٧٠ - عن مصعب بن سعد ﵁ عن أبيه أن رسول الله ﷺ خرج إلى تبوك واستخلف عليا فقال أتخلفني في
[ ٣ / ٢٨٤ ]
الصبيان والنساء قال ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي
-[المعنى العام]-
في شهر رجب سنة تسع من الهجرة بلغ المسلمين من التجار الذين ينتقلون بين الشام والمدينة أن الروم جمعوا جموعا كثيرة وحرضوا بعض القبائل العربية المتاخمة لمملكتهم لمحاربة المسلمين وكانت نصارى العرب قد كتبوا إلى هرقل أن المسلمين في هذه الفترة قد أصابتهم السنون فهلكت أموالهم فأراد هرقل أن يستغل هذه الفرصة فجهز جيشا يزيد على أربعين ألف مقاتل علم النبي ﷺ بذلك فأمر بالاستعداد للخروج ولكن كيف يخرجون إنهم في شبه مجاعة بل في مجاعة حقيقية أين الظهر الذي يركبونه من المدينة إلى الشام وأين التموين الذي يكفيهم عسرة ما بعدها عسرة لقد قدم الصحابة ما يمكن أن يقدموه قدم أبو بكر كل ماله لكنه قليل وقدم عمر نصف ماله لكنه أقل وها هو ذا عثمان قد أعد للتجارة مائتي بعير تحمل القمح قد جعلها في سبيل الله وسلمها لرسول الله ﷺ ومعها مائتا أوقية استجاب المسلمون لأمر رسول الله ﷺ رغم الحر الشديد وضيق الحال تجمع جيش إسلامي يبلغ ثلاثين ألفا وتحرك نحو الشام مسافة تبلع الأربعمائة ميل أو تزيد ومن يخلف المسلمين في المدينة يرعى أمورها ويحفظ ذمارها ويحمي حماها مدة الغيبة الطويلة لقد اختار رسول الله ﷺ عليا ابن عمه لهذه المهمة الصعبة كما اختاره ليقوم مقامه ليلة الهجرة لكن عليا ﵁ نظر إلى هذه المهمة نظرة أخرى ظن أنها مهمة غير القادرين على القتال كيف وهو المشهور بالقوة والشجاعة والإقدام إذا اشتد البأس كيف وهو الذي صرع كل من بارزه في ساحة المعارك كيف وهو الذي فتح الله على يديه خيبر يوم حمل لواء الإسلام وقاد المسلمين ظن أنه بمراجعته رسول الله ﷺ يتغير القرار فقال يا رسول الله أتذهب بالجيش وتتركني في المدينة بين صبيانها ونسائها أما كان
[ ٣ / ٢٨٥ ]
هناك من يقوم بهذا الأمر غيري فقال له رسول الله ﷺ إما أن تبقى وإما أن أبقى ألا
يرضيك أن تخلفني في أهل المدينة كما خلف هارون موسى حين قال له موسى اخلفني في قومي وأصلح ألا يرضيك أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى قال رضيت يا رسول الله قال إنك مني بمنزلة هارون من موسى غير أن هارون كان نبيا ولا نبي بعدي
وبقي علي بالمدينة وسار الجيش في قيظ شديد وفي قلة من الظهر العشرة يخصهم بعير واحد يتعاقبون عليه الماء ينفد ينحرون البعير فيشربون ما في كرشه من الماء وصلوا عينا أو بئر تبوك فلم يسعفهم ماؤها فنضبت فمضمض فيها رسول الله ﷺ ففاضت نفد زاد القوم أو كاد لجأوا إلى النوى بعد نفاد التمر يمصون النواة كغذاء ويشربون عليه الماء ذهبوا يستأذنون النبي في ذبح بقية نواضحهم وإبلهم يسدون بها الرمق فأذن لهم لكن عمر قال يا رسول الله ما بقاء الناس بعد إبلهم قال وماذا ينقذ الناس قال يا رسول الله لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليها قال: أفعل فجاء صاحب البر ببره وذو التمر بتمره وصاحب الكسرة بكسرته وصاحب النوى بنواه فجمع على النطع شيء يسير فدعا ﷺ بالبركة ثم قال خذوا في أوعيتكم فما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأوه فأكلوا وشبعوا وفضلت فضلة أقاموا في تبوك بضع عشرة ليلة ولم يحاربهم جيش الروم وجاء وفود نصارى العرب إلى رسول الله ﷺ فصالحهم وفرض عليهم الجزية ثم رجع من تبوك وتحدثت آيات كثيرة من سورة التوبة عن هذه الغزوة وعن الثلاثة الذين خلفوا عنها وتوبة الله عليهم
-[المباحث العربية]-
(خرج إلى تبوك) وهي آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ وهي غزوة العسرة وتبوك مكان معروف في منتصف الطريق بين المدينة ودمشق أو هي أقرب منها إلى المدينة وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث إذا أريد به البقعة وقد يصرف
[ ٣ / ٢٨٦ ]
(واستخلف عليا) على المدينة أي جعله خلفا له يحكم ويقضي ويؤم ويرعى المصالح ويحمي الذمار مدة غيابه
(أتخلفني في النساء والصبيان) الاستفهام إنكاري عتابي بمعنى نفي الانبغاء أي لا ينبغي ذلك أو للتحسر أي أتألم وأتحسر من ذلك لأني أحب الجهاد وأقدر عليه وأنا أهل له
(ألا ترضى) الاستفهام تقريري أي قر بأنك ترضى
(أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى) في استخلاف موسى له فترة غيابه عن قومه في حياته لا بعد مماته
(إلا أنه ليس نبي بعدي) الاستثناء منقطع والضمير في أنه ضمير الحال والشأن والجملة بعده خبر أن والمقصود بالجملة الاحتراس ورفع الإيهام
-[فقه الحديث]-
تمسكت الشيعة بهذا الحديث كدليل على أن الخلافة من بعده ﷺ كان لعلي بن أبي طالب وزادوا أنه ﷺ وصى له بها في آخر حياته وأساءوا إلى أبي بكر وعمر على أنهما اغتصباها وأساءوا إلى المسلمين الذين بايعوهما بل أساء بعضهم إلى علي نفسه لأنه سكت عن حقه ولم يدافع عنه
ولا حجة لهم في الحديث لأن هارون المشبه به لم يكن خليفة بعد موسى لأنه توفي قبله بنحو أربعين سنة إذن وجه الشبه الاستخلاف زمنا ما في غيبته في حياته
ويستند الشيعة أيضا إلى حديث رواه الحاكم في الإكليل أنه حين استخلفه ﷺ قال له يا علي اخلفني في أهلي واضرب وخذ وعظ ثم دعا ﷺ نساءه وقال اسمعن لعلي وأطعن وهذا الحديث مرسل لا يحتج به
[ ٣ / ٢٨٧ ]
ويستندون أيضا إلى حديث من كنت مولاه فعلي مولاه أخرجه الترمذي والنسائي وطرقه كثيرة وحسنة بل صحيحة لكن المولى له معان كثيرة ويمكن حملة على ولاية النسب فهو ابن عمه وزوج ابنته وليس بلازم أن تكون ولاية أمر المسلمين والخلافة ثم إن استخلاف أبي بكر للصلاة بالمسلمين وهي ركن أساسي في الخلافة يبعد أن يراد ولاية المسلمين لعلي نحن لا ننكر فضل علي وسابقته في الإسلام كما لا ننكر فضل أبي بكر وسابقته ومؤازرته ولا نقارن بينهما في الفضل لأن عليا كرم الله وجهه ورضي عنه وإن كان من الرسول ﷺ بمنزلة هارون من موسى فإن أبا بكر أحب الرجال إلى رسول الله ﷺ بنص الحديث الصحيح رضي الله عن الصحابة أجمعين
-[ويؤخذ من الحديث:]-
١ - فضيلة عظيمة لعلي ﵁
٢ - مشروعية استخلاف الحاكم من يقوم مقامه في غيابه
٣ - منزلة الجهاد في سبيل الله وحرص الصحابة عليه
٤ - أن رسول الله ﷺ خاتم النبيين
[ ٣ / ٢٨٨ ]