والمنذرى في تلخيصه فيؤخذ من السكوت عليه أنه صالح للاحتجاج به
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، ثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا؟ قَالَ: بَلَى إِنَّمَا «نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْسَ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله محمد بن يحيى بن فارس) نسب يحيى إلى جدّ أبيه لشهرته به وإلا فهو يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلى أبو عبد الله النيسابوري الحافظ أحد الأعلام الكبار روى عن ابن مهدى وعلى بن عاصم ويزيد بن هارون وعبد الصمد بن عبد الوارث، وعنه أبو داود والنسائى والترمذى وأبو حاتم وآخرون وله رحلة واسعة وهو الذى جمع حديث الزهرى في مجلدين قال أبو حاتم محمد بن يحيى إمام زمانه وقال النسائى ثقة مأمون وقال الخطيب كان أحد الأئمة العارفين والحفاظ المتقنين والثقات المأمونين وقال ابن خزيمة إمام أهل عصره بلا مدافعة. مات سنة ثمان وخمسين ومائتين
(قوله صفوان بن عيسى) الزهرى أبو محمد البصرى، روى عن يزيد بن أبى عبيد وهشام بن حسان وثور بن يزيد وابن عجلان، وعنه أحمد وإسحاق بن راهويه وعمرو بن على ومحمد بن بشار قال أبو حاتم صالح وقال ابن سعد ثقة مات سنة مائتين
(قوله الحسن بن ذكوان) البصرى أبو سلمة روى عن الحسن وعطاء وابن سيرين وأبى إسحاق السبيعى وطاوس. وعنه يحيى القطان وابن المبارك وصفوان بن عيسى ومحمد بن راشد وجماعة قال النسائى ليس بالقوى وضعفه ابن معين وأبو حاتم وابن المدينى وأحمد وقال أحاديثه أباطيل وقال ابن عدىّ يروى أحاديث لا يرويها غيره وقال الساجى في أحاديثه بعض المناكير وقال أبو داود كان قدريّا روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه وكذا البخارى حديثا واحدا في كتاب الرقاق من حديث عمران بن حصين يخرج قوم من النار الحديث ولكن له شواهد كثيرة
(قوله مروان الأصفر) البصرىّ أبو خلف يقال ابن خاقان. روى عن ابن عمر وأبى هريرة وأنس بن مالك وجماعة، وعنه الحسن بن ذكوان وخالد الحذّاء وشعبة وعوف الأعرابى وغيرهم، وثقه أبو داود وقال في التقريب ثقة من الرابعة وذكره ابن حبان في الثقات
(قوله ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل أبو عبد الرحمن القرشى المكي أسلم مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم وهاجر وعرض على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بدر ثم أحد فاستصغره ثم أجازه في الخندق وهو يومئذ ابن خمس عشرة سنة كما في البخارى، وهو من المكثرين عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم له ثلاثون وستمائة وألف حديث اتفق الشيخان على سبعين ومائة وانفرد البخارى بأحد وثمانين ومسلم بأحد
[ ١ / ٥١ ]
وثلاثين وروى عن أبى بكر وعمر وعثمان وأبى ذرّ وعائشة وغيرهم، وعنه من الصحابة ابن عباس وجابر ومن التابعين بنوه سالم وعبد الله وحمزة وسعيد بن المسيب وكثيرون وله فضائل عدّة فعنه رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال رأيت كأن بيدى قطعة من إستبرق وليس مكان أريده من الجنة إلا طارت بى إليه قال فقصصتها على حفصة فقصتها على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال إن أخاك رجل صالح لو كان يقوم من الليل قال فما تركت قيام الليل بعد ذلك رواه الشيخان والترمذى، وفى الزهد لأحمد عن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إن من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا عبد الله بن عمر، وأخرج أبو سعيد بن الأعرابى بسند صحيح عن جابر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال ما منا من أحد أدرك الدنيا إلا مالت به ومال بها غير عبد الله بن عمر وكان كثير الاتباع لآثار رسول الله صلى الله تعالى علي وعلى آله وسلم حتى أنه لكان ينزل منازله ويصلى في كل مكان صلى فيه، ونزل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تحت شجرة فكان ابن عمر يتعاهدها بالماء لئلا تيبس، قال مالك عن الزهرىّ قد أقام ابن عمر بعد النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ستين سنة يقدم عليه وفود الناس فلم يخف عليه شئ من أمر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا أصحابه، وقال أيضا كان ابن عمر من أئمة المسلمين وكان شديد الاحتياط والتوقى لدينه في الفتوى، قال أبو نعيم مات سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع وسبعين
(قوله أناخ راحلته) أى أبركها يقال أنخت الجمل فاستناخ أى أبركته فبرك، والراحلة المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى وبعضهم يقول الراحلة الناقة التى تصلح أن ترحل وجمعها رواحل
(قوله يبول إليها) أى إلى جهة راحلته وجعلها أمامه حائلا بينه وبين القبلة
(قوله أليس قد نهى الخ) أى أليس قد نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، ونهى يحتمل كونه مبنيا للمجهول وهو الأقرب أو أن يكون مبنيا للفاعل
(قوله قال بلى) أى قال ابن عمر مجيبا مروان بلى أى نهى عنه، وبلى حرف جواب يرفع حكم النفى ويوجب نقيضه وهو الإثبات فإذا قيل ما قام زيد وقلت في الجواب بلى فمعناه إثبات القيام وإذا قيل أليس قد قام زيد وقلت بلى فعناه التقرير والإثبات أيضا ولا تكون إلا بعد نفي وهذا النفى إما في أول الكلام كما تقدم وإما في أثنائه كقوله تعالى (أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى) التقدير بلى نجمعها، وقد يكون مع النفى استفهام وقد لا يكون، فالمعنى هنا على تقرير النهى عن استقبال القبلة إلا أنه غير عام في الفضاء والبنيان كما فهم السائل ولذا أجابه ابن عمر بما يفيد قصر النهى على الفضاء حيث قال إنما نهى عن ذلك في الفضاء بلا ساتر، والفضاء بالمدّ المكان الواسع يقال فضا المكان فضوّا من باب قعد إذا اتسع فهو فضاء
(قوله بينك وبين القبلة) بين ظرف مبهم لا يتبين معناه إلا بإضافته إلى اثنين فصاعدا أو ما يقوم مقام ذلك كقوله تعالى (عوان بين ذلك) والمشهور في العطف بعدها أن يكون بالواو أنها للجمع المطلق ويقال جلست بين القوم أى وسطهم
(قوله فلا بأس) أى لا حرج في الاستقبال حينئذ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يطلب ممن أشكل عليه شئ في أمر دينه أن يسأل عنه من هو أعلم
[ ١ / ٥٢ ]
منه ولا يمنعه من ذلك نحو حياء. وعلى أن النهى عن الاستقبال والاستدبار إنما هو في الصحراء مع عدم الساتر، وهو يصلح دليلا لمن فرّق بين الصحراء والبنيان فأجاز في البنيان ومنع في الصحراء لأن قول ابن عمر إنما نهى عن ذلك في الفضاء يدلّ على أنه قد علم ذلك من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ويحتمل أنه قال ذلك استنادا إلى ما شاهده من جلوس النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بيت حفصة مستدبرا الكعبة كما في الحديث الآتى فكأنه فهم منه اختصاص النهى بالفضاء فلا يكون فهمه حجة ولا يصلح قوله للاستدلال به لأن الدليل إذا تطرّقه الاحمال لا يصلح للاستدلال
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه والدارقطني والبيهقى والحاكم وقال صحيح على شرط البخارى، وفى نسخة على شرط مسلم، وقال الحازمى في كتاب الناسخ والمنسوخ هو حديث حسن. أقول يردّ هذا أن الحديث في سنده الحسن بن ذكوان وقد علمت أنه مطعون فيه طعنا بليغا لا تقوم به معه حجة ولا يقوى من أمره تخريج البخارى له فإنه ممن طعن على البخارى في التخريج له وقد ذكر الحافظ في المقدّمة وجه الطعن فيه ولم يجب عنه مع شدّة حرصه على الإجابة على الطعن، وإذًا فالحديث ضعيف لا تقوم به حجة