واستدبارها لا فرق بين أهل المدينة وغيرهم (ثامنها) أن النهي للتنزيه فيكون ما ذكر مكروها وإليه ذهب القاسم بن إبراهيم ونسبه في البحر إلى المؤيّد بالله وأبى طالب والناصر والنخعى وهو رواية عن أبى حنيفة وأحمد وأبى ثور وأبى أيوب الأنصارى واستدلّ له بأحاديث عائشة وجابر وابن عمر المتقدم ذكرها قالوا إنها صارفة للنهى عن التحريم إلى الكراهة وهو لا يتمّ في حديث ابن عمر وجابر لأنه ليس فيهما إلا مجرّد الفعل وهو لا يعارض القول الخاص بنا كما تقدّم، نعم إن صحّ حديث عائشة صلح لذلك، وأقرب هذه الأقوال أولها وثانيها، أما الأول فلأن أحاديث الإباحة وردت في العمران فحملت عليه وأحاديث النهي عامة خص خص منها العمران بأحاديث الإباحة فبقيت الصحارى على التحريم قال الحافظ في الفتح وهو أعدل الأقوال لإعماله جمع الأدلة ويؤيّده من جهة النظر ما قاله ابن المنير من أن الاستقبال في البنيان مضاف إلى الجدار عرفا وأن الأمكنة المعدّة لذك مأوى الشياطين فليست صالحة لكونها قبلة بخلاف الصحراء فيهما اهـ وأما الثانى فسيأتى وجه اختياره في الكلام على حديث أبى أيوب إن شاء الله تعالى، ودلّ الحديث أيضا علي النهى عن الاستنجاء باليمين لرفع قدرها وتنزيها لها عن مباشرة الأقذار لأنه لو باشر النجاسة بها ربما تذكر عند تناوله الطعام ما باشرت يمينه من الأقذار فيعاف الطعام فقد كان النبى عليه وعلى آله الصلاة والسلام يجعل اليمنى لطهوره وطعامه وشرابه ولباسه مصونة من مباشرة أسافل بدنه ومماسة الأعضاء التى هي مجارى النجاسات واليسرى لخدمة أسافل بدنه وإماطة ما هناك من الأقذار وتنظيف ما يحدث فيها من الأدناس، وهذا النهى للتنزيه عند الجمهور وحمله أهل الظاهر على التحريم حتى قال الحسين بن عبد الله الناصرى الظاهرى في كتابه البرهان ولو استنجى بيمينه لا يجزئه وهو وجه عند الحنابلة وطائفة من الشافعية وقال النووى وقد أجمع العلماء على أنه منهىّ عن الاستنجاء باليمين ثم الجماهير على أنه نهى تنزيه وأدب لا نهى تحريم، وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه حرام وأشار إلى تحريمه جماعة من أصحابنا ولا تعويل على إشارتهم قال أصحابنا ويستحب أن لا يستعين باليد اليمنى في شئ من أمور الاستنجاء إلا لعذر فإذا استنجى بماء صبه باليمنى ومسح باليسرى وإذا استنجى بحجر فإن كان في الدّبر مسح بيساره وإن كان في القبل وأمكنه وضع الحجر على الأرض أو بين قدميه بحيث يتأتى مسحه أمسك الذكر بيساره ومسحه على الحجر فإن لم يمكنه ذلك واضطرّ إلى حمل الحجر حمله بيمينه وأمسك الذكر بيساره ومسح بها ولا يحرّك اليمنى هذا هو الصواب، وقال بعض أصحابنا يأخذ الذكر بيمينه والحجر بيساره ويمسح ويحرّك اليسرى وهذا ليس بصحيح لأنه يمس الذكر بيمينه بغير ضرورة وقد نهى عنه اهـ ودلّ الحديث أيضا على أن الاستنجاء بالأحجار. مطهر وعلى أنه لا يجزئ أقل من ثلاثة أحجار وقد ورد كيفية استعمال الثلاثة في حديث ابن عباس
[ ١ / ٤٢ ]
أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال حجر للصفحة اليمنى وحجر للصفحة اليسرى وحجر للوسط رواه الدارقطنى وحسنه العقيلى في الضعفاء والبيهقى وسيأتى تمام الكلام على إلاستنجاء بالحجارة في بابه. ودلّ الحديث أيضا على النهى عن الاستنجاء بالرجيع والعظم ويأتى الكلام عليه وافيا في باب ما ينهى عن الاستنجاء به
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والنسائى وابن ماجه والدارقطنى والترمذى وقال حسن صحيح
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، قال ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ، أُعَلِّمُكُمْ فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا وَلَا يَسْتَطِبْ بِيَمِينِهِ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَيَنْهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عبد الله بن محمد) بن على بن نفيل أبو جعفر الحمرانى أحد الأئمة الحفاظ. روى عن مالك وزهير بن معاوية وعلي بن ثابت وابن المبارك وغيرهم وعنه أبو داود وأبو حاتم وأحمد وابن معين وأبو زرعة وآخرون وثقه النسائى وابن قانع وأبو حاتم وقال أبو داود ما رأيت أحفظ منه وقال الدارقطنى ثقة مأمون يحتج به. مات سنة أربع وثلاثين ومائتين
(قوله النفيلى) نسبة إلى نفيل جدّه الأعلى
(قوله ابن المبارك) هو عبد الله بن المبارك بن واضح أبو عبد الرحمن الحنظلى المروزى أحد الأئمة الأعلام وشيوخ الإسلام. روى عن حميد وسليمان التيمى وهشام بن عروة وغيرهم. وعنه السفيانان من شيوخه وبقية وابن مهدى وسعيد بن منصور وآخرون قال ابن عيينة ابن المبارك عالم المشرق والمغرب وما بينهما وقال شعبة ما قدم علينا مثله وقال أبو إسحاق الفزارى ابن المبارك إمام وقال ابن معين ثقة صحيح الحديث ولد سنة ثمانى عشرة ومائة. ومات سنة إحدى وثمانين ومائة
(قوله محمد بن عجلان) هو أبو عبد الله القرشى المدنى أحد العلماء العاملين إمام صدوق مشهور، روى عن أنس وأبى حازم والأعرج وعكرمة وغيرهم. وعنه منصور وشعبة والثورى ومالك وآخرون، وثقه أحمد وابن معين وابن عيينة وأبو حاتم والنسائى وأبو زرعة وذكره البخارى في الضعفاء وروى له تعليقا وسلم متابعة ولم يحتج به وقال يحيى القطان كان مضطربا في حديث نافع وقال مالك لما بلغه أن ابن عجلان حدّث بحديث خلق الله آم على صورته لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء ولم يكن عالما ولكن لابن عجلان فيه متابعون
[ ١ / ٤٣ ]
وقال الذهبي كان ابن عجلان من الرفعاء والأئمة أولى الصلاح والتقوى ومن أهل الفتوى ومع كونه متوسطا في الحفظ فقد كان جيد الذكاء مجاب الدعوة. توفى سنة ثمان وأربعين ومائة
(قوله القعقاع بن حكيم) الكنانى المدنى. روى عن ابن عمر وجابر وعائشة وعلى بن الحسين وغيرهم. وعنه سعيد المقبرى وزيد بن أسلم وعمرو بن دينار ومحمد بن عجلان وكثيرون. وثقه أحمد وابن معين وذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو حاتم ليس بحديثه بأس
(قوله عن أبى صالح) هو ذكوان السمان المدنى. روى عن أبى سعيد وأبى الدرداء وعائشة وأبى هريرة وغيرهم وعنه بنوه سهيل وعبد الله وصالح وعطاء بن أبي رباح والزهرى وسمع منه الأعمش ألف حديث قال أحمد ثقة من أجلّ الناس وأوثقهم ووثقه ابن معين وأبو حاتم وقال صالح الحديث يحتج بحديثه وقال أبو زرعة ثقة مستقيم الحديث توفى سنة إحدى ومائة. روى له الجماعة
(قوله عن أبى هريرة) الدوسى الصحابى الجليل اختلف في اسمه واسم أبيه على أقوال قال النووى اسم أبى هريرة عبد الرحمن بن صخر على الأصح من ثلاثين قولا. وقد أجمع أهل الحديث على أنه أكثر الصحابة حديثا قال ابن حزم إن مسند تقىّ بن مخلد احتوى من حديث أبى هريرة على خمسة آلاف وثلثمائة حديث وكسر وقال في الخلاصة له أربعة وسبعون وثلثمائة وخمسة آلاف حديث اتفقا على خمسة وعشرين وثلثمائة وانفرد البخارى بتسعة وسبعين ومسلم بثلاثة وتسعين. روى عنه إبراهيم بن حنين وأنس وبشر بن سعيد وابن المسيب وتمام ثمانمائة نفس ثقات اهـ. وقال وكيع كان أبو هريرة أحفظ أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأخرج البغوى بسند جيد أن ابن عمر قال لأبى هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُأنت كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأعلمنا بحديثه، وقال الشافعى أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، وقال أبو الزعيزعة كاتب مروان أرسل مروان إلى أبى هريرة فجعل يحدّثه وكان أجلسنى خلف السرير أكتب ما يحدّث به حتى إذا كان في رأس الحول أرسل إليه فسأله وأمرنى أن أنظر فما غير حرفا عن حرف، وفى البخارى عن أبى هريرة قال لم يكن من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أكثر حديثا منى إلا عبد الله بن عمر فإنه كان يكتب ولا أكتب، وفى مسلم عنه رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال كنت أدعو أمى إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يوما فأسمعتنى في رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما أكره فأتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأنا أبكي قلت يا رسول الله إني كنت أدعو أمى إلى الإسلام فتأبى علىّ فدعوتها اليوم فأسمعتنى فيك ما أكره فادع الله أن يهدى أمّ أبى هريرة فقال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
[ ١ / ٤٤ ]
اللهم اهد أمّ أبى هريرة فخرجت مستبشرا بدعوة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف "يعنى مغلقا" فسمعت أمى خشفة قدمى فقالت مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها وفتحت الباب ثم قالت يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله قال فرجعت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأتيته وأنا أبكي من الفرح قال قلت يا رسول الله أبشر فقد استجاب الله دعوتك وهدى أمّ أبى هريرة فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا قال قلت يا رسول الله ادع الله أن يحببنى وأمى إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اللهم حبب عبيدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهم المؤمنين فما خلق الله مؤمنا سمع بى ولا يرانى إلا أحبنى، وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عنه قال يقولون إن أبا هريرة قد أكثر والله الموعد ويقولون ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدّثون بمثل أحاديثه وسأخبركم عن ذلك إن إخوانى من المهاجرين والأنصار كان يشغلهم الصفق بالأسواق وكنت ألزم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علي ملء بطنى فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا ولقد قال لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوما أيكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثى هذا ثم يجمعه إلى صدره فإنه لم ينس شيئا سمعه فبسطت بردة كانت على جنبى حتى فرغ من حديثه ثم جمعتها إلى صدرى فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدثنا به فلولا آيتان أنزلهما الله تعالى في كتابه ما حدّثت شيئا أبدا إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى إلى آخر الآيتين ومع ذلك فقد أمسك عن بعض ما أسمع خشية الفتنة وأن لا تبلغه الأفهام، وأخرج البخارى عنه قال حفظت من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله ولسلم وعاءين فأما أحدهما فبثثته فيكم وأما الآخر فلو حدثتكم به لقطعتم هذا البلعوم. وأخرج الإمام أحمد رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ في الزهد بسند صحيح عن أبى عثمان النهدى قال تضيفت أبا هريرة سبعا فكان هو وامرأته وخادمه يقيمون الليل أثلاثا يصلى هذا ثم يوقظ هذا. وأخرج ابن سعد بسند صحيح عن عكرمة أن أبا هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كان يسبح كل يوم اثنى عشر ألف تسبيحة يقول أسبح بقدر ذنبى وأخرج ابن أبى الدنيا من طريق مالك عن سعيد المقبرى قال دخل مروان على أبى هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ في شكواه الذى مات فيها فقال شفاك الله فقال أبو هريرة اللهم إنى أحب لقاءك فأحبب لقائى فلما بلغ مروان يعني وسط السوق حتى مات رضي الله تعالى عنه، وكانت وفاته سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين
(قوله إنما أنا لكم بمنزلة الوالد) لفظ النسائي وابن ماجة إنما أنا لكم مثل الوالد وزاد ابن ماجة لولده أي في الشفقة والحنوّ لا في الرتبة والعلوّ لأنه
[ ١ / ٤٥ ]
لا يماثل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيهما أحد
(قوله أعلمكم) أى كل ما تحتاجون إليه من أمر دينكم ولا يمنعنى من ذلك التصرج بما يستهجن ولا أبالى بما يستحى من ذكره وهذا التمهيد لما يبين لهم من آداب الخلاء إذ الإنسان كثيرا ما يستحى من ذكرها ولا سيما في مجلس العظماء
(قوله الغائط) هو في الأصل اسم للمكان المطمئن من الأرض ثم اشتهر في نفس الخارج المعروف من دبر الآدمى كما تقدم والمراد هنا هو الأول إذ لا يحسن استعمال الإتيان في المعنى الثانى ولا يحسن النهى عن الاستقبال والاستدبار إلا قبل إخراج الخارج وذلك عند حضور المكان لا عند إخراج ذلك
(قوله ولا يستطب) بالجزم على أن لا ناهية أى يستنج والاستطابة الاستنجاء يقال استطاب وأطاب إطابة أيضا لأن المستنجى تطيب نفسه بإزالة الخبث عن المخرج، وفى نسخة ولا يستطيب بالرفع على أنه بلفظ الخبر كقوله تعالى (ولا تضارّ والدة بولدها) بالرفع على قراءة ابن كثير وأبى عمرو وكحديث ابن عمر عند البخارى مرفوعا (لا يبيع بعضكم على بيع أخيه) وهذا أبلغ في النهى لأن خبر الشارع محقق وقوعه وأمره قد يخالف فكأنه قال عامل هذا النهى معاملة الخبر المحقق وقوعه. ولفظ ابن ماجه ونهى أن يستطيب الرجل بيمينه. ولفظ البيهقي وإذا استطاب فلا يستطب بيمينه
(قوله وكان يأمر بثلاثة أحجار) أى كان النبى صلى الله تعالى عليه ولى آله وسلم يأمر بالاستنجاء بثلاثة أحجار كما سيأتى التصريح بذلك في حديث عائشة في باب الاستنجاء بالحجارة
(قوله وينهى عن الرّوث) بفتح فسكون رجيع ذوات الحافر والأشبه أن المراد هنا رجيع الحيوان مطلقا فيكون من إطلاق اسم الخاص على العام
(قوله والرّمة) بكسر الراء وتشديد الميم هي العظم البالى وتجمع على رمم مثل سدرة وسدر والرميم مثل الرّمة والمراد هنا مطلق العظم لما تقدم من عموم النهى عن الاستنجاء به، ونص على الرّمة بخصوصها لدفع توهم أن الجن لا ينتفعون بها فيجوز الاستنجاء بها حينئذ (فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يطلب من الأبناء طاعة الآباء ومن الآباء إرشاد أولادهم وتعليمهم ما يحتاجون إليه من الدين. وعلى أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالنسبة لجميع الأمة كالأب كما أن أزواجه أمهاتهم لأن منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ومن أزواجه تعلم أحكام الدين فبرّه وبرّهنّ أوجب من برّ الوالدين لقوله تعالى (النبىّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) ولحديث أنس (أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) رواه مسلم ودلّ على المنع من استقبال القبلة واستدبارها بالبول أو الغائط وقد تقدم بيانه. وقد استنبط ابن التين منه منع استقبال الشمس والقمر حال قضاء الحاجة. وكأنه قاسه على استقبال القبلة وقياسه غير ظاهر على ما لا يخفى ومردود بما يؤخذ من حديث أبى أيوب إلآتى فإن قوله فيه
[ ١ / ٤٦ ]
ولكن شرّقوا أو غرّبوا صريح في جواز استقبال القمرين واستدبارهما إذ لا بدّ أن يكونا في الشرق أو الغرب غالبا. وبهذا تعلم أنه لا وجه لمن قال من الفقهاء بكراهة استقبال الشمس أو القمر أو استدبارهما عند قضاء الحاجة. وما رواه الترمذى عن الحسن قال حدثنى سبعة رهط من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهم أبو هريرة وجابر وعبد الله بن عمرو وعمران بن حصين ومعقل بن يسار وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك يزيد بعضهم على بعض في الحديث "أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهى أن يبال في المغتسل ونهى عن البول في الماء الرّاكد ونهى عن البول في الشارع ونهى أن يبول الرجل وفرجه باد إلى الشمس والقمر" قال الحافظ هو حديث باطل لا أصل له بل هو من اختلاق عباد بن كثير وذكر أن مداره عليه، وقال النووى في شرح المهذب هذا حديث باطل، وقال ابن الصلاح لا يعرف وهو ضعيف اهـ ودلّ الحديث أيضا على المنع من الاستنجاء باليمنى وتقدم بيانه. وفيه أيضا النهى عن الاستنجاء بالنجاسات والمطعومات فإنه نبه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالرّوث على النجاسات وبالرّمة على المطعومات ويلتحق بهما المحترمات كأجزاء الحيوان وأوراق كتب العلم على ما سيأتى تفصيله
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائى وابن ماجه وماجه وأحمد وليس في روايته الأمر بالأحجار وأخرجه مسلم بلفظ إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها وأخرحه ابن حبان كلهم في الطهارة بألفاظ متقاربة وفيه محمد بن عجلان وفيه كلام وقد علمت ردّه في ترجمته
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، رِوَايَةً قَالَ: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» فَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ قِبَلَ الْكعبةِ، فَكُنَّا نَنْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ
(ش) (رجال الحديث)
(قوله سفيان) بن عيينة بن أبى عمران الهلالى أبو محمد الكوفى أحد أئمة الإسلام. روى عن عمرو بن دينار وزيد بن أسلم وصفوان بن سليم والزهرى وآخرين، وعنه شعبة ومسعر من شيوخه وابن المبارك من أقرانه وأحمد وإسحاق وغيرهم. قال العجلى هو أثبتهم في الزهرى كان حديثه نحو سبعة آلاف وقال ابن وهب ما رأيت أعلم بكتاب الله من ابن عيينة وقال الشافعى لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز وقال العجلى ثقة ثبت في الحديث وكان
[ ١ / ٤٧ ]
حسن الحديث يعدّ من حكماء أصحاب الحديث وقال ابن سعد كثير الحديث حجة وقال ابن حبان كان من الحفاظ المتقنين وأهل الورع والدين وقال الذهبى أجمعت الأمة على الاحتجاج به وكان يدلس لكن المعهود فيه أنه لا يدلس إلا عن ثقة ولد سنة سبع ومائة ومات سنة ثمان وتسعين ومائة، روى له الجماعة
(قوله الزهرى) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله ابن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة القرشى أبو بكر المدني الفقيه الحافظ متفق على جلالته وإتقانه روى عن ابن عمر وسهل بن سعد وجابر وأنس وكثيرين، وعنه عمر بن عبد العزيز وابن جريج والليث ومالك وآخرون قال علي بن المدينى له نحو ألفي حديث وقال الليث ما رأيت عالما قط أجمع من ابن شهاب وقال أيوب ما رأيت أعلم من الزهرى وقال مالك كان ابن شهاب من أسخى الناس وأتقاهم ما له في الناس نظير وقال ابن سعد ثقة كثير الحديث والعلم والرواية فقيها جامعا وقال مكحول ما بقي على ظهرها أعلم بسنة ماضية من الزهرى، توفى سنة ثلاث أو أربع وعشرين ومائة
(قوله عطاء بن يزيد الليثى) أبو محمد المدنى نزيل الشام. روى عن تميم الدارى وأبى أيوب وأبى سعيد الخدرى وأبى هريرة وجماعة، وعنه أبو صالح السمان وسهيل بن أبى صالح وهلال بن ميمون والزهرى وكثيرون وثقه ابن المدينى والنسائى. مات سنة خمس ومائة. روى له الجماعة
(قوله عن أبي أيوب) هو خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة الأنصارىّ النجارىّ معروف باسمه وكنيته وهو من السابقين شهد العقبة الثانية وبدرا وما بعدها نزل عليه النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما قدم المدينة فأقام عنده حتى بنى بيوته ومسجده واستخلفه علىّ على المدينة لما خرج إلى العراق ثم لحق به وشهد معه قتال الخوارج، وعن أبى أيوب قال لما نزل علىّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال قلت بأبى أنت وأمى إنى أكره أن أكون فوقك وتكون أسفل منى فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إنى أرفق بى أن أكون في السفلى لما يغشانا من الناس قال فلقد رأيت جرّة لنا انكسرت فأهريق ماؤها فقمت أنا وأمّ أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء فرقا أن يصل إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شئ يؤذيه أخرجه الحاكم، وقال صحيح. وعن سعيد بن المسيب أن أبا أيوب أخذ من لحية رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال له لا يصيبك السوء يا أبا أيوب أخرجه الحاكم وقال صحيح الإسناد. له مائة وخمسون حديثا اتفق الشيخان على سبعة وانفرد البخارى بحديث ومسلم بخمسة. روى عنه البراء وابن عباس وجابر بن سمرة وأنس وغيرهم من الصحابة والتابعين. توفى في غزاة الأستانة سنة اثنتين وخمسين
(قوله رواية) هي مصدر منصوب بفعل مقدر أى يروى رواية وهذا اللفظ يفيد أن الحديث مرفوع حكما لأنه
[ ١ / ٤٨ ]