الحرث إثارة الأرض وطرح البذرة، والزرع في معناه، والمزارعة في الشرع هي المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها، ويكون البذر من المالك، فإن كان من العامل فهي مخابرة، وهما إن أفردتا عن المساقاة باطلتان، للنهي عن المزارعة في صحيح مسلم وعن المخابرة في
[ ٢ / ٢٧٥ ]
الصحيحين، ولأن تحصيل منفعة الأرض ممكن بالإجارة، فلم يجز العمل عليها ببعض ما يخرج منها، كالمواشي حين يكربها على أن يكون الكراء مناصفة أو أثلاثا بين المالك ومن يتعهد ذلك، فإنه لا يجوز للجهل بالمقدار، أما الأشجار فإنه لا يمكن عقد الإجارة عليها، ولذا جوزت المساقاة، وأجاز بعض الأئمة المزارعة والمخابرة منفردتين، وحمل النهي على ما إذا اشترط لأحدهما زرع قطعة معينة وللآخر أخرى، فإن لم تفرد المزارعة أو المخابرة من المساقاة جازت تبعا، بشرط أن تقوم المساقاة عليها، ولأحوالها تفاصيل في كتب الفقه.
٦٤ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة".
-[المعنى العام]-
يرغب الرسول ﷺ في الغرس والزرع، فيبين ثواب الغارس والزارع فيقول: من غرس أو زرع زرعا لم يأكل منه آدمي أو طير أو خلق من خلق الله إلا كان له به أجر قصد إطعام هذه المخلوقات أو لم يقصد، رضي بذلك الأكل أو كره، فقد يثاب المرء رغم أنفه. ومثل ذلك الترغيب يقول ﷺ: "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة" أي نخلة صغيرة "فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها فيغرسها" فله بذلك أجر.
-[المباحث العربية]-
(ما من مسلم) "من" زائدة داخلة على المبتدأ في سياق النفي لتأكيده.
(يغرس غرسا أو يزرع زرعا) الغرس بمعنى المغروس، والزرع بمعنى المزروع، والغرس خاص بالشجر، والزرع بالنبات، و"أو" للتنويع.
(أو بهيمة) هي كل ذوات أربع قوائم من دواب البر والماء ما عدا
[ ٢ / ٢٧٦ ]
السباع والطيور، وتطلق على كل حي لا نطق له، وذلك لما في صوته من الإبهام، والمعنى الثاني أنسب هنا، لعمومه وشموله السباع وغيرها مما ورد في روايات أخرى.
-[فقه الحديث]-
ورد في هذه الرواية "ما من مسلم" وفي أخرى "ما من رجل" وفي ثالثة "ما من عبد" فالمراد بالرجل والعبد المسلم، سواء كان حرا أو عبدا، مطيعا أو عاصيا، حملا للمطلق في "رجل" و"عبد" على المقيد، وهو المسلم، ويلحق به المسلمة، إذ المقصود من لفظ المسلم الجنس فيشمل كل من اتصف بهذا الوصف ذكرا كان أو أنثى، وعلى ذلك فالتقييد بالمسلم يخرج الكافر، فلا ثواب له في الآخرة، لأن القرب إنما تصح من المسلم، فإن تصدق الكافر أو فعل شيئا من وجوه البر لم يكن له أجر في الآخرة، وإنما يثاب عليه في الدنيا بزيادة مال أو ولد. وهكذا قال تعالى: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم﴾ وقال ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾ وفي مسلم عن عائشة قالت: يا رسول الله إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه؟ قال: لا ينفع.
إنه لم يقل يوما ﴿رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ يعني لم يكن مصدقا بالبعث، ومن لم يصدق به كافر؟ ولا ينفعه عمل، وجاء في مسلم أيضا عن جابر أن النبي ﷺ دخل على أم معبد في نخل لها فقال "لا يغرس مسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة" وقال بعضهم: التقييد بالمسلم في حديثنا لأن الغالب في خطابه ﷺ أن يكون للمسلمين وليس للاحتراز به عن الكافر، أما الكافر فلا يبعد أن يخفف عنه عمل الخير من عذاب غير الكفر كالتخفيف الذي سيحصل لأبي طالب بسبب إكرامه لنبينا ﷺ، أما عذاب الكفر فلا يخفف عنه منه شيء كما أنه لا ينعم ويخلد في النار، وقد رجح الشرقاوي هذا الرأي الثاني وحمل قول الرسول ﷺ في حديث عائشة في ابن جدعان "لا ينفع" حمله على عدم النفع في دخول الجنة، فلا ينافي أن ينفعه في
[ ٢ / ٢٧٧ ]
التخفيف، وقال: إن حمل المطلق على المقيد خلاف الظاهر، والإطلاق في قوله ﷺ "يغرس غرسا أو يزرع زرعا" يتناول من غرسه للتصدق به، ومن غرسه لعياله أو لنفقة، لأن الإنسان يثاب على ما يسرق منه، ولو لم ينو ثوابه، ولا يختص حصول الثواب بمن يباشر الغرس أو الزراعة، بل يتناول من استأجر لعمل ذلك، وللأجير منه أجر كذلك، كالبناء للمسجد يثاب على عمله كما يثاب المنفق على البناء، وذلك بشرط أن يحسن النية.
ويبتغي بذلك وجه الله وإن أخذ أجرته أو أكثر، كذلك الإطلاق في قوله "فيأكل منه طير " إلخ يشمل ما لو أكلت هذه المخلوقات بسبب عجزه عن حصاده، أو تركه لبعض الحب في الأرض رغم أنفه، وقد جاء "من زرع زرعا أو غرس غرسا فله أجر ما أصابت منه العوافي" أي طالبات الفضل والرزق. وهذه الرواية تفسر لنا مدى ما يصل إلى الزارع من الثواب، وأنه باق ما بقي ذلك الزرع أو الغرس، أو ما بقي الانتفاع به لو مات زارعه أو غارسه، وبهذا التفسير فسرت رواية مسلم "إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة"، وليس هذا الأجر قاصرا على الغارس أو الزارع بل يعم كل ما في معناهما، فقد ورد "من بنى بيتا في غير ظلم ولا اعتداء كان له أجر جار ما انتفع من خلق الرحمن ﵎ أحد" كذلك من أقام صدقة جارية أو ترك علما ينتفع به أو ولدا صالحا يدعو له، أو علم قرآنا، أو حفر بئرا، أو أجرى نهرا، أو بنى مسجدا، أو مدرسة أو مستشفى، أو نحو ذلك. وللجمع بين هذا الحديث وبين ما رواه الترمذي عن ابن مسعود مرفوعا "لا تتخذوا الضيعة فتركنوا إلى الدنيا" قيل: إن النهي محمول على الاستكثار من الضياع والانصراف إليها بالقلب الذي يفضي بصاحبه إلى الركون إلى الدنيا، وللجمع بين هذا الحديث الذي يفهم منه تفضيل الزراعة على غيرها من المكاسب وبين الأحاديث الكثيرة الدالة على أفضلية الكسب باليد قيل: إن الزراعة إذا كانت باليد كانت أفضل المكاسب، وقيل إن الكسب باليد أطيبه من حيث الحل، والزراعة أفضل من حيث الانتفاع العام، فهو نفع متعد إلى الغير، وحيث أن الأمر كذلك ينبغي أن يختلف الحال باختلاف حاجة الناس، فحيث كان الناس محتاجين إلى الأقوات أكثر كانت الزراعة أفضل، للتوسعة
[ ٢ / ٢٧٨ ]
على الناس، وحيث كانوا محتاجين إلى المتاجر لانقطاع الطرق كانت التجارة أفضل، وحيث كانوا محتاجين إلى الصنائع أكثر كانت الصناعة أفضل.
-[ويؤخذ من الحديث:]-
١ - فضل الغرس والزرع.
٢ - أن الثواب المترتب على أفعال البر في الآخرة، يختص بالمسلم دون الكافر.
٣ - أن الأجر للغارس والزارع وإن لم يقصد الأجر.
٤ - أن الغرس والزرع واتخاذ الصنائع مباح وغير قادح في الزهد.
٥ - الحض على عمارة الأرض لنفسه ولمن يأتي من بعده.
٦ - جواز نسبة الزرع إلى الآدمي.
٧ - جواز اتخاذ الضيعة والقيام عليها.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
٦٥ - عن ابن عمر ﵄ أنه قال: أجلى عمر اليهود والنصارى من أرض الحجاز وكان رسول الله ﷺ لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها وكانت الأرض حين ظهر عليها لله ولرسوله ﷺ وللمسلمين وأراد إخراج اليهود منها فسألت اليهود رسول الله ﷺ ليقرهم بها أن يكفوا عملها ولهم نصف الثمر فقال لهم رسول الله ﷺ "نقركم بها على ذلك ما شئنا" فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء.
-[المعنى العام]-
يحدث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ لما انتصر على أهل خيبر، وقد فتح بعضها عنوة وبعضها صلحا آلت الأرض المفتوحة عنوة لله وللرسول ﷺ وللمسلمين، والتي فتحت صلحا كانت لليهود، ثم صارت للمسلمين بعد الصلح، وأراد الرسول ﷺ أن يخرج اليهود من أرض خيبر جميعها، ولكنهم طلبوا أن يعملوا في أرض المسلمين على سبيل المساقاة، بأن يتحملوا عمل نخلها ومراعيها، والقيام بتعهدها وعمارتها، مقابل نصف تمرها، فأجابهم الرسول ﷺ إلى مطالبهم، وقال: نقركم بها. ونسكنكم إياها، على قيامكم بالعمل مقابل نصف التمر، لا دائما، بل ما شئنا، وعقد معهم عقد المساقاة، واستقروا بالديار حتى تولى عمر بن الخطاب أمر المسلمين، فنفذ وصية الرسول ﷺ التي أوصى بها عند موته بإخراجهم من أرض الحجاز، فأجلاهم عمر ﵁ إلى أطراف الجزيرة العربية من الشمال.
-[المباحث العربية]-
(أجلى) يقال: جلا القوم عن الوطن إذا خرجوا مفارقين، وأجلى لازم ومتعد.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
(من أرض الحجاز) جزيرة العرب خمسة أقسام: تهامة ونجد وحجاز وعروض ويمن، فالحجاز شقة على ساحل البحر الأحمر تشمل مكة والمدينة.
(لما ظهر على خيبر) أي تغلب وانتصر.
(سألوا رسول الله ﷺ ليقرهم بها) يقال: قر في المكان بمعنى سكن، وأقره بمعنى أسكنه، أي فاوضوا رسول الله ﷺ ليسكنهم بخيبر.
(أن يكفوا عملها) "أن" مصدرية، وحرف الجر محذوف، والتقدير بكفاية عملها، وفي رواية "أن يقرهم بها على أن يكفوا عملها".
(على ذلك) أي على ما ذكر من كفاية العمل ونصف التمر.
(ما شئنا) "ما" مصدرية ظرفية أي مدة مشيئتنا.
(إلى تيماء) بفتح التاء وسكون الياء، من أمهات القرى شمال نجد قرية من الشام.
(وأريحاء) بفتح الهمزة وكسر الراء، قرية بفلسطين.
-[فقه الحديث]-
تمسك بعض أهل الظاهر بقوله "نقركم بها على ذلك ما شئنا" على جواز المساقاة إلى أجل مجهول، وجمهور الفقهاء على أنها لا تجوز إلا لأجل معلوم ووجهوا الحديث بأن هذا القول من الرسول ﷺ كان أثناء الصلح، ثم أفرد عقد المساقاة وحدده، أي أنه ﷺ أجابهم إلى الإبقاء، ووقفه على مشيئته، وبعد ذلك عاملهم على المساقاة، وقال النووي: جازت المساقاة بغير أجل للنبي ﷺ خاصة أول الإسلام، وقال أبو ثور: إذا أطلقت المساقاة اقتضى ذلك سنة واحدة.
-[ويؤخذ من الحديث:]-
١ - أنه لا فرق في جواز المزارعة بين المسلمين وأهل الذمة، لأنه لما
[ ٢ / ٢٨١ ]
جازت المزارعة مع اليهود جازت مع غيرهم من أهل الذمة كذلك.
٢ - وفيه مساقاته ﷺ على نصف التمر فتقتضي عموم الثمر، ففيه حجة لمن أجازها في الأصول كلها. وقال الشافعي: لا تجوز إلا في النخل والكرم خاصة.
٣ - وفيه إجلاء عمر ﵁ اليهود من الحجاز، لأنهم لم يكن لهم عهد من النبي ﷺ على بقائهم في الحجاز دائما، بل كان ذلك موقوفا على مشيئته، ولما عهد ﷺ عند موته بإخراجهم من جزيرة العرب، وانتهت الخلافة إلى عمر ﵁ أخرجهم إلى تيماء وأريحاء بالشام.
٤ - استدل به على أن صاحب الأرض إذا قال للمزارع: أقرك كما أقرك الله، ولم يذكر أجلا معلوما جاز.