شرط الشيخين، وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عامة عذاب القبر من البول استنزهوا من البول رواه البزار والطبرانى في الكبير والحاكم والدارقطنى، وعن أبى أمامة أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال اتقوا البول فإنه أوّل ما يحاسب به العبد في القبر رواه الطبرانى في الكبير بسند لا بأس به. وعلى غلظ تحريم النميمة وأنها من أعظم أسباب عذاب القبر قال ابن دقيق العيد هو محمول على النميمة المحرّمة فإن النميمة إذا اقتضى تركها مفسدة تتعلق بالغير أو فعلها مصلحة يستضرّ الغير بتركها لم تكن ممنوعة كما نقول في الغيبة إذا كانت للنصيحة أو لدفع المفسدة لم تمنع فلو أن شخصا اطلع من آخر على قول يقتضى إيقاع ضرر بإنسان فإذا نقل إليه ذلك القول احترز عن ذلك الضرر لوجب ذكره له اهـ وليس في الحديث دليل على استحباب ما اعتيد من وضع الرّيحان والجريد على القبور لأنه واقعة حال خاصة لا تفيد العموم ولذا قال الخطابى في كتابة معالم السفن وأما غرسه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شقة العسيب على القبر وقوله يخفف عنهما ما لم ييبسا فإنه من ناحية التبرّك بأثر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ودعائه بالتخفيف عنهما فكأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جعل مدّة بقاء النداوة فيهما حدّا لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب عنهما وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس، والعامة في كثير من البلدان يغرسون الخوص في قبور موتاهم وأراهم ذهبوا إلى هذا وليس لما تعاطوه من ذلك وجه والله تعالى أعلم اهـ. وقال الحافظ في الفتح قد استنكر الخطابى ومن تبعه وضع الناس الجريد ونحوه في القبر عملا بهذا الحديث قال الطرطوشى لأن ذلك خاص ببركة يده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وقال القاضى عياض لأنه علل غرزهما على القبر لأمر مغيب وهو قوله ليعذبان. ثم قال الحافظ وليس في السياق ما يقطع على أنه باشر الوضع بيده الكريمة بل يحتمل أن يكون أمر به، وقد تأسى بريدة بن الحصيب الصحابى بذلك فأوصى أن يوضع على قبره جريدتان كما سيأتى في الجنائز من هذا الكتاب وهو أولى أن يتبع من غيره اهـ. وفيه أن الحديث صريح في أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هو الذى شق الجريدة اثنتين ووضع على كل قبر منهما قطعة ولم يثبت أنه عليه وعلى آله الصلاة والسلام فعل هذا الوضع على قبر أحد غير هذين فدلّ ذلك على أنها واقعة حال وشفاعة خاصة وليست سنة عامة، ويدل على ذلك أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة غير بريدة ولا سيما الخلفاء الراشدين أنه وضع جريدا ولا غيره على القبور ولو كان ذلك سنة ما تركه أولئك الأئمة وقد قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ الحديث رواه المصنف وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والترمذى وقال حديث حسن
[ ١ / ٨٣ ]
صحيح. ووصية بريدة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ليست حجة على غيره كما هو معلوم فما قاله الخطابى ومن ذكر معه هو الأولى ولا سيما أن غالب الناس اعتقد في وضع هذا الجريد ونحوه اعتقادا تأباه الشريعة المطهرة كما هو معروف من حالهم ونطقهم
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والبخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه والبيهقى وكذا الترمذى مختصرا لم يذكر ثم دعا بعسيب الخ وقال هذا حديث حسن صحيح
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ، قَالَ: «كَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ»
(ش) هذا طريق آخر لحديث ابن عباس أشار المصنف بذكره إلى أن مجاهدا روى الحديث عن ابن عباس بلا واسطة كما رواه عنه بواسطة طاوس، وكذا أخرجه البخارى من الطريقين وهو يقتضى صحة الطريقين عندهما فيحمل على أن مجاهدا سمعه من طاوس عن ابن عباس ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة أو العكس ويؤيده أن في سياقه عن طاوس زيادة على ما في روايته عن ابن عباس، وصرّح ابن حبان بصحة الطريقين معا ويؤيده أيضا كما في العينى أن شعبة بن حجاج رواه عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس ولم يذكر طاوسا اهـ وقال الترمذى ورواية الأعمش أصح أى روايته بذكر طاوس بين مجاهد وابن عباس، وقال في العلل سألت محمدا يعنى البخارى أيهما أصح فقال رواية الأعمش أصح اهـ
(رجال الحديث)
(قوله جرير) هو ابن عبد الحميد بن قرط بضم فسكون فطاء مهملهَ ابن هلال الضبى أبو عبد الله الرازى. روى عن عبد الملك بن عمير ويحيى بن سعيد ومالك بن أنس والثورى وغيرهم. وعنه ابن المبارك وأبو داود الطيالسى وأحمد بن حنبل وأبو بكر بن أبى شيبة وآخرون، قال في تهذيب الهذيب ثقة يرحل إليه وقال أبو القاسم اللالكائى مجمع على توثيقه وقال ابن عمار حجة وقال ابن المدينى كان صاحب ليل. مات سنة ثمان وثمانين ومائة وهو ابن ثمان وسبعين. روى له الجماعة
(قوله منصور) بن المعتمر ابن عبد الله بن ربيعة بضم الراء السلمى أبو عتاب الكوفى أحد الأعلام المشاهير. روى عن زيد بن وهب وإبراهيم النخعى والحسن البصرى والشعبى وغيرهم. وعنه أيوب السختيانى والأعمش وسليمان التيمى وهم من أقرانه والثورى وهو أثبت الناس فيه وسفيان ابن عيينة وآخرون، قال أبو حاتم متقن لا يخلط ولا يدلس وقال العجلى ثقة ثبت في الحديث كان أثبت أهل الكوفة وقال أبو داود لا يروى إلا عن ثقة. توفى سنة اثنتين وثلاثين ومائة
(قوله مجاهد) بن جبر
(قوله بمعناه) أى بمعنى حديث الأعمش المتقدم، ولفظه عند البخارى عن
[ ١ / ٨٤ ]
ابن عباس قال مرّ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بحائط من حيطان المدينة أو مكة فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما فقال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعذبان وما يعذبان في كبير ثم قال بلى كان أحدهما لا يستتر من بوله وكان الآخر يمشى بالنميمة ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة فقيل له يا رسول الله لم فعلت هذا قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لعله أن يخفف عنهما ما لم تيبسا
(قوله قال كان لا يستتر من بوله) أى قال منصور في روايته بسنده إلى ابن عباس قال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان أحدهما لا يستتر من بوله بدل لا يستنزه في رواية الأعمش السابقة
(ص) وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: «يَسْتَنْزِهُ»
(ش) أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير. وهذا تعليق وصله البخارى قال حدثنا محمد ابن المثنى ثنا محمد بن خازم ثنا الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال مرّ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بقبرين فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير. أما أحدهما فكان لا يستتر من البول وأما الآخر فكان يمشى بالنميمة تم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة قالوا يا رسول الله لم فعلت قال لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا. ووصله ابن ماجه قال حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال مرّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بقبرين جديدين فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله وأما الآخر فكان يمشى بالنميمة. وظاهر صنيع المصنف أن رواية أبى معاوية عن منصور وليس كذلك بل هى عن الأعمش كما رأيت في روايتي البخارى وابن ماجه فكان الأنسب له أن يذكرها بعد رواية وكيع عن الأعمش السابقة ولعله ذكرها هنا ليقابل بها رواية جرير عن منصور فإن فيها لا يستتر وفى هذه يستنزه
(قوله يستنزه) أى أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله كما في رواية ابن ماجه المتقدمة والذى في رواية البخارى أما أحدهما فكان لا يستتر من البول
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، ثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ وَمَعَهُ دَرَقَةٌ ثُمَّ اسْتَتَرَ بِهَا، ثُمَّ بَالَ، فَقُلْنَا: انْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ، فَسَمِعَ ذَلِكَ، فَقَالَ: «أَلَمْ تَعْلَمُوا مَا لَقِيَ صَاحِبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَانُوا إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَوْلُ
[ ١ / ٨٥ ]
قَطَعُوا مَا أَصَابَهُ الْبَوْلُ مِنْهُمْ، فَنَهَاهُمْ فَعُذِّبَ فِي قَبْرِهِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عبد الواحد بن زياد) العبدى مولاهم أبو بشر ويقال أبو عبيدة البصرى أحد الأعلام. روى عن يونس بن عبيد وعاصم الأحول والأعمش وعمارة ابن القعقاع وغيرهم. وعنه عفان بن مسلم وقتيبة بن سعيد وأبو هشام المخزومى وأبو داود الطيالسي وكثيرون، قال ابن معين أثبت أصحاب الأعمش شعبة وسفيان ثم أبو معاوية ثم عبد الواحد ابن زياد وهو ثقة. ووثقه أبو زرعة وأبو حاتم وابن سعد والنسائى وأبو داود والعجلى والدارقطنى حتى قال ابن عبد البرّ لا خلاف بينهم أنه ثقة ثبت وقد احتج به الجماعة. مات سنة ست أو سبع وسبعين ومائة
(قوله الأعمش) سليمان بن مهران
(قوله عن زيد بن وهب) الجهنى أبى سليمان الكوفى هاجر إلى المدينة فمات النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو في الطريق. روى عن عمر وعثمان وعلى وجماعة. وعنه حبيب بن أبى ثابت وإسماعيل بن أبى خالد والأعمش ومنصور بن المعتمر وكثيرون. وثقه ابن معين وابن خراش وابن حبان والعجلى وابن سعد وقال كان كثير الحديث وقال في التقريب لم يصب من قال في حديثه خلل وقال الأعمش إذا حدّثك زيد بن وهب عن أحد فكأنك سمعته من الذى حدّثك عنه. روى له الجماعة. مات سنة ست وتسعين
(قوله عبد الرحمن بن حسنة) قيل هو أخو شرحبيل بن حسنة وحسنة أمهما واسم أبيه على الصحيح عبد الله بن المطاع بن عبد الله الغطريف تفرّد بالرواية عنه زيد بن وهب قاله مسلم وابن عبد البر والحاكم وغيرهم من الحفاظ، وتعقب بأنه روى عنه أيضا إبراهيم بن عبد الله ابن قارظ وروايته عنه في معجم الطبرانى قال في تهذيب التهذيب لكن في الإسناد ابن لهيعة ولا تقوم به حجة
(قوله عمرو بن العاص) بن وائل بن هاشم بن سعيد بضم السين وفتح العين المهملتين ابن سعد القرشى السهمى يكنى أبو عبد الله ويقال أبو محمد أسلم عند النجاشى وقدم مهاجرا في صفر سنة ثمان وكان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقرّ به لمعرفته ولشجاعته وبعثه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أميرا على سرية إلى ذات السلاسل، وأخرج أحمد بسند حسن عن عمرو بن العاص قال قال لى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يا عمرو استزد عليك سلاحك وثيابك وائتنى ففعلت فجئته وهو يتوضأ فصعد فىّ البصر وصوّبه وقال يا عمرو إنى أريد أن أبعثك وجها فيسلمك الله ويغنمك وأرغب لك من المال رغبة صالحة قال قلت يا رسول الله إنى لم أسلم رغبة في المال إنما أسلمت رغبة في الجهاد والكينونة معك قال يا عمرو نعما بالمال الصالح للرجل الصالح. وروى عن عقبة بن عامر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص أخرجه الترمذى وقال حديث
[ ١ / ٨٦ ]
غريب وقال إبراهيم بن مهاجر عن الشعبى عن قبيصة بن جابر صحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلا أبين قرآنا ولا أكرم خلقا ولا أشبه سريرة بعلانية منه كان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حادّ الذكاء عظيم الدّهاء قال الشعبى دهاة العرب في الإسلام أربعة فعدّ منهم عمرا وقال فأما عمرو فللمعضلات وهو الذى افتتح مصر وولاه عمر عليها، وأخرج مسلم في صحيحه عن ابن شماسة المهرى قال حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياق الموت فبكى طويلا وحوّل وجهه إلى الجدار فجعل ابنه يقول ما يبكيك أما بشرك رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بكذا فأقبل بوجهه فقال إن أفضل ما نعدّ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إني كنت على أطباق ثلاث لقد رأيتنى وما أحد أشدّ بغضا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم منى ولا أحب إلىّ أن أكون قد استمكنت منه فقتلته فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار فلا جعل الله الإسلام في قلبى أتيت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسم فقلت ابسط يمينك فلأبايعك فبسط يمينه فقبضت يدى قال مالك يا عمرو قال قلت أردت أن أشترط قال تشترط بماذا قلت أن يغفر الله لى قال أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله وأن الهجرة تهدم ما قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله وما كان أحد أحب إليّ من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا أجلّ في عينى منه وما كنت أطيق أن أملأ عينى منه إجلالا ولو شئت أن أصفه ما أطقت لأنى لم أكن أملأ عينى منه ولو مت على تلك الحالة لرجوت أن أكون من أهل الجنة ثم ولينا أشياء ما أدرى ما حالى فيها فإذا مت فلا تصحبنى نائحة ولا نار فإذا دفنتمونى فشنوا علي التراب شنا ثم أقيموا حول قبرى قدر ما يذبح جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربى (وعلى الجملة) ففضائله أكثر وأشهر من أن تذكر. روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سبعة وثلاثون حديثا اتفق الشيخان على ثلاثة أحاديث ولمسلم حديثان وللبخارى طرف من حديث. روى عنه أبو عثمان النهدى وعروة بن الزبير وقيس مولاه وابنه عبد الله وقبيصة بن ذؤيب وغيرهم. مات بمصر سنة اثنتين وقيل ثلاث وأربعين يوم الفطر ودفن بالمقطم وعمره تسعون أو تسع وتسعون سنة، روى له الجماعة
(قوله ومعه درقة) هذه الجملة حال من فاعل خرج والدرقة بفتحات الترس من جلد ليس فيه خشب ولا عصب وهو ما تعمل منه الأوتار، وإنما استتر بها لئلا يطلع أحد على عورته
(قوله فقلنا انظروا الخ) أى قال بعض القوم كما في رواية أحمد والنسائى، وفي رواية ابن ماجه فقال بعضهم وقالوا ذلك تعجبا لما رأوه مخالفا لما عليه عادتهم في الجاهلية من بول الرجال قياما وكانوا قريب العهد بها، ولم يقولوا هذا استهزاء وسخرية لأن الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم لا يقع منهم ذلك
(قوله كما تبول المرأة) فإنهم كانوا يزعمون أن شهامة الرجل لا تقتضى التستر على ما كانوا
[ ١ / ٨٧ ]
عليه في الجاهلية، وفى رواية البغوى في معجمه فقال بعضنا لبعض يبول رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كما تبول المرأة وهو قاعد، ورواية الطبرانى في معجمه يبول رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو جالس
(قوله فقال) أى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مجيبا لهم بقوله "ألم تعلموا الخ" فكأنهم قالوا نعم أخبرنا، هذا على أن الاستفهام حقيقى فلذلك بين لهم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بقوله كانوا الخ. ويحتمل أن يكون للتوبيخ والتقريع نظرا لشناعة مقالتهم فيكون بيانه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من باب التنبيه علي ما هو معلوم رأفة بهم
(قوله صاحب بنى إسراءيل) برفع صاحب على أنه فاعل لقى ويكون نظم الكلام عليه ألم تعلموا العذاب الذى لقيه صاحب بنى إسرائيل هذا على كون ما موصولة، أما على كونها موصوفة فيكون التقدير ألم تعلموا عذابا لقيه صاحب بنى إسراءيل ويجوز نصبه على أنه مفعول لقى وتقدير الكلام عليه ألم تعلموا العذاب الذى لقى (أى هو) صاحب بنى إسرائيل والمتبادر أن المراد بصاحب بنى إسرائيل واحد منهم وعلى هذا فلا إشكال في الحديث، وقيل المراد به موسى ﵊ كما ذكره العينى، وعلى هذا يشكل قوله فنهاهم فعذّب في قبره، وطريق دفعه أن يقال فنهاهم عن التهاون في البول فعذّب في قبره من لم ينته عنه، ولا يخفى بعده وبنو إسرائيل أولاد يعقوب بن إسحاق وإسرائيل هو يعقوب ومعناه بالسريانية عبد الله لأن إسرا بمعنى عبد وإيل بمعنى الله
(قوله إذا أصابهم البول الخ) أى أصاب جسدهم أو ثيابهم البول قطعوا الموضع الذى أصابه يعنى أنهم ما كان يجوز لهم أن يطهروا موضع النجاسة بالماء إنما كان التطهير في دينهم بقطع المتنجس
(قوله فنهاهم الخ) أى نهى الرجل المذكور بنى إسراءيل عن هذا القطع وقال هذا تكليف شديد فاتركوا العمل به فعذّبه الله تعالى بسبب هذه المخالفة فحذر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أصحابه من إنكار ما هو مقرّر في الشرع فكأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لهم لا تستثقلوا ما أبينه لكم من الأحكام ولو كان على خلاف معتادكم في الجاهلية كما استثقل صاحب بنى إسراءيل وإلا فيخشى أن يصيبكم مثل ما أصابه وهذا على أن القائل انظروا الخ من الصحابة أما على أنه مشرك أو منافق كما قاله في المرقاة فيكون قصد النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بذلك توبيخه وتهديده وأنه من أصحاب النار حيث عيره بالحياء وفعل النساء
(فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز ترك التباعد عن الناس عند قضاء الحاجة مع التستر وإن كان غالب أحواله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم التباعد كما تقدم. وعلى أنه لا يجوز لأحد التكلم في شئ من أمر الدين حتى يعلم حكم الله فيه، وعلى طلب التلطف في المخاطبة عند التعليم فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما سمع مقالتهم لم يقابلهم بالغلظة بل تلطف بهم
[ ١ / ٨٨ ]
شفقة عليهم ورحمة بهم. وعلى طلب التحرز عن النجاسات والاحتياط في ذلك، وعلى طلب التستر عند قضاء الحاجة ولا سيما إذا كان قريبا من الناس. وعلى أن المخالفة سبب في الضرر والهلاك خصوصا في الدار الاخرة فقد نبه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن صاحب بنى إسرائيل نهاهم عن المعروف في دينهم فتسبب عنه عذابه
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن حبان في صحيحه وأبو بكر بن أبى شيبة والنسائى ولفظه عن عبد الرحمن بن حسنة قال خرج علينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وفى يده كهيئة الدّرقة فوضعها ثم جلس خلفها فبال إليها فقال بعض القوم انظروا يبول كما تبول المرأة فسمعه فقال أو ما علمت ما أصاب صاحب بنى إسراءيل كانوا إذا أصابهم شئ من البول قرضوه بالمقاريض فنهاهم صاحبهم فعذب في قبره، وأخرجه البيهقى ولفظه عن عبد الرحمن بن حسنة قال كنت أنا وعمرو بن العاص جالسين فخرج علينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في يده درقة فبال وهو جالس فتكلمنا فيما بيننا فقلنا يبول كما تبول المرأة فأتانا فقال أما تدرون ما لقى صاحب بني إسرائيل كان إذا أصابهم بول قرضوه فنهاهم فتركوه فعذب في قبره
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مَنْصُورٌ: عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: جِلْدِ أَحَدِهِمْ
(ش) هذا تعليق وصله مسلم قال حدثنا يحيى بن يحيى قال أخبرنا جرير عن منصور عن أبي وائل قال كان أبو موسى يشدّد في البول ويبول في قارورة ويقول إن بنى إسراءيل كان إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه بالمقاريض. والقارورة الزجاجة
(قوله قال منصور) بن المعتمر
(قوله عن أبى وائل) هو شقيق بن سلمة الأسدى أدرك النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم يره وهو أحد سادة التابعين قال ابن عبد البر أجمعوا على أنه ثقة قال ابن معين ثقة لا يسأل عن مثله. روى عن أبى بكر وعمر وعثمان وعلى وابن مسعود وآخرين. وعنه الشعبى وعمرو بن مرة والأعمش وجماعة. مات في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة تسع وتسعين
(قوله عن أبى موسى) عبد الله أبن قيس الأشعرى، وعلى هذه الرواية يحتمل أن يكون المراد بالجلد الجلود التى كانوا يلبسونها إليه ذهب القرطبى، ويحتمل إبقاء اللفظ على ظاهره فيكون من الأمر الشاق الذى حملوه. والذى في رواية البخارى من طريق شعبة عن منصور عن أبى وائل قال كان أبو موسى الأشعرى يشدّد في البول ويقول إن بنى إسراءيل كان إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه. الحديث: والمراد بالقرض القطع ويؤيده رواية الأصيلي قرضه بالمقراض. خلافا لمن حمل القرض على الغسل بالماء
(ص) وَقَالَ عَاصِمٌ: عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «جَسَدِ أَحَدِهِمْ»
[ ١ / ٨٩ ]