مباحة كما تفيده إضافتها إلى الناس فإن الإضافه للمنفعة لا للملك أما إذا كانت مملوكة فيحرم اتفاقا حيث لا إذن. ودلّ الحديث على جواز لعن من فعل ذلك إذا لم يكن معينا أما إذا كان معينا ففى جواز لعنه خلاف والأصح عدمه قال في الخازن أما العصاة من المؤمنين فلا يجوز لعن أحد منهم على التعيين وأما على الإطلاق فيجوز لحديث لعن الله السارق يسرق البيضة والحبل فتقطع يده رواه أحمد والشيخان وفيه قال العلماء لا يجوز لعن كافر معين لأن حاله عند الوفاة لا يعلم فلعله يموت على الإسلام وقيل يجوز لعن كافر معين بدليل جواز قتاله اهـ أما لعن الكفار بلا تعيين فجائز اتفاقا لحديث لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد رواه الشيخان عن أبى هريرة، وعلى أنه يطلب من المتعلم أن يسأل عن الشئ الذى يخفى عليه ولا تمنعه مهابة المعلم من السؤال، وعلى أنه يحوز للمعلم الإجمال في عباراته تشويقا للمتعلم ليثبت الحكم عنده وعلى أنه يطلب البعد مما يؤذى الناس ويدعوهم إلى السبّ واللعن
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد ومسلم في صحيحه والبيهقى وابن حبان بلفظ وفى أفنيتهم بدل ظلهم وابن الجارود في صحيحه بلفظ أو مجالسهم
(ص) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ الرَّمْلِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبُو حَفْصٍ، وَحَدِيثُهُ أَتَمُّ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْحَكَمِ، حَدَّثَهُمْ أَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْحِمْيَرِيَّ، حَدَّثَهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: " اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ "
(ش) (رجال الحديث)
(قوله إسحاق) بن إبراهيم (بن سويد) أبو يعقوب (الرملى) روى عن آدم بن أبى إياس وسعيد بن الحكم بن أبي مريم وإسماعيل بن أبى أويس والوليد بن نصر وعنه أبو داود ومحمد بن محمد الباغندى ومكحول البيروتى والنسائى ووثقة هو ومسلمة بن قاسم وأبو بكر بن أبى داود، مات في المحرم سنة أربع وخمسين ومائتين
(قوله عمر بن الخطاب أبو حفص) السجستانى نزيل الأهواز. روى عن عبيد الله بن موسى ومحمد بن يوسف الفريابي وسعيد بن الحكم بن أبى مريم ومحمد بن كثير وغيرهم. وعنه أبو داود وأبو بكر بن أبى عاصم وأحمد بن عبد الكريم وجماعة قال ابن حبان مستقيم الحديث وقال في التقريب صدوق من الحادية عشرة. مات سنة أربع وستين ومائتين
(قوله سعيد بن الحكم) بن محمد أبو محمد بن أبى مريم الجمحى المصرى الحافظ الفقيه. روى عن مالك بن أنس والليث بن سعد وابن وهب
[ ١ / ١٠٠ ]
وسفيان بن عيينة وغيرهم. وعنه البخارى وأبو حاتم وابن معين ومحمد بن يحيى وجماعة وثقه العجلى وأبو حاتم وقال أبو داود حجة. مات سنة أربع وعشرين ومائتين عن ثمانين سنة. روى له الجماعة
(قوله حدّثهم) أى حدّث إسحاق وعمر وغيرهما أو المراد بالجمع ما فوق الواحد
(قوله نافع بن يزيد) الكلاعي بفتحتين أبو يزيد المصرى روى عن يزيد بن عبد الله بن الهاد وأبى سفيان وأبى هانئ الخولانى وقيس بن الحجاج. وعنه بقية وابن وهب وعبد الله بن صالح وجماعة. روى له الجماعة إلا الترمذى. وثقه أحمد بن صالح وقال أبو حاتم والنسائى لا بأس به مات سنة ثمان وستين ومائة
(قوله حيوة بن شريح) بضم الشين المعجمة ابن صفوان بن مالك التجيبى بالتصغير أو بفتح فكسر أبو زرعة المصرى الزاهد العابد الفقيه أحد الأئمة. روى عن أبيه وربيعة بن يزيد ويزيد بن أبى حبيب وحميد بن هانئ وغيرهم. وعنه الليث وابن المبارك وأبو زرعة ونافع بن يزيد وآخرون. وثقة أحمد وابن معين قال ابن وهب كان يأخذ عطاء كل سنة ستين دينارا فما يطلع منزله حتى يتصدق بها ثم يجيء منزله فيجدها تحت فراشه. روى له الجماعة مات سنة ثمان أو تسع وخمسين ومائة
(قوله أن أبا سعيد الحميرى) قال الذهبى في الميزان أبو سعيد الحميرى روى عن معاذ في النهى عن البراز في الموارد لا يدرى من هو روى عنه حيوة بن شريح اهـ وقال الحافظ هو شامى مجهول من الثالثة. روى له أبو داود وابن ماجه وروايته عن معاذ بن جبل مرسلة
(قوله عن معاذ بن جبل) بن عمرو بن أوس بن عائذ بن كعب الخزرجى الأنصارى ثم الجشمى أبى عبد الرحمن أسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة وشهد العقبة وبدرا والمشاهد كلها بعثه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أميرا على اليمن يعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام ويقضى بينهم وجعل إليه قبض الصدقات من عمال اليمن وقال له لما ودّعه حفظك الله من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك ومن فوقك ومن تحتك وردّ عنك شرور الإنس والجن وقد كتب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأهل اليمن إنى بعثت إليكم خير أهلى، وعدّه أنس بن مالك فيمن جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كما في الصحيح، وفيه عن عبد الله بن عمرو رفعه اقرأوا القرآن من أربعة فذكر معاذا فيهم. قال الشعبي عن مسروق كنت جالسا مع ابن مسعود فقال إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين فقلت يا أبا عبد الرحمن إنما قال الله تعالى (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا) فأعاد قوله إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا فلما رأيته أعاد عرفت أنه تعمد الأمر فسكتّ فقال أتدرى ما الأمة وما القانت قلت الله أعلم قال الأمة الذى يعلم الخير ويؤتم به ويقتدى والقانت الطيع لله وكذلك كان معاذ بن جبل معلما للخير مطيعا لله ولرسوله اهـ وقال أبو نعيم في الحلية كان معاذ إمام الفقهاء وكنز العلماء وكان
[ ١ / ١٠١ ]
أفضل شباب الأنصار حلما وحياء وسخاء جميلا وسيما اهـ وقال عبد الرزاق كان معاذ شابا جميلا سمحا لا يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه اهـ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يأتى معاذ يوم القيامة إمام العلماء، وقال ابن عمر حدّثونا عن العالمين العاقلين قيل ومن هما قال معاذ بن جبل وأبو الدرداء، وعن أنس عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال أرحم أمتى بأمتى أبو بكر وأشدّهم في أمر الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأفرضهم زيد بن ثابت وأقرؤهم أبىّ بن كعب وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح رواه أحمد والترمذى وقال هذا حديث حسن صحيح. له سبعة وخمسون ومائة حديث اتفق الشيخان على حديثين وانفرد البخارى بثلاثة ومسلم بواحد. روى عنه من الصحابة ابن عباس وابن عمروا بن عمرو وأنس، ومن التابعين ابن عدى وابن أبى أوفى الأشعرى وعبد الرحمن بن سمرة وجابر بن أنس وآخرون، قدم من اليمن في خلافة أبى بكر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وكانت وفاته بناحية الأردن في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة وهو ابن ثمان وثلاثين سنة وقيل ثمان وعشرين وقيل ثلاث وثلاثين. وعمواس قرية بين الرملة وبيت المقدس
(قوله الملاعن) جمع ملعنة والمواضع التى يرتفق الناس بها فيلعنون من يقضى حاجته فيها ويسبونه قال في المصباح والملعنة بفتح الميم والعين موضع لعن الناس لما يؤذيهم كقارعة الطريق ومتحدثهم والجمع الملاعن اهـ والمعنى اجتنبوا مجالب اللعن لأن أصحابها تلعنهم المارّة على فعلهم القبيح ولأنهم يفسدون على الناس منفعتهم وهو ظلم والظالم ملعون ويحتمل أن يراد بها الفعلات التى يتسبب عنها اللعن فيكون مجازا مرسلا أطلق فيه اسم المسبب على السبب قال في النهاية والملاعن جمع ملعنة وهي الفعلة التى يلعن بها فاعلها كأنها مظنة للعن ومحل له وهي أن يتغوّط الإنسان على قارعة الطريق أو ظلّ الشجر أو جانب النهر فإذا مرّ بها الناس لعنوا فاعلها اهـ. وقيل إنه جمع ملعن مصدر ميمى والمعنى اتقوا اللعنات أى أسبابها أو المصدر بمعنى الفاعل أى الحاملات على اللعن
(قوله الثلاثة) كذا في أكثر النسخ وهو واضح على القول بأن الملاعن جمع ملعن أما على أنها جمع ملعنة فإن مقتضى القياس حذف التاء كما في بعض النسخ ورواية ابن ماجه لأن المعدود مؤنث فتحذف التاء من اسم العدد ولكنه ليس بواجب إلا إذا ذكر المعدود مؤخرا وهنا ذكر مقدما
(قوله البراز) بفتح الموحدة وقيل بكسرها منصوب على البدلية من الملاعن ويجوز رفعه على أنه خبر لمبتدإ محذوف أى أحدها البراز وهو في الأصل الفضاء الواسع الخالى من الشجر أطلق على العذرة لأنهم كانوا يقضونها فيه إطلاقا لاسم المحل على الحالّ فهو مجاز مرسل كما تقدم
(قوله في الموارد) أى المجارى والطرق إلى الماء واحدها مورد يقال وردت الماء إذا حضرته لتشرب والورد
[ ١ / ١٠٢ ]
الماء الذى ترد عليه اهـ من النهاية وقال الخطابى هي طرق الماء واحدها موردة اهـ وقال الطيبى المورد هو الماء الذى ترد عليه الناس من عين أو نهر اهـ ويؤيده ما في رواية أحمد أو نقع ماء بدل الموارد والنقع الماء المجتمع وقيل الموارد الأمكنة التى تأتيها الناس كالأندية ولا مانع من إرادة جميعها
(قوله وقارعة الطريق) بالجر عطفا على الموارد أى والبراز في قارعة الطريق أى وسطه وقيل أعلاه والمراد بها هنا نفس الطريق وقارعة مشتقة من القرع وهو الضرب فهى قارعة بمعنى مقروعة فاعلة بمعنى مفعولة سميت بذلك لقرعها وضربها بالنعال والحوافر فالإضافة فيه من إضافة الصفة للموصوف أى الطريق المقروعة
(قوله والظلّ) بالجر عطفا على الموارد أيضا وتقدم بيانه والمراد منه
(فقه الحديث) دلّ الحديث على تحريم قضاء الحاجة في مجارى الماء والطرق التى تمرّ فيها الناس والأمكنة التى يؤخذ منها الماء لما فيه من الإيذاء للناس بالتقذير ونحوه وتقدمت بقية الفوائد في الحديث الذى قبله
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه، وقال هو مرسل والحاكم وابن السكن والطبرانى والبيهقى. ثم قيل إن الحديث ضعيف لأنه من رواية أبى سعيد الحميرى وهو لم يدرك معاذا فهو منقطع ولا يعرف بغير هذا الإسناد كما قاله الحافظ ابن حجر وبه ردّ تصحيح الحاكم وابن السكن له، وقال العراقى ارتقى إلى درجة الحسن بوجود الشواهد اهـ فمن الشواهد ما رواه أحمد عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اتقوا الملاعن الثلاث أن يقعد أحدكم في ظلّ يستظلّ به أو في طريق أو نقع ماء وقوْله أن يقعد أحدكم أى لحاجته كما في بعض الروايات وفيه ضعف لأجل ابن لهيعة والراوى عن ابن عباس مبهم، وما رواه ابن ماجه عن جابر بإسناد حسن مرفوعا إياكم والتعريس على جواد الطريق فإنها مأوى الحيات والسباع وقضاء الحاجة عليها فإنها الملاعن، وما روى عن ابن عمر نهى أن يصلى على قارعة الطريق أو يضرب عليها الخلاء أو يبال فيها وفى إسناده ابن لهيعة إلى غير ذلك مما تقدّم من الأحاديث