أى في بيان ما ورد في طلب البراءة من أثر البول. والاستبراء استفراغ بقية البول وإنقاء موضعه ومجراه يقال استبرأ ذكره من بقية بوله بالنتر والتحريك حتى يعلم أنه لم يبق فيه شيء واستبرأت من البول تنزّهت عنه، وفى بعض النسخ باب الاستنزاه من البول وهو بمعنى الاستبراء
(ص) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَا: ثَنَا وَكِيعٌ، ثَنَا الْأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: " إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ثُمَّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ، ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا، وَقَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا "، قَالَ هَنَّادٌ: يَسْتَتِرُ مَكَانَ يَسْتَنْزِهُ،
(ش) (رجال الحديث)
(قوله هناد بن السرىّ) بن مصعب بن أبى بكر بن شبر بفتح الشين المعجمة وسكون الباء الموحدة التميمي الكوفى الدارمى الحافظ الصالح أبو السرىّ. روى عن ابن عيينة وأبى الأحوص ووكيع ويونس بن بكير وغيرهم. وعنه أصحاب السنن الأربعة ومسلم وكثيرون، وثقه النسائي وأبو زرعة وأبو حاتم. مات في جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعين
[ ١ / ٧٨ ]
ومائتين
(قوله وكيع) بن الجراح
(قوله الأعمش) هو سليمان بن مهران
(قوله مجاهد) ابن جبر
(قوله طاوس) بن كيسان اليمانى الإمام العلم أبو عبد الرحمن الحميرى. روى عن ابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله وأبى هريرة وكثيرين، قال طاوس أدركت خمسين من الصحابة. وعنه الزهرى وعمرو بن دينار وسليمان الأحول ومجاهد وغيرهم. روى له الجماعة قال ابن عباس إنى لأظن طاوسا من أهل الجنة وقال عمرو بن دينار ما رأيت مثله وقال الليث ابن أبى سليم يعدّ الحديث حرفا حرفا ووثقه أبو زرعة وابن معين وغيرهما مات بمكة سنة ست ومائة
(قوله مرّ على قبرين) تثنية قبر وهو موضع دفن الميت وأقله حفرة توارى الميت وأكمله اللحد، وفي رواية ابن ماجه بقبرين جديدين
(قوله إنهما يعذبان) أى اللذين في القبرين من إطلاق المحل وإرادة الحالّ لأن المعذب حقيقة صاحبا القبرين، ويحتمل عود الضمير على معلوم من المقام وهو من في القبر لأن سياق الكلام يدلّ عليه فهو على حذف مضاف على حدّ واسأل القرية، ويعذبان في محل رفع خبر إن، وفي رواية ليعذبان باللام ففيه التأكيد بها أيضا، وإنما سيق الكلام مؤكدا على خلاف مقتضى الظاهر لما فيه من الإخبار بمغيب وما كان هكذا شأنه أن ينكر بقطع النظر عن الخبر به ولتأكيد التنفير من هذا الصنيع الشنيع المؤدّى إلى العذاب والعذاب أصله في كلام العرب الضرب ثم استعمل في كل عقوبة مؤلمة
(قوله في كبير) أى بسبب أمر كبير ففى للسببية على حدّ دخلت امرأة النار في هرّة، ومعناه أنهما لا يعذبان في أمر كبير يشق عليهما تركه فإنه لا يشق على أحدهما التنزّه من البول وعلى الآخر ترك المنيمة وإلا لكانا معذورين كصاحب سلس البول، أو أنهما لا يعذبان في أمر يستعظمه الناس بل يتهاونون به ويجترئون عليه ولم يرد أن الذنب فيهما هين غير كبير في الدّين كيف لا يكون كبيرا وقد جاء في رواية البخارى في كتاب الوضوء وما يعذبان في كبير بلى إنه كبير وفى كتاب الأدب في باب النميمة وما يعذبان في كبير وإنه لكبير، أى عظيم عند الله تعالى ومصداقه قوله تعالى (وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم) وقال القاضى عياض معناه أنه ليس بأكبر الكبائر، وعليه يكون المراد الزجر والتحذير عن ارتكاب أىّ معصية أى لا يتوهم أحد أن التعذيب لا يكون إلا في أكبر الكبائر كالقتل والزنا بل يكون في غيرها. وسبب كونهما كبيرتين أن عدم التنزّه من البول يلزم منه بطلان الصلاة فتركه كبيرة والمشى بالنميمة والسعى بالفساد من القبائح فهو كبيرة ولا سيما مع قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يمشى بلفظ كان التى هي للحالة المستمرّة غالبا وقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يدخل الجنة قتات أى نمام رواه الشيخان عن حذيفة
(قوله أما هذا) أما هنا للتفصيل وفيها معنى الشرط بدليل لزوم الفاء بعدها والإشارة لمن في أحد القبرين على ما تقدم
(قوله لا يستنزه) بنون ساكنة
[ ١ / ٧٩ ]
فزاى فهاء، هذه رواية المصنف والنسائى وابن ماجه ورواية لمسلم، وفي رواية ابن عساكر لا يستبرئ بالموحدة وهمزة بعد الراء أى لا يستفرغ بقية بوله ولا ينقى موضعه ومجراه حتى يبينه عنهما فالروايتان بمعنى، قال في النهاية وفى حديث المعذّب في قبره كان لا يستنزه من البول أى لا يستبرئُ ولا يتطهر ولا يستبعد منه اهـ وفي رواية للشيخين والمؤلف لا يستتر بمثناتين فوقيتين وهو يحتمل أن يكون من الاستتار أى لا يستتر حال البول عن الأعين ويكون العذاب على كشف العورة والأقرب أن معنى يستتر لا يجعل بينه وبين البول سترا أي مانعا يمنع وصوله إليه حتى لا يصيبه فيكون المراد بعدم الاستتار عدم التنزّه عن البول والاستبراء منه فتكون موافقة للروايات الأخر. وروى لا يستنتر بنون بين تاءين من النتر وهو جذب فيه قوّة وفى الحديث إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث نترات رواه أحمد وأبو داود مرسلا عن يزداد. وروى لا يستنثر بتاء مثناة من فوق مفتوحة ونون ساكنة وثاء مثلثة مكسورة أى لا ينثر بوله من قناة الذكر كما ينثر الماء من أنفه بعد استنشاقه. وفى رواية أبى نعيم في المستخرج من طريق وكيع عن الأعمش كان لا يتوقى وهي تفسر المراد من كل الروايات
(قوله يمشى بالنميمة) أى يسعى بالفساد بين القوم بأن ينقل لكل واحد منهم ما يقوله الآخر من الشتم والأذى، والنميمة نقل الحديث من قوم إلى قوم لقصد الإفساد والشرّ يقال نمّ الرجل الحديث نما من بابى قتل وضرب سعى به ليوقع فتنة أو وحشة فالرجل نمّ تسمية بالمصدر ونمام مبالغة والاسم النميمة والنميم أيضا
(قوله ثم دعا بعسيب) بفتح فكسر الجريدة والغصن من النخل، وقيل الجريدة التى لم ينبت عليها خوص فإن نبت فهى السعفة كقصبة
(قوله رطب) بفتح فسكون خلاف اليابس
(قوله فشقه باثنين) أى جعل العسيب مشقوقا اثنين فالباء زائدة للتأكيد واثنين حال
(قوله فغرس) يعنى غرز بالزاى كما في رواية للبخارى، وموضع الغرس كان بإزاء الرأس، قال في الفتح وقع في مسند عبد بن حميد من طريق عبد الواحد بن زياد عن الأعمش ثم غرز عند رأس كل واحد منهما قطعة
(قوله وقال) أى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما قيل له لم صنعت هذا كما في رواية البخارى
(قوله لعله) أى العذاب الذى دلّ عليه قوله يعذبان
(قوله يخفف) بضم المثناة التحتية وفتح الفاء الأولى أو كسرها فالضمير لله أو للغرس مجازا
(قوله عنهما) أى عن المقبورين قال الحافظ في الفتح لم يعرف اسمهما ولا أحدهما والظاهر أن ذلك كان على عمد من الرواة لقصد الستر عليهما وهو عمل مستحسن فينبغى أن لا يبالغ في الفحص عن اسم من وقع في حقه ما يذمّ به، ثم قال وقد اختلف فيهما فقيل كانا كافرين وبه جزم أبو موسى المدينى واحتج بما رواه من حديث جابر بسند فيه ابن لهيعة أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مرّ على قبرين من بنى النجار هلكا في الجاهلية فسمعهما يعذبان في البول
[ ١ / ٨٠ ]