أى في بيان حكم البول في المستحم وهو بضم الميم وفتح الحاء المهملة في الأصل الموضع الذى يغتسل فيه بالحميم وهو الماء الحارّ ثم أطلق على مكان الاغتسال بأى ماء كان وهو المراد بالمغتسل المصرحّ به في رواية الطبرانى في الأوسط بإسناد حسن وفي رواية الحاكم بإسناد صحيح بلفظ ولا تبولن في مغتسلك وفى رواية المصنف الآتية بعد وفى بعض النسخ إسقاط هذه الترجمة
[ ١ / ١٠٣ ]
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَا: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا مَعْمَرٌ، أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: عَنْ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: " لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ قَالَ أَحْمَدُ: ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فِيهِ فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ "
(ش) (رجال الحديث)
(قوله أحمد بن محمد بن حنبل) هو الإمام الجليل أبو عبد الله الشيبانى المروزى البغدادى الحافظ الحجة الفقيه المجتهد إمام أهل السنة والجماعة قال فيه الشافعى خرجت من بغداد وما خلفت فيها أفقه ولا أورع ولا أزهد ولا أعلم من أحمد وقال إبراهيم الحربى رأيت أحمد كأن الله جمع له علم الأولين والآخرين وقال قتيبة خير أهل زماننا هذا الشاب يعنى أحمد بن حنبل وقال لولا أحمد لأحدثوا في الدين وقال أو مسهر لما قيل له هل تعرف أحدا يحفظ على هذه الأمة أمر دينها قال لا أعلمه إلا شابا في ناحية المشرق يعنى أحمد ابن حنبل وعن إسحاق أحمد حجة بين الله وخلقه. وكان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يقول لا تكتبوا العلم عمن يأخذ عليه عرضا من الدنيا وكان يضرب به المثل في اتباع السنة واجتناب البدعة وكان لا يدع قيام الليل قط وله في كل يوم وليلة ختمة وقال أبو عصمة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بتّ ليلة عند أحمد بن حنبل فجاء بماء فوضعه فلما أصبح نظر إلى الماء كما هو فقال يا سبحان الله رجل يطلب العلم ولا يكون له ورد. وكان مجلسه خاصا بالآخرة لا يذكر فيه شئ من أمر الدنيا وتعرّت أمه من الثياب فجاءته زكاة فردّها وقال العرى لهم خير من أوساخ الناس وإنها أيام قلائل ثم نرحل من هذه الدار. وكان إذا جاع أخذ الكسرة اليابسة فنفضها من الغبار ثم صبّ عليها الماء حتى تبتلّ ثم يأكلها بالملح. وكان أكثر إدامه الخلّ. وكان من أصبر الناس على الوحدة لا يراه أحد إلا في المسجد أو جنازة أو عيادة. وكان ورده في كل يوم وليلة ثلثمائة ركعة فلما ضرب بالسياط ضعف فكان يصلى مائة وخمسين ركعة. وكان سبب ضربه بالسياط امتناعه عن القول بخلق القرآن وسبب هذه الفتنة أن القاضى أحمد بن أبى دؤاد كان ممن نشأ في العلم وتضلع بعلم الكلام وصحب فيه هياج بن العلاء السلمى صاحب واصل بن عطاء أحد رءوس المعتزلة وكان ابن أبى دؤاد رجلا فصيحا معظما عند المأمون يقبل شفاعاته ويصغى إلى كلامه فدسّ له القول بخلق القرآن وحسنه عنده وصيره يعتقده حقا مبينا فجمع رأيه سنة ثمان عشرة ومائتين على الدعاء إليه فكتب إلى نائبه على بغداد كتابا يقول فيه سل العلماء عن القرآن
[ ١ / ١٠٤ ]
أهو مخلوق أم غير مخلوق فمن أجاب بخلقه فخلّ سبيله ومن لم يجب فاحمله إلينا فأجاب إلى خلقه جماعة وامتنع آخرون وكان ممن امتنع أحمد بن حنبل رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فحمل إلى المأمون مسلسلا بالقيود قال أحمد بن عسان لما حملت مع أحمد بن حنبل إلى المأمون تلقانا الخادم وهو يبكي ويقول عزّ علىّ يا أبا عبد الله ما نزل بك قد جرّد أمير المؤمنين سيفا لم يجرّده قط وبسط نطعا لم يبسطه قط ثم قال وقرابتى من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لارفعت السيف عن أحمد وصاحبة حتى يقولا القرآن مخلوق فجثا أحمد على ركبتيه ولحظ السماء بعينيه ودعا فما مضى الثلث الأول من الليل إلا ونحن بصيحة وضجة فأقبل علينا خادمه وهو يقول صدقت يا أحمد القرآن كلام الله غير مخلوق قد مات والله أمير المؤمنين. وكان قد لقيه قبل أن يدخل المدينة رجل من العباد فقال احذر يا أحمد أن يكون قدومك مشئوما على المسلمين فإن الله تعالى قد رضى بك لهم وافدا والناس إنما ينظرون إلى ما تقول فيقولون به فقال أحمد حسبنا الله ونعم الوكيل. وقال الربيع بن سليمان إن الشافعى قال يا ربيع خذ كتابى هذا فامض به وسلمه إلى أبى عبد الله وأتنى بالجواب قال الربيع فدخلت بغداد ومعى الكتاب فصادفت أحمد في حنبل في صلاة الصبح فلما انفتل من المحراب سلمت إليه الكتاب وقلت هذا كتاب أخيك الشافعى من مصر فقال لى أحمد نظرت فية فقلت لا فكسر الختم فقرأ وتغرغرت عيناه فقلت (إيش) فيه أبا عبد الله فقال يذكر فيه أنه رأى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في النوم فقال له اكتب إلى أبى عبد الله فاقرأ ﵇ وقل له إنك ستمتحن وتدعى إلى خلق القرآن فلا تجبهم فيرفع الله لك علما إلى يوم القيامة قال الربيع فقلت له البشارة يا أبا عبد الله فخلع أحد قميصيه الذى يلى جسده فأعطانيه فأخذت الجواب وخرجت إلى مصر وسلمته إلى الشافعى فقال (إيش) الذى أعطاك فقلت قميصه فقال لست أفجعك فيه ولكن بله وادفع إليّ الماء أتبرّك به. ولما سجنوه وضعوا في رجليه أربعة قيود. وكان ابن أبى دؤاد هو الذى تولى جدال أحمد عن الخليفة وقال للخليفة إن أحمد ضال مبتدع ثم يلتفت إلى أحمد ويقول له قد حلف الخليفة أن لا يقتلك بالسيف وإنما هو ضرب بعد ضرب إلى أن تموت فما زالوا بأحمد رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يناظرونه بالليل والنهار إلى أن ضجر الخليفة فلما طال بهم الحال قال ابن أبى دؤاد يا أمير المؤمنين اقتله ودمه في أعناقنا فرفع الخليفة يده ولطم بها وجه أحمد فخرّ مغشيا عليه فخاف الخليفة على نفسه ممن كان من الشيعة مع أحمد فدعا بماء فرش منه على وجه أحمد ولما قدم إلى السياط أغاثه الله تعالى برجل يقال له أبو الهيثم العيار فوقف عنده وقال يا أحمد أنا فلان اللص ضربت ثمانية عشر ألف سوط لأقرّ فما أقررت وأنا أعرف أنى على الباطل فاحذر أن تتقلق وأنت على الحق من حرارة السوط فكان أحمد كلما أوجعه الضرب تذكر كلام اللص. وقال الفضيل بن عياض حبس الإمام
[ ١ / ١٠٥ ]
أحمد رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ثمانية وعشرين شهرا وكان فيها يضرب كلّ قليل إلى أن يغمى عليه وينخس بالسيف ويرمى بالأرض ويداس عليه ولم يزل كذلك إلى أن مات المعتصم وتولى بعده الواثق فاشتد الأمر على أحمد حتى مات الواثق وتولى المتوكل فرفع المحنة عن أحمد وأمر بإحضاره وإكرامه وإعزازه وكتب إلى الآفاق برفع المحنة وإظهار السنة وأن القرآن غير مخلوق وخمدت المعتزلة (وبالجملة) ففضائله كثيرة. روى عن إبراهيم بن سعد وعبد الرزاق ووكيع ويحيى بن سعيد القطان وكثيرين. وعنه الشافعى من شيوخه والشيخان وأبو داود وأكثر عنه في كتابه هذا وابن معين وآخرون. ولد ببغداد ونشأ بها ومات فيها ودخل الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة. ولما مرض رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ اجتمع الناس على بابه لعيادته حتى امتلأت الشوارع. ولما قبض صاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء وارتجت الدنيا لموته وخرج أهل بغداد إلى الصحراء يصلون عليه فحزروا من حضر جنازته من الرجال ثمانمائة ألف ومن النساء ستين ألفا سوى من كان في الأطراف والسفن والأسطحة فإنهم بذلك يكونون أكثر من ألف ألف. وأسلم يوم وفاته عشرون ألفا من اليهود والنصارى والمجوس. وكانت وفاته رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ سنة إحدى وأربعين ومائتين وقد استكمل سبعا وسبعين سنة
(قوله الحسن بن علي) بن محمد الهذلى أبو على الخلال المكي الحافظ. روى عن عبد الصمد ووكيع وعبد الرّزاق بن همام وأبى أسامة وآخرين. وعنه إبراهيم الحربى والبخارى ومسلم والترمذى وابن ماجه وكثيرون، قال يعقوب بن شيبة كان ثقة ثبتا متقنا ووثقه النسائى والخطيب وابن حبان وقال الترمذى كان حافظا. مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين
(قوله عبد الرزاق) بن همام ابن نافع أبو بكر الحميرى مولاهم الصنعاني أحد الحفاظ الأثبات صاحب التصانيف. روى عن ابن جريج والأوزاعي ومالك وسعيد بن مسلم وكثيرين. وعنه ابن عيينة وإسحاق وأحمد ابن حنبل وابن معين وغيرهم .. ووثقه الأئمة كلهم إلا العباس بن عبد العظيم العنبرى وحده فتكلم بكلام أفرط فيه ولم يوافقه عليه أحد وقال ابن معين كان عبد الرزّاق أثبت في حديث معمر من هشام بن يوسف وقال هشام بن يوسف كان عبد الرزاق أعلمنا وأحفظنا وقال الذهلى كان أيقظهم في الحديث وكان يحفظ وقال ابن عدىّ رحل إليه ثقات المسلمين وكتبوا عنه إلا أنهم نسبوه إلى التشيع وهو أعظم ما رموه به وقال إبراهيم بن عباد كان يحفظ نحوا من سبعة عشر ألف حديث وقال الأثرم عن أحمد من سمع منه بعد ما عمى فليس بشئ. روى له الجماعة. مات سنة إحدى عشرة ومائتين
(قوله قال أحمد حدثنا معمر الخ) فيه إشارة إلى بيان الاختلاف في السندين بأن رواية أحمد فيها التصريح بتحديث عبد الرزاق عن معمر وبإخبار معمر عن أشعث بخلاف رواية الحسن فإنها بالعنعنة فيهما وبأن الأشعث في رواية الحسن منسوب إلى أبيه بخلاف رواية
[ ١ / ١٠٦ ]
أحمد. أما ما في النسائى من قوله عن الأشعث بن عبد الملك فهو خطأ أو سهو من النساخ والصحيح ما في المصنف وكتب الرجال من أنه ابن عبد الله (ومعمر) هو ابن راشد الأزدى أبو عروة البصرى ثم اليماني أحدا الأئمة الأعلام. روى عن الزهرى وهمام بن منبه وقتادة وعمر وبن دينار وغيرهم. وعنه سفيان الثورى من أقرانه وأيوب من شيوخه وشعبة وابن عيينة وآخرون، قال العجلى ثقه صالح وقال النسائى ثقة مأمون وقال أبو حاتم حدّث من حفظه بالبصرة بأحاديث غلط فيها وقال يحيى بن معين حديث معمر عن ثابت البنانى ضعيف. مات سنة ثلاث أو أربع وخمسين ومائة وله ثمان وخمسون سنة. روى له الجماعة
(قوله عن أشعث بن عبد الله) بن جابر الأعمى أبى عبد الله البصرى. روى عن أنس وشهر بن حوشب والحسن بن أبى الحسن ومحمد بن سيرين وغيرهم. وعنه معمر وشعبة ونصر بن على ويحيى القطان وطائفة. روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه. وثقه النسائى وابن معين وقال الدارقطنى يعتبر به وقال البزار ليس به بأس مستقيم الحديث وأورده العقيلى في الضعفاء وقال في حديثه وهم لكن قال الذهبى في الميزان قول العقيلى في حديثه وهم ليس بمسلم وأنا أتعجب كيف لم يخرج له الشيخان
(قوله الحسن) بن يسار البصرى
(قوله عبد الله بن مغفل) بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء المشددة ابن عبد نهم بن عفيف المزنى أبو سعيد كان من أصحاب بيعة الشجرة قال الحسن البصرى كان أحد العشرة الذين بعثهم إلينا عمر يفقهون الناس وكان من البكائين في غزوة تبوك الذين أنزل الله تعالى فيهم، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم إلى قوله تعالى وأعينهم تفيض من الدمع حزنا. وفضائله كثيرة. روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثلاثة وأربعون حديثا اتفق الشيخان منها على أربعة وانفرد البخارى بحديث ومسلم بآخر وروى عن أبى بكر وعثمان وعبد الله بن سالم، وعنع أبو العالية وسعيد بن جبير والحسن البصرى وثابت البنانى وغيرهم. سكن المدينة ثم تحوّل إلى البصرة وابتنى بها دارا ومات بها سنة تسع وخمسين أو ستين. روى له الجماعة
(قوله لا يبولنّ أحدكم) النهى فيه متوجه لجميع الأمة وإن كان ظاهر الخطاب لمن كان حاضرا من الصحابة
(قوله في مستحمه) الإضافة فيه لأدنى ملابسة لأن المراد مكان الاغتسال ولو غير مملوك
(قوله ثم يغتسل فيه) ثم استبعادية يعنى يستبعد من العاقل أن يغتسل أو يتوضأ في محل بال فيه لما يترتب على ذلك من الوسوسة ونظيره قوله تعالى (الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) أى يستبعد كفر من كفر بعد قيام الأدلة على وحدانية الله تعالى ويغتسل الرواية فيه بالرفع فيكون خبرا لمبتدإ محذوف أى ثم هو يغتسل فيه والمعنى عليه لينته أحدكم عن البول في المستحم وله أن يغتسل فيه وإن لم ينته فليس له أن يغتسل فيه، ويجوز نصبه
[ ١ / ١٠٧ ]