١٣٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا أمَّنَ الإمامُ فأمِّنُوا، فإنه من وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفَرِ له ما تقدّمَ من ذنبه".
وقال ابن شهاب: كان رسول الله - ﷺ - يقول: آمين.
_________________
(١) انظر: إمداد الفتاح (ص: ٩١).
(٢) أخرجه: البخاري (٧٨٠)، ومسلم (٤١٠)، وأبو داود (٩٣٦)، والترمذي (٢٥٠)، والنسائي (٩٢٨)، وابن ماجه (٨٥١)، وأحمد (٧١٤٧)، ومالك (١٩٥).
[ ١ / ٢٦٧ ]
قال محمد: وبهذا نأخُذُ. ينبغي إذا فرغ الإِمامُ من أُمِّ الكتاب أن يُؤَمِّنَ الإِمامُ ويؤمِّنَ من خلفه ولا يجهرون بذلك.
فأما أبو حنيفة فقال: يؤمنُ مَن خلفَ الإِمامِ ولا يؤمّنُ الإِمامُ.
بيان حكم التأمين في الصلاة، وفي نسخة: آمين بالمد والقصر، وبتخفيف الميم، اسم فعل بمعنى استجب، وفي الحديث: آمين خاتم: الحمد لله رب العالمين، وليس من القرآن - إجماعًا - ويكره كتابته في آخر الفاتحة، وتشديد الميم خطأ، لكن لا تفسد الصلاة على الصحيح؛ لأنه من ألفاظ القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]، أي: قاصدين.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة: أنا، أخبرنا الزهري، وفي نسخة: أخبرني، بالإِفراد عن موقع، أخبرنا الزهري، وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله، بن عبد الله بن شهاب، بن عبد الله بن الحارث، بن زهرة، بن كلاب، القرشي، الزهري: أبي بكر الفقيه، الحافظ، المتفق على جلالته وإتقانه، وهو من الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، لقي عشرًا من الصحابة، مات سنة خمس وعشرين وقيل: قبلها بسنة أو سنتين بعد المائة، كما قاله الزرقاني في شرح (الموطأ) للإِمام مالك، وأبو الفرج في (طبقاته) (١)، عن سعيد بن المسيب وأبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن، أي: ابن عوف، التابعي ابن الصحابي، كذا قاله الزرقاني (٢)، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا أمَّنَ الإمامُ فأمِّنُوا. بتشديد الميم (ق ١٢٧)، قيل: يعني إذا بلغ موضع التأمين من القراءة، أي: إذا قال الإِمام ولا الضالين، فقولوا: آمين، ظاهره أن الإِمام يؤمن، وبه قال مالك في رواية المدنيين، والشافعي والجمهور، وتعقب لأنها قضية شرطية، وأجيب بأن التعبير بإذا ليشعر بتحقق الوقوع، وقيل: إِذا أمن، معناه: إذا دعا، وتسمية الداعي مؤمنًا سائغة. كما في قوله تعالى: ﴿أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩].
_________________
(١) تقدم.
(٢) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٣٥١).
[ ١ / ٢٦٨ ]
وكان موسى داعيًا، وهارون مؤمِّنًا، رواه ابن مردويه من حديث أنس، ورد بعدم الملازمة، فلا يلزم من تسمية المؤمن داعيًا عكسه، قاله ابن عبد البر، والحديث الذي رواه ابن مردويه لا يصح، ولو صح فكون هارون داعيًا تغليب (١).
ويصح من رواية ابن خزيمة في صحيحه؛ من رواية زربى مولى آل المهلب عن أنس ﵁ قال: كنا عند النبي - ﷺ - جلوسًا فقال: "إن الله أعطاني خصالًا ثلاثة: أعطاني صلاة في الصفوف، وأعطاني التحية؛ إنها تحية أهل الجنة، وأعطاني التأمين، ولم يعطه أحدًا من النبيين قبيلي، إلا أن يكون الله أعطاها هارون، يدعو موسى ويؤمن هارون" (٢)، كذا في (الترغيب والترهيب) للمنذري، فإنه أي: الشأن من وافق تأمينُه أي: قوله: آمين تأمينَ الملائكة أي: قولهم: آمين، كما أخرج مالك عن سُميّ، مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن أبي صالح السماك، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم، ولا الضالين، فقولوا: آمين؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه" (٣).
وقيل: المراد الموافقة في الإِخلاص والخشوع.
كابن حبان: فإنه لما ذكر الحديث، قال: يريد موافقة الملائكة في الإِخلاص بغير إعجاب (٤)، وكذا احتيج فيه غيره، فقال: ونحو ذلك من الصفات المحمودة أو في إجابة الدعاء، وفي الدعاء في الطاعة، أو المراد بتأمين الملائكة استغفارهم للمؤمنين.
ذكر محمد الضبي، قال: سمعتُ محمد بن سماعة، يقول: أقمتُ أربعين سنة لم تفتني التكبيرة الأولى في الصلاة؛ إلا يومًا واحدًا ماتت فيه أمي، ففاتني صلاة في جماعة، فقمتُ وصليت خمسًا وعشرين صلاة، أريد بذلك التضعيف، فغلبتني عيناي فنمت، فقيل لي في النوم: قد صليت، ولكن كيف لك بتأمين الملائكة.
_________________
(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٦٠).
(٢) أخرجه: ابن خزيمة (١٥٨٦)، والحارث (١٥٢)، (١٧٢).
(٣) أخرجه: البخاري (٧٤٩).
(٤) أخرجه: ابن حبان (٥/ ١٠٦) حديث (١٨٠٣).
[ ١ / ٢٦٩ ]
كذا قاله الإِمام المحدث شمس الدين بن محمد بن محمد بن بناتة المصري، من كتاب (الاكتفاء في تاريخ الخلفاء).
وقال ابن المنير: الحكمة في إيثار الموافقة في القول والزمان أن يكون المؤمن على يقظة؛ للإِتيان بالوظيفة في محلها؛ لأن الملائكة لا غفلة عندهم، فمن وافقهم كان مستيقظًا، ثم ظاهره المراد بالملائكة جميعهم.
واختاره ابن بريدة، وقيل: الحفظة منهم، وقيل: الذين يتعاقبون فيهم، إذا قلنا: إنهم غير الحفظة، كما قاله الزرقاني (١).
والذي يظهر أي: أن المراد بهم الذين يطلبون أهل الذكر.
لما روى البخاري ومسلم (٢) بالواسطة عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن لله ملائكة يطوفون في الطرق، يلتمسون أهل الذكر، أي (ق ١٢٨) ليزوروهم ويستمعوا ذكرهم، ويستغفروا بذنوبهم، ويقولوا: آمين بدعائهم، وإذا وجدوا قومًا يذكرون الله، تنادوا هلموا إلى حاجتكم"، قال - ﷺ -: "فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فإذا تفرقوا - أي: الذاكرون - عرجوا - أي الملائكة - إلى السماء"، قال ﵇: "فيسألهم الله - وهو أعلم بهم -: من أين جئتم؟ فيقولوا: جئنا من عند عبادك في الأرض"، قال ﵇: "فيسألهم ربهم - وهو أعلم بهم - ما يقول عبادي؟ قالوا: يسبحونك، ويكبرونك، ويحمدونك، ويهللونك، ويمجدونك"، قال - ﷺ -: "فيقول تعالى: هل رأوني؟ "، قال ﵇: "فيقولون: لا - والله - ما رأوك"، قال - ﷺ -: "فيقول تعالى: كيف لو رأوني؟ "، قال - ﷺ -: "يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيدًا، وأكثر لك تسبيحًا"، قال - ﷺ -: "فيقول تعالى: فما يسألون؟ قالوا: يسألونك الجنة"، قال - ﷺ -: "فيقول تعالى: فهل رأوها؟ فيقولون: لا - والله - ما رأوها"، قال - ﷺ -: "فيقول تعالى: فكيف لو رأوها"، قال - ﷺ -: "يقولون: كانوا أشد عليها حرصًا، وأشد لها طلبًا، وأعظم بها رغبة"، قال - ﷺ -: "يقول تعالى: فبم يتعوذون؟ "، قال - ﷺ -: "يقولون: يتعوذون
_________________
(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٦٠).
(٢) أخرجه: البخاري (٦٤٠٨)، ومسلم (٢٦٨٩)، والترمذي (٣٦٠٠)، وأحمد (٧٣٧٦).
[ ١ / ٢٧٠ ]
من النار"، قال - ﷺ -: "يقول تعالى: هل رأوها؟، قال - ﷺ -: "يقولون: لا - والله - يا رب ما رأوها"، قال - ﷺ -: "يقول تعالى: فكيف لو رأوها؟ "، قال - ﷺ -: "يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارًا، وأشد لها مخافة، قالوا: ويستغفرونك"، قال - ﷺ -: "فيقول الله تعالى: أشهدكم أني قد غفرتُ لهم، وأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا"، أي: أمنتهم مما يخافون، قال - ﷺ -: "يقول: أي ملك من الملائكة رب فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة"، وفي رواية: "يقولون: يا رب فيهم عبد خطاء - أي كثير الخطأ - إنما مر بهم فجلس معهم، فيقول تعالى له غفرت، وهم - أي: الذاكرون - القوم لا يشقى بهم جليسهم"، أي: لا يُحرم من الثواب، بل يصب من بركتهم نصيبًا. قاله البغوي في باب الذكر من (المصابيح).
غُفِرَ له ما تقدّمَ من ذنبه،، وفي رواية: "وما تأخر"، أي: من الصغائر، ويرجى الكبائر، فمن بيانية لا تبعيضية.
وقال سعيد بن زيد الباجي، المالكي: ظاهره غفران جميع ذنوبه المتقدمة، من الصغائر والكبائر، فإذا كانت الفرائض لا تكفرها، فأولى التأمين المستحب، وأجيب بأن المكفر ليس التأمين، الذي هو فعل المؤمن بل وفاق الملائكة، وليس ذلك إلى صنعه، بل فضل من الله والذي يظهر لي والمراد بالكبائر - فيما ثبت من الحديث - أكبر الكبائر وهو الكفر، وفيه مضاف محذوف.
قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، أو المراد بالكبائر المطلقة، والمطلق ينصرف إلى الكمال، والكامل هو الكفر.
فإن قيل: المغفرة في الآية مقرونة بالتوبة عند بعض المعتزلة، ولم يتب أجيب عنه بأن المراد بالتوبة الرجوع (ق ١٢٩) عن ما كره الله، إلى مرضاة الله تعالى؛ فإن المأموم لو لم يتب لما قال آمين حين يقول الإِمام: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾
قال: أي: مالك، كما في نسخة، فقال ابن شهاب؛ أي: محمد بن مسلم بن عبيد
[ ١ / ٢٧١ ]
الله بن عبد الله بن شهاب، بن عبد الله بن الحارث، بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري (١)، وهذا من مراسله.
وقد أخرجه الدارقطني موصولًا من طريق حفص بن مالك عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، وقال: تفرد به حفص بن عمرو، وهو ضعيف على ما ذكره السيوطي (٢).
كان النبي - ﷺ - يقول: آمين، وفى نسخة: كان رسول الله - ﷺ - يقول: آمين. وزاد مسلم: في صلاته.
قال العسقلاني (٣): فيحمل المطلق على المقيد، كما ذكره السيوطي (٤). والأظهر حمله على عمومه؛ الذي غير مناف الخصوصية.
قال محمد: وبهذا أي: بهذا الحديث نأخُذُ؛ أي: نعمل استحبابًا، ينبغي إذا فرغ الإِمامُ من أُمِّ الكتاب، وهو الفاتحة، أن يُؤَمِّنَ الإِمامُ ويؤمِّنَ من خلفُه، قوله: آمين، بمد وبقصر وبتشديد الميم.
قيل: هو اسم من أسماء الله تعالى، وقيل: معناه: اللهم استجب، أو كذا فافعل، وكذلك فليكن، كذا قاله المنذري (٥) أي: من المأمومين في الصلاة الجهرية إما متوافقين أو متواليين، ولا يجهرون أي: الإِمام والقوم بذلك، أي: بقول: آمين، خلافًا للشافعي.
فأما أبو حنيفة فقال: يؤمنُ مَن خلفَ الإِمامِ ولا يؤمّنُ الإِمامُ، نظرًا إلى أن الإِمام هو الداعي بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وقفًا على التسميع والتحميد حال الجماعة.
لما فرغ من بيان حكم فعل المصلي يفعله قصدًا، شرع في بيان حكم فعل يفعله في صلاته سهوًا، فقال: هذا
* * *
_________________
(١) تقدم.
(٢) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٨٥).
(٣) انظر: الفتح (٢/ ٢٦٦).
(٤) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٨٥).
(٥) انظر: الترغيب والترهيب (١/ ١٩٤).
[ ١ / ٢٧٢ ]