٣٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يؤتى بالتمر عند صرام النخل فيجيء هذا بتمره وهذا من تمره حتى يصير عنده كوما من تمر فجعل الحسن والحسين ﵄ يلعبان بذلك التمر
[ ٢ / ١٧٠ ]
فأخذ أحدهما تمرة فجعلها في فيه فنظر إليه رسول الله ﷺ فأخرجها من فيه فقال: "أما علمت أن آل محمد ﷺ لا يأكلون الصدقة".
-[المعنى العام]-
لما كانت يد المتصدق هي العليا، وكانت اليد الآخذة هي السفلى حرم على النبي ﷺ وعلى ذرية بني هاشم أن يأخذوا الصدقات، وحرم عليهم أن يأكلوا منها ولهذا كان ﷺ إذا دخل بيتا من بيوته فوجد طعاما أو شرابا سأل من أين؟ فيقال: من بني فلان، فيقول: بأي صفة جاء؟ فإن قيل: صدقة لم يمد يده فيه، وأرسله إلى أهل الصفة أو دعاهم إليه، وإن قيل: هدية أكل أو شرب منه وأرسل إلى أهل الصفة يشاركونه فيه غالبا.
وكان المسلمون في موسم قطع ثمار النخيل يرسلون زكاتهم إلى رسول الله ﷺ بالمسجد، فينقلها إلى بيت المال، أو يوزعها في الحال، فتجمع عنده في المسجد يوما كومة كبيرة من التمر. وكان يصحب معه كثيرا أولاد بنتيه فاطمة وزينب، وصادف أن كان معه في هذه الحادثة الحسن والحسين -﵄والحسين طفل، والحسن طفل أكبر منه، أخذا يلعبان في كومة التمر وعليها، والرسول ﷺ مشغول عنهما، وبينما هم بالقيام حمل الحسن على كتفه ﷺ، فسأل لعاب الحسن على رسول الله ﷺ فرفع رأسه إلى الطفل فإذا به يلوك تمرة في فمه، فأدخل ﷺ أصبعه في شدق الحسن وأخرج التمرة وهو يقول له: كخ كخ، ارم ارم، إنا لا نأكل صدقة. إنا لا تحل لنا الصدقة. إن الصدقة لا تحل لأهل محمد. صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
-[المباحث العربية]-
(كان يؤتى بالتمر) "يؤتى" بالبناء للمجهول، أي يأتيه به أصحاب النخل بأنفسهم أو بعمالهم بصفة زكاة.
[ ٢ / ١٧١ ]
(عند صرام النخل) الصرام بكسر الصاد الجداد والقطاف وزنا ومعنى، أي قطع الثمر منه.
(فيجيء هذا بتمره) الباء للمصاحبة، أي يجيء مصاحبا لتمره، أي لبعض تمره، مقدار الزكاة منه.
(ويجيء هذا من تمره) "من" تبعيضية.
(حتى يصير عنده كوما) بفتح الكاف وسكون الواو، معروف، والمراد هنا ما اجتمع من التمر، منصوب خبر "يصير" واسمها ضمير مستتر يعود على التمر، وروي بالرفع على أنه اسم "يصير" وخبرها "عنده".
(فأخذ أحدهما تمرة فجعلها في فيه) في رواية للبخاري أن الآخذ الحسن ابن علي، وفيها عن أبي هريرة قال: أخذ الحسن بن علي ﵄ تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال النبي ﷺ "كخ" بفتح الكاف وكسرها وسكون الخاء، وبكسر الخاء منونة وغير منونة. ست لغات اسم فعل، ومعناه ارتدع "وكخ" الثانية تأكيد للأولى. وفي نسخة "فجعله" أي المأخوذ.
(أما علمت؟) همزة الاستفهام دخلت على ما النافية، والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، ونفي النفي إثبات. أي علمت، أي اعلم.
-[فقه الحديث]-
-[يؤخذ من الحديث:]-
١ - استدل به البخاري على أن صدقة التمر تؤخذ عند صرام النخل، وفي هذا يقول الله تعالى ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ وذهب البعض إلى أن هذه الكومة لم تكن زكاة واجبة، بل كانت من الصدقة المندوبة، قال الحافظ ابن حجر: وحديث الباب يشعر بأنه غير الزكاة. أهـ. ولعله يشير إلى أن الزكاة كانت تسلم للعاملين عليها، وما يأتي به الناس إلى المسجد صدقة مستحبة.
٢ - واستدل بالحديث على منع محمد ﷺ وآله من الأكل من الصدقة،
[ ٢ / ١٧٢ ]
وينشأ عن هذا سؤالان:
الأول: من المقصودون من آل محمد ﷺ؟ الثاني: ما المراد من الصدقة وما حكم أكله منها؟
فعن السؤال الأول قال الشافعي: المراد هنا بنو هاشم وبنو المطلب أشركهم النبي ﷺ في سهم ذوي القربى، ولم يعط أحدا من قبائل قريش غيرهم من هذا السهم، وتلك العطية عوض عوضوه بدلا عما حرموه من الصدقة. وعن أبي حنيفة ومالك. هم بنو هاشم فقط، وعن أحمد في بني المطلب روايتان.
وعن السؤال الثاني نقل الخطابي الإجماع على أنه كان يحرم على النبي ﷺ صدقة الفرض والتطوع جميعا. لكن حكى غير واحد من الشافعية في التطوع قولان، ولأحمد قول كذلك، ولفظه: لا يحل للنبي ﷺ وآل بيته صدقة الفطر وزكاة الأموال. والصدقة يصرفها الرجل على محتاج يريد بها وجه الله، فأما غير ذلك فلا. أليس يقال: كل معروف صدقة. قال الماوردي: يحرم عليه كل ما كان من الأموال متقوما، وقال غيره: لا تحرم عليه الصدقة العامة، كمياه الآبار وكالمساجد.
واختلف: هل كان تحريم الصدقة من خصائصه ﷺ دون الأنبياء؟ أو كلهم في ذلك سواء؟ قولان. قال ابن قدامة. لا نعلم خلافا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة. كذا قال، لكن خلافا حكى، فقد نقل الطبري عن أبي حنيفة أنه يجوز لهم أخذ الصدقة إذا حرموا من سهم ذوي القربى، وهو وجه للشافعية، وحكي عن أبي يوسف أنه يحل من البعض منهم للبعض، لا من غيرهم، وعند المالكية في ذلك أربعة أقوال: الجواز، والمنع، والجواز في صدقة التطوع دون الفرض، والجواز في الفرض دون صدقة التطوع.
قال الحافظ ابن حجر: وأدلة المنع ظاهرة من حديث الباب ومن غيره، ولم أر لمن أجاز مطلقا دليلا.
[ ٢ / ١٧٣ ]
٣ - وفي الحديث دفع الصدقات إلى الإمام.
٤ - والانتفاع بالمسجد في الأمور العامة.
٥ - وجواز إدخال الأطفال المساجد.
٦ - وتأديبهم بما ينفعهم، ومنعهم مما يضرهم، ومن تناول المحرمات، وإن كانوا غير مكلفين ليتدربوا على ذلك.
٧ - وفيه الإعلام بسبب النهي.
٨ - ومخاطبة من لا يميز، لقصد إسماع غيره من المميزين، فإن الحسن كان إذ ذاك طفلا لا يميز. والله أعلم.
[ ٢ / ١٧٤ ]