الصوم في اللغة الإمساك مطلقا، وشرعا: إمساك عن الفطر جميع النهار على وجه مخصوص، وقد فرض صوم رمضان في شعبان من السنة الثانية من الهجرة، والمشهور عند الشافعية والجمهور أنه لم يجب صوم قط قبل صوم رمضان، وفي وجه وهو قول الحنفية أن أول ما فرض من الصيام صيام عاشوراء فلما نزل الأمر بصيام رمضان نسخ. والصوم وصلة للصفاء الروحي، وتزكية للبدن، وتضييق لمسالك الشيطان وكسر للنفس، وصبر على مضض الجوع والعطش، وإحجام عن الشهوات. فهو بذلك يعلم التواضع والعطف على الفقراء والشكر للمنعم وكسر الشهوة. ثم هو فوق ذلك امتحان وابتلاء، ينظر الله للصائم ويباهي به ملائكته، ويجزل له الجزاء، وقد ورد في شأنه قول الرسول ﷺ: "الصوم نصف الصبر" مع قوله "الصبر نصف الإيمان".
٤٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الصيام جنة فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم مرتين والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي الصيام لي وأنا أجزي به والحسنة بعشر أمثالها".
[ ٢ / ٢٢٥ ]
-[المعنى العام]-
الصيام تشريع حكيم دعت إليه الشرائع السابقة والعقول السليمة وقد قصد به الإسلام الإمساك عن الشهوات ليستر صاحبه يوم القيامة من النار التي حفت بالشهوات، وليؤدي هذا الغرض المقصود منه يجب أن يخلو من الفحش في القول والسفه في الفعل ليتوافق ظاهر المرء وباطنه، فيكون إمساكا عن جميع ما نهى الله عنه، لا عن بعض ما حرم الله، فليس الصيام عن الأكل والشرب إنما الصيام الحقيقي عن اللغو والرفث، فإن اعتدى على الصائم وسبه إنسان أو دافعه فينبغي ألا يقابله بالمثل، بل يزجر نفسه والمعتدي بقوله "إني صائم" فلا أدنس صيامي ويقسم الرسول ﷺ بربه الذي بيده الأرواح أن رائحة الفم المتغير من أثر الصيام أزكى عند الله من ريح المسك، ويقول تعالى: "الصيام لي" فلا حظ للصائم إلا الخضوع لأمري، يترك طعامه وشرابه وشهواته ابتغاء وجهي، أنا الذي سأجزيه جزاء لا يشبه جزاء الأعمال الحسنة الأخرى، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، لكنه جزاء غير معين لأنه صابر، و﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.﴾
-[المباحث العربية]-
(جنة) بضم الجيم وتشديد النون أي وقاية من النار، أو من الشهوات أو منهما.
(فلا يرفث) راجع المادة في الحديث رقم (٣٨) والفاعل مستتر يعود على الصائم المفهوم من المقام، وفي رواية الموطأ "فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث".
(ولا يجهل) أي لا يفعل شيئا من أفعال أهل الجهل، كالصياح والسفه والسخرية، وفي رواية "فلا يرفث ولا يجادل".
(وإن امرؤ قاتله أو شاتمه) "امرؤ" فاعل فعل محذوف يفسره المذكور والمراد من المقاتلة المنازعة والمدافعة ولو بالقول.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
(والذي نفسي بيده لخلوف) القسم للتأكيد ولغرابة الخبر، والخلوف بضم الخاء، وحكى بعض الشيوخ فتحها وهو خطأ، وهو تغير طعم الفم وريحه لتأخر الطعام، قال: خلف فمه بفتح الخاء واللام يخلف إذا تغير، واللغة المشهورة من الثلاثي.
(شهوته) قيل: المراد بها شهوة الجماع لعطفها على الطعام والشراب ويؤيده رواية "ويدع زوجته من أجلي"، وقيل: هو من عطف العام على الخاص.
(الصيام لي) الجملة مستأنفة وقعت موقع البيان لموجب الحكم المذكور وفي رواية "فالصيام لي" بزيادة الفاء المفيدة للسببية.
(وأنا أجزي به) أي أنا المنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته لا غيري بخلاف غيره من العبادات، فإنه قد تطلع عليها الناس، وجاء القصر من تكرير المسند إليه بتقديمه على الفعل، والمفعول محذوف، والتقدير وأنا أجزي به صاحبه.
(الحسنة بعشر أمثالها) كان الظاهر أن يقول: بعشرة أمثالها. لأن المثل مذكر، فحقه تأنيث العدد، ولكنه لاحظ أن مثل الحسنة هو الحسنة، وهي مؤنثة فكأنه قال: بعشر حسنات.
-[فقه الحديث]-
في كون الصيام جنة بالفعل أو بالقوة قال القرطبي: الصيام جنة بحسب مشروعيته، فينبغي للصائم أن يصونه مما يفسده وينقص ثوابه، وإليه الإشارة بقوله: "فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث". ويصح أن يراد أنه ستره بحسب فائدته وهي إضعاف شهوات النفس، وإليه الإشارة بقوله "يدع شهوته إلخ" ولا يفهم من النهي عن الرفث والجهل مع الصيام أن غير الصوم يباح فيه ما ذكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم، وقال الأوزاعي: إن الغيبة تفطر الصائم وتوجب عليه القضاء، وأفرط ابن حزم فقال: يبطله كل معصية من متعمد لها ذاكر للصوم، سواء كانت فعلا أو قولا، لعموم
[ ٢ / ٢٢٧ ]
قوله "فلا يرفث ولا يجهل" ولقوله ﷺ: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
والجمهور وإن حملوا النهي على التحريم قد خصوا الفطر بالأكل والشرب والجماع، ولا يشك أحد في أن من لم يعرض صيامه لشيء من ذلك طول نهاره ليس هو في الفضل كمن عرض صيامه للآثام. والمراد بالمفاعلة في قوله "قاتله أو شاتمه" التهيؤ أي إذا تهيأ امرؤ لقتال الصائم وتهيأ الصائم لقتاله، وقيل. المراد بها الفعل حقيقة من جانب المتعدي والتهيؤ من جانب الصائم، أي إن دفع امرؤ الصائم وتهيأ الصائم لقتاله فليقل إلخ وقيل: إن المفاعلة ليست على بابها، والمراد إن اعتدى عليه أحد فلا يجاره، بل يصرفه عن نفسه بقوله: إني صائم ويؤيده رواية "وإن شتمه إنسان" بدون مفاعلة، وقد اختلف العلماء في قوله "إني صائم" هل يقولها في نفسه أو بلسانه؟ ثلاثة أقوال: أحدها: أن يقول ذلك بلسانه حتى يعلم من يجهل أنه معتصم بالصيام عن اللغو والرفث والجهل. ثانيا: أن يقول ذلك لنفسه، أي إذا كنت صائما فلا ينبغي أن أخدش صومي بالجهل ونحوه فيزجر نفسه بذلك. ثالثا: التفرقة بين صيام الفرض وصيام النفل، فيقول ذلك بلسانه في الفرض، ويقول لنفسه في التطوع بعدا عن الرياء، وإنما أمر بتكرير "إني صائم" ليتأكد البعد عن الشر من نفسه وممن خاطبه، وقيل: المراد من "مرتين" مرة لنفسه ومرة لخصمه، وقد ورد في رواية "فإن سابك أحد فقل: إني صائم، وإن كنت قائما فاجلس". وفائدة هذا الجلوس تغيير الوضع إلى وضع أقل تهيؤا للمقاتلة، فإن ذلك التغيير يضعف الثورة النفسية، فإذا كان قائما جلس، وإذا كان جالسا اضطجع.
وفي معنى قوله "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" قال ابن المنير: لا حاجة إلى تجوز ولا تأويل، لأن الله عالم بهذا النوع من الإدراك وكذا بقية المدركات والمحسات يعلمها الله على ما هي عليه بدون حاسة لأنه خالقها وهو يعلم ما خلق، وتمسك الشافعية بظاهر الحديث، فقالوا بكراهة السواك بعد الزوال، وأجاب المالكية بأن هذا كناية عن مدح نفس الصوم، وإن لم يوجد خلوف
[ ٢ / ٢٢٨ ]
أصلا، وإنما كان خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ودم الشهيد ريحه ريح المسك فقط لا أطيب منه مع ما فيه من المخاطرة بالنفس وبذل الروح لأن الصوم أحد أركان الإسلام، وأيضا هو فرض عين، والجهاد فرض كفاية، وفرض العين أفضل من فرض الكفاية على الراجح كما نص عليه الشافعي. ووجه الربط بين قوله "يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي" بما قبله على تقدير يقول الله تعالى: يترك الصائم طعامه إلخ، وإنما قدرنا هذا ليصح المعنى لأن سياق الكلام يقتضي أن يكون ضمير المتكلم في لفظ "والذي نفسي بيده" وفي لفظ "من أجلي" من متكلم واحد وهو معنى فاسد، وفي معنى "الصيام لي" حيث إن الأعمال كلها لله، يقول القرطبي: لما كانت الأعمال يدخلها الرياء والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلا الله أضافه إلى نفسه، وقيل معناه: لم يتعبد به أحد غيري.
وقال ابن الجوزي: جميع العبادات تظهر بمجرد فعلها، وقل أن يسلم ما يظهر من شائبة الرياء، بخلاف الصوم، ويؤيد هذا قوله ﷺ "الصيام لا رياء فيه" وقوله "ليس في الصيام رياء" ومعناه أن الصوم لا رياء فيه من جهة فعله، فإن حال الممسك عن الطعام شبعا كحال الممسك تقربا من حيث الصورة، وإن كان الرياء يدخل الصوم بالقول والتحدث عن النفس، كما إذا قال الصائم متباهيا: إني صائم، والمراد من قوله "وأنا أجزي به" أن جزاء الصوم كثير من غير تعيين لمقداره، لأن الكريم إذا قال: أنا أتولى الإعطاء بنفسي كان ذلك إشارة إلى تعظيم هذا العطاء وتفخيمه، وهذا كقوله تعالى ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ والصابرون الصائمون في أكثر الأقوال، ويؤيده ما رواه الطبراني "وأما العمل الذي لا يعلم ثواب عامله إلا الله فالصيام" وظاهر الكلام عدم الارتباط بين قوله "والحسنة بعشر أمثالها" وبين ما قبله. ولهذا قيل: أن هذه الرواية مختصرة وأصلها كما في الصيام" وأنا أجزي به، كل حسنة يعملها ابن آدم عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به" فخص الصيام بالتضعيف على سبعمائة ضعف، وإنما عقبه بقوله "والحسنة بعشر أمثالها" إعلاما بأن الصوم مستثني من هذا الحكم فكأنه قال: الصوم لي وأنا أجزي به بغير حساب، والحسنة في غيره بعشر أمثالها. وقد اتفقوا
[ ٢ / ٢٢٩ ]
على أن المراد بالصيام الذي يستحق هذا الجزاء هو الصيام الذي سلم من المعاصي قولا وفعلا. وأدنى درجات الصوم الاقتصار على الكف عن المفطرات، وأوسطها أن يضم إليه كف الجوارح عن الجرائم، وأعلاها أن يضم إليهما كف القلب عن الوساوس.
٥٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
-[المعنى العام]-
ينبه الرسول ﷺ إلى الغرض الأسمى من الصوم وأنه الإمساك عن المحرمات قبل الإمساك عن المفطرات، فيقول "من لم يترك الخنا" -وهو
[ ٢ / ٢٣٠ ]
الفحش في المنطق -والكذب والغيبة والنميمة ونحوها، من لم يترك هذه المحرمات وهو صائم فلا خير في صومه، وليس ينفعه، ولن يقبل الله تركه لطعامه وشرابه، نعم إن ترك الصوم انتهاك لحرمة الله وحقه، والزور وأمثاله انتهاك لحق الله وحق العباد، ولو وزن الصوم بإثم فحش اليد واللسان لرجح الإثم الثواب، وعاد الصائم من صومه صفر اليدين، وقد وضح الرسول ذلك لأصحابه حين قال: "أتدرون من المفلس؟ قالوا: من لا درهم له ولا دينار ولا متاع، قال: بل المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار".
-[المباحث العربية]-
(قول الزور) الزور الكذب والميل عن الحق، وفسر قول الزور بشهادة الزور وفهم بعض العلماء أن المراد الأمر بحفظ النطق فيعم الغيبة والرفث والصخب وكل ما يقبح النطق به.
(والعمل به) في الكلام مضاف محذوف، أي والعمل بمقتضاه، والضمير يعود على قول الزور، وفي رواية "من لم يدع قول الزور والجهل والعمل به" فيحتمل عود الضمير على الجهل لقربه، ويحتمل عوده على قول الزور وإن بعد، لأن الروايات اتفقت عليه! ويحتمل أن يعود عليهما وأفرده لاشتراكهما في تنقيص الصوم.
(فليس لله حاجة) مفهومه أن لله حاجة في الصيام إذا لم يكن معه قول الزور، ولكن هذا المفهوم غير مراد، لأن الله لا يحتاج إلى شيء، ولهذا كان التعبير مجازا عن عدم الالتفات والقبول، من قبيل نفي السبب وإرادة المسبب وقال ابن بطال: وضع الحاجة موضع الإرادة، يعني ليس لله إرادة في صيامه وعدم الإرادة كناية عن الرد وعدم القبول، فيرجع لما قبله، وجاء في رواية "فليس به حاجة" قال الحافظ ابن حجر: فإن لم تكن تحريفا فالضمير للصائم.
[ ٢ / ٢٣١ ]
-[فقه الحديث]-
هذا الحديث يحتمل أن يراد منه: من لم يدع قول الزور والعمل بمقتضاه مطلقا غير مقيد بصوم فماذا يصنع بصومه؟ كما يقال: من لم ينته عن الفحشاء والمنكر فلا فائدة من صلاته، ويحتمل أن يكون المراد: من لم يدع ذلك في حالة تلبسه بالصوم، وهذا هو الظاهر وقد صرح به في بعض الطرق، وليس معنى قوله "فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" أن يؤمر بترك صيامه، وإنما معناه التحذير من قول الزور وما ذكر معه.
وهو مثل قوله ﷺ "من باع الخمر فليشقص الخنازير" أي فليذبح الخنازير، وليقطعها بالمشقص، وهو نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض، فليس المراد أمره بذبح الخنازير، ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم بائع الخمر، فكذلك من اغتاب أو شهد زورا أو منكرا لا يؤمر بأن يدع صيامه، ولكنه يؤمر باجتناب ذلك ليتم له أجر صومه، ومن هذا القبيل قوله ﷺ "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" وقد اختلف العلماء في أن الغيبة والنميمة والكذب والزور تفطر الصائم، وقد روى الغزالي "خصلتان تفسدان الصوم الغيبة والكذب" والجمهور من الأئمة -كما مر -على أنه لا يفسد الصوم بذلك، والمعروف في رواية الغزالي "خصلتان من حفظهما سلم له صومه: الغيبة والكذب" وقال ابن العربي مقتضى هذا الحديث أن فاعل ما ذكر لا يثاب على صيامه، ومعناه أن ثواب صيامه لا يقوم في موازنة إثم الزور وما ذكر معه وقال البيضاوي: ليس المقصود من مشروعية الصوم نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات وتطويع النفس الشريرة والأمارة بالسوء للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظرة القبول، وقال بعضهم لعل القصد بالصوم في الأصل الإمساك عن جميع المخالفات، لكن لما كان ذلك يشق خفف الله وأمر بالإمساك عن المفطرات، ونبه الغافل بذلك على الإمساك عن المخالفات، فيكون اجتناب المفطرات واجبا، واجتناب ما عداها من المخالفات من توابع الواجب والتحقيق، أن الصوم يتأثر بهذه الأشياء وينقص ثوابه بفعلها، لأنه إذا كان منهيا عنها مطلقا:
[ ٢ / ٢٣٢ ]
فتعلقها بالصوم دليل على زيادة قبحها من أجله، وتأثيرها في سلامته.
-[ويؤخذ من الحديث:]-
١ - النهي عن قول الزور والعمل به مطلقا، وزيادة قبحه في الصوم.
٢ - أن الصوم لا يسلم مع قول الزور.
٣ - الحث على التثبت من صحة الأنباء قبل العمل بمقتضاها حيث أشرك العامل بقول الزور مع قائله في الحكم.
٥١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم فقال له رجل من المسلمين إنك تواصل يا رسول الله قال: "وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقين" فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال "لو تأخر لزدتكم" كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا -وفي رواية عنه قال لهم: "فاكلفوا من العمل ما تطيقون".
[ ٢ / ٢٣٣ ]
-[المعنى العام]-
من الجلي أن يكون لإمام البشر خصائص وأعمال يقوم بها لا يستطيعها سائر المكلفين، ومن ذلك قيام الليل، ووصال الصيام، أما قيام الليل فقد احتجب به عنهم، وأما وصال الصيام فقد نهاهم عنه بعد ما حاولوه، نهاهم محافظة منه على صحتهم وقوتهم فإن الإسلام لم يعدهم للصلاة والصيام فحسب، وإنما يدخر قوتهم للحرب والجهاد، والكفاح في سبيل العيش، وتخليف جيل قوي شديد يرهب الأعداء، وراجع النهي مسلم غيور على الاقتداء بفعله ﷺ فقال: إنك تواصل يا رسول الله ولنا بك أسوة حسنة، وأجابه الرسول ﷺ بأن الله يعينه على الوصال أكثر مما يعينهم: أيكم مثلي؟ إني أظل عند ربي في ساحة ذكره ومعارفه، فكأنه يطعمني ويسقيني، ويطمع الصحابة في هذه المنزلة الرفيعة فيصرون على الوصال، ويرد عليهم الرسول ﷺ عمليا فيواصل بهم يوم الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من رمضان، فيهل هلال شوال وقد بلغ منهم الجهد كل مبلغ، وأصابهم الكلال، وأضعف من قوتهم الوصال، ويرى الرسول ﷺ حالهم وتجلدهم فيقول: لو لم يهل هلال شوال لواصلت بكم وصالا حتى يدع المتعمقون تعمقهم، لا تتطلبوا من العبادة ما يجهدكم، وتكلفوا من العمل ما تطيقون.
-[المباحث العربية]-
(نهى النبي ﷺ عن الوصال في الصوم) مفعول "نهى" محذوف تقديره: نهى أصحابه. وحقيقة الوصال في الصيام أن يصوم يومين أو أكثر، ولا يتناول مطعوما بالليل عمدا بلا عذر. واختلفوا في الجماع والاستقاءة ليلا. هل تخرج عن الوصال أو لا؟
(وأيكم مثلي؟) الواو عاطفة على جملة مفهومة من المقام تقديرها: هذا شأني، وأيكم مثلي؟ والاستفهام يفيد التوبيخ المشعر بالاستبعاد، وقوله "مثلي" أي على صفتي ومنزلتي من ربي.
(إني أبيت) وفي رواية "إني أظل" والمراد بلفظ "أظل" مطلق الكون ولا
[ ٢ / ٢٣٤ ]
اختصاص لذلك بنهار دون ليل، كقوله تعالى ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا﴾ وذلك لأن المتحدث عنه الإمساك ليلا لا نهارا.
(يطعمني ربي) الجملة في محل النصب خبر "أبيت": أو حال على جعلها تامة.
(فلما أبوا أن ينتهوا) "أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول "أبوا".
(واصل بهم يوما ثم يوما) ظاهره أن مدة المواصلة كانت يومين، وقد صرح بذلك في رواية أخرى، وتعبيره هذا يفيد من التراخي الذي يتناسب مع طول أيام الوصال على الصائمين ما لا يفيده التعبير بيومين، وهذا سر التعبير بثم.
(ثم رأوا الهلال) هلال شهر شوال لأن الوصال كان في آخر رمضان.
(لو تأخر لزدتكم) فاعل تأخر يعود على الهلال. وكأن الهلال بدا بعد تسع وعشرين من رمضان، فتمنى أن لو كمل رمضان ثلاثين يوما ليواصل بهم، ومفعول "زدتكم" الثاني محذوف تقديره: لزدتكم وصالا.
(كالتنكيل) هذا من كلام الراوي، والمشبه مفهوم مما قبله أي هذا القول من الرسول ﷺ كالتنكيل والزجر والمعاقبة.
(فاكلفوا) بدون همزة من الثلاثي من باب علم يقال: كلف بالأمر إذا أولع به. وحكى القاضي عياض أن بعضهم قاله بهمزة قطع وكسر اللام، قال: ولا يصح لغة، والمعنى هنا: فتكلفوا ما تطيقونه: وكلمة "ما" موصولة "وتطيقون" صلة: والعائد محذوف، والفاء في "فاكلفوا" أفصحت عن شرط تقديره: إذا تبين لكم إجهاد الوصال ومشقته فتكلفوا ما تطيقون.
-[فقه الحديث]-
سبب هذا النهي ما ورد أن النبي ﷺ واصل، فواصل الناس فشق عليهم، فنهاهم رحمة بهم، وإبقاء عليهم، وحفظا على سلامة أبدانهم
[ ٢ / ٢٣٥ ]
وقوتهم، وكراهة للتعمق في الدين، وتكلف ما لم يكلف، وخشية أن يفرض فيعجزوا عنها وقول الرجل "إنك تواصل يا رسول الله" لا ينافي الأدب، لأنه لم يكن على سبيل الاعتراض، ولكن على سبيل استخراج الحكم أو الحكمة أو بيان التخصيص. وقد اختلفوا في المعنى المراد من قوله "يطعمني ويسقيني" فقيل: هو على حقيقته، وأنه ﷺ كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامة له في ليالي صيامه. وتعقبه ابن بطال بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلا. وقيل: يخلق الله فيه من الشبع والري ما يغنيه عن الطعام والشراب، ورد أيضا بالنظر إلى حاله ﷺ فإنه كان يجوع أكثر مما يشبع، ويربط الحجر على بطنه من الجوع، وبأنه لو خلق فيه الشبع والري لما وجد روح عبادة الصوم، وهو الجوع والمشقة وحينئذ يكون ترك الوصال أولى.
وقيل: يحفظ الله عليه قوته من غير طعام ولا شراب كما يحفظها بالطعام والشراب، ويقوى على أنواع الطاعة من غير ضعف ولا كلال، فعبر بالطعام والسقيا عن فائدتهما، وهي القوة، وهذا قول الجمهور والفرق بينه وبين ما قبله أن ما قبله يعطى القوة مع الشبع والري، وهذا يعطى القوة من غير شبع ولا ري، بل مع الجوع والظمأ، وقال ابن المنير ما حاصله، إن استغراقه ﷺ في أحواله الشريفة، واستغراقه في مناجاة ربه يجعله بحيث لا تؤثر فيه الأحوال البشرية من الجوع والعطش، فقد يستغني الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الجسماني، وهذا مشاهد، يحس به من زاد سروره باشتغاله بمحبوبه، فإنه ينسى الطعام والشراب والجوع والعطش، وهذا رأي حسن نحا نحوه العلامة ابن القيم، ولم يكن امتناع الصحابة ناشئا عن مخالفتهم لحكم رسول الله ﷺ وإنما كان لفهمهم من النبي ﷺ أن هذا النهي للتنزيه، ولرغبتهم في التأسي بأفعاله ﷺ وإنما واصل بهم ﷺ بعد نهيه تقريعا وتنكيلا لا تقريرا.
وكانت تلك المواصلة في مصلحة النهي لا ضده، لأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمته، وكان ذلك أدعى إلى اطمئنان قلوبهم، لما سيؤدي إليه الوصال من الملل في العبادة، والتقصير فيما هو أهم من وظائف الصلاة،
[ ٢ / ٢٣٦ ]
والقراءة وغيرها وهذا كما أشار عليهم أن يرجعوا من حصار الطائف، فلم يعجبهم فأمرهم بمباكرة القتال من الغد، فأصابتهم جراح وشدة وأحبوا الرجوع، فأصبح راجعا بهم، فأعجبهم ذلك. وفي حكم الوصال لغير النبي ﷺ قال أهل الظاهر: إنه حرام، إذ حملوا النهي في قوله "لا تواصلوا" على التحريم، وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى كراهيته، واختلفوا في كونها كراهة تنزيه أو تحريم وذهب آخرون إلى جواز الوصال لمن قوي عليه ولم يقصد موافقة أهل الكتاب ولم يرغب عن السنة في تعجيل الفطر، وممن كان يواصل عبد الله بن الزبير وذهب أحمد وجماعة من المالكية إلى جواز الوصال إلى السحر، وهذا في الحقيقة ليس بوصال، لأنه بمنزلة تأخير العشاء لمن جعل لنفسه في اليوم والليلة أكلة واحدة.
-[ويؤخذ من الحديث:]-
١ - جواز مراجعة المفتي فيما أفتى به إذا كان بخلاف حاله ولم يعلم المستفتي سر المخالفة. ٢ - جواز الاستكشاف عن حكمة النهي.
٣ - أن الصحابة كانوا يرجعون إلى فعله ﷺ المعلوم صفته.
٤ - أنهم كانوا يبادرون إلى الاقتداء به إلا فيما نهاهم عنه.
٥ - ثبوت خصائصه ﷺ وأن عموم قوله ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة﴾ مخصوص.
٦ - إثبات قدرة الله تعالى على إيجاد المسببات العاديات من غير سبب ظاهر، حيث وجدت قدرة الرسول ﷺ بدون طعام ولا شراب.
٧ - استواء المكلفين في الأحكام، وأن كل حكم ثبت في حق النبي ﷺ ثبت في حق أمته إلا ما استثنى.
٨ - جواز قول "لو" وحمل النهي الوارد في ذلك على ما لا يتعلق بالأمور الشرعية.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
٥٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: قدم النبي ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: "ما هذا؟ " قالوا: هذا يوم صالح هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى قال: "فأنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه".
-[المعنى العام]-
كانت قريش تعظم يوم عاشوراء فتكسوا الكعبة فيه وتزينها، وكانت تصوم هذا اليوم، وكان النبي ﷺ يصومه شكرا لله على نجاة نوح وموسى وإغراق الكافرين فيه، فلما قدم المدينة وجاء يوم عاشوراء وجد اليهود صياما فسألهم عن سر صيامهم، قالوا: هذا يوم صامه موسى شكرا لله على نجاته ونجاة بني إسرائيل من عدوهم، ونحن نصومه تعظيما له، فقال لهم الرسول
[ ٢ / ٢٣٨ ]
ﷺ أنا أحق منكم بموسى، ثم قال لأصحابه: أنتم أحق بموسى منهم فصوموا، فلما فرض صيام رمضان كان من شاء صام هذا اليوم ومن شاء أفطر، وفي فضل صومه قال ﷺ "صيام يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله".
-[المباحث العربية]-
(فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء) الفاء عاطفة على محذوف، لأن الرسول ﷺ قدم المدينة في ربيع الأول، ورأى اليهود في المحرم من العام القابل في السنة الثانية من الهجرة، والتقدير قدم المدينة، فأقام عشرة أشهر، فرأى اليهود "وعاشوراء" بالمد على المشهور، وحكي فيه القصر، علم على اليوم العاشر من شهر المحرم على الصحيح، وهو مقتضى الاشتقاق، والموافق للمعنى الموضوع له وقيل هو اليوم التاسع منه.
(ما هذا؟) "ما" اسم استفهام خبر مقدم، و"هذا" مبتدأ مؤخر، والإشارة للصوم المفهوم من المقام.
(يوم صالح) "يوم" خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا يوم صالح، ووصف اليوم بالصلاح باعتبار ما حدث فيه.
(يوم نجى) يوم بالتنوين لعدم إضافته لما بعده، وجملة "نجى" إلخ صفته وعائد الصفة محذوف مع الجار، وبدون تنوين على أنه مبني لإضافته إلى مبني.
(فصامه وأمر بصيامه) أي ثبت على صيامه له وداوم على ما كان عليه، فقد كان يصومه قبل قدومه إلى المدينة، ومفعول "أمر" محذوف تقديره وأمر المسلمين بصيامه.
-[فقه الحديث]-
/ ١٦ تتلخص نقاط الحديث فيما يأتي:
[ ٢ / ٢٣٩ ]
أولا: دواعي اليهود لصيام هذا اليوم وتعظيمهم له، فقد روي أنهم كانوا يتخذونه عيدا، ويلبسون نساءهم فيه حليهن ولباسهن الحسن الجميل، واقتداء بموسى ﵇ في صيامه له، وسر هذا التعظيم ما ذكره وبقولهم: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله فيه بني إسرائيل من فرعون بإغراقه في اليم، وقيل في فضل هذا اليوم، إن سفينة نوح استوت فيه على الجودي، فصامه نوح شكرا لله وإن يونس نجي فيه من بطن الحوت، وتاب الله فيه على آدم، وأخرج يوسف فيه من الجب، وولد فيه عيسى، وفيه رفع، ورد إلى يعقوب فيه بصره، إلى غير ذلك من الفضائل التي لم يرد فيها أثر صحيح.
ثانيا: ثبت أن الرسول ﷺ كان يصومه قبل الهجرة، وكان صيامه له إما عن اجتهاد أو أذن الله بصيامه على أنه فعل خير، أو صامه استنادا إلى شرع إبراهيم ﵇، أما أمره أصحابه بصيامه بعد أن سمع مقالة اليهود فلم يكن تصديقا لقولهم، بل لكونه كان يصومه، أو لعل الوحي نزل على وفق قولهم، أو أنه لم يبتدئ الأمر بصيامه فقد كانوا يصومونه، ولم يحدث بقوله تجديد حكم، أو أن هذا من قبيل استئلاف اليهود كما استألفهم باستقبال قبلتهم أو تواتر عنده الخبر أو صامه باجتهاده أو أخبره من أسلم منهم كابن سلام.
ثالثا: أحقيته ﷺ بموسى منهم إنما هي باعتبار الاشتراك في الرسالة والأخوة في الدين، والقرابة الظاهرة، فضلا عن أنه أطوع وأتبع للحق منهم.
رابعا: روي أن الرسول ﷺ قال في آخر أعوامه "إن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" ومات ﷺ قبل ذلك، وروي أنه قال لأصحابه "صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، وصوموا قبله يوما وبعده يوما" فإن قيل: إن رغبته هذه في المخالفة تتنافى مع موافقته لهم ومع قوله "نحن أحق بموسى منكم" قلنا: إنه ﷺ كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ولا سيما فيما يخالفون فيه أهل الأوثان فوافقهم وقال "نحن أحق بموسى منكم" واستمر على صيام يوم عاشوراء حتى فتحت مكة، ولما تم الفتح
[ ٢ / ٢٤٠ ]
واشتهر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضا فأمر بأن يضاف إليه يوم قبله ويوم بعده.
خامسا: آراء الفقهاء في حكم صوم يوم عاشوراء قبل فرض صوم رمضان وبعده، وقد اتفق العلماء على أن صوم عاشوراء سنة وليس بواجب واختلفوا في حكمة أول الهجرة، فقال أبو حنيفة: كان واجبا، بدليل أمره ﷺ أصحابه بصيامه، والأمر المجرد عن القرائن يدل على الوجوب، فلما فرض رمضان نسخ وجوب صوم عاشوراء وبقي الاستحباب، ويؤيده ما روي عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ قد أمر بصيام يوم عاشوراء، فلما فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر" وفي رواية "فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا ولم يتعاهدنا عنده" ومدة فريضة صيام عاشوراء على هذا سنة واحدة لأن فرض صوم رمضان كان في السنة الثانية من الهجرة، والمشهور عند الشافعية أنه كان قبل فرض رمضان مستحبا استحبابا آكد، فلما فرض رمضان ترك أكد استحبابه، وبقي مطلق الاستحباب، ورجح ابن حجر أن المتروك وجوبه، وقال: إن تأكد استحبابه باق، ولا سيما مع استمرار الاهتمام به حتى في عام الوفاة، ولترغيبه ﷺ في صومه، وأنه يكفر سنة، ثم قال: وأي تأكيد أبلغ من هذا؟
سادسا: البدع المشتهرة في عاشوراء من صلاة مخصوصة، ودعاء مخصوص. واكتحال بالإثمد في ذلك اليوم لم تصح، ولم يرد فيها عن رسول الله ﷺ أثر صحيح، وهي من وضع قتلة الحسين ﵁.
سابعا:
-[ويؤخذ من الحديث:]-
١ - سؤال العالم غيره عن سر ما يفعل من العبادات.
٢ - استحباب الصيام في أيام الإنعام شكرا لله.
٣ - استحباب صيام يوم عاشوراء.
[ ٢ / ٢٤١ ]