أى هذا باب في بيان حكم التخلى أى التفرّد والبعد عن الناس عند قضاء الحاجة. يعنى البول والغائط. وترجم بما ذكر لما أخرجه الجماعة من حديث أنس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال (كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا دخل الخلاء قال اللهم إنى أعوذ بك من الخبث والخبائث) ويعبر عنه بباب التبرّز لما سيأتى للمصنف من حديث جابر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما (أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد) ويعبر عنه أيضا بقضاء الحاجة لما سيأتى للصنف أيضا عن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما (أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض) وبباب الاستطابة لما سيأتى أيضا للمصنف من حديث أبى هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مرفوعا وفيه (ولا يستطب بيمينه) ولو عبر بالمذهب لكان له وجه لما سيأتى للمصنف أيضا عن المغيرة بن شعبة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان إذا ذهب المذهب أبعد)
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تعالى عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا ذَهَبَ الْمَذْهَبَ أَبْعَدَ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عبد الله بن مسلمة) بفتح الميم وسكون السين المهملة
(قوله قعنب) بفتح فسكون ففتح
(قوله القعنبىّ) نسبة إلى جده قعنب أبو عبد الرحمن الحارثى المدنى نزيل البصرة أحد الأعلام في العلم والعمل. روى عن ماك الموطأ وغيره وعن أفلح بن حميد وشعبة وغيرهم. وعنه البخارى ومسلم وأبو حاتم وقال ثقة حجة لم أر أخشع منه. وأعلم مالك
[ ١ / ٢٢ ]
بقدومه فقال قوموا إلى خير أهل الأرض. وقال ابن سعد كان عابدا فاضلا. مات سنة إحدى وعشرين ومائتين بالبصرة وقيل بمكة
(قوله عبد العزيز يعنى ابن محمد) بن عبيد الجهنى مولاهم المدنى الدراوردى أحد الأعلام. روى عن زيد بن أسلم وصفوان بن سليم وسهيل بن أبى صالح وغيرهم وعنه ابن وهب وابن مهدى وسعيد بن منصور وغيرهم وثقه مالك وابن معين والعجلى وقال أحمد إذا حدّث من كتابه فهو صحيح وإذا حدّث من كتاب غيره فهو وهم. وقال أبو زرعة سيئ الحفظ يخطئ. وقال الساجى صدوق إلا أنه كثير الوهم. وأتى المصنف بالعناية لبيان أن شَيخه لم يقل ابن محمد ولولاها لتوهم أن لفظ ابن محمد من قول شيخه وليس كذلك وهذا يجرى في سائر المواضع التى يؤتى فيها بالعناية. وقال ابن سعد ثقة كثير الحديث يغلط. توفى سنة تسع وثمانين ومائة
(قوله محمد يعنى ابن عمرو) بن علقمة الليثى المدنى مشهور من شيوخ مالك صدوق أحد أئمة الحديث تكلم فيه من قبل حفظه وثقه النسائى، وقال الجوزجانى ليس بالقوى، وقال ابن عدى أرجو أنه لا بأس به، وعن ابن معين أنه ثقة، وقال أبو حاتم صالح الحديث روى عن أبيه وعبد الرحمن بن يعقوب وطائفة، وعنه موسى بن عقبة وشعبة والسفيانان وغيرهم روى له البخارى مقرونا حديثا واحدا ومسلم متابعة. توفى سنة أربع أو خمس وأربعين ومائة. والعناية هنا من المصنف أو من شيخه
(قوله عن أبى سلمة) هو ابن عبد الرحمن بن عوف الزهرى المدنى أحد الأعلام قيل اسمه كنيته وقيل عبد الله من الطبقة الثالثة نقل الحاكم أبو عبد الله أنة أحد الفقهاء السبعة وقال ابن سعد كان ثقة فقيها كثير الحديث روى عن أبيه وأسامة بن زيد وأبى أيوب وغيرهم، وعنه ابنه عمر وعروة والأعرج والشعبى وخلق، مات سنة أربع وتسعين
(قوله المغيرة بن شعبة) بن أبى عامر بن مسعود أبو محمد أو أبو عبد الله الثقفى أسلم عام الخندق وشهد الحديبية. روى عنه من الصحابة أبو أمامة الباهلى والمسور بن مخرمة وقرّة المزنى ومن التابعين ابناه عروه وحمزة والشعبى وغيرهم، له ستة وثلاثون حديثا ومائة حديث اتفق الشيخان على تسعة وانفرد البخارى بحديث ومسلم بحديثين كان أديبا فطنا. توفى بالكوفة سنة خمسين
(قوله كان إذا ذهب المذهب) بفتح الميم والهاء بينهما ذال معجمة ساكنة مفعل من الذهاب وهو هنا يحتمل أن يكون مصدرا أو اسم مكان وعلى الوجهين فتعريفه للعهد الخارجى والمعهود محل التخلى أو الذهاب إليه يدلّ على إرادة المصدر قوله أبعد وقوله في رواية الترمذى (أتى حاجته فأبعد في المذهب) فإنه يتبين منها أن يراد بالمذهب المصدر والمنقول عن أهل العربية إرادة المكان وبه قال أبو عبيدة وغيره وجزم به في النهاية وأيضا فقد صار المذهب في العرف اسما لموضع التغوّط كالخلاء والمرفق والمرحاض
(قوله أبعد) يعنى أكثر المشى حتى بعد عن الناس والمعنى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان إذا أراد قضاء
[ ١ / ٢٣ ]
الحاجة ذهب ذهابا بعيدا أو إلى مكان بعيد حتى يتوارى عن أعين الناس
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على طلب البعد عن الناس عند قضاء الحاجة بولا أو غائطا حفظا لكرامتهم وبعدا للأذى عنهم وراحة لقاضى الحاجة لأنه مع قربه من الناس يمنعه الحياء من إخراج الريح ونحوه. وعلي مكارم أخلاق النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وحفظه لكرامة الناس وأنه بعث مبينا لعظائم الأمور وغيرها
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الدارمى والنسائي وابن ماجه والترمذى وقال حسن صحيح
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ الْبَرَازَ انْطَلَقَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله مسدّد) بضم الميم وفتح السين والدال المشددة المهملتين
(قوله مسرهد) بضم الميم وفتح السين المهملة وسكون الراء وفتح الهاء ابن مسربل بن مرعبل ابن أرندل بن سرندل بن غرندل الأسدى أبو الحسن البصرى يقال إنه أوّل من صنف المسند بالبصرة. روى عن حماد بن زيد وابن عيينة ويحيى القطان وأبى عوانة، وعنه أبو حاتم الرازى ومحمد بن يحيى وأبو زرعة وغيرهم، قال ابن معين صدوق ثقة ووثقه أحمد والنسائى والعجلى وأبو حاتم. توفى سنة ثلاث أو ثمان وعشرين ومائتين
(قوله عيسى بن يونس) بن أبى إسحاق السبيعى أبو عمرو الكوفى أحد الأعلام. روى عنه أبيه وأخيه إسرائيل وإسماعيل بن أبى خالد وعدّة. وعنه حماد بن سلمة وابن وهب وابن المدينى وعلى بن حجر وثقه أبو حاتم وقال ابن المدينى بخ بخ ثقة مأمون جاء يوما إلى ابن عيينة فقال مرحبا بالفقيه ابن الفقيه ابن الفقيه وقال أحمد وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة وابن خراش ثقة وقال العجلى ثقة ثبت في الحديث وقال أبو زرعة كان حافظا مات سنة إحدى وتسعين ومائة وقيل سنة سبع وثمانين ومائة
(قوله إسماعيل بن عبد الملك) بن أبى الصغير مصغرا الكوفى ثم المكي. روى عن سعيد بن جبير وعطاء، وعنه الثورى ووكيع قال البخارى يكتب حديثه وعن يحيى بن معين أنه لا بأس به وقال أبو حاتم ليس بقوى، وقال في التقريب صدوق كثير الوهم وقال المنذرى قد تكلم فيه غير واحد
(قوله عن أبى الزبير) هو محمد بن مسلم بن تدرس بفتح المثناة الفوقية وسكون الدال المهملة وضم الراء الأسدى مولاهم المكي روى عن ابن عباس وعائشة وغيرهما. وعنه السفيانان ومالك وعطاء وهو من شيوخه، وثقه ابن معين والنسائى وابن عدىّ قال أبو حاتم وأبو زرعة لا يحتج به وقال يعقوب بن شيبة ثقة صدوق
[ ١ / ٢٤ ]
وقال الحافظ في المقدمة أبو الزبير المكي أحد التابعين مشهور وثقه الجمهور وضعفة بعضهم لكثرة التدليس وغيره. مات سنة ثمان وعشرين ومائة
(قوله جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام بفتح الحاء المهملة ابن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة أبو عبد الله أو أبو عبد الرحمن الأنصارى الصحابي المشهور. له أربعون وخمسمائة وألف حديث اتفق الشيخان على ثمانمائة وخمسين وانفرد البخارى بستة وعشرين ومسلم بستة وعشرين ومائة. له ولأبيه صحبة. شهد العقبة وغزا مع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسع عشرة غزوة وقال استيغفر لى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة الجمل خمسا وعشرين مرة رواه أحمد وغيره. وفى رواية ليلة البعير وهي ليلة اشترى فيها النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم منه جمله. روى عنه بنوه وطاوس والشعبى وعطاء وغيرهم، مات سنة ثمان وسبعين بالمدينة عن أربع وتسعين سنة
(قوله البراز) بفتح الموحدة والكسر لغة قليلة الفضاء الواسع الخالى من الشجر ثم كنى به عن النجو اه مصباح والنجو العذرة وما يخرج من البطن. وقد خطأ الخطابىّ الكسر لأنه بمعنى المبارزة في الحرب وخالفه الجوهرى وغيره من أئمة اللغة والحديث فجعلوه مشتركا بينهما، وقال النووى في شرحه بعد ذكر عبارة الخطابى وقلد الخطابى في ذلك جماعة وليس الكسر غلطا كما قال بل هو صحيح أو أصحّ فقد ذكر الجوهرى وغيره أن البراز بكسر الباء اسم للغائط الخارج من الإنسان فيظهر الكسر حينئذ لا سيما والرواية بالكسر، وفى تهذيب الأسماء واللغات أن ضبطها بالكسر هو الظاهر والصواب
(فقه الحديث) دلّ الحديث على استحباب التباعد عند قضاء الحاجة عن الناس إذا كان في مراح من الأرض ويدخل في معناه الاستتار بالأبنية والحجب ونحوها مما يستر العورة عن الناس. ودلّ أيضا على طلب إخفاء ما لا يليق والبعد عما يؤذى أو يستهجن
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه. والحديث لا ينحط عن درجة الحسن