٦٤ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال لما حاصر رسول الله ﷺ الطائف فلم ينل منهم شيئا قال إنا قافلون إن شاء الله فثقل عليهم وقالوا نذهب ولا نفتحه وقال مرة نقفل فقال اغدوا على القتال فغدوا فأصابهم جراح فقال إنا قافلون غدا إن شاء الله فأعجبهم فضحك النبي ﷺ
-[المعنى العام]-
عاد النبي ﷺ وأصحابه من غزوة حنين التي سنتكلم عنها في الحديث التالي وحبس الغنائم بمكان يدعى الجعرانة وكان مالك بن عوف النضري قائد الكفار في حنين قد دخل الطائف بعد أن انهزم في حنين وكان له حصن في ضواحيها فأمر النبي ﷺ بإدراكه وغزو الطائف وفي طريقه هدم حصن مالك بن عوف ووصل الطائف في شوال سنة ثمان من الهجرة ودخل ثقيف أهل الطائف مدينتهم وأغلقوا على أنفسهم أسوارها المنيعة وتحصنوا بها وقد جمعوا بالداخل قوت سنة حاصرهم رسول الله ﷺ وكانت ثقيف قوما رماة صعدوا الأسوار ومن ثقوب أخذوا يرمون المسلمين بالنبال ولا تنالهم نبال المسلمين بعد بضعة عشر يوما من حصار غير مفيد والمسلمون يقدمون الشهداء استشار الرسول ﷺ خبراء
[ ٣ / ٢٥٨ ]
القوم فقال نوفل بن معاوية الديلي يا رسول الله هم ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك فكر رسول الله ﷺ في العودة وقال إنا قافلون إن شاء الله وقويت عزيمته على ذلك حين جاءه أصحابه يقولون يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع عليهم فقال اللهم اهد ثقيفا ثم قال لأصحابه مرة ثانية إنا قافلون إلى المدينة غدا إن شاء الله فلم يعجبهم هذا القرار وثقل عليهم وعز عليهم أن يرجعوا دون فتح الطائف وهم في كثرة وقوة فقال قائلهم نأتي إلى هنا ونحاصرهم ويعلم بنا العرب ثم نعود كما جئنا وأحس رسول الله ﷺ أن الغالبية لا تستريح لقرار العودة فرأى أن يدركوا بأنفسهم أن القرار حكيم وضروري فقال لهم لكم ما تشاءون اغدوا للقتال فأصبحوا يرمون رجال الأسوار بالنبال دون إصابة وحاولوا فتح أبواب الحصن وكانت ثقيف مستعدة لهذه المحاولة بقطع الحديد المحمي التي ألقتها من فوق الأسوار على المسلمين فأصيب منهم الكثير وجاءوا يشكون إلى رسول الله ﷺ قال إنا راجعون غدا إن شاء الله فأعجبهم القرار وأعلنوا الرضا
به والموافقة عليه فتبسم ﷺ وعادوا إلى الجعرانة فقسم الغنائم كما سيأتي في الحديث التالي وشاء الله لأهل الطائف أن يسلموا بعد عام
-[المباحث العربية]-
(الطائف) بلد كبير مشهور كثير الأعناب والنخيل على بعد نحو مائتي ميل من مكة من جهة الشرق أشهر سكانها قبائل ثقيف
(إنا قافلون) راجعون من حيث جئنا أي غدا إن شاء الله
(فثقل عليهم) أي اشتد وعظم عليهم أمر الرجوع
(وقالوا نذهب ولا نفتحه) الكلام على الاستفهام التعجبي أو الإنكاري أي لا ينبغي أن يقع ذلك والمعنى نذهب عن الطائف ولا نفتحه لا يكون ذلك
(وقال مرة نقفل) بضم الفاء أي قال ذلك مرة أخرى قبل اعتراضهم
[ ٣ / ٢٥٩ ]
أي قال ذلك مرتين فاعترضوا فقال بعد الاعتراض
(اغدوا على القتال) الغدو السير أول النهار أي سيروا للقتال غدا صباحا كعادتكم
(فغدوا) على القتال بالنبال ومحاولة فتح الحصن
(فأصابهم جراح) شديدة من النبال ومن قطع الحديد المحمي
(فقال) معطوف على محذوف أي فشكوا إليه فقال
(فأعجبهم) ضمير الفاعل يعود على قرار العودة المفهوم من المقام
(فضحك النبي ﷺ) كان ضحكه ﷺ تبسما ولذا جاء في رواية أخرى في الصحيح فتبسم
-[فقه الحديث]-
يرجع العلماء أسباب عدم النيل من ثقيف وعدم فتح الطائف إلى
١ - أنهم كانوا قد أحكموا سورا عاليا حول بلدتهم وأحكموا أبوابه
٢ - وأنهم جعلوا عليه منافذ علوية محصنة للرمي منها على الخارج
٣ - واستعانوا ببعض المهرة من الرماة من الكفار من غير أهل الطائف
٤ - وأنهم كانوا مشهورين بالشجاعة والقوة
٥ - وأنهم جعلوا مواشيهم ترتع في موضع بعيد مأمون
٦ - وأن النبي ﷺ حينما بدأ يقطع أعنابهم ويحرق نخيلهم سألوه أن يدعها لله وللرحم حيث إن الجدة العليا لأمه ﷺ كانت من ثقيف فتركها رسول الله ﷺ
٧ - أنهم خافوا إن نزلوا أو استسلموا أن يقتل مقاتلتهم ويسبي ذراريهم كما فعل ببني قريظة فقاتلوا قتال المستميت
٨ - قال بعضهم لم يؤذن له ﷺ في فتح الطائف كيلا يستأصل
[ ٣ / ٢٦٠ ]
المسلمون أهله انتقاما على سوء معاملتهم للرسول ﷺ حين عرض عليهم نفسه فأغروا به الصبية والسفهاء أهـ
وفي هذا نظر لأنه ﷺ حينما طلب منه في الحصار أن يدعو عليهم دعا لهم ولأنه ساعة أوذي طلب لهم المغفرة والهداية
-[ويؤخذ من الحديث:]-
١ - حرصه ﷺ وشفقته بأمته ورحمته بقومه حيث أمرهم بالرحيل حماية لهم من الضرر
٢ - أن الإمام لا يضره أن ينزل على رأي الرعية حتى يستبين لهم وجه الصواب
٣ - أنه يشرع احتمال أخف الضررين فقد حملهم ﷺ بعض الأذى من أجل أن لا يندموا ويرتابوا في صحة القرار
٤ - سماحته ﷺ حين استسلموا ورجعوا إلى قبول رأيه فلم يعنفهم بل لم يعتب عليهم رفضهم واعتراضهم
٥ - أن الرجوع إلى الحق والصواب خير من العناد والتمادي في غير المصلحة
[ ٣ / ٢٦١ ]
٦٥ - عن أنس بن مالك ﵁ قال جمع النبي ﷺ ناسا من الأنصار فقال إن قريشا حديث عهد بجاهلية ومصيبة وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله ﷺ إلى بيوتكم قالوا بلى قال لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار
-[المعنى العام]-
في رمضان على رأس ثمان سنين ونصف السنة من هجرته ﷺ إلى المدينة فتحت له مكة بعد أن سار إليها في عشرة آلاف مسلم أقام بها خمسة عشر يوما ثم بلغه أن هوازن وثقيفا قد جمعوا جموعهم بواد يسمى حنين قريب من الطائف يريدون قتال رسول الله ﷺ فسار بجموعه التي فتحت مكة بل تبعه كثير ممن قرب عهدهم بالإسلام من أهل مكة جيش لم يسبق له مثيل في كثرة عدده وعدده حتى أعجب المسلمون بكثرتهم وقال قائلهم لن نغلب اليوم من قلة ولم يحسبوا أن هوازن جمعت من الأعداء ضعف عددهم وأنهم أهل الأرض وأدرى بشعابها وأهل خبرة في الحرب وقوة وبأس لقد صفوا الخيل ثم المقاتلة ثم النساء من وراء ذلك ثم الغنم ثم النعم ثم أخذوا المسلمين على غرة ففر المؤلفة قلوبهم وتبعهم كثير من جيش المسلمين حتى قيل إنه لم يثبت مع النبي ﷺ سوى أقل من مائة رجل فقال ﷺ لعمه العباس ناد أصحاب الشجرة فنادى فرجع الناس وحملوا على المشركين فهزموهم واستاقوا السبي والغنم والنعم غنائم كثيرة يحتاج حصرها وتوزيعها إلى وقت طويل فأمر ﷺ بجمعها وحفظها في الجعرانة وأقام عليها حرسا حتى يرجع هو وأصحابه من الطائف فلما عاد من الطائف أخذ يوزع غنائم حنين فقسمها بين قريش والمهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا وفاز المؤلفة قلوبهم من مسلمي الفتح بأكبر نصيب، فقد أعطى أبا سفيان مائة من الإبل وأعطى صفوان بن
[ ٣ / ٢٦٢ ]
أمية مائة وأعطى عيينة بن حصن مائة وأعطى مالك بن عوف مائة وأعطى الأقرع بن حابس مائة وغيرهم أعطي مائة مائة. فغضب الأنصار وتكلموا فيما بينهم. قال أحدهم: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله وقال آخر: إذا كانت الشدة ندعى لها، ويعطى الغنيمة غيرنا وقال ثالث والله إن هذا لهو العجب إن قريشا حديثة إسلام لم تحارب للدعوة بعد بل ما زالت سيوفنا تقطر من دمائهم لدفاعهم عن الكفر يعطون ولا نعطى؟ غفر الله لرسوله.
وبلغ كل ذلك رسول الله ﷺ فدعاهم في قبة ثم خطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا معشر الأنصار ما حديث بلغني عنكم أقلتم كذا وكذا قالوا نعم فقال أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم لو شئتم قلتم أتيتنا مكذبا فصدقناك ومخذولا فنصرناك وطريدا فآويناك وعائلا فواسيناك وخائفا فآمناك فقالوا بل المن علينا لله ولرسوله بماذا نجيبك يا رسول الله فقال إن قريشا حديثو العهد بالإسلام قريبو عهد بجاهلية وقريبو عهد بمصيبة وهزيمة في مكة وذل وصغار فأردت أن أجبرهم وأن أتألفهم أما يرضيكم أن ترجع قريش بالإبل والشاة وترجعون أنتم برسول الله قالوا بلى يا رسول الله قال فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به قالوا رضينا يا رسول الله ولا حاجة لنا بالدنيا قال ﷺ لو سلك الناس طريقا وسلك الأنصار طريقا آخر لسلكت طريق الأنصار ولولا الهجرة وفضلها لتمنيت أن أكون امرءا من الأنصار
-[المباحث العربية]-
(جمع النبي ﷺ ناسا من الأنصار) في رواية فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم ولم يدع معهم غيرهم وفي رواية فدخل سعد بن عبادة فذكر له ما جال في نفوس قومه فقال له ﷺ فأين أنت من ذلك يا سعد قال ما أنا إلا من قومي قال فاجمع لي قومك فخرج فجمعهم
(إن قريشا حديث عهد بجاهلية ومصيبة) في بعض الروايات حديثو
[ ٣ / ٢٦٣ ]
عهد بالجمع أي قريبون من الجاهلية وقريبون من هزيمتهم وفتح بلادهم وقتل أقاربهم في سابق الغزوات
(وإني أردت أن أجبرهم) بفتح الهمزة وسكون الجيم وضم الباء من الجبر ضد الكسر وفي رواية أجيزهم بضم الهمزة وكسر الجيم بعدها ياء فزاي أي أعطيهم وأثيبهم
(أما ترضون) الهمزة للاستفهام التقريري أي حمل المخاطبين على الإقرار بما بعد النفي أي ارضوا ليقولوا رضينا وقد قالوها فعلا فقد جاء في رواية أنهم قالوا يا رسول الله قد رضينا وفي روايتنا قالوا بلى
(أن يرجع الناس بالدنيا) المراد من الناس من أعطوا من الغنائم من قريش والمراد من الدنيا الغنيمة وفي رواية بالشاة والبعير وفي رواية أن يذهب الناس بالأموال
(وترجعون برسول الله إلى بيوتكم) وفي رواية تحوزونه إلى بيوتكم
(لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا) الوادي هو المكان المنخفض وقيل الذي فيه ماء والشعب بكسر الشين اسم لما انفرج بين جبلين وقيل الطريق في الجبل
-[فقه الحديث]-
تطلق المؤلفة قلوبهم شرعا على ناس أسلموا إسلاما ضعيفا وعلى كفار قريبين من الإسلام وعلى مسلمين لهم أتباع كفار ليتألفوهم وعلى مسلمين أول ما دخلوا في الإسلام ليتمكن الإسلام من قلوبهم قال الحافظ ابن حجر والمراد هنا الأخير لقوله في بعض الروايات فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم وظاهر الحديث أن العطية التي أعطاها قريشا كانت من جميع الغنيمة وقال القرطبي الإجراء على أصول الشريعة يفيد أن العطاء المذكور كان من الخمس فقد روي أنه ﷺ قال للأعرابي في هذه الغزوة ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم
[ ٣ / ٢٦٤ ]
وقيل إنما كان تصرفا في الغنيمة لأن الأنصار كانوا قد انهزموا فلم يرجعوا حتى وقعت الهزيمة على الكفار فرد الله الغنيمة لنبيه فهو خاص بهذه الواقعة
أما قول من قال من الأنصار فقد اعتذر عنه رؤساؤهم بأن ذلك كان من بعض أتباعهم لما شرح لهم رسول الله ﷺ ما خفي عليهم من الحكمة مما صنع رجعوا إليه مذعنين ورأوا أن الغنيمة العظمى هي ما حصل لهم من عود الرسول ﷺ إلى بلادهم
وقال ﷺ ما قال تطييبا وتواضعا وإنصافا وإلا ففي الحقيقة أن الحجة البالغة والمنة الظاهرة له عليهم ولذا جاء في بعض روايات الصحيح أنه قال لهم ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي وعالة فأغناكم الله بي وكلما قال شيئا قالوا الله ورسوله أمن
-[ويؤخذ من الحديث:]-
١ - أن للإمام تفضيل بعض الناس على بعض في مصارف الفيء والغنيمة للمصلحة
٢ - أن من طلب حقه من الدنيا لا لوم عليه
٣ - تسلية من فاته شيء من الدنيا بما حصل له في الآخرة من ثواب
٤ - العمل على الهداية وتأليف القلوب وإزالة ما يعلق بالنفوس
٥ - حسن أدب الأنصار في عدم الجدل والمماراة مع رسول الله ﷺ
٦ - إقامة الحجة على الخصم وإقناعه بالحق
٧ - فيه مناقب عظيمة للأنصار
٨ - ما كان عليه ﷺ من حلم وحسن معاملة
[ ٣ / ٢٦٥ ]
٦٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ بينا أنا نائم أتيت بخزائن الأرض فوضع في كفي سواران من ذهب فكبرا علي فأوحي إلي أن انفخهما فنفختهما فذهبا فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة
-[المعنى العام]-
في سنة تسع من الهجرة وفدت وفود العرب إلى المدينة لتسلم وتتزود من معارف الإسلام على يد الرسول ﷺ ومن هذه الوفود وفد بني حنيفة الذين كانوا يسكنون اليمامة بين مكة واليمن كان الوفد بضعة عشر رجلا وفيهم مسيلمة وأسلموا وعادوا إلى بلادهم وفي العام التالي جاء وفد كبير آخر من بني حنيفة على رأسه مسيلمة.
وكان لمسيلمة شأن بين قومه فكان يدعى رحمان اليمامة وشاء الله له أن يكون مثل إبليس حمله غروره أن يفكر في مشاركة محمد ﷺ في الرسالة أو أن يخلفه فيها بعد
[ ٣ / ٢٦٦ ]
وفاته وأذاع هذا الفكر الخبيث بين جماعته حين قدم على رأس وفد وجعل يقول إن جعل لي محمد الأمر بعده تبعته وفي المدينة طلب مقابلة محمد ﷺ فذهب ﷺ إليه في رحله ومعه ثابت بن قيس الخطيب المسلم المشهور المعروف بخطيب رسول الله ﷺ وفي يد رسول الله ﷺ قطعة من جريد فقال مسيلمة لرسول الله ﷺ أسألك أن تجعل لي الخلافة بعدك وكان ﷺ قد رأى في منامه أن خزائن الأرض قد وضعت بين يديه وأنه وضع في كفيه سواران من ذهب فكرههما وعظم عليه طرحهما فأوحى الله إليه في المنام أن ينفخهما فنفخهما فذهبا فلما سمع من مسيلمة ما سمع تذكر الرؤيا ووقع في نفسه أن مسيلمة أحد السوارين وأنه شر على الإسلام يخدع الناس لكنه ﷺ لا يقتل بالظنة ثم إن وفد بني حنيفة قوم كثير ثم ماذا يقال عنه إذا أساء إلى رءوس الوفود قد أحسن القول والفعل لمسيلمة لكنه قال له لو سألتني الجريدة التي في يدي ما أعطيتكها فضلا عن الخلافة وإني لأظنك الذي رأيت في منامي ولن تعدو أن تتخطى أمر الله فقد رأيت ضياعك وهلاكك ولن أطيل الكلام معك ولكني سأترك لك ثابت بن قيس يجيبك وعاد ﷺ وعاد مسيلمة إلى اليمامة ليكتب لرسول الله ﷺ كتابا يقول فيه من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله أما بعد فإن الأرض بيني وبينك لي نصفها ولك نصفها فكتب إليه رسول الله ﷺ يقول من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين وأعلن مسيلمة النبوة وادعى أن قرآنا ينزل عليه وخدع الكثير من قومه فآمنوا به وسمع أن امرأة
من بني تميم تدعى سجاحا تدعي النبوة أيضا وأن جماعة من قومها آمنوا بها فأرسل إليها وتزوجها واجتمع قومها وقومه على طاعته وفي هذه الأثناء ادعى النبوة في اليمن رجل آخر يدعى الأسود العنسي وتابعه كثير من قومه وخرج بهم إلى صنعاء فغلب عامل الرسول ﷺ عليها وملكها وعلم النبي ﷺ بذلك فأوله بالسوار الثاني
فأما ما كان من أمر الأسود العنسي فقد قتل قبل وفاة الرسول ﷺ بليلة
[ ٣ / ٢٦٧ ]
واحدة وأما ما كان من أمر مسيلمة فقد أرسل إليه أبو بكر بجيش كبير في حروب الردة فقضى عليه وعاد الإسلام من جديد إلى ربوع الجزيرة العربية بعد أن اختفى منها حتى لم تكن تقام الجماعة فيها إلا في مسجدين مسجد المدينة ومسجد عبد القيس
-[المباحث العربية]-
(أتيت بخزائن الأرض) أي في المنام ورؤيا النبي ﷺ وحي وتأويل خزائن الأرض فتح الله على أمته من كنوز كسرى وقيصر وخيرات الأرض ومعادنها وما أصابهم من غنى وملك بعده ﷺ
(فوضع في كفي سواران من ذهب) وضع بالبناء للمجهول وكفي بالإفراد ومن بيانية والسوار ما يوضع في اليد حول المعصم وهو بكسر السين ويجوز ضمها وفي رواية إسواران بكسر الهمزة وسكون السين وهو تثنية إسوار وهي لغة في السوار وظاهر الرواية أن السوارين لم يلبسا في اليدين في المعصمين بل كانا مجموعين في كف واحدة لكن الرواية الأخرى في البخاري تقول رأيت في يدي بالتثنية سوارين من ذهب مما يقتضي وضع سوار في كل يد
(فكبرا علي) بضم الباء أي عظما وثقلا وفي رواية للبخاري ففظعتهما وكرهتهما وفي رواية أخرى له أيضا فأهمني شأنهما والفظيع الأمر الشديد
(فأوحى الله إلي) يحتمل أن يكون من وحي الإلهام أو على لسان الملك
(فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما) تأويل الرؤيا اجتهاد منه ﷺ والرواية صريحة في أن الكذابين كانا حينئذ موجودين بكذبهما لكن جاء في رواية أخرى للبخاري فأولتهما كذابين يخرجان مما يدل على أنه إخبار بغير واقع سيقع وقد جمع بينهما بأن الكذابين كانا موجودين لكن أمرهما وشيوع كذبهما لم يكن خرج بعد أما رواية يخرجان بعدي فالمراد منها
[ ٣ / ٢٦٨ ]
خروج شوكتهما ومحاربتهما والمراد من البينية في أنا بينهما بينية الدعوة الصادقة والداعية الصادق بين كذابين وليست بينية مكانية لأن اليمامة بين مكة وصنعاء والمدينة في الطرف البعيد عنها
(صاحب صنعاء وصاحب اليمامة) أي الأسود العنسي ومسيلمة وكلمة صاحب بالنصب بدل من الكذابين وبالرفع خبر لمبتدأ محذوف أي هما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة والصاحب الملازم من المصاحبة والصحبة
-[فقه الحديث]-
إنما أول النبي ﷺ السوارين بالكذابين لأن الكذب وضع الشيء في غير موضعه فلما رأى في ذراعيه سوارين من ذهب وليسا من لبسه لأنهما من حلي النساء عرف أنه سيظهر من يدعي ما ليس له وأيضا في كونهما من ذهب والذهب مشتق من الذهاب يشير إلى أنه شيء يذهب ولا يبقى وتأكد ذلك بالوحي بنفخهما فطارا فعرف أنه لا يثبت لهما أمر إذ النفخ يشير إلى حقارة أمرها لأن شأن الذي ينفخ فيه فيذهب بالنفخ أن يكون في غاية الحقارة والمراد الحقارة المعنوية لا الحسية.
-[ويؤخذ من الحديث:]-
١ - في الحديث علم من أعلام النبوة وأن أمة الإسلام ستفتح عليها خزائن الأرض وقد كان ما أخبر به
٢ - قال الحافظ ابن حجر ويؤخذ منه منقبة عظيمة لأبي بكر الصديق ﵁ لأن النبي ﷺ تولى نفخ السوارين بنفسه حتى طارا أما الأسود فقتل في زمنه وأما مسيلمة فكان القائم عليه حتى قتله أبو بكر الصديق قام مقام النبي ﷺ في ذلك
٣ - ويؤخذ منه أن السوار وسائر آلات أنواع الحلي اللائقة بالنساء تعبر للرجال بما يسوؤهم ولا يسرهم إذا رؤي في المنام
[ ٣ / ٢٦٩ ]