلَ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - إمَّا بِإِشَارَةٍ أَوْ بِزِيَادَةِ لَفْظٍ فِي الْخَبَرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي قَوْلِهِمَا صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيَانُ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَلَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُغِيرَةَ وَعُمَرَ أَخَّرَا الصَّلَاةَ عَنْهُ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ بِهَذَا أُمِرْتُ وَأُمِرْتَ رِوَايَتَانِ فَأَمَّا أُمِرْتُ بِالضَّمِّ فَمَعْنَاهُ أُمِرْتُ أَنْ أُبَلِّغَهُ إلَيْك وَأُبَيِّنَهُ لَك وَمَعْنَى أُمِرْتَ بِالْفَتْحِ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ وَضَّاحٍ أُمِرْتَ أَنْ تُصَلِّيَ فِيهِ وَتُشَرِّعَ فِيهِ الصَّلَاةَ لِأُمَّتِكَ وَقَوْلُهُ هَذَا إنْ كَانَ صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَمُقْتَضَى هَذَا الْأَمْرِ الْوُجُوبُ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا صَلَّى بِهِ يَوْمًا وَاحِدًا فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي يُسْتَحَبُّ لِلْأَئِمَّةِ إقَامَةُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُ عُمَرَ لِعُرْوَةِ أَعْلَمُ مَا تُحَدِّثُ بِهِ يَا عُرْوَةُ أَوْ أَنَّ جِبْرِيلَ هُوَ الَّذِي أَقَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَقْتَ الصَّلَاةِ لَا لِمَعْنَى الِائْتِمَامِ لَهُ وَلَكِنْ عَلَى سَبِيلِ الْحَضِّ لَهُ
[ ١ / ٥ ]
(ص): (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ - ﷺ - فَسَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَالَ فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى إذَا كَانَ مِنْ الْغَدِ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ مِنْ الْغَدِ بَعْدَ أَنْ أَسْفَرَ ثُمَّ قَالَ أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ هَا أَنَا ذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ») .
_________________
(١) [المنتقى] عَلَى زِيَادَةِ التَّثَبُّتِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى إعَادَةِ النَّظَرِ وَالتَّعَجُّبِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذَا مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهَا رَأْسُ هَذَا الدِّينِ وَأَهَمُّ أُمُورِهِ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ عِلْمُهُ مَعَ اجْتِهَادِهِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَالِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الشَّرِيعَةِ لَا سِيَّمَا الصَّلَاةَ الَّتِي إلَيْهِ إقَامَتُهَا وَهُوَ الْإِمَامُ فِيهَا فَعَظُمَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ قَدْ ذَهَبَ عَلَيْهِ مِثْلُ هَذَا مِنْ شَأْنِهَا وَمَعْرِفَةِ سَبَبِ إقَامَةِ أَوْقَاتِهَا وَمَنْ الَّذِي أَقَامَهَا فَقَالَ عُرْوَةُ كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ إتْمَامًا لِحُجَّتِهِ وَإِقَامَةً لَهَا بِإِسْنَادِ الْحَدِيثِ وَالْإِعْلَامِ بِاسْمِ مَنْ حَدَّثَهُ بِهِ وَأَكَّدَ ذَلِكَ عُرْوَةُ وَاسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِمَا حَدَّثَتْهُ بِهِ عَائِشَةُ - ﵂ - مِنْ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا» فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَكَّدَ ذَلِكَ بِزِيَادَةِ عَدَالَةِ عَائِشَةَ عَلَى عَدَالَةِ بَشِيرِ بْنِ أَبِي مَسْعُودٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِذَلِكَ تَقْوِيَةَ الْأَمْرِ فِي نَفْسِ عُمَرَ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ وَالنَّاقِلِينَ لِمَعْنَاهُ وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ عُرْوَةَ إنَّمَا أَنْكَرَ تَأْخِيرَ فِعْلِ الصَّلَاةِ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَوَصَفَ الْوَقْتَ الَّذِي حَضَّ فِيهِ عَلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ فِي الْحُجْرَةِ وَقَوْلُهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ قِيلَ مَعْنَاهُ تَذْهَبُ وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْك عَارُهَا أَيْ ذَاهِبٌ وَقِيلَ مَعْنَى تَظْهَرُ تَعْلُو وَتَصِيرُ عَلَى ظَهْرِ الْحُجْرَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] الْآيَةَ وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ وَرَوَى حَبِيبٌ عَنْ مَالِكٍ قَالَ مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّمْسَ فِي الْأَرْضِ لَمْ تَبْلُغْ الْجِدَارَ أَيْ لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ. (ش): هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَسْنَدَهُ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ. وَقَدْ ذَكَرَ الْقَنَازِعِيُّ - ﵀ - أَنَّ سُفْيَانَ أَسْنَدَهُ عَنْ زَيْدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَرَاهُ وَهِمَ وَقَوْلُهُ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَسَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ طَارِئًا أَوْ قَاطِنًا قَدْ عَلِمَ أَنَّ وَقْتَ صَلَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ - هُوَ مِنْ آكِدِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَعْلَمْ جَمِيعَ الْوَقْتِ فَسَأَلَهُ عَنْ تَحْدِيدِهِ. (فَصْلٌ): قَوْلُهُ «فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى إذَا كَانَ مِنْ الْغَدِ» يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - ﷺ - تَرَكَ تَعْجِيلَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ حَتَّى بَيَّنَهُ بِالْفِعْلِ قَصْدًا إلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْبَيَانِ وَأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْمُتَعَلِّمِ وَأَسْهَلُ عَلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الْبَيَانَ لِلْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ السَّائِلَ لَانْفَرَدَ بِعِلْمِ ذَلِكَ وَالصَّلَاةُ جَامِعَةٌ يَحْضُرُهَا مَعَهُ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَعْلِيمًا لِجَمِيعِهِمْ إذَا كَانَ هَذَا مِمَّا تَعُمُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَسُكُوتُهُ عَنْهُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْخَبَرِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ قَاطِنٌ مَعَهُ مُلَازِمٌ لَهُ كَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ فَكَفَاهُ عِلْمُهُ بِعَادَتِهِ الْمَاضِيَةِ وَمَعْرِفَتُهُ بِحَالِهِ فِي مُلَازَمَةِ الصَّلَاةِ مَعَهُ عَنْ أَمْرِهِ لَهُ بِذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ طَارِئًا قَدْ عَلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَرْحَلُ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ التَّعْلِيمِ إمَّا بِوَحْيٍ عَلَى مَا حَكَاهُ كَثِيرٌ مِنْ شُيُوخِي أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بُرَيْدَةَ بْنُ حَصِيبٍ الْأَسْلَمِيُّ وَذَكَرَ فِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُ صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي لِحَدِيثِ عَطَاءٍ لَمْ يَسْمَعْ أَمْرَ النَّبِيِّ - ﷺ - السَّائِلَ بِأَنْ يُشَاهِدَ مَعَهُ الصَّلَاةَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ فَسَكَتَ عَنْهُ سُكُوتَهُ عَنْ جَوَابِ مَسْأَلَتِهِ وَتَأْخِيرُ النَّبِيِّ - ﷺ - جَوَابَ السَّائِلِ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ هَذَا فَأَخَّرَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَعْلَمَ الْحُكْمَ بِوَحْيٍ أَوْ بِنَظَرٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَخَّرَهُ لِمَا رَأَى فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ إمَّا
[ ١ / ٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [المنتقى] لِلْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْمَصَالِحِ الَّتِي عَلِمَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - وَلَيْسَ هَذَا مِنْ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ الَّذِي تَكَلَّمَ شُيُوخُنَا فِي جَوَازِ تَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ بِالْعِبَادَةِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ فَمَنَعَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ شُيُوخِنَا وَجَوَّزَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا. وَوَقْتُ الْخِطَابِ بِالصَّلَاةِ وَبَيَانُ أَحْكَامِهَا وَأَوْقَاتِهَا قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ سُؤَالِ هَذَا السَّائِلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ إلَّا عَنْ عِبَادَةٍ ثَابِتَةٍ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ جَوَابَ السَّائِلِ لَهُ عَنْ وَقْتِ السُّؤَالِ وَلَا يُجِيبَهُ أَصْلًا وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ وَأَنْكَرَ عَلَى السَّائِلِ مَسْأَلَةَ اللِّعَانِ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَى الْفِعْلِ وَقَدْ تَكَلَّمَ قَوْمٌ مِنْ شُيُوخِنَا فِي وَجْهِ تَأْخِيرِ جَوَابِ السَّائِلِ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّغْرِيرِ بِفَوَاتِ الْعِلْمِ لِجَوَازِ أَنْ يَمُوتَ السَّائِلُ قَبْلَ وَقْتِ التَّعْلِيمِ الَّذِي أُخِّرَ إلَيْهِ الْجَوَابُ فَقَالُوا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَحْيُ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ - ﷺ - بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ وَهَذَا الْوَجْهُ إنْ كَانَ سَائِغًا فَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ التَّعَسُّفِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ حُكْمُهُ فِي إجْرَاءِ الْأُمُورِ عَلَى ظَوَاهِرِهَا وَجَعْلِهَا عَلَى عَادَتِهَا حُكْمَ أُمَّتِهِ وَلِذَلِكَ كَانَ يُرْسِلُ أُمَرَاءَهُ عَلَى الْجُيُوشِ وَرُسُلَهُ إلَى الْبُلْدَانِ مَعَ تَجْوِيزِهِ عَلَيْهِمْ الْمَوْتَ إلَّا أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى الْعَادَةِ وَاسْتِصْحَابِ السَّلَامَةِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ سَائِلًا لَوْ سَأَلَ عَالِمًا عَنْ حُكْمِ مَسْأَلَةٍ لَجَازَ لَهُ تَأْخِيرُ الْجَوَابِ عَنْهَا مَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَهَا لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ فِي تَأْخِيرِ الْجَوَابِ تَقْرِيبٌ عَلَى السَّائِلِ وَزِيَادَةٌ فِي الْبَيَانِ لَهُ وَإِنْ كَانَ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى الْمَعْرِفَةِ بِبَقَائِهِ إلَى وَقْتِ جَوَابِهِ وَأَيْضًا فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ سَأَلَهُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ سُؤَالِهِ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِتَعْلِيمِهِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ الْغَدِ فَلَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَ وَقْتِ السُّؤَالِ وَوَقْتِ التَّعْلِيمِ وَقْتُ صَلَاةٍ يَخَافُ عَلَيْهِ فِيهَا الْجَهْلَ بِالْوَقْتِ وَعَلَى قَوْلِنَا أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ تَحْدِيدِ الْوَقْتِ فَالْأَمْرُ أَسْهَلُ وَوَجْهُ جَوَازِ التَّأْخِيرِ أَبْيَنُ وَلَوْ مَاتَ السَّائِلُ قَبْلَ وَقْتِ التَّعْلِيمِ لَكَانَ قَدْ أُثِيبَ عَلَى بَحْثِهِ وَسُؤَالِهِ عَنْ الْعِلْمِ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ تَفْرِيطٌ بِتَأْخِيرِهِ.
(٢) (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ «حَتَّى إذَا كَانَ مِنْ الْغَدِ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ» تَحْقِيقُ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى أَصْلِ مَوْضُوعِهِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يَقْتَضِي أَنَّ طُلُوعَ الْفَجْرِ هُوَ كَانَ وَقْتَ فِعْلِ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَلَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ طُلُوعُ الْفَجْرِ ابْتِدَاءَ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِمَعْنَى الْمُبَالَغَةِ تَقُولُ جَلَسْت حِينَ جَلَسَ زَيْدٌ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ جُلُوسَهُمَا كَانَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ غَيْرَ أَنَّ ابْتِدَاءَ جُلُوسِ زَيْدٍ تَقَدَّمَ فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ قَوْلُهُ صَلَّى حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ وَالْفَجْرُ هُوَ الْبَيَاضُ الَّذِي يَنْفَجِرُ مِنْ الْمَشْرِقِ يُشَبَّهُ بِانْفِجَارِ الْمَاءِ وَهُمَا فَجْرَانِ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا كَذَنَبِ سِرْحَانٍ وَالسِّرْحَانُ الذِّئْبُ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ وَيُسَمَّى الْفَجْرَ الْكَاذِبَ وَالثَّانِي هُوَ الْفَجْرُ الصَّادِقُ وَبِهِ يَتَعَلَّقُ تَحْرِيمُ الْأَكْلِ عَلَى الصَّائِمِ وَوُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُصَلِّي وَرَوَى ابْنُ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - نَحْوَ هَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ وَإِنْ كَانَ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى مَا رُوِيَ بِمِثْلِ إسْنَادِهِ إلَّا أَنَّهُ مَعْمُولٌ بِهِ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّةِ مَعْنَاهُ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ «ثُمَّ صَلَّى مِنْ الْغَدِ بَعْدَ أَنْ أَسْفَرَ» يُرِيدُ بِذَلِكَ بَعْدَ بَدْءِ الْإِسْفَارِ ثُمَّ وَقَعَتْ الصَّلَاةُ فِي بَقِيَّةِ الْإِسْفَارِ وَلَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ بَعْدَ جَمِيعِ الْإِسْفَارِ لَكَانَتْ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ وَقْتِهَا وَإِنَّمَا قَصَدَ الْمُحَدِّثُ بِذَلِكَ إلَى الْإِخْبَارِ بِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ مَا يُمْكِنُ فِعْلُهَا فِيهِ مِنْ الْوَقْتِ وَتَأْخِيرِهَا إلَى آخِرِ مَا يُمْكِنُ فِعْلُهَا فِيهِ مِنْ الْوَقْتِ فَأَتَى فِي ذَلِكَ بِأَلْفَاظِ الْمُبَالَغَةِ فِيمَا قَصَدَ بِهِ وَفِي هَذَا بَيَانُ أَنْ لَيْسَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ وَقْتُ ضَرُورَةٍ وَأَنَّ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ لَهَا مُتَّصِلٌ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَلِمَالِكٍ - ﵀ - مَسَائِلُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَرَّةً لَيْسَ لَهَا وَقْتُ ضَرُورَةٍ عَلَى مُقْتَضَى الْحَدِيثِ. وَقَالَ مَرَّةً
[ ١ / ٧ ]
(ص): (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - «إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ
_________________
(١) [المنتقى] لَهَا وَقْتُ ضَرُورَةٍ فَأَمَّا مَا يَقْتَضِي أَنَّ جَمِيعَ وَقْتِهَا وَقْتُ اخْتِيَارٍ فَهُوَ قَوْلُهُ إنَّ مَنْ رَجَا أَنْ يُدْرِكَ الْمَاءَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لَمْ يَتَيَمَّمْ فَلَوْ كَانَ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ إلَى الْإِسْفَارِ لَرَاعَى الْإِسْفَارَ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ كَمَا يُرَاعَى مَغِيبُ الشَّفَقِ فِي التَّيَمُّمِ لِلْمَغْرِبِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ. وَأَمَّا مَا يَقْتَضِي مِنْ قَوْلِهِ إنَّ لَهَا وَقْتَ ضَرُورَةٍ فَهُوَ مَا رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُسَافِرِينَ يُقَدِّمُونَ الرَّجُلَ لِسِنِّهِ يُصَلِّي بِهِمْ فَيُسْفِرُ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ وَأَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الْإِسْفَارِ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَهَذَا مِنْ قَوْلِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْإِسْفَارِ وَقْتُ ضَرُورَةٍ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ لَا وَقْتَ اخْتِيَارٍ وَلَوْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لَكَانَتْ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ فِيهِ أَفْضَلَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لِأَنَّ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَفَضِيلَةَ أَوَّلِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ عَلَى آخِرِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ الْخَبَرُ الْمُتَقَدِّمُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَقْتُ ضَرُورَةٍ لَهَا وَلَا لِغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ لَمْ يَكُنْ فِي آخِرِ وَقْتِهَا وَقْتُ ضَرُورَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ فَإِنَّ فِي أَوَّلِ وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ مِنْهَا وَقْتَ ضَرُورَةٍ لَهَا وَلِمَا شَارَكَهَا فِي وَقْتِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ فَلِذَلِكَ كَانَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا وَقْتُ ضَرُورَةٍ وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّ هَذِهِ إحْدَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَكَانَ لَهَا وَقْتُ اخْتِيَارٍ وَوَقْتُ ضَرُورَةٍ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ «أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ» يَقْتَضِي اهْتِمَامَهُ - ﷺ - بِتَعْلِيمِ السَّائِلِ وَإِرَادَتَهُ لِإِتْمَامِ مَا شَرَعَ فِيهِ مِنْ تَعْلِيمِهِ وَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ اعْتَقَدَ مُقَامَهُ عِنْدَهُ إلَى أَنْ يُتِمَّ تَعْلِيمَهُ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ - ﷺ - يُعَلِّمُ الْجَمِيعَ إلَّا أَنَّهُ خَصَّ السَّائِلَ لِفَضْلِ اجْتِهَادِهِ وَبَحْثِهِ عَنْ الْعِلْمِ وَقَوْلُهُ «مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ» إخْبَارٌ أَنَّ مَا بَيْنَ وَقْتَيْ صَلَاتَيْهِ وَقْتٌ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إخْبَارٌ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الصَّلَاتَيْنِ وَقْتٌ لِلصَّلَاةِ إنْ أَشَارَ بِقَوْلِهِ هَذَيْنِ إلَى وَقْتَيْ الصَّلَاتَيْنِ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ - «مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ» أَنَّ وَقْتَ الصَّلَاةِ أَيْضًا مِنْ الْوَقْتِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَفْهُومِ الْخِطَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] وَأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ الْخِطَابِ أَنَّهُ مَنْ يَعْمَلْ قِنْطَارًا مِنْ الْخَيْرِ يَرَهُ وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَقَوْلُهُ «مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ» إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْخَبَرُ أَنَّ مَا بَيْنَ وَقْتَيْ صَلَاتَيْهِ وَقْتٌ لِلصَّلَاةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا وَلَمْ يَتَنَاوَلْ الْخَبَرُ وَقْتَيْ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ كَمَا لَوْ قَالَ زَيْدٌ مَا بَيْنَ دَارَيَّ هَاتَيْنِ لِعَمْرٍو لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِدَارَيْهِ لِعَمْرٍو. وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ إقْرَارُهُ مَا بَيْنَ الدَّارَيْنِ خَاصَّةً وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ وَقْتٌ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ أَنَّ وَقْتَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَوَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقْتٌ لِلصُّبْحِ أَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] فَهَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ عَمِلَ مِثْقَالَ قِنْطَارٍ مِنْ الْخَيْرِ يَرَهُ لِأَنَّ الْقِنْطَارَ كُلَّهُ مَثَاقِيلُ ذَرٍّ فَلَوْ كَانَ مَنْ عَمِلَ مِثْقَالَ قِنْطَارٍ مِنْ الْخَيْرِ لَمْ يَرَهُ لَمَا كَانَ قَوْلُ الْقَائِلِ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ صِدْقًا لِأَنَّ مَنْ عَمِلَ قِنْطَارَ خَيْرٍ فَقَدْ عَمِلَ مَثَاقِيلَ ذَرٍّ وَزَادَ عَلَى ذَلِكَ وَالصَّحِيحُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ - ﷺ - «مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ» أَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا ثَبَتَ بِهِ أَنَّ مَا بَيْنَ وَقْتَيْ مَا أَشَارَ إلَيْهِ وَقْتٌ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَإِنْ كَانَ أَشَارَ إلَى الصَّلَاتَيْنِ فَقَدْ ثَبَتَ بِالْخَبَرِ أَنَّ مَا بَيْنَهُمَا وَقْتٌ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ وَثَبَتَ بِفِعْلِهِ أَنَّ وَقْتَيْ صَلَاتَيْهِ وَقْتٌ لَهَا فَثَبَتَ بَعْضُ الْوَقْتِ بِالْقَوْلِ وَبَعْضُهُ بِالْفِعْلِ وَإِنْ كَانَ أَشَارَ إلَى ابْتِدَاءِ صَلَاتِهِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ وَإِلَى انْتِهَائِهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَقَدْ ثَبَتَ جَمِيعُ الْوَقْتِ بِالْقَوْلِ وَإِنْ كَانَ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ قَدْ ثَبَتَ أَيْضًا بِالْفِعْلِ. وَقَوْلُهُ وَقْتٌ وَإِنْ كَانَ نَكِرَةً وَلَمْ يُضَفْ إلَى شَيْءٍ يَكُونُ وَقْتًا لَهُ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهَا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ.
[ ١ / ٨ ]
النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَسِ») .
_________________
(١) [المنتقى] (ش): قَوْلُهُ إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَيُصَلِّي الصُّبْحَ عَلَى مَعْنَى التَّأْكِيدِ وَإِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنْ الثَّقِيلَةِ وَرَوَى يَحْيَى مُتَلَفِّفَاتٍ وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى مُتَلَفِّعَاتٍ وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ إلَّا أَنَّ التَّلَفُّعَ يُسْتَعْمَلُ مَعَ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ وَالْمُرُوطُ أَكْسِيَةٌ مُرَبَّعَةٌ سَدَاهَا شَعْرٌ وَقَوْلُهُ «مَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَسِ» يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ: أَحَدَهُمَا: لَا يُعْرَفُ أَرِجَالٌ هُنَّ أَمْ نِسَاءٌ مِنْ شِدَّةِ الْغَلَسِ إنَّمَا يَظْهَرُ إلَى الرَّائِي أَشْخَاصُهُنَّ خَاصَّةً قَالَ ذَلِكَ الرَّاوِي. وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يُرِيدَ لَا يُعْرَفْنَ مَنْ هُنَّ مِنْ النِّسَاءِ مِنْ شِدَّةِ الْغَلَسِ وَإِنْ عُرِفَ أَنَّهُنَّ نِسَاءٌ إلَّا أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ يَقْتَضِي أَنَّهُنَّ سَافِرَاتٌ عَنْ وُجُوهِهِنَّ وَلَوْ كُنَّ غَيْرَ سَافِرَاتٍ لَمَنَعَ النِّقَابُ. وَتَغْطِيَةُ الْوَجْهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِنَّ لَا الْغَلَسُ إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُبِيحَ لَهُنَّ كَشْفَ وُجُوهِهِنَّ أَحَدُ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ أَوْ يَكُونَ بَعْدَهُ لَكِنَّهُنَّ أَمِنَّ أَنْ تُدْرَكَ صُوَرُهُنَّ مِنْ شِدَّةِ الْغَلَسِ فَأُبِيحَ لَهُنَّ كَشْفُ وُجُوهِهِنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إبَاحَةُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إلَى الْمَسَاجِدِ لِلصَّلَاةِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ اللَّوَاتِي صَلَّيْنَ مَعَهُ الصُّبْحَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُرَادًا بِاللَّفْظِ لَمَا كَانَ ذَكَرَ انْصِرَافَهُنَّ تَبْيِينًا لِلْوَقْتِ وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ فَسَّرَ هَذَا الْحَدِيثَ إنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى مُبَادَرَةِ خُرُوجِ النِّسَاءِ مِنْ الْمَسْجِدِ لِئَلَّا يُزَاحِمْنَ الرِّجَالَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ - ﵁ - وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ عِنْدِي ظَاهِرُ اللَّفْظِ اتِّصَالُ خُرُوجِهِنَّ بِانْقِضَاءِ الصَّلَاةِ لِقَوْلِهَا لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ وَالْفَاءُ فِي الْعَطْفِ تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ وَيَصِحُّ أَنْ يُبَادِرْنَ بِالْخُرُوجِ لِمَا ذَكَرَ هَذَا الْمُفَسِّرُ مِنْ أَنْ يَسْلَمْنَ مِنْ مُزَاحَمَةِ الرِّجَالِ وَيَصِحُّ أَنْ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ اغْتِنَامًا لِسَتْرِ الظَّلَامِ لَهُنَّ وَيَصِحُّ أَنْ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ مُبَادَرَةً إلَى مُرَاعَاتِ بُيُوتِهِنَّ وَفِعْلِ مَا يَلْزَمُهُنَّ فِعْلُهُ مِنْ أُمُورِ دُنْيَاهُنَّ.
(٢) (مَسْأَلَةٌ): وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ فِعْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا لِقَوْلِهَا «إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَيُصَلِّي الصُّبْحَ» وَهَذَا اللَّفْظُ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا يُثَابَرُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَدَاءَهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ أَدَائِهَا فِي سَائِرِهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَا يُثَابِرُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا لِلْفَضِيلَةِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَذَهَبَ أَهْلُ الْكُوفَةِ إلَى أَنَّ آخِرَ الْوَقْتِ أَفْضَلُ فَإِنْ قِيلَ إنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُسْتَعْمَلُ فِيمَنْ يَفْعَلُ الْفِعْلَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَا يُثَابِرُ عَلَيْهِ وَلَا يُفَضِّلُهُ وَلِذَلِكَ نَقُولُ كَانَ الشَّافِعِيُّ يَمْسَحُ بَعْضَ رَأْسِهِ فِي الْوُضُوءِ وَكَانَ مَالِكٌ يَقْضِي بِالشَّاهِدِ مَعَ الْيَمِينِ وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ كَانَ يُثَابِرُ عَلَى مَسْحِ بَعْضِ رَأْسِهِ وَيَرَاهُ أَفْضَلَ مِنْ مَسْحِ جَمِيعِهِ وَلَا عَلَى أَنَّ مَالِكًا كَانَ يَرَى الْقَضَاءَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ أَوْلَى مِنْ الْقَضَاءِ بِالشَّاهِدَيْنِ وَالْجَوَابُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا اللَّفْظِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَغْلَبِ إلَّا فِيمَا يَلْزَمُ الْمُخْبَرَ عَنْهُ مِنْ الْأَفْعَالِ وَلِذَلِكَ يُقَالُ كَانَ فُلَانٌ يَلْبَسُ الْخُضْرَةَ إذَا كَانَتْ غَالِبَ لِبَاسِهِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَخْضِبُ بِالصُّفْرَةِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَأْتِي قُبَاءَ رَاكِبًا وَإِنَّمَا يُقَالُ لِمَنْ فَعَلَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً لَبِسَ فُلَانٌ الْخُضْرَةَ وَخَضَّبَ زَيْدٌ بِالصُّفْرَةِ وَأَتَى عَمْرٌو الْكُوفَةَ هَذَا هُوَ الْمَعْهُودُ مِنْ كَلَامِهِمْ الْمَعْرُوفُ فِي خِطَابِهِمْ. وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ كَانَ الشَّافِعِيُّ يَمْسَحُ بَعْضَ رَأْسِهِ وَكَانَ مَالِكٌ يَقْضِي بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ وَإِنْ لَمْ يَقْتَضِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَهُمَا أَفْضَلَ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَكَرُّرَ قَوْلِهِمَا بِهِ أَنَّ قَوْلَهُمَا بِهِ أَفْضَلُ عِنْدَهُمَا مِنْ الْقَوْلِ بِغَيْرِهِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ ثَبَتَ أَنَّهُ هُوَ الْأَفْضَلُ فِيمَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَا يُكَرِّرُ وَلَا يُثَابِرُ إلَّا عَلَى الْأَفْضَلِ وَاسْتِدْلَالِي فِي الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ الْمُبَادَرَةَ بِهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا احْتِيَاطٌ لِلشَّرِيعَةِ وَإِبْرَاءٌ لِلذِّمَّةِ لِئَلَّا يَطْرَأَ عَلَى الْمُكَلَّفِ مَا يَمْنَعُ مِنْ فِعْلِهِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ مِنْ النِّسْيَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْذَارِ وَفِي التَّأْخِيرِ تَعْرِيضٌ لِلتَّغْرِيرِ وَتَسَبُّبٌ لِلْفَوَاتِ.
[ ١ / ٩ ]
(ص): (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ وَعَنْ الْأَعْرَجِ كُلُّهُمْ يُحَدِّثُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ») .
_________________
(١) [المنتقى] (ش): قَوْلُهُ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ» يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدَهُمَا: مَنْ كَانَ بِصِفَةِ الْمُكَلَّفِينَ وَأَدْرَكَ مِقْدَارَ رَكْعَةٍ مِنْ الْوَقْتِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ وُجُوبَ الصُّبْحِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ - ﵀ - إنَّمَا ذَلِكَ فِي أَهْلِ الْأَعْذَارِ؛ الْحَائِضِ تَطْهُرُ، وَالْمَجْنُونِ يُفِيقُ، وَالنَّصْرَانِيِّ يُسْلِمُ، وَالصَّبِيِّ يَحْتَلِمُ. وَالْوَجْهَ الثَّانِيَ: أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يَكُنْ قَاضِيًا لَهَا بَعْدَ وَقْتِهَا وَلَمْ يُخْرِجْهُ فِعْلُ بَعْضِهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَنْ حُكْمِ الْأَدَاءِ كَمَا أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ فَإِنَّ حُكْمَهُ فِي جَمِيعِهَا حُكْمُ الْمَأْمُومِ وَلَيْسَ فِعْلُهُ لِبَعْضِهَا وَحْدَهُ بِمُخْرِجٍ لَهُ عَنْ حُكْمِ الْجَمَاعَةِ وَإِذَا قُلْنَا إنَّ الْمُرَادَ بِهِ إدْرَاكُ وَقْتِ الْوُجُوبِ فَإِنَّ الْمُرَادَ مَنْ أَدْرَكَ مِقْدَارَ رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ ذَلِكَ إبَاحَةٌ لِتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ حَتَّى لَا يُدْرِكَ إلَّا بَعْضَهَا فِيهِ وَإِنَّمَا بَيَّنَ حُكْمَ مَنْ أَخَّرَهَا كَمَا أَنَّ مَنْ قَالَ مَنْ قَتَلَ عَبْدَ زَيْدٍ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ فَإِنَّهُ قَدْ بَيَّنَ حُكْمَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَلَمْ يُبِحْ الْقَتْلَ.
(٢) (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ - ﷺ - «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» يَحْتَمِلُ مِنْ الْوُجُوهِ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ وَفِيهِ أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الْعَصْرِ غُرُوبُ الشَّمْسِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَثَبَتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَبِمَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا مِنْ الْأَخْبَارِ فِي تَفْسِيرِ خَبَرِ عُمَرَ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ أَنَّ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقْتَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَقْتُ اخْتِيَارٍ وَاسْتِحْبَابٍ.: وَالْآخَرُ: وَقْتُ ضَرُورَةٍ وَكَرَاهِيَةٍ وَيَجْرِي مَجْرَى الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَسَنُبَيِّنُ الْأَوْقَاتَ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(٣) (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» يَقْتَضِي أَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَكُونُ بِهِ الْمُدْرِكُ مُدْرِكًا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ أَيْضًا مَنْ أَدْرَكَ تَكْبِيرَةً مِنْ الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا أَدْرَكَ مَنْ أَدْرَكَ تَكْبِيرَةً قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَدْرَكَ الْعَصْرَ خَاصَّةً. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَدْرَكَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فَإِنْ قَالُوا لَيْسَ فِي قَوْلِهِمْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ أَنَّهُ مُدْرِكٌ مَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا إلَّا مِنْ جِهَةِ دَلِيلِ الْخِطَابِ وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِهِ فَالْجَوَابُ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِنَا يَقُولُونَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ كَالْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْقَصَّارِ وَالْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ وَغَيْرِهِمَا وَبِهِ قَالَ مُتَقَدِّمُو أَصْحَابِنَا كَابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا يُحْتَجُّ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ فَإِنْ سَلَّمْتُمْ وَإِلَّا نَقَلْنَا الْكَلَامَ إلَيْهِ إنْ تَرَكْنَا الْقَوْلَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ عَلَى اخْتِيَارِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا فَإِنَّ الْحَدِيثَ حُجَّةٌ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ لِأَنَّهُ - ﷺ - إنَّمَا قَصَدَ إلَى بَيَانِ آخِرِ الْوَقْتِ وَمَا يَكُونُ الْمُدْرِكُ بِهِ مُدْرِكًا مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ مَا يُعْتَدُّ بِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةٍ فَلَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لِحُكْمِهَا كَمَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا مِنْهَا فَإِنَّهُمْ قَالُوا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْعَصْرِ سَجْدَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَوْ مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ فَقَدْ أَدْرَكَهَا» فَالْجَوَابُ أَنَّ السَّجْدَةَ هَاهُنَا تَقَعُ عَلَى الرَّكْعَةِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ عَائِشَةَ - ﵂ - رَوَتْ مِثْلَ هَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ قَالَتْ فِي آخِرِهِ وَالسَّجْدَةُ إنَّمَا هِيَ الرَّكْعَةُ وَجَوَابٌ ثَانٍ أَنَّهُ قَدْ شَرَطَ إدْرَاكَ السَّجْدَةِ وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ فَلَمْ يُدْرِكْ السَّجْدَةَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَعْتَدُّ بِهَا مِنْ صَلَاتِهِ. (مَسْأَلَةٌ): إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالرَّكْعَةُ الَّتِي يَكُونُ مُدْرِكًا
[ ١ / ١٠ ]
(ص): (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ: إنَّ أَهَمَّ أَمْرِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ مَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ ثُمَّ كَتَبَ أَنْ صَلُّوا الظُّهْرَ إذَا كَانَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا إلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّ أَحَدِكُمْ مِثْلَهُ وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فَرْسَخَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَالْمَغْرِبَ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَالْعِشَاءَ إذَا غَابَ الشَّفَقُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ وَالصُّبْحَ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ) .
_________________
(١) [المنتقى] بِإِدْرَاكِهَا حَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ مَذْهَبَ أَصْحَابِنَا أَنَّ الرَّكْعَةَ الَّتِي يُدْرِكُ بِهَا مُدْرِكُهَا الْوَقْتَ إنَّمَا هِيَ الرَّكْعَةُ بِسَجْدَتَيْهَا وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِسَجْدَتَيْهَا وَقَدْ يَطْرَأُ عَلَيْهَا الْفَسَادُ مَعَ سَلَامَةِ الصَّلَاةِ مَا لَمْ تَكْمُلْ بِسَجْدَتَيْهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ صَلَّى رَكْعَةً وَنَسِيَ مِنْهَا سَجْدَةً ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَةً ثَانِيَةً بَطَلَتْ الرَّكْعَةُ الْأُولَى مَعَ سَلَامَةِ الصَّلَاةِ وَلَوْ أَكْمَلَ الرَّكْعَةَ بِسَجْدَتَيْهَا لَمْ يُفْسِدْهَا شَيْءٌ بِوَجْهٍ مَعَ سَلَامَةِ الصَّلَاةِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّ إدْرَاكَ وَقْتِ الْعَصْرِ يَكُونُ بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ مِنْهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَإِذَا أَحْرَمَتْ الْمَرْأَةُ بِالْعَصْرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ بِرَكْعَةٍ فَلَمَّا كَانَتْ فِي آخِرِ رَكْعَةٍ مِنْهَا وَقَدْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ حَاضَتْ فَإِنَّهَا تَقْضِي الْعَصْرَ لِأَنَّهَا حَاضَتْ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا رَوَاهُ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ وَقَدْ رَأَيْت لِأَصْبَغَ لَا قَضَاءَ عَلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. (ش): قَوْلُهُ إنَّ أَهَمَّ أَمْرِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ يَقْتَضِي أَنَّ أُمُورَهُمْ مُهِمَّةٌ وَلَكِنْ لِلصَّلَاةِ مَزِيَّةٌ لِأَنَّهَا عِمَادُ الدِّينِ وَعَلَامَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَقَدْ أُمِرَ بِإِقَامَتِهَا جَمِيعُ النَّاسِ وَقَوْلُهُ مَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ يُقَالُ حَفِظْت الشَّيْءَ إذَا قُمْت بِرِعَايَتِهِ وَلَمْ تُضَيِّعْهُ وَمِنْ رِعَايَةِ الصَّلَاةِ أَنْ تُقَامَ بِشُرُوطِهَا مِنْ طَهَارَتِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا وَأَوْقَاتِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ أَوْ حَافَظَ عَلَيْهَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ الْمُرَادُ بِهِ مُرَاعَاةُ أَوْقَاتِهَا وَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَيَكُونُ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِمُرَاعَاةِ الْوَقْتِ مَعَ دُخُولِهِ فِي وَقْتِهَا مِنْ حِفْظِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] وَقِيلَ إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ حَافَظَ عَلَيْهَا تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ مَنْ حَفِظَهَا وَبِمَعْنَاهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ - ﵁ - وَالْأَبْيَنُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى أَدَامَ الْحِفْظَ لَهَا يُقَالُ حَافَظَ فُلَانٌ عَلَى الصَّلَاةِ أَدَامَ الْحِفْظَ لَهَا وَيُقَالُ حَافَظَ فُلَانٌ عَلَى أَمْرِ كَذَا وَكَذَا أَدَامَ الرِّعَايَةَ لَهُ وَالِاهْتِمَامَ بِهِ وَلَا يُقَالُ حَافَظَ عَلَيْهِ إذَا رَاعَاهُ مَرَّةً وَاحِدَةً كَمَا يُقَالُ حَفِظَهُ فَمَعْنَى ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهَا وَأَدَامَ الْحِفْظَ لَهَا حَفِظَ دِينَهُ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ يُرْوَى مَنْ حَفِظَهَا أَوْ حَافَظَ عَلَيْهَا وَإِنَّ ذَاكَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. (فَصْلٌ): حَفِظَ دِينَهُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدَهُمَا: أَنَّهُ حَفِظَ مُعْظَمَ دِينِهِ وَعِمَادَهُ كَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ «الْحَجُّ عَرَفَةَ» يَعْنِي مُعْظَمُهُ وَعِمَادُهُ. وَالثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ هُنَا بِهِ حِفْظَ سَائِرِ دِينِهِ فَإِنَّ مُوَاظَبَةَ الصَّلَوَاتِ فِي الْجَمَاعَاتِ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى صَلَاحِ الْمَرْءِ وَخَيْرِهِ لِتَكَرُّرِهَا وَظُهُورِهَا دُونَ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ.
(٢) (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدَهُمَا: إذَا عُلِمَ أَنَّهُ مُضَيِّعٌ لِلصَّلَاةِ ظُنَّ بِهِ التَّضْيِيعُ لِسَائِرِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي تَخْفَى. وَالثَّانِيَ: أَنَّهُ إذَا ضَيَّعَ الصَّلَاةَ فَقَدْ ضَيَّعَ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ وَإِنْ عَمِلَهَا لِمَا رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ «أَوَّلَ مَا يُنْظَرُ فِيهِ مِنْ عَمَلِ الْعَبْدِ الصَّلَاةُ فَإِنْ قُبِلَتْ مِنْهُ نُظِرَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عَمَلِهِ وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ لَمْ يُنْظَرْ فِي شَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ» .
(٣) (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ أَضْيَعُ عَلَى مِثَالِ أَفْعَلَ فِي الْمُفَاضَلَةِ مِنْ الرُّبَاعِيِّ وَهُوَ قَلِيلٌ وَاللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي ذَلِكَ فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَشَدُّ تَضْيِيعًا وَحَكَى السِّيرَافِيُّ أَنَّ بَعْضَ النُّحَاةِ قَالَ إنَّ سِيبَوَيْهِ يَرَى الْبَابَ فِي الرُّبَاعِيِّ
[ ١ / ١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [المنتقى] مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ التَّعَجُّبُ وَالْمُفَاضَلَةُ بِأَفْعَلَ فَيُقَالُ مَا أَيْسَرَ زَيْدًا مِنْ الْيَسَارِ وَمَا أَعْدَمَهُ مِنْ الْعَدَمِ وَمَا أَسْرَفَهُ مِنْ السَّرَفِ وَمَا أَفْرَطَ جَهْلَهُ وَزَيْدٌ أَفْلَسُ مِنْ عَمْرٍو. وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ فِي أَضْيَعَ وَمَاشِيَةٍ خَرْقَاءَ وَاهِيَةِ الْكَلَا سَقَى بِهِمَا سَاقٍ وَلَمَّا تُبَلَّلَا بِأَضْيَعَ مِنْ عَيْنَيْكَ لِلْمَاءِ كُلَّمَا تَعَرَّفْتَ رَبْعًا أَوْ تَذَكَّرْتَ مَنْزِلَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ فِي قَوْلِهِ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ بِمَعْنَى فِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩] مَعْنَاهُ فِي يَوْمِ الْجَمْعِ حَكَاهُ ابْنُ النَّحَّاسِ وَيَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ ضَائِعٌ فِي تَرْكِهِ لِلصَّلَاةِ وَأَنَّهُ أَضْيَعُ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِعَمَلِهِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ ثُمَّ كَتَبَ أَنْ صَلُّوا الظُّهْرَ إذَا فَاءَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا الْفَيْءُ هُوَ الظِّلُّ الَّذِي تَفِيءُ عَنْهُ الشَّمْسُ بَعْدَ الزَّوَالِ أَيْ تَرْجِعَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] أَيْ تَرْجِعَ فَمَا كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ الظِّلِّ فَلَيْسَ بِفَيْءٍ وَقَوْلُهُ ذِرَاعًا يَعْنِي رُبُعَ الْقَامَةِ وَإِنَّمَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الذِّرَاعِ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا يُقَدَّرُ بِهِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعْدَمُ التَّقْدِيرَ بِهِ وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى أَمَارَةٍ فِي الْعَمَلِ وَوَجْهُ الْعَمَلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَامَ قَائِمٌ عَلَى أَيِّ قَدْرٍ كَانَ وَيُدَارَ حَوْلَهُ دَوَائِرُ يَكُونُ مَرْكَزَهَا كُلَّهُ مَوْضِعَ قِيَامِ الْقَائِمِ ثُمَّ تُرْقَبَ الشَّمْسُ فَمَا دَامَ الظِّلُّ يَنْقُصُ فَهُوَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَلَمْ يَدْخُلُ بَعْدُ وَقْتُ الظُّهْرِ وَكَذَلِكَ إذَا وَقَفَ الظِّلُّ فَإِذَا أَخَذَ فِي الزِّيَادَةِ فَقَدْ زَالَتْ الشَّمْسُ وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى زِيَادَةِ الظِّلِّ فِي تِلْكَ الدَّوَائِرِ فَإِذَا زَادَ بِمِقْدَارِ رُبُعِ الْقَائِمِ عَلَى الظِّلِّ الَّذِي وَقَعَتْ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ فَقَدْ فَاءَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ - أَنْ تُقَامَ فِيهِ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ أَحَدِكُمْ مِثْلَهُ يَعْنِي إلَى أَنْ يَتِمَّ الْفَيْءُ مِثْلَ كُلِّ قَائِمٍ أَوْ إلَى أَنْ يَتِمَّ الظِّلُّ الَّذِي زَادَ بِعِدَّتِنَا فِي نُقْصَانِ الظِّلِّ مِثْلَ كُلِّ قَائِمٍ وَإِنَّمَا مَثَّلَ بِالْإِنْسَانِ لِأَنَّهُ لَا يَعْدَمُ التَّقْدِيرُ بِهِ وَإِذَا صَارَ فَيْءُ كُلِّ إنْسَانٍ مِثْلَهُ فَهُوَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ عِنْدَهُ وَهُوَ بِعَيْنِهِ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ فَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ زِيَادَةً بَيِّنَةً فَقَدْ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَانْفَرَدَ وَقْتُ الْعَصْرِ. (فَصْلٌ): قَوْلُهُ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ لَمْ يَذْكُرْ الْقَعْنَبِيُّ وَلَا سُوَيْد بْنُ سَعِيدٍ وَلَا أَبُو مُصْعَبٍ مُرْتَفِعَةٌ، وَنَقَاؤُهَا أَنْ لَا يَشُوبَ بَيَاضَهَا صُفْرَةٌ وَبَيَاضُهَا وَصُفْرَتُهَا إنَّمَا يُعْتَبَرَانِ فِي الْأَرْضِ وَالْجِدَارِ لَا فِي عَيْنِ الشَّمْسِ، حَكَاهُ ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ وَهَذِهِ كُلُّهَا حُدُودٌ لِلْوَقْتِ يَقْرُبُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَفِي قَوْلِهِ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ إخْبَارٌ بِجَمِيعِ الْوَقْتِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فَرْسَخَيْنِ لِلْبَطِيءِ وَثَلَاثَةَ فَرَاسِخَ لِلْجَادِّ السَّرِيعِ وَقَدْ قِيلَ إنَّ ذَاكَ شَكٌّ مِنْ الْمُحَدِّثِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ فَرْسَخَيْنِ فِي الشِّتَاءِ وَثَلَاثَةَ فَرَاسِخَ فِي الصَّيْفِ لِطُولِ النَّهَارِ وَالْأَظْهَرُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْحَزْرِ وَالتَّقْدِيرِ كَمَا يُقَالُ هَذَا الْوِعَاءُ يَسَعُ إرْدَبَّيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَيْ أَنَّ تَقْدِيرَهُ يَتَرَجَّحُ بَيْنَ الْإِرْدَبَّيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَقَدْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَسَعَ أَقَلَّ مِنْ إرْدَبَّيْنِ وَلَا يَسَعَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَكَذَلِكَ تَقُولُ مِنْ دَارِ فُلَانٍ إلَى دَارِ فُلَانٍ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ أَوْ خَمْسَةٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ وَلَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةٍ وَتَقْدِيرُهُ يَتَرَجَّحُ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ وَالْخَمْسَةِ. (مَسْأَلَةٌ): وَالْفَرْسَخُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ وَالْمِيلُ عَشْرُ غِلَاءٍ وَالْغَلْوَةُ مِائَتَا ذِرَاعٍ فَفِي الْمِيلِ أَلْفُ بَاعٍ وَهِيَ أَلْفُ ذِرَاعٍ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ - ﵁ - وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَبْوَاعُ الدَّوَابِّ وَأَمَّا بَاعُ الْإِنْسَانِ وَهُوَ طُولُ ذِرَاعَيْهِ وَعَرْضُ صَدْرِهِ فَأَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ وَهُوَ الْقَامَةُ. (فَصْلٌ): قَوْلُهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ مُطَرِّفٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ
[ ١ / ١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [المنتقى] عَنْهُ وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَا ابْنُ بُكَيْر وَلَا سُوَيْد وَلَا أَبُو مُصْعَبٍ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَمْشِي الرَّاكِبُ قَبْلَهُ فَرْسَخَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً قَالَ سَحْنُونٌ إنَّ ذَلِكَ إلَى الِاصْفِرَارِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِمُوَافَقَتِهِ لِرِوَايَةِ يَحْيَى وَمُطَرِّفٍ لِأَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ لَا يَتَّسِعُ لِمَشْيِ الرَّاكِبِ مِنْ أَوَّلِهِ فَرْسَخَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً إلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ.
(٢) (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ وَالْمَغْرِبَ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ يَعْنِي بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَالْعِشَاءَ إذَا غَابَ الشَّفَقُ يَعْنِي الْحُمْرَةَ فِي أُفُقِ الْمَغْرِبِ فَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعِشَاءِ وَقَوْلُهُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ آخِرُ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ لِهَذِهِ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ وَقَوْلُهُ فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَنْعَ مِنْ النَّوْمِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ عَلَى مَا يَأْتِي بَعْدَ هَذَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ فَمَنْ غَفَلَ عَنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهِ مَعَ سَعَتِهِ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ دُعَاءٌ عَلَيْهِ بِمَا يُسْهِرُهُ وَيَمْنَعُهُ مِنْ النَّوْمِ وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ مِثْلَ هَذَا فِي أَلْفَاظِهَا تَقُولُ نَامَتْ عَيْنُك إذَا دَعَتْ لَك بِالسَّعَةِ وَالرَّفَاهِيَةِ وَصَلَاحِ الْحَالِ وَخُلُوِّ الْبَالِ، وَتَكْرَارُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الِاقْتِدَاءَ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إذَا قَالَ شَيْئًا كَرَّرَهُ ثَلَاثًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ التَّأْكِيدَ وَالْإِبْلَاغَ.
(٣) (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ وَالصُّبْحَ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ يُرِيدُ بِذَلِكَ آخِرَ مَا تَكُونُ بَادِيَةً مُشْتَبِكَةً لِأَنَّ هَذِهِ حَالُهَا مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ مَعَ الْإِصْبَاحِ بَعْدُ لَمْ يُغَيِّرْهَا عَنْ حَالِهَا فِي لَيْلِهَا مِنْ الظُّهُورِ وَالِاشْتِبَاكِ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ أَنْ صَلُّوا الظُّهْرَ إذَا فَاءَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ أَحَدِكُمْ مِثْلَهُ أَرْبَعُ مَسَائِلَ. (إحْدَاهَا) أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ وَقْتُ الزَّوَالِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ.
(٤) (الثَّانِيَةُ) أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ إلَى أَنْ يَفِيءَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَذَلِكَ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ وَأَمَّا الرَّجُلُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فَأَوَّلُ الْوَقْتِ أَفْضَلُ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ ذَلِكَ لِلْفَذِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّ أَدَاءَهَا عَلَى كُلِّ وَجْهٍ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَفْضَلُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّ آخِرَ الْوَقْتِ أَفْضَلُ وَالدَّلِيلُ لَنَا عَلَى الشَّافِعِيِّ حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنْ صَلُّوا الظُّهْرَ إذَا فَاءَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا وَإِنَّمَا خَاطَبَ بِذَلِكَ عُمَّالَهُ وَأُمَرَاءَهُ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ وَمُحَالٌ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِأَنْ يَتَعَدَّوْا بِالصَّلَاةِ أَفْضَلَ أَوْقَاتِهَا وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُؤَذَّنُ لَهَا إلَّا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَهِيَ صَلَاةٌ تَرِدُ عَلَى النَّاسِ غَيْرَ مُتَأَهِّبِينَ بَلْ تَجِدُهُمْ نِيَامًا غَافِلِينَ فِي أَغْلَبِ الْأَحْوَالِ فَلَوْ صَلَّى الْإِمَامُ عَقِيبَ الْأَذَانِ لَفَاتَتْ أَكْثَرَ النَّاسِ فَاسْتُحِبَّ تَأْخِيرُهَا إلَى أَنْ يَفِيءَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا فَيُدْرِكَ مَنْ يَحْتَاجُ الْغُسْلَ الصَّلَاةَ وَيُدْرِكُهَا مَنْ كَانَ نَائِمًا بَعْدَ أَنْ يَسْتَيْقِظَ وَيَتَوَضَّأَ وَيَرُوحَ إلَيْهَا.
(٥) (الثَّالِثَةُ) أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مَا كَتَبَ بِهِ عُمَرُ إلَى عُمَّالِهِ أَنْ صَلُّوا الظُّهْرَ إذَا فَاءَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ أَحَدِكُمْ مِثْلَهُ وَهَذَا مِمَّا كَتَبَ بِهِ إلَى الْأَمْصَارِ وَأَخَذَ بِهِ عُمَّالُهُ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ. (الرَّابِعَةُ) أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ إذَا كَمَلَتْ الْقَامَةُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَهُوَ بِنَفْسِهِ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ فَيَقَعُ الِاشْتِرَاكُ بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ مَا دَامَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فَإِذَا تَبَيَّنَتْ الزِّيَادَةُ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَانْفَرَدَ وَقْتُ الْعَصْرِ هَذَا الَّذِي حَكَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ نَصْرٍ وَهُوَ الصَّوَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَوَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي الِاشْتِرَاكِ وَخَالَفَنَا فِي وَقْتِهِ فَعِنْدَهُ أَنَّ وَقْتَ الِاشْتِرَاكِ إذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ وَنَفَى الشَّافِعِيُّ الِاشْتِرَاكَ جُمْلَةً فَقَالَ إنَّ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ إذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ وَأَنَّهُ يَلِيهِ وَقْتُ الْعَصْرِ بِغَيْرِ فَصْلٍ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ مِقْدَارُ مَا يُصَلِّي الظُّهْرَ فَيُتِمُّ صَلَاتَهُ
[ ١ / ١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [المنتقى] قَبْلَ تَمَامِ الْقَامَةِ وَأَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ تَمَامُ الْقَامَةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ هَذَا خِلَافُ قَوْلِ مَالِكٍ - ﵀ - وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَاجِّ أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ فَصَلَّى لَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ ثُمَّ صَلَّى لَهُ الظُّهْرَ حِينَ زَاغَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى لَهُ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ ثُمَّ صَلَّى لَهُ الْمَغْرِبَ لِوَقْتٍ وَاحِدٍ حِينَ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَحَلَّ فِطْرُ الصَّائِمِ ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ ذَهَبَتْ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ ثُمَّ قَالَ لَهُ الصَّلَاةُ مَا بَيْنَ صَلَاتِك بِالْأَمْسِ وَصَلَاتِك الْيَوْمَ» . (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فَرْسَخَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَيْضًا أَرْبَعُ مَسَائِلَ. (إحْدَاهَا) أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْعَصْرِ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ أَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْعَصْرِ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ. (الثَّانِيَةُ) أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا مُشْتَرَكٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ. (الثَّالِثَةُ) أَنَّ أَدَاءَهَا فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ وَغَيْرِهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَفْضَلُ هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا. وَقَالَ أَشْهَبُ وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يُزَادَ عَلَى الْقَامَةِ ذِرَاعٌ لَا سِيَّمَا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَكْثَرَ مِنْ تَقْدِيمِهَا فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ رِفْقًا بِالنَّاسِ بِتَعْجِيلِ إيَابِهِمْ إلَى مَنَازِلِهِمْ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِالتَّأْخِيرِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ أَنَّ وَقْتَهَا يَأْتِي عَلَى النَّاسِ فِي الْأَغْلَبِ وَهُمْ مُتَأَهِّبُونَ لِلصَّلَاةِ رَوَاهُ فِي الْمَبْسُوطِ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ. (الرَّابِعَةُ) أَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ ذَلِكَ وَأَنَّ الْعَصْرَ تُصَلَّى مَا دَامَتْ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لَمْ يَدْخُلْهَا صُفْرَةٌ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ «إنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ» وَهَذَا نَصٌّ وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ خَبَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمُ وَفِيهِ أَنَّهُ صَلَّى الْعَصْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ حُدَّ أَوَّلُ وَقْتِهَا بِالظِّلِّ فَوَجَبَ أَنْ يُحَدَّ آخِرُهَا بِهِ كَالظُّهْرِ.
(٢) (فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ وَالْمَغْرِبَ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ يَتَعَلَّقُ بِهِ خَمْسُ مَسَائِلَ:. (إحْدَاهَا): أَنَّ اسْمَهَا الْمُخْتَصَّ بِهَا الْمَغْرِبُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ «لَا يَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ الْمَغْرِبِ قَالَ وَتَقُولُ الْأَعْرَابُ هِيَ الْعِشَاءُ» . (الثَّانِيَةُ): أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. (الثَّالِثَةُ): مَعْرِفَةُ آخِرِ وَقْتِهَا وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ فَرُوِيَ عَنْهُ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إذَا غَابَ الشَّفَقُ. وَرُوِيَ عَنْهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ إنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا غُرُوبُ الشَّمْسِ وَمَنْ شَاءَ تَأْخِيرَهَا إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ فَذَلِكَ لَهُ وَغَيْرُهُ أَحْسَنُ مِنْهُ وَاَلَّذِي حَكَاهُ عَنْ مَالِكٍ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَالشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا مَغِيبُ الشَّفَقِ مَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ «وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ نُورُ الشَّفَقِ» . (الرَّابِعَةُ): أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ هُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعِشَاءِ وَإِنْ اشْتَرَكَا كَاشْتِرَاكِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَلِذَلِكَ جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَسَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (الْخَامِسَةُ): أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَدَاءُ الْمَغْرِبِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا تُصَادِفُ النَّاسَ مُتَأَهِّبِينَ لَهَا مُنْتَظِرِينَ أَدَاءَهَا كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ فِي ذَلِكَ رِفْقًا بِالصَّائِمِ الَّذِي شُرِعَ لَهُ
[ ١ / ١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [المنتقى] تَعْجِيلُ فِطْرِهِ بَعْدَ أَدَاءِ صَلَاتِهِ.
(٢) (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ فِي الْخَبَرِ: وَالْعِشَاءَ إذَا غَابَ الشَّفَقُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ يَقْتَضِي أَرْبَعَ مَسَائِلَ. (إحْدَاهَا) أَنَّ اسْمَهَا فِي الشَّرْعِ الْعِشَاءُ وَسَيَرِدُ بَيَانُ ذَلِكَ. (الثَّانِيَةُ) بَيَانُ مَعْنَى الشَّفَقِ وَاَلَّذِي حَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ مَالِكٍ وَقَالَهُ فِي مُوَطَّئِهِ أَنَّ الشَّفَقَ الْحُمْرَةُ تَكُونُ فِي الْمَغْرِبِ مِنْ بَقَايَا شُعَاعِ الشَّمْسِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَحَكَى الدَّاوُدِيُّ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ عَنْ مَالِكٍ فِي السَّمَاعِ إنَّ الْبَيَاضَ عِنْدِي أَبْيَنُ قَالَ وَكَأَنَّهُ فِي هَذَا الْقَوْلِ يُرِيدُ الِاحْتِيَاطَ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ - ﵀ - مِنْ أَنَّ الشَّفَقَ الَّذِي حُدَّ بِهِ أَوَّلُ وَقْتِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ هُوَ الْحُمْرَةُ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَخْبَرَنَا مُسَدَّدٌ أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ «النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِوَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ» . وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا الْحَدِيثَ وَضَعَّفَهُ قِيلَ لَهُ حَبِيبٌ هُوَ مُضْطَرِبٌ فَقَالَ إنَّ شُعْبَةَ يُضَعِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ قِيلَ لَهُ لَعَلَّهُ مِنْ قِبَلِ أَبِي بِشْرٍ أَوْ حَبِيبٍ فَقَالَ أَبُو بِشْرٍ لَا عِلَّةَ فِيهِ وَقَدْ أَدْخَلَ بَيْنَ حَبِيبٍ وَالنُّعْمَانِ رَجُلًا لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ قَالَ أَصْحَابُنَا فِي احْتِجَاجِهِمْ فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ الْخَبَرِ أَنَّهُ قَالَ «إنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ» وَذَلِكَ يَكُونُ عِنْدَ مَغِيبِ الْحُمْرَةِ وَأَمَّا الْحُمْرَةُ فَإِنَّهَا تَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ طَوِيلٍ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُصَنَّفِهِ جَعَلَهُ مُوَافِقًا لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّ شَفَقَ الصَّلَاةِ هُوَ الْبَيَاضُ لِأَنَّ سُقُوطَ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ مِنْ الشَّهْرِ إلَّا عِنْدَ مَغِيبِ الْبَيَاضِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْحُمْرَةُ تُسَمَّى شَفَقًا وَالْبَيَاضُ يُسَمَّى شَفَقًا وَعَلَى حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ عَلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ تَعَلَّقَ ذَلِكَ بِأَوَّلِهَا لِأَنَّهُ قَدْ غَابَ مَا يُسَمَّى شَفَقًا وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ ثَلَاثَةُ أَنْوَارٍ مُتَتَابِعَةٌ مَارَّةٌ بِالْأُفُقِ فَوَجَبَ أَنْ تَتَعَلَّقَ أَحْكَامُ الصَّلَاةِ بِأَوْسَطِهَا كَالطَّوَالِعِ. (الثَّالِثَةُ) أَنَّ خُرُوجَ وَقْتِ الْعِشَاءِ انْقِضَاءُ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ مِنْ اللَّيْلِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ انْقِضَاءُ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ اللَّيْلِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ «أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِالْعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ الصَّلَاةَ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَخَرَجَ فَقَالَ مَا يَنْتَظِرُهَا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ غَيْرُكُمْ قَالَ وَلَا يُصَلَّى يَوْمَئِذٍ إلَّا بِالْمَدِينَةِ وَكَانُوا يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ» .
(٣) (الرَّابِعَةُ) أَنَّ الْإِتْيَانَ بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا عِنْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ وَبَعْدَ ذَلِكَ قَلِيلًا أَفْضَلُ هُوَ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَكُرِهَ تَأْخِيرُهَا إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَرَوَى الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّ تَأْخِيرَهَا أَفْضَلُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ فَيُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي حَدِيثُ أُمِّ كُلْثُومِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَائِشَةَ «أَعْتَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ خَرَجَ فَصَلَّى فَقَالَ إنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي» وَهَذَا لَيْسَ بِبَيِّنٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَدْ رَأَى الْفَضْلَ فِي التَّخْفِيفِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا فِي الشِّتَاءِ شَيْئًا وَهَذَا لِطُولِ اللَّيْلِ وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةٌ عَلَى الْأُمَّةِ وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا فِي رَمَضَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا تَوْسِعَةً عَلَى النَّاسِ فِي إفْطَارِهِمْ وَهَذَا أَيْضًا وَجْهٌ صَحِيحٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الرِّفْقِ بِالنَّاسِ.
(٤) (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ يُرِيدُ مَنْ نَامَ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ لِأَنَّ النَّوْمَ قَبْلَهَا مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ
[ ١ / ١٥ ]
(ص): (مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنْ صَلِّ الظُّهْرَ إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَهَا صُفْرَةٌ وَالْمَغْرِبَ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَأَخِّرْ الْعِشَاءَ مَا لَمْ تَنَمْ وَصَلِّ الصُّبْحَ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ وَاقْرَأْ فِيهَا بِسُورَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ مِنْ الْمُفَصَّلِ) .
(ص): (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنْ صَلِّ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ ثَلَاثَةَ فَرَاسِخَ وَأَنْ صَلِّ الْعِشَاءَ مَا بَيْنَك وَبَيْنَ ثُلُثِ اللَّيْلِ فَإِنْ أَخَّرْت فَإِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ وَلَا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ) .
_________________
(١) [المنتقى] وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا» . (ش): قَوْلُهُ أَنْ صَلِّ الظُّهْرَ إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ ظَاهِرُهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ كِتَابِهِ إلَى عُمَّالِهِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ أَنْ صَلُّوا الظُّهْرَ إذَا فَاءَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ بِذَلِكَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِ إمَارَتِهِ لِأَنَّ صَلَاةَ الْفَذِّ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الْجُمُعَةَ وَقَوْلُهُ وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ مَا لَمْ تَدْخُلْهَا صُفْرَةٌ تَحْدِيدٌ لِآخِرِ وَقْتِهَا وَقَوْلُهُ وَأَخِّرْ الْعِشَاءَ مَا لَمْ تَنَمْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي قَوْلِهِ إنَّ الْإِنْسَانَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُبْطِئَ بِهَا بَعْدَ وَقْتِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ مَا لَمْ يَخَفْ النَّوْمَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ مِنْ حَالِهِ الْمُبَادَرَةَ بِالنَّوْمِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ حِرْصًا عَلَى التَّهَجُّدِ فِي آخِرِهِ فَأَمَرَهُ بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ لِيُدْرِكَهَا مَعَهُ الْعُمَّالُ وَأَهْلُ الْأَشْغَالِ مَا لَمْ يَنَمْ قَبْلَهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي جَرَتْ عَادَتُهُ بِالنَّوْمِ فِيهِ.
(٢) (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ وَاقْرَأْ فِي الصُّبْحِ بِسُورَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ مِنْ الْمُفَصَّلِ يُرِيدُ بَعْدَ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِهَا لِمَا عَلِمَ أَنَّهُ تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَا يُجْزِي صَلَاةً إلَّا بِهَا وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا وَإِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِسُورَةٍ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ لِأَنَّ صَلَاةَ الصُّبْحِ أَطْوَلُ الصَّلَاةِ قِرَاءَةً وَطِوَالُ الْمُفَصَّلِ فِيهَا عَدْلٌ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ أَخْذًا بِحَظٍّ مِنْ التَّطْوِيلِ وَلَا يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ الرِّفْقِ بِالنَّاسِ وَأَمَّا الرَّجُلُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمُفَصَّلَ لِكَثْرَةِ انْفِصَالِ سُوَرِهِ وَقِيلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِثُبُوتِ أَحْكَامِهِ وَقِلَّةِ الْمَنْسُوخِ فِيهِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْمُحْكَمَ. (ش): قَوْلُهُ أَنْ صَلِّ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ ثَلَاثَةَ فَرَاسِخَ الْكَلَامُ فِيهِ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ هَاهُنَا ثَلَاثَةَ فَرَاسِخَ بِغَيْرِ شَكٍّ وَهَذَا يَقْتَضِي أَحَدَ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي لِهَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَحْفَظْ الزِّيَادَةَ إذَا قُلْنَا إنَّ أَوْ فِي الْحَدِيثِ لِغَيْرِ الشَّكِّ مِنْ رَاوِيهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي لِهَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَشُكَّ وَتَيَقَّنَ أَنَّهَا ثَلَاثَةُ فَرَاسِخَ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنْ رَاوِيهِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ وَأَنْ صَلِّ الْعِشَاءَ مَا بَيْنَك وَبَيْنَ ثُلُثِ اللَّيْلِ كَلَامٌ مُجْمَلٌ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَوَجْهُهُ أَنْ تَقُولَ لَهُ افْعَلْ هَذَا مَا بَيْنَ وَقْتِك هَذَا وَبَيْنَ انْقِضَاءِ وَقْتِ كَذَا لِمَا عَلِمَ أَنَّ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ عَالِمٌ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ قَامَ ذَلِكَ عِنْدَهُ مَقَامَ كَوْنِهِ فِيهِ مَقَامَ تَحْدِيدِ أَوَّلِهِ فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ مَا بَيْنَك وَبَيْنَ ثُلُثِ اللَّيْلِ مَا بَيْنَك إذَا كُنْت فِي الْوَقْتِ وَمَا بَيْنَ ثُلُثِ اللَّيْلِ وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ أَخَّرْت فَإِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ يَعْنِي أَخَّرْت لِضَرُورَةٍ مَانِعَةٍ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ الْمُتَقَدِّمِ فَصَلَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ شَطْرِ اللَّيْلِ وَإِنْ كَانَتْ أَفْضَلَ وَالضَّرُورَةُ لَا تُؤَقَّتُ إذْ لَيْسَتْ بِاخْتِيَارِ الْفَاعِلِ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ فِي الِاجْتِهَادِ وَالْإِتْيَانِ بِأَكْثَرِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ كَمَا تَقُولُ إنْ مَنَعَتْك الضَّرُورَةُ مِنْ الصَّلَاةِ قَائِمًا فَصَلِّ قَاعِدًا وَقَدْ تَكُونُ الضَّرُورَةُ تَمْنَعُهُ مِنْ الْقُعُودِ إلَّا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ يَفْعَلَ مِمَّا كَلَّفَهُ اللَّهُ أَكْثَرَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ عَرَفَ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ وَقْتَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَمَا هُوَ مِمَّا
[ ١ / ١٦ ]
(ص): (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَا أُخْبِرُك صَلِّ الظُّهْرَ إذَا كَانَ ظِلُّك مِثْلَك وَالْعَصْرَ إذَا كَانَ ظِلُّك مِثْلَيْك وَالْمَغْرِبَ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَالْعِشَاءَ مَا بَيْنَك وَبَيْنَ ثُلُثِ اللَّيْلِ وَصَلِّ الصُّبْحَ بِغَبَشٍ يَعْنِي الْغَلَسَ) .
(ص): (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ «كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ إلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَيَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ») .
_________________
(١) [المنتقى] يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ فَأَمَرَهُ عُمَرُ - ﵁ - بِالصَّوَابِ ثُمَّ قَالَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ أَخَّرْت عَنْ ذَلِكَ بِمَا تَعْتَقِدُهُ مِنْ جَوَازِ التَّأْخِيرِ فَإِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ. (فَصْلٌ): وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ رَأَيْت بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ حَكَى عَنْ أَبِي عُمَرَ الْإِشْبِيلِيِّ - ﵀ - أَنَّ مَعْنَاهُ لَا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ بِتَأْخِيرِهَا عَنْ نِصْفِ اللَّيْلِ وَهُوَ كَلَامٌ صَحِيحٌ وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يُرِيدَ وَلَا تَتَّخِذْ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ إلَى شَطْرِ اللَّيْلِ عَادَةً فَتَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي النَّادِرِ إمَّا لِضَرُورَةٍ وَإِمَّا لِحَالٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ مِمَّا يَعْتَقِدُهُ مِنْ جَوَازِ التَّأْخِيرِ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ وَغَيْرِهِ. (ش): يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُهُ عَنْ آخِرِ الْوَقْتِ وَلِذَلِكَ أَجَابَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْهُ وَلَوْ سَأَلَهُ عَنْ جَمِيعِ وَقْتِ الصَّلَاةِ لَكَانَ جَوَابُهُ بِتَحْدِيدِ جَمِيعِهِ وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ صَلِّ الظُّهْرَ إذَا كَانَ ظِلُّك مِثْلَك وَالْعَصْرَ إذَا كَانَ ظِلُّك مِثْلَيْك مَعْنَاهُ فَتَكُونُ قَدْ أَدْرَكْت وَقْتَ الِاخْتِيَارِ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِجَمِيعِ الْوَقْتِ وَإِنَّمَا هُوَ آخِرُهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ اعْتَقَدَ حِينَئِذٍ أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ وَقْتِ الصَّلَاتَيْنِ وَالْأَوَّلُ أَبْيَنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ. (فَصْلٌ): قَوْلُهُ وَالْمَغْرِبَ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْتَقِدَ أَنْ لَا وَقْتَ لِلْمَغْرِبِ غَيْرُ ذَلِكَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُنْكِرَ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ عَنْهُ وَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّ وَقْتَهَا مُمْتَدٌّ بَعْدَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ وَقَوْلُهُ وَصَلِّ الصُّبْحَ بِغَبَشٍ الْغَبَشُ بَقَايَا ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَهُوَ الْغَلَسُ وَهَذَا عَلَى مَعْنَى تَفْضِيلِ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. (ش): قَوْلُهُ «كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ إلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَيَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ» يَقْتَضِي أَنَّ صَلَاتَهُمْ الْعَصْرَ كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَلِذَلِكَ كَانَ يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ بَعْدَ صَلَاتِهِمْ إلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَيَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ وَلَا يُقَالُ هَذَا إلَّا فِيمَا يَكْثُرُ وَيَتَكَرَّرُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَلُّونَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يُصَلُّونَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْوَقْتِ وَإِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ فِي الْوَقْتِ وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا يُثَابِرُونَ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا عُمَّالًا فِي الْحَوَائِطِ فَيَتَأَهَّبُونَ لِلصَّلَاةِ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ فَتَتَأَخَّرُ بِذَلِكَ صَلَاتُهُمْ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ إلَى وَسَطِهِ فَكَانَ مَنْ صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ يَأْتِيهِمْ بَعْدَ انْقِضَاءِ صَلَاتِهِ فَيَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ. (ص): (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلَى قُبَاءَ فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ») . (ش): قَوْلُهُ كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلَى قُبَاءَ فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ تَوْكِيدٌ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَمُبَيِّنٌ أَنَّ صَلَاتَهُمْ كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَأَنَّ الذَّاهِبَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى قُبَاءَ وَهُوَ مِنْ أَدْنَى مِنْ الْعَوَالِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ نَحْوُ الْمِيلَيْنِ أَوْ دُونُ يَأْتِيهَا وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ وَحَكَى أَبُو الْمُطَرِّفِ الْقَنَازِعِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ أَنَّهُ قَالَ لَمْ يُتَابَعْ عَلَى قَوْلِهِ ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلَى قُبَاءَ وَرَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ فَقَالَ فِيهِ «ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلَى الْعَوَالِي» وَالْعَوَالِي فِي طَرَفِ الْمَدِينَةِ وَقُبَاءُ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْ الْمَدِينَةِ فَلِهَذَا لَمْ يُتَابَعْ مَالِكٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَصْرَ كَانَتْ تُصَلَّى أَوَّلَ وَقْتِهَا وَكَلَامُ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ أَنَّ اللَّيْثَ إذَا خَالَفَ مَالِكًا فِي الزُّهْرِيِّ قُضِيَ لِمَالِكٍ لِأَنَّهُ أَوْثَقُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ وَأَحْفَظُهُمْ وَلَيْسَ اللَّيْثُ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ. وَقَوْلُهُ: إنَّ الْعَوَالِيَ فِي
[ ١ / ١٧ ]