١٧ - عن أنس بن مالك ﵁ قال دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القين -وكان ظئرا لإبراهيم -﵇ فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبله وشمه ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأنت يا رسول الله فقال "يا ابن عوف إنها رحمة" ثم أتبعها بأخرى فقال ﷺ "إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون"
[ ٢ / ٧٩ ]
-[المعنى العام]-
توفي القاسم وعبد الله ابنا رسول الله ﷺ من خديجة بمكة وحزن عليهما حزنا شديدا وحرم أزواجه ﷺ من الولد حتى من كانت تلد قبله كأم سلمة سبحان الواهب الحكيم تسع من النساء لا تلد واحدة منهن وفيهن الولود وفي أواخر السنة السابعة أو أوائل السنة الثامنة أهدى المقوقس عظيم مصر رسول الله ﷺ جارية مصرية اسمها مارية القبطية فأسكنها رسول الله ﷺ في عوالي المدينة وكان يأتيها بالملك من غير قسم فحملت منه ﷺ وولدت له طفلا جميلا سماه إبراهيم في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة وكم كانت فرحة الرسول ﷺ به وتسابقت المرضعات تطلب شرف إرضاعه فاختار له رسول الله ﷺ مرضعة تسكن في عوالي المدينة مع زوجها الذي يعمل حدادا وكان يذهب إلى ابنه ليراه بين الحين والحين وكان يصحب معه كثيرا بعض أصحابه الذين كانوا يشفقون عليه من دخان الكير فيطلبون من زوج المرضعة أن يتوقف قليلا حتى تنتهي زيارة الرسول ﷺ وشاء الله -ولا راد لحكمه ومشيئته -أن يموت إبراهيم على رأس ثمانية عشر شهرا من ولادته وقبل وفاة الرسول ﷺ بثلاثة أشهر زاره رسول الله ﷺ ومعه أنس بن مالك وعبد الرحمن بن عوف وكان الطفل يحتضر وأنفاسه تعلو وتهبط وروحه عند الحلقوم فأخذه ﷺ وشمه وقبله ووضعه فلفظ أنفاسه الأخيرة فلم يملك رسول الله ﷺ عينيه فتساقطت الدموع فقال له عبد الرحمن بن عوف وأنت تبكي يا رسول الله إن الناس يبكون وأنت تنهاهم عن البكاء ما لنا نراك تبكي؟ فقال إن ما تشاهده أثر من آثار الرحمة ليس أثرا من آثار السخط ثم أتبع الدمع بدمع وقال إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير الشيطان وصوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان إنما هذه رقة قلب ورحمة
ومن لا يرحم لا يرحم إن العين تدمع وإن القلب يحزن وإنا لفراق إبراهيم لمحزونون ولا نقول ما يسخط الرب لله ما أعطى وله ما أخذ ولولا أنه أمر حق ووعد صدق وسبيل
[ ٢ / ٨٠ ]
نأتيه وإن آخرنا سيلحق بأولنا لحزنا عليك يا إبراهيم حزنا هو أشد من هذا و﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾
-[المباحث العربية]-
(دخلنا مع النبي ﷺ) ضمير "دخلنا" لأنس بن مالك الراوي ومن معه من الصحابة
(على أبي سيف القين) بفتح القاف وسكون الياء هو الحداد وأبو سيف كنية لزوج المرضعة واسمه على ما قيل البراء بن أوس بن خالد من بني عدي بن النجار واسم المرضعة خولة بنت المنذر وكنيتها أم سيف وأم بردة
(وكان ظئرا لإبراهيم) أصل الظئر من ظأرت الناقة إذا عطفت على غير ولدها فأطلق على المرضعة التي ترضع غير ولدها وأطلق على زوجها لأنه يشاركها في تربيته غالبا أي كان أبو سيف الحداد زوج مرضعة إبراهيم بن رسول الله ﷺ
(فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبله وشمه) أي متع حاسة الشم وحاسة اللمس والقبلة والعين بابنه وهذه الزيارة غير الزيارة الثانية الآتية
(ثم دخلنا عليه بعد ذلك) ضمير "دخلنا" لأنس وعبد الرحمن بن عوف ومن معهما من الصحابة وعلى رأسهم رسول الله ﷺ
(وإبراهيم يجود بنفسه) الجملة حال والمراد من النفس هنا الروح ومن الجود الدفع والإخراج شبه إخراج الروح إلى بارئها بالجود بالمال إلى مستحقه بجامع الدفع والتسليم والرضى في كل واستعير الجود للإخراج واشتق منه يجود بمعنى يدفع على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية
(وأنت يا رسول الله؟) الكلام على الاستفهام التعجبي والواو عاطفة على محذوف أي الناس لا يصبرون على المصيبة وأنت تفعل كفعلهم؟ كأنه يتعجب لذلك منه مع عهده منه أنه ﷺ يحث على الصبر وينهى عن
[ ٢ / ٨١ ]
الجزع فأجابه ﷺ بأن الحالة التي شاهدتها يا ابن عوف هي
(رحمة) وناشئة عن رقة القلب على الولد لا ما توهمت من الجزع ومن لا يرحم لا يرحم إنما أنهى الناس عن النياحة وأن يندب الرجل بما ليس فيه
(ثم أتبعها بأخرى) قيل أراد به أنه أتبع الدمعة الأولى بدمعة أخرى وقيل أتبع الكلمة الأولى المجملة وهي قوله "إنها رحمة" بكلمة أخرى مفصلة وهي قوله "إن العين تدمع "
(وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون) في بعض النسخ "بفراقك" أي بسبب فراقك ولأجله لمحزونون وجاء بصيغة المفعول ليشير إلى أن الحزن ليس من فعلنا ولا بإرادتنا
(فائدة) قال ابن المنير: أسند ﷺ الدمع للعين فقال "العين تدمع" وأسند الحزن للقلب فقال "والقلب يحزن" ولم يسند النطق لجارحة اللسان فنسب الفعلين الأولين للجوارح التي تقوم بهما تنبيها على أن هذا لا يدخل تحت قدرة العبد ولا يكلف الانكفاف عنه وكأن الجارحة اندفعت فصارت هي الفاعلة لا هو والفرق بين دمع العين ونطق اللسان حيث نسب القول إلى نفسه ولم ينسبه إلى اللسان هو أن النطق يملك بخلاف الدمع فهو للعين كالنظر ألا ترى أن العين إذا كانت مفتوحة نظرت شاء صاحبها أو أبى فالفعل لها ولا كذلك نطق اللسان فإنه لصاحب اللسان اهـ وهو كلام جيد
-[فقه الحديث]-
موضوع الحديث البكاء عند الميت أو البكاء على الميت ولما كان البكاء يطلق على تساقط الدمع بدون صوت وعليه مع الصوت والشهيق والزفير والنحيب والتأوه ونحو ذلك من آثار الحزن الخالية عن الجزع والأسف وعليه مع الجزع وضعف التسليم بالقضاء وعلى كل ما سبق مضافا إليه النياحة والندبة وما يسخط الرب لما كان الأمر كذلك كان لا بد
[ ٢ / ٨٢ ]
من اختلاف الحكم الشرعي باختلاف كل حالة من الحالات الأربع
فالحالة الرابعة: لا خلاف بين العلماء في حرمتها وأنها من الكبائر لقوله ﷺ "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" وحديث "إن رسول الله ﷺ بريء من الصالقة والحالقة والشاقة" والصالقة الصارخة والصراخ هو المعروف عندنا بالصوات والخلاف بين العلماء في هل يعذب الميت بفعل ذلك من أهله أو لا يعذب؟ والبحث طويل ومتشعب ومتعارض الأدلة وأفضل ما قيل فيه إنه يعذب؟ إن أوصى به قبل موته أو تأكد قبل موته أن أهله سيفعلون ذلك ولم ينكر عليهم ويتفاوت عذابه بتفاوت درجة مسئوليته عن هذا الفعل
وبهذا نجمع بين حديث "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" وبين نفي عائشة وغيرها لتعذيب الميت ببكاء أهله مستدلة بقوله تعالى ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وبين ما رواه أحمد "الميت يعذب ببكاء الحي فإذا قالت النائحة واعضداه وناصراه واكاسياه؟ جبذ الميت وقيل له: أنت عضدها أنت ناصرها أنت كاسيها ورواه الترمذي بلفظ "ما من ميت يموت فتقوم ناديته فتقول: واجبلاه؟ واسنده؟ أو شبه ذلك من القول إلا وكل به ملكان يلهزانه أهكذا كنت؟ فالعذاب هنا عذاب توبيخ فقط، أما إذا لم يوص بذلك، ولم يظن أن أهله سيفعلون ذلك أو نصح أن لا يفعل بعد موته ذلك فلا يعذب ولا يوبخ بفعل ذلك من أهله. والله أعلم
والحالة الأولى: وهي تساقط الدمع لحزن القلب بدون صوت لا خلاف في أنها جائزة بل ليست خلاف الأولى وهي التي حصلت هنا من النبي ﷺ وقد حاول بعضهم أن يجعلها خلاف الأولى بالنسبة لمقام النبي ﷺ فقال: إن ما حصل منه كان قبل الموت وهذا مردود بما ثبت في الصحيح من أنه ﷺ بكى على قبر بنت له رواه البخاري وزار أمه فبكى وأبكى من حوله رواه مسلم
والحالة الثالثة: وهي البكاء بصوت من مظاهر الجزع وضعف التسليم
[ ٢ / ٨٣ ]
بالقضاء ويشبه أن يكون حكمها الحرمة أو الكراهة على اختلاف درجة الجزع وضعف الصبر
أما الحالة الثانية وهي البكاء بصوت الشهيق والأنين والنحيب والتأوه كأثر من آثار الحزن القلبي االكبير مع التسليم وعدم الجزع فهي خلاف الأولى ومكروهة على أصعب تقدير والله أعلم
-[ويؤخذ من الحديث فوق ذلك]-
١ - مشروعية تقبيل الولد ولو قارب الموت واستدل به بعضهم على تقبيل الميت وشمه ورد بأن القصة إنما وقعت قبل الموت لكن تقبيل الميت ثابت بأدلة أخرى كتقبيل أبي بكر لرسول الله ﷺ وتقبيل الرسول ﷺ لجعفر
٢ - جواز الجلوس عند المحتضر
٣ - ومشروعية عيادة المريض ولو كان طفلا صغيرا ففي ذلك مواساة لأهله
٤ - ومشروعية الإرضاع من غير الأم
٥ - واستفهام التابع من أمامه عما يشكل عليه مما يتعارض ظاهر فعله مع ظاهر قوله
٦ - وجواز الإخبار عن الحزن لمصلحة لكن الكتمان عند عدم المصلحة أولى
٧ - والترغيب في الشفقة على خلق الله والرحمة لهم
٨ - وجواز البكاء بالدمع واعتباره دليلا على رحمة القلب عند المقتضي وهو نقيض قساوة القلب وجمود العين
٩ - وقوع الخطاب لشخص وإرادة غيره بالخطاب أخذا من مخاطبة النبي ﷺ ولده إبراهيم مع أنه في تلك الحالة لم يكن ممن يفهم الخطاب
[ ٢ / ٨٤ ]