باب كيفية افتتاح الصلاة؛ أي: ابتداؤها بالنية، وتكبير التحريمة.
٩٩ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، أن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذاء مَنْكِبَيهِ كبَّر للركوع رفع يديه، وإذا رفع رأْسه من الركوع رفع يديه، ثم قال: "سمع الله لمن حمده"، ثم: "ربنا ولك الحمد".
• أخبرنا، وفي نسخة محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا الزهري، عن سالم بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ﵁، أن عبد الله، أي: ابن عمر قال: كان رسول الله - ﷺ - (ق ١٠٣) إذا افتتح
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٧٠٢)، ومسلم (٣٩٠)، والترمذي (٢٥٥)، والنسائي في المجتبى (٨٧٧)، (١١٠٥)، وابن ماجه (٨٥٨)، وأحمد (٤٦٦٠)، والدارمي (١٢٨٣)، ومالك (١٦١)، والنسائي في الكبرى (١٠٩٨)، وابن حبان (١٨٦٤)، والدارقطني (١/ ٢٩٥)، والشافعي في المسند (١٣٨)، (١٠٢٥)، والطبراني في الكبير (١٣١١٢)، والأوسط (١٨٢٢)، وابن الجارود في المنتقى (١٧٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٣).
[ ١ / ٢٢٠ ]
الصلاة أي: إذا أراد افتتاحها، رفع يديه حذاء، بكسر الحاء والذال المعجمة المفتوحة والألف الممدودة، مَنْكِبَيهِ بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الكاف، وفتح الباء الموحدة، والياء التحتية الساكنة، تثنية منكب، وهو مجمع عظم العضد والكتف، أي: رفع رسول الله - ﷺ - يديه مقابل منكبيه، وأما عند أبي حنيفة فمحاذاة يديه لأذنيه سنة، وهو رواية عن أحمد.
لما روى مسلم من حديث وائل بن حجر، أنه رأى رسول الله - ﷺ - رفع يديه حين دخل في الصلاة، كبر ووضع حيال أذنيه، أي: مقابل أذنية، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى (١)، والخلاف في الأفضلية فتأمل.
ثم قال أبو يوسف: يرفع يديه مقارنًا للتكبير، فيقارنه كتكبير الركوع والسجود.
وقال أبو حنيفة ومحمد: يرفع يديه، ثم يكبر؛ لأن في الرفع نفي الكبرياء عن غيره - تعالى - وفي التكبير إثبات الكبرياء له سبحانه، والنفي مقدم على الإِثبات، كما في كلمة الشهادة.
فإن قيل: ما الحكمة أن النفي فى قوله: "لا إله إلا الله" مقدم على الإثبات؟
أجاب بعض العارفين: قدم النفي على الإِثبات ردًا على زاعم الشريك ومدعيه؛ لأن المناسب في لسان العرب من طريق البلاغة والفصاحة، أن يجاب مدعي الإِثبات بالنفي، ومدعي النفي بالإِثبات، وهو من أسرار البلاغة المحمدية والعربية الأحمدية، كما في (خواتيم الحكم) (٢)، وإذا كبَّر للركوع رفع يديه، وإذا رفع رأْسه من الركوع رفع يديه، وأغرب السيوطي (٣)؛ حيث ذكر هنا ما رواه الطبراني عن عقبة بن عامر الجهني، قال: نكتب في إشارة يشيرها الرجل بيده في الصلاة بكل أصبع حسنة أو درجة (٤)،
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٤٠١)، وأحمد (١٨٣٨٧)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٧)، حديث (٦٠)، والبيهقي في الكبرى (٢٣٧١) (٢٥٧٢).
(٢) انظر: خواتيم الحكم (١/ ٥١).
(٣) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٧٤)، وشرح الزرقاني (١/ ٢٢٨).
(٤) أخرجه: الطبراني في الكبير (١٧/ ٢٩٧)، حديث (٨١٩)، والفردوس (٩٠١١). قال في المجمع: رواه الطبراني، وإسناده حسن (٢/ ١٠٣).
[ ١ / ٢٢١ ]
ووجه غرابته أن الرفع لا يسمى إشارة، وإنما محل ذكره الإِشارة الآتية في حال التشهد، ثم قال: أي: - ﵇ - بعد رفع يديه في حال الانتقال: "سمع الله لمن حمده"، أي: قيل: الله حمد من حمده؛ لأن السماع يذكر ويراد القبول مجازًا، كما يقال: سمع الأمير كلام فلان في الحديث: "أعوذُ بك من دعاءٍ لا يُسمع"، أي: لا يُستجاب، والهاء للسكتة، والاستراحة، والكناية - كما في (مراقي الفلاح) - ثم قال: أي: حال الاعتدال: "ربنا لك الحمد"، أي: بدون الواو.
قال الفاضل السيد محمد الزرقاني (١): قال العلماء: الرواية بثبوت الواو، وهي زائدة، وقيل: عاطفة على محذوف، أي: حمدناك، وقيل: هي واو الحال، قاله ابن الأثير، وضعَّف ما عداه، واستدل به على أن الإِمام يجمع بين اللفظين؛ لأن غالب أحواله - ﷺ - الإِمامة، وعليه الشافعي وأبو يوسف ومحمد وجماعة، أن الإِمام والمأموم والفذ يقول اللفظين.
وقال مالك وأبو حنيفة: يقول الإِمام: سمع الله لمن حمده فقط، والمأموم: ربنا لك الحمد فقط.
الحديث: "إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، (ق ١٠٤) فقولوا: ربنا ولك الحمد" (٢)، فقصر الإِمام على قوله ذلك، والمأموم على الآخر، وهذه قسمة منافية للشركة كحديث: "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر".
وأجابوا عن هذا الحديث بحمله على صلاته - ﷺ - منفردًا، أو على صلاة النافلة، توفيقًا بين الحديثين، والمنفرد يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، يعني: يجمع ما بينهما.
* * *
_________________
(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٢٩).
(٢) أخرجه: البخاري (٦٨٩)، ومسلم (٤١١).
[ ١ / ٢٢٢ ]
١٠٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان إذا ابتدأ الصلاة رفع يديه حذوَ مَنْكِبَيْهِ، وإذا رفع من ركعته رفعهما دون ذلك.
• أخبرنا، وفي نسخة محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة محمد: أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان إذا ابتدأ الصلاة أي: افتتحها رفع يديه حذوَ أي: مقابل مَنْكِبَيْهِ، تثنية منكب بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الكاف، والباء الموحدة مجمع عظم العضد، والكتف.
نقل ابن عبد البر (١) وغيره أن هذا الحديث وقفها نافع على ابن عمر، ورفعها سالم عن أبيه، والقول قول سالم، ولم يلتفت الناس فيها إلى نافع. ونقل الحافظ البخاري، وأشار إلى رد هذا، بأنه اختلف على نافع ووقفه، فرواه مالك وغيره عنه موقوفًا.
ورواه أيوب عنه عن ابن عمر، كان النبي - ﷺ - إذا كبَّر رفع يديه، وإن ركع رفع رأسه من الركوع، والذي يظهر، أي: أن السبب في هذا الاختلاف أن نافعًا كان يرويه موقوفًا، ثم يعقبه بالرفع، فكأنه - أحيانًا - يقتصر على الموقوف، ويقتصر عليه بعض الرواة عنه، والله أعلم.
وإذا رفع من ركوعه وفي نسخة مصححة: من ركعته، بدل من ركوعه رفعهما أي: يديه، دون ذلك، أي: الرفع في الابتداء، ولعل وجهه أن الأول من المتفق عليه، وهذا دونه في المرتبة؛ لأنه مختلف فيه، فرفع اليدين إلى منكبيه عند رفع رأسه، من الركوع إلى القوم في كل ركعة، ومن التشهد إلى قيام الركعة الثالثة سنة، عند الشافعي ﵀.
* * *
١٠١ - أخبرنا مالك، حدثنا وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه كان يعلمهم التكبير في الصلاة: أمرنا أن نكبر كلما خفضنا أو رفعنا.
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٣٩٠)، ومالك (١٦٨).
(٢) انظر: التمهيد (٩/ ٢٢٦).
(٣) أخرجه: مالك (١٦٦).
[ ١ / ٢٢٣ ]
• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك، حدثنا، وفي نسخة: قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا وهب بن كيسان، القرشي مولاهم (١)، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄، أنه كان يعلمهم، أي: أصحابه من التابعين: التكبير في الصلاة، أي: حال الشروع فيها، قال وهب: أمرنا أي: جابر أن نكبر كلما خفضنا؛ أي: هبطنا للركوع والسجود، أو رفعنا، أي: القعدة والقيام، وهذا الاختلاف فيه بين العلماء الأعلام إلا تكبيرة التحريم فرض، وتكبيرات الانتقال سنة.
ما الحكمة في اقتران التكبير بالرفع؟ (٢):
قال فريق من العلماء: الحكمة في اقترانها أنه يراه الأصم ويسمعه الأعمى وقيل: إشارة إلى طرح الدنيا والإِقبال بكليته على العبادة.
وقيل: إلى الاستسلام، والانقياد، ليناسب فعله قوله: الله أكبر.
وقيل: إلى استعظام ما دخل فيه، وقيل: إتمام القيام.
وقيل: إلى رفع الحجاب بين العبد والمعبود.
وقيل: ليستقبل بجميع يديه.
قال القرطبي: هذا أشبهها (٣).
وقال ابن عبد البر (٤): رفع اليدين معناه عند أهل العلم تعظيم الله تعالى، ولعباده له، وابتهال إليه، (ق ١٠٥) واستسلام وخضوع في حالة الوقوف بين يديه - تعالى - واتباع لسنة نبيه - ﷺ -.
وكان ابن عمر ﵄، يقول: لكل شيء زينة، وزينة الصلاة: التكبير، ورفع اليدين (٥).
_________________
(١) انظر: التقريب (٢/ ٦٥٢).
(٢) انظر: خواتيم الحكم (٢/ ٤٩٧).
(٣) انظر: القرطبي (٧/ ١٩١).
(٤) انظر: التمهيد (٧/ ٨١).
(٥) انظر: التمهيد (٧/ ٨٣)، و(٩/ ٢٢٥)، وشرح الزرقاني (١/ ٢٢٨)، والقرطبي (٧/ ١٩١).
[ ١ / ٢٢٤ ]
وقال عقبة بن عامر: للمصلي بكل صلاة إشارة عشر حسنات، بكل أصبع حسنة انتهى.
وهذا الحديث رواه الطبراني بسند حسن عن عقبة بن عامر، قال: يُكتب بكل إشارة يشيرها الرجل بيده، في الصلاة، بكل أصبع حسنة، أو درجة، موقوف لفظًا، مرفوع حكمًا؛ إذ لا دخل للراوي فيه، وهذا الرفع مستحب وسنة عند جمهور العلماء، عند افتتاح الصلاة، لا واجب كما قاله الأوزاعي، والحميدي شيخ البخاري، وابن خزيمة، وداود وبعض الشافعية والمالكية.
وقال ابن عبد البر (١): وكل من نقل عنه الوجوب لا تبطل الصلاة بتركه، في رواية عن الأوزاعي والحميدي، وهذا شذوذ وخطأ.
وقيل: لا يستحب، حكاه الباجي عن كثير من المالكية، ونقله الخمي، رواية عن مالك، ولذا كان أسلم العبارات قول أبي عمر: أجمع العلماء على جواز رفع اليدين، عند افتتاح الصلاة.
وقول ابن المنذر: لم يختلفوا أنه - ﷺ - كان يرفع يديه، إذا افتتح الصلاة، كذا قاله السيد محمد الزرقاني (٢).
فإن قيل: ما الحكمة فى اقتران التكبير برفع الرأس، في كل انتقال من انتقالات الصلاة؟
أقول بإلهام ربي: إنه يجدد ما في قلبه من المعاني التي سبق ذكرها آنفًا، كما أن من قال: لا إله إلا الله فإنه يجدد معنى بلى، فإنه قال في عالم الأرواح: بلى حين أخرج الله أرواح بني آدم من ظهره كالذرة، وجعلهم عقلاء، ثم خطابهم بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فقالوا: بلى، إيمانًا منهم، فمن قال: لا إله إلا الله، جدده.
* * *
_________________
(١) انظر: التمهيد (٧/ ٨٣).
(٢) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٢٨).
[ ١ / ٢٢٥ ]
١٠٢ - أخبرنا مالك، أخبرني ابن شهاب الزهري، عن علي بن حسين بن عليِّ بن أبي طالب، أنه قال: كان رسول الله - ﷺ - يكبر كلما خفض، وكلما رفع، فلم تزل تلك صلاته حتى لقي الله ﷿.
• أخبرنا، وفي نسخة محمد: قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا مالك، أخبرني، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا ابن شهاب الزهري، عن علي وهو زين العابدين بن حسين بن عليِّ بن أبي طالب، ﵁، وفي بعض النسخ: عنهما، وفي بعضها: عنهم، لكن الصحيح عنه بالضمير المفرد؛ لأن أبا طالب يمنع أن يكون الضمير تثنية وجمعًا، كما يؤيده الضمير المفرد في أنه، أي: علي بن الحسين، وإنما لقب: علي بن الحسين بزين العابدين؛ لكثرة عبادته.
قال مالك: بلغني أن زين العابدين كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة حتى مات.
وروي أن جابرًا قال لمحمد بن زين العابدين يعني: الباقر - وهو صغير -: رسول الله - ﷺ - يسلم عليك، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنتُ جالسًا عند النبي - ﷺ - والحسين في حجره، وهو يلاعبه، فقال: "يا جابر يولد له مولودًا اسمه علي، إذا كان يوم القيامة، نادى منادٍ ليقم سيد العابدين، فيقوم ولده، ثم يولد له ولد اسمه محمد، فإن أدركته فأقرئه مني السلام"، قال: كان رسول الله - ﷺ - يكبر كلما خفض، أي: هبط للركوع والسجود، وكلما رفع، (ق ١٠٦) أي: رأسه من السجود، لا من الركوع؛ لأنه كان يقول: سمع الله لمن حمده، حين رفع رأسه من الركوع؛ فلم تزل تلك أي: الصلاة الموصوفة صلاته أي: المعتادة حتى لقي الله أي: إلى أن قبض الله روحه، عز أي: غلب حكمه على جميع الموجودات، وجل، أي: كثر ذكره على ألسنة الذاكرين.
قال ابن عبد البر (١): لا أعلم خلافًا من رواة (الموطأ)، في إرسال هذا الحديث، وما رواه عن مالك عن ابن شهاب، عن علي بن الحسين، عن أبيه موصولًا، فلم يصح.
_________________
(١) أخرجه: مالك (١٦٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (٢٤٩٧)، والشافعي في المسند (١٥٣)، والبيهقي في الكبرى (٢٥٥٠)، وقال: وهو مرسل حسن.
(٢) انظر: التمهيد (٩/ ١٧٣).
[ ١ / ٢٢٦ ]
وكذا ما رُوي عن مالك عن الزهري عن علي بن الحسين، عن علي بن أبي طالب ﵁، كذا نقله الزرقاني (١) عن السيوطي (٢).
* * *
١٠٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أنه أخبره: أن أبا هريرة كان يصلي بهم، فيكبر كلما خفض ورفع، ثم إذا انصرف قال: والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -.
• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى: حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك، أخبرنا، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: قال: ثنا، وفي نسخة: أخبرني، بالإِفراد ابن شهاب، أي: الزهري، عن أبي سلمة (٣) بن عبد الرحمن بن عوف، أي: التابعي ابن الصحابي، أنه أي: أبا سلمة، أخبره: أي: ابن شهاب، أن أبا هريرة ﵁، كان يصلي بهم، أي: ببعض التابعين، في مسجد المدينة أو غيره، فيكبر كلما خفض أي: كبر حين انهبط للركوع، وكبر كلما رفع، أي: رأسه من السجود، هذا تجديدًا للعهد في أثناء الصلاة بالتكبير، الذي هو شعار النية المأمور بها في أول الصلاة، مقرونة بالتكبير التي كان من حقها أن يستصحب إلى آخر الصلاة، قاله الناصر بن المنير، وظاهر الحديث: عموم التكبير في جميع الانتقالات، لكن خص منه الرفع من الركوع بالإِجماع؛ فإنه يشرع فيه التحميد، ثم إذا انصرف، أي: إذا رفع أبو هريرة من صلاته، قال: وأنزل أتباعه منزلة المنكرين بالحكم، وأخبرهم عن الحكم على خلاف مقتضى الظاهر، حيث أكد الحكيم الذي لا يقتضي التأكيد بواو القسم، وإن واللام
_________________
(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٣١).
(٢) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٧٥).
(٣) أخرجه: البخاري (٧٥٢)، ومسلم (٣٩٢)، والنسائي في المجتبى (١١٥٥)، ومالك (١٦٦)، والنسائي في الكبرى (٧٤١)، والشافعي في الأم (١/ ١١٠)، والبيهقي في الكبرى (٢٣٢١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢١)، وأبو نعيم في المستخرج (٨٦٣).
(٤) تقدم.
[ ١ / ٢٢٧ ]
كأنهم أنكروا صلاة أبي هريرة، وقالوا له: تصلي هكذا، وهل رأيتَ رسول الله - ﷺ - يصلي صلاة مثل صلاتك؟ فأزال ترددهم في الحكم، وإنكارهم به بواو القسم وإن واللام، وأكد الحكم بالحروف المؤكدات؛ فقال: والله؛ أي: أقسم بالله: إني لأشبهكم بفتح اللام، وضم الهمزة، وفتح الشين المعجمة، وكسر الباء الموحدة، المشددة من التشبيه، صلاة أي: صلاتكم التي صليت وأنتم مقتدون، أي: برسول الله - ﷺ -؛ أي: بصلاة رسول الله - ﷺ -، كما في (الموطأ) لمالك.
قال الرافعي: هذه الكلمة مع الفعل نازلة منزلة حكاية فعله - ﷺ -، كما نقله علي القاري عن السيوطي (١)، فيكون الحديث في حكم المرفوع.
وفي الصحيحين من رواية ابن شهاب، أنه قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول - وهو قائم -: ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يهدي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة جميعًا حتى يقضيها، ويكبر حين (ق ١٠٧) يقوم من اثنتين بعد الجلوس (٢)، وهذا الحديث رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى، كلاهما عن مالك.
* * *
١٠٤ - أخبرنا مالك، أخبرني نُعَيْمٌ المجْمِرُ وأبو جعفر القارئ: أن أبا هريرة كان يصلي بهم، فيكبر، كلما خفض ورفع، قال أبو جعفر. وكان يرفع يديه حين يكبر ويفتتح الصلاة.
قال محمد: السنة أن يكبر الرجل في صلاته كلما خفض وكلما رفع،
_________________
(١) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٧٥).
(٢) أخرجه: البخاري (٧٤٧)، ومسلم (٥٩١)، والنسائي (١١٣٨)، وأحمد (٩٤٧٤)، وابن حبان (١٧٦٧)، وابن خزيمة (٥٧٨).
(٣) رواه محمد في الحجة (١/ ٩٥)، من طريق مهنا.
[ ١ / ٢٢٨ ]
وإذا انحط للسجود كبر وإذا انحط للسجود الثاني كبر، فأما رفع اليدين في الصلاة، فإنه يرفع اليدين حذو الأذنين. في ابتداء الصلاة مرة واحدة، ثم لا يرفع في شيء من الصلاة بعد ذلك: وهذا كله قول أبي حنيفة وفي ذلك آثار كثيرة.
• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة: ثنا مالك، أخبرني نُعَيْمٌ بالتصغير المجْمِرُ، اسم فاعل من الإِجمار، بمعنى التجمير، وقد مر ذكره، وأبو جعفر القارئ، بالهمزة من القراءة، وتبدل ياء في الوقف، وهي المقرئ المدني شيخ نافع، وعليه قراءة مالك وغيره، أن أبا هريرة كان يصلي بهم، أي: بالتابعين، فيكبر كلما خفض للركوع ورفع من السجود، وهذا من المتفق عليه، قال أبو جعفر: أي: القارئ، وكان أي: أبو هريرة، ﵁، وفي نسخة بالفاء، يرفع يديه حين يكبر، أي: للتحريمة، ويؤيده قوله: ويفتتح الصلاة، وهذا أيضًا مما لا خلاف فيه.
قال محمد: السنة أي: المؤكدة أن يكبر الرجل في صلاته كلما خفض أي: للركوع، وكلما رفع، أي: رأسه من السجود، وإذا انحط بتشديد الطاء؛ أي: انخفض للسجود كبر، ولعل الأول مجمل، وهذا نوع تفصيل، وإذا انحط أي: انخفض للسجود الثاني كبر، وكذا إذا رفع رأسه فيهما، ولعله تركهما لظهورهما، فأما رفع اليدين في الصلاة، فإنه - أي: المصلي - وفي نسخة: فإنما يرفع اليدين حذو الأذنين، أي: يرفعهما مقابل الأذنين اتفاقًا، وضع المظهر موضع المضمر، وهو خلاف الظاهر، لزيادة تمكن الحكم في ذهن السامع، ومقتضى الظاهر أن يقول: فإنه يرفعهما حذو الأذنين، وفي نسخة: المنكبين لكنه ينفيه قوله في النداء: الصلاة مرة واحدة، أي: لا غير، ثم أكد الحكم السابق بقول: ثم لا يرفع أي: يديه في شيء من الصلاة، أي: من خفض ورفع بعد ذلك، أي: الرفع في الافتتاح، وهذا أي: المذكور كله قول أبي حنيفة وفي ذلك أي: الحصر آثار كثيرة، أي: أخبار شهيرة، كما سنذكرها.
* * *
[ ١ / ٢٢٩ ]
١٠٥ - قال محمد: أخبرنا محمد بن أبان بن صالح، عن عاصم بن كُلَيبٍ الجَرْمِي، عن أبيه، قال: رأيت علي بن أبي طالب ﵁: يرفع يديه في التكبيرة الأولى من الصلاة المكتوبة، ولم يرفعهما فيما سوى ذلك.
• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا محمد بن أبان (١) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة، يصرف، ويمنع ابن صالح، عن عاصم بن (٢) كُلَيبٍ بالتصغير الجَرْمِي، بفتح الجيم وسكون الراء، منسوب إلى جرم بن أبان، وهو كوفي تابعي، سمع أباه وغيره، ومنه الثوري، وشعبة، عن أبيه.
في الاستيعاب: أن كليب بن شهاب الجرمي والد عاصم بن كليب، ولأبيه شهاب صحبة، قال عاصم: إن أباه كليبًا خرج مع أبيه إلى جنازة، شهدها رسول الله - ﷺ - قال: وأنا غلام أفهم وأعقل، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: "إن الله - ﷿ - يحب من العامل، إذا عمل عملًا، أن يحسن"، قال: أي: كليب: رأيت علي بن أبي طالب ﵁: رفع يديه في التكبيرة الأولى من الصلاة المكتوبة، أي: مع أن الاهتمام بإتيان سنتها أولى من غيرها، لا سيما بحضرة الجماعة، ولم يرفعهما أي: اليدين فيما سوى ذلك، أي: من خفض الركوع، ورفعه، ولا يفعل علي كرم الله وجهه بعد النبي بخلافه - ﷺ - إلا بعد قيام الحجة عنده على نسخ ما كان عليه النبي - ﷺ - ذكره (ق ١٠٨) في (المختصر من المختصر لمشكلات الآثار) للطحاوي.
* * *
١٠٦ - قال محمد: أخبرنا محمد بن أبان بن صالح، عن حماد، عن إبراهيم النَّخَعِيَّ، قال: لا ترفع يديك في شيء من الصلاة بعد التكبيرة الأولى.
_________________
(١) أخرجه: الشيباني في الحجة (١/ ٩٦).
(٢) انظر: التقريب (٢/ ٤٩٨).
(٣) انظر: التقريب (١/ ٢٦٧).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٦٧).
[ ١ / ٢٣٠ ]
• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا محمد بن أبان بن صالح، عن حماد، أي: ابن أبي سليمان مسلم، مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، في الطبقة الخامسة من الطبقات الحنفية، أخذ العلم عن إبراهيم بن يزيد النخعي، وتفقه عليه وسمع أنس بن مالك، وكان وحيد فقهاء التابعين في الكوفة، وتفقه عليه إمامنا الأعظم، ﵀، أنه قال: خرجنا مع حماد إلى تشييع الأعمش، وأعذر الماء لصلاة المغرب فأفتى إمامنا حماد بالتيمم لأول الوقت، فقلت: يؤخر إلى آخر الوقت فإن وجد الماء وإلا نتيمم، ففعل، فوجد الماء في آخر الوقت، هذا أول مسألة خالف الإِمام أستاذه حمادًا، مات سنة عشرين ومائة. عن إبراهيم بن يزيد النَّخَعِيَّ، (١) وهو من أكابر المجتهدين في أمر الدين، ومن الطبقة الرابعة من الطبقات الحنفية، ورأى عائشة ﵂، ودخل عليها، وثبت له سماع، وأدرك عصر الصحابة، وأخذ العلم عن علقمة، وكان أعلم الكوفة، والمقتدي في وقته كان يفتي وهو ابن ست عشرة سنة، والعصر عصر بقية التابعين، قال: لا ترفع يديك أي: أيها المصلي في شيء من الصلاة، أي: من أركانها، بعد التكبيرة الأولى.
* * *
١٠٧ - قال محمد: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال: أخبرنا حُصَيْن بن عبد الرحمن، قال: دخلت أنا وعمرو بن مرة على إبراهيم النَّخَعِيَّ، قال عمرو: حدثني علقمة بن وائل الْحَضْرَمِيُّ، عن أبيه، أنه صلى مع رسول الله - ﷺ - فرآه يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع، قال إبراهيم: ما أدري لعله لم يَرَ النبي - ﷺ - يصلي إلا ذلك اليوم، فحفظ هذا منه، ولم يحفظه ابن مسعود وأصحابه. ما سمعته من أحد منهم، إنما كانوا يرفعون أيديهم في بدء الصلاة؛ حين يكبرون.
_________________
(١) انظر: التقريب (١/ ٣٥).
(٢) أخرجه: أحمد (١٨٣٩١)، والنسائي في المجتبى (٨٨٨)، والدارمي (١٣٣١)، والنسائي في الكبرى (٩٦٣)، وابن حبان (١٨٦٠)، وابن خزيمة (١/ ٢٤٢)، حديث (٤٧٧).
[ ١ / ٢٣١ ]
• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا يعقوب أي: القاضي أبو يوسف بن إبراهيم، بن حبيب بن خنيس، بن سعد بن حية الأنصاري، بن سعد، وحية (١) أحد الصحابة - ﵃ - وهو مشهور في الأنصار بأمه، وهي حية بنت مالك من بني عمرو بن عوف، كان القاضي أبو يوسف المذكور من أهل الكوفة، وهو صاحب أبي حنيفة، ﵀ - كان فقيهًا عالمًا حافظًا، سمع: أبا إسحاق الشيباني، وسليمان التيمي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأعمش، وهشام بن عروة، وعطاء بن السائب، ومحمد بن إسحاق بن يسار، من تلك الطبقة، وجالس محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ثم جالس أبا حنيفة النعمان بن الثابت، وكان الغالب عليه مذهب أبي حنيفة، وخالفه في مواضع كثيرة، وروى عنه محمد بن الحسن، كما في (تاريخ خلكان) ابن إبراهيم: أخبرنا حُصَيْن بن عبد الرحمن، قال: دخلت أنا وعمرو بن مرة (٢) بضم الميم وتشديد الراء، يكنى أبا مريم الجهني، وقال الأزدي: شهد أكثر المشاهد، وسكن الشام، ومات في أيام معاوية، روى عنه جماعة، كذا في أسماء الرجال لصاحب (المشكاة في فضل الصحابة)، على إبراهيم النَّخَعِيَّ (٣)، وهو من أجلاء التابعين، قال عمرو: أي: ابن مرة حدثني علقمة بن وائل الْحَضْرَمِيُّ، عن أبيه، أي: وائل بن حجر (٤)، كان قليل من إقبال حضرموت، وكان أبوهم من ملوكهم، وفد على النبي - ﷺ - فلما دخل عليه رحب به وأدناه من نفسه، وبسط له ردائه فأجلسه، وقال: "اللهم بارك في وائل وولده"، واستعمله على الإِقبال من حضرموت، أنه صلى مع رسول الله - ﷺ - فرآه يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، وإذا (ق ١٠٩) رفع، قال إبراهيم، أي: النخعي: ما أدري أي: صحبة ذلك، أو وجه ما هنالك، لعله أي: أرجو أن وائل بن حجر لم يَرَ النبي - ﷺ - يصلي إلا ذلك اليوم، بل يحتمل أنه رآه يصلي مرة واحدة، في ذلك اليوم فحفظ هذا منه، والواو عطف على مقدر، قدر بعد الاستفهام الإِنكاري المقدر تقديره: أصلى وائل بن حجر مع رسول الله - ﷺ - فحفظ هذا الرفع منه - ﷺ - ولم يحفظه ابن مسعود أي: مع طول ملازمته وكثرة مشاهدته.
_________________
(١) انظر: ميزان الاعتدال (٧/ ٢٧٢).
(٢) انظر: التقريب (١/ ٤٤٧).
(٣) تقدم.
(٤) انظر: التقريب (٢/ ٦٤٥).
[ ١ / ٢٣٢ ]
وفي المعتصر (١): قال إبراهيم النخعي: إن كان وائل رآه مرة يفعل ذلك، فقد رآه عبد الله بن مسعود خمسين مرة لا يفعل ذلك، وأصحابه أي: وسائر أصحاب النبي - ﷺ -، ما سمعته أي: لم أسمع رفع اليدين، حين رفع رأسه من الركوع إلا من أحد منهم، أي: من الصحابة إنما كانوا أي: الصحابة يرفعون أيديهم في بدء الصلاة؛ حين يكبرون، أي: للتحريمة فقط، وهذا بمنزلة دعوى الإِجماع، ولو كان - ﷺ - يرفع يديه أحيانًا في الانتقال، ليطلع القوم على ما صور له من اختلاف الأحوال، ثم لما الأفعال ترك الرفع، إلا ما في بدء الإِمام، فلعله كان - ﷺ - فعله ذلك كان تعليمًا لوائل؛ ليتنبه على الأواخر والأوائل.
* * *
١٠٨ - قال محمد: أخبرنا محمد بن أبان بن صالح، عن عبد العزيز بن حكيم، قال: رأيت ابن عمر يرفع يديه بحذاء أذنيه في أول تكبيرة افتتاح الصلاة ولم يرفعهما فيما سوى ذلك.
• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا محمد بن أبان بن صالح، عن عبد العزيز بن حكيم، قال: رأيت ابن عمر يرفع يديه بحذاء أذنيه في أول تكبيرة افتتاح الصلاة ولم يرفعهما فيما سوى ذلك.
وفي المعتصر (٢) عن مجاهد: قال: صليتُ خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى.
والظاهر أنه لم يترك بعد النبي - ﷺ - ما كان فعله، إلا لا يوجب له ذلك من نسخ.
وقد روى الأسود (٣) قال: ما رأيتُ عمر بن الخطاب ﵁ يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم يعود.
_________________
(١) انظر: معتصر المختصر (١/ ٣٦)، وشرح معاني الآثار (١/ ٢٢٤).
(٢) أخرجه: الشوكاني في نيل الأوطار (٢/ ١٩٥).
(٣) انظر: تحفة الأحوذي (٢/ ٩٦)، ومن رمي بالاختلاط (١/ ٧٠)، ومعتصر المختصر (١/ ٣٧).
(٤) انظر: معتصر المختصر (١/ ٣٨).
[ ١ / ٢٣٣ ]
إذا كان عمر وعلي وابن مسعود، وموضعهم من الصلاة مع رسول الله - ﷺ - موضعهم على ذلك، ثم ابن عمر بعدهم على مثله، لم يكن شيء مما رُوي في القبول أولى مما رووه.
* * *
١٠٩ - قال محمد: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله النَّهشَلِيُّ، عن عاصم بن كليب الْجَرْمِيِّ، عن أبيه؛ وكان من أصحاب علي بن أبي طالب، ﵁: أن عليّا ﵁ كان يرفع يديه في التكبيرة الأولى التي يفتتح بها الصلاة، ثم لا يرفعهما في شيء من الصلاة.
• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا أبو بكر بن عبد الله النَّهشَلِيُّ، عن عاصم بن كليب الْجَرْمِيِّ، عن أبيه؛ وكان من أصحاب علي بن أبي طالب، ﵁، أي: المخصوصين والملازمين له، أن عليّا بن أبي طالب ﵁ كان يرفع يديه في التكبيرة الأولى التي يفتتح بها الصلاة، ثم لا يرفعهما في شيء من الصلاة، أي: من أفعالها، وقت انتقال أفعالها.
* * *
١١٠ - قال محمد: أخبرنا الثوري، قال: حدثنا حصين، عن إبراهيم، عن ابن مسعود: أنه كان يرفع يديه، إذا افتتح الصلاة.
• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا الثوري (١)، وهو سفيان بن سعيد، الكوفي، تابعي جليل، روى عنه معمر والأوزاعي، وابن جريج، ومالك، وشعبة، وابن عيينة، وفضيل بن عياض، وغيرهم، مات بالبصرة سنة إحدى
_________________
(١) أخرجه: النسائي في المجتبى (٦٧٥)، وابن ماجه (٨٥٨)، وأحمد (٤٥٤٠)، والنسائي في الكبرى (٦٧٥)، وابن أبي شيبة (١/ ٢١٢) حديث رقم (٢٤٢٥)، والبيهقي في الكبرى (٢١٣٤).
(٢) انظر: التقريب (١/ ٢١٦).
[ ١ / ٢٣٤ ]
وستين ومائة، وهو أحد الأئمة المجتهدين في علوم الدين، قال: حدثنا حصين، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، ﵁، أنه كان يرفع يديه، إذا افتتح الصلاة، أي: وقت ابتداء صلاته فقط، وقد اجتمع (ق ١١٠) الإِمام أبو حنيفة مع الأوزاعي بمكة، في دار الخياطين وقت ابتداء صلاته فقط.
فقال الأوزاعي: ما لكم لا ترفعون أيديكم عند الركوع والرفع منه، لأجل أنه لم يصح عن رسول الله - ﷺ - فيه شيء، أي: مما لا يعارض.
فقال الأوزاعي: كيف لم يصح، وقد حدثني الزهري عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - كان يرفع يديه، إذا افتتح الصلاة، وعند الركوع، وعند الرفع منه.
فقال أبو حنيفة: حدثنا حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، والأسود، عن عبد الله بن مسعود، ﵁ (١) أن النبي - ﷺ - كان لا يرفع يديه، إلا عند الصلاة، ثم لا يعود.
فقال الأوزاعي: أحدثك عن الزهري، عن سالم عن أبيه، وتقول: حدثني حماد عن إبراهيم؟
فقال أبو حنيفة: كان حماد أفقه من الزهري، وكان إبراهيم أفقه من سالم، وعلقمة ليس بدون ابن عمر في الفقه، وإن كان لابن عمر صحبة، فله فضل صحبته، وللأسود فضل كثير، وعبد الله قال ابن الهمام: فرجح بفقه الرواة.
كما رجح الأوزاعي بعلو الإِسناد، وهو المذهب المنصور عندنا، والله أعلم، كما قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان كيفية الشروع في الصلاة، شرع في بيان أحكام القراءة؛ التي يجهر بها الرجل خلف الإِمام، فقال: هذا.
* * *
_________________
(١) أخرجه: النسائي (١٠٥٧)، وأحمد (٣٦٧٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (٢٥٣٣)، وأبو يعلى (٥٣٠٢).
[ ١ / ٢٣٥ ]