بيان أحكام الجلوس بالضرورة، وبغيرها في الصلاة، أي: سواء كانت فريضة أو نافلة.
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠)، والنسائي (١٠٩٧)، وأحمد (٢٦٥٣).
[ ١ / ٣٠٥ ]
١٥١ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أنه صلَّى إلى جَنْبِهِ رجلٌ. فلما جَلَسَ الرجلُ تربّع وثنى رجلَهُ. فلما انصرف ابن عمر عَابَ ذلك عليه، قال الرجل: فإنّك تفعلُهُ. قال: إني أشْتكي.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة محمد: أخبرنا مالك، أي: مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من كبار أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، حدثنا عبد الله بن دينار، العدوي، مولى ابن عمر، ثقة في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين، وقيل: قبلها بعد المائة، قاله ابن حجر (١).
وفي نسخة: عن بدل حدثنا، عن ابن عمر أنه صلَّى إلى جَنْبِهِ رجلٌ. فلما جَلَسَ الرجلُ تربّع، أي: الرجل في جلوسه حال تشهده، وثنى رجلَهُ، أي: رد إحديهما على الأخرى، وعطفها على الأخرى.
قال الباجي - من المالكية -: التربع ضربان: أحدهما أن يخالف بين رجليه، فيضع رجله اليمنى تحت ركبته باليسرى، ورجله اليسرى تحت ركبته اليمنى، والثاني: أن يتربع ويثني رجله اليمنى فيكون عند إليته اليمنى، ويشبه أن تكون هذه هي التي عابها ابن عمر، كما قال: فلما انصرف ابن عمر أي: من الصلاة، عَابَ ذلك أي: أنكر فعله هذا، قال الرجل: فإنّك تفعلُهُ. قال: أي: ابن عمر: إني أشْتكي، أي: ضعفًا أو مرضًا، فأجاز في العذر دون غيره؛ فإن المحذورات تبيح المحظورات.
قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي في (طبقاته): كان الرجل إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله - ﷺ -، قال ابن عمر: فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصصها عليه، وكنتُ غلامًا شابًا عزبًا أنام في المسجد، فرأيتُ كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية البئر فإذا لها قرنان، وأرى فيها ناسًا قد عرفتهم، فجعلتُ أقول: أعوذ بالله من النار، فلقيها ملك آخر، فقال: لن ترع فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على النبي
_________________
(١) انظر: التقريب (١/ ٢٨٦).
[ ١ / ٣٠٦ ]
- ﷺ - فقال: "نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل"، فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا (١).
وقال: رأيتُ في المنام كأن بيدي قطعة استبرق، ولا أشير بها إلى مكان من الجنة إلا طارت بي إليه، قصصتها حفصة، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، فقال: تمنوا، فقال عبد الله بن الزبير: أما أنا فأتمنى الخلافة، وقال عروة: أتمنى أن يؤخذ عني العلم، وقال مصعب: أتمنى ولاية العراق، والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين، وقال ابن عمر: أتمنى المغفرة، فنالوا ما تمنوا، ولعله قد غُفِرَ له.
* * *
١٥٢ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يرى أباه يَتَرَبَّع في الصلاة إذا جلس، قال: فَفَعلتُه وأنا يومئذ حديث السِّنِّ، فنهاني أبي، وقال: إنَّها لَيْسَتْ بسُنَّةِ الصلاةِ إنما سُنَّةُ الصلاة أن تَنْصِبَ رجلَك اليمنى، وتثْني رجلَك اليُسْرى.
قال محمد: وبهذا نأخُذ، وهو قولُ أبي حنيفة.
وكان مالك بن أنس يأخذ بذلك في الركعتين الأوُلَيَيْن، فأما في الرابعة، فإنه كان يقول: يُفضي الرجل بإلْيَتَيْه إلى الأرض، ويجعل رجليه على الجانب الأيمن.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، أي: محمد بن أبي بكر الصديق التيمي ﵁، كان عبد الرحمن في الطبقة السادسة، وأبوه (ق ١٤٩) في الثانية من طبقات التابعين
_________________
(١) أخرجه: البخاري (١١٢٢)، (٣٧٣٩)، ومسلم (٢٤٧٩)، وابن ماجه (٢٢١)، وأحمد (٦٢٩٤)، والدارمي (٣٢١).
(٢) أخرجه: البخاري (٨٢٧)، ومالك (٢٠٢)، والبيهقي في الكبرى (٢٦٠٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٥٧)، ومحمد في الحجة (١/ ٢٦٩).
[ ١ / ٣٠٧ ]
من أهل المدينة، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، في (طبقاته) (١)، عن عبيد الله بالتصغير ابن عمر بن الخطاب، ﵁، أنه أي: عبيد الله، العدوي، المدني، يكنى أبا بكر شقيق سالم، ثقة تابعي، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ست ومائة، كما قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب)، كان يرى أباه أي: عبد الله بن عمر، يَتَرَبَّع في الصلاة إذا جلس، أحيانًا، قال: أي: عبيد الله فَفَعلتُه أي: التربع، وأنا يومئذ حديث السِّنِّ، فنهاني أبي، أي: عبد الله بن عمر، والحال أني صغير دون البلوغ، أو مراهق، وأول بلوغ، فقال: أي: ابن عمر: إنَّها أي: هذه الجلسة لَيْسَتْ بسُنَّةِ الصلاةِ، بل سنتها الجلوس على الركبتين، إنما سُنَّةُ الصلاة المشروعة أن تَنْصِبَ رجلَك؛ أي: قدمك اليمنى وتثْني بفتح التاء وكسر النون، أي: وتعطف رجلَك اليُسْرى، وتفرشها، وهذه الضمة، أي: إنما سنة حكمها الرفع، كما نقله علي القاري عن السيوطي (٢).
قال محمد: وبهذا أي: بقول ابن عمر، أن سنة الصلاة في الجلوس أن تنصب رجلك اليمنى وتثني رجلك اليسرى، نأخُذُ أي: نعمل ونفتي، وهو أي: قولنا، بالأخذ بقول ابن عمر، قولُ أبي حنيفة.
لما روى النسائي عن ابن عمر، ﵄، أنه قال: من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى، وتستقبل بأصابعها القبلة، ويجلس على اليسرى (٣)، ورواه البخاري (٤) من غير ذكر استقبال القبلة.
وكان مالك بن أنس الأصبحي يأخذ أي: يعمل ويفتي بذلك أي: الافتراش في الركعتين الأوُلَيَيْن، فأما في الرابعة، وكذا في الثالثة، إذ المراد بها القعدة الثانية، فإنه كان يقول: يُفضي بضم الياء وسكون الفاء، وكسر الضاد، أي: يصل الرجل أي: والمرأة بالأولى بإلْيَتَيْه، بفتح الهمزة، أي: طرفي مقعده إلى الأرض، ويجعل رجليه على
_________________
(١) تقدم.
(٢) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٨٦).
(٣) أخرجه: النسائي (١١٥٨)، بسند صحيح.
(٤) أخرجه: البخاري (٨٢٧)، وتقدم.
[ ١ / ٣٠٨ ]
الجانب الأيمن، أي: مخرجتين إليه، ويسمى التورك، والمشهور أن هذا التفصيل مذهب الشافعي.
والتورك سنة عند مالك في التشهدين، ولعل ما ذكر رواية عنه، وعندنا التورك سنة في حق المرأة؛ لأنه أستر لها.
* * *
١٥٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا صَدَقَةُ بن يَسَار، عن المُغِيرَة بن حكيم، قال: رأيت ابن عمر يجلس على عَقِبَيْهِ بين السجدتين في الصلاة، فذكرت ذلك له، فقال: إنما فَعَلتُه منذ اشْتَكَيْتُ.
قال محمد: وبهذا نأخُذُ، لا ينبغي أن يجلس على عقبيه بين السجدتين، ولكنه يجلس بينهما، كجلوسه في صلاته، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا أخبرني صَدَقَةُ بن يَسَار، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا، أي: الجوزي، نزيل مكة، تابعي صغير، ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة اثنين وثلاثين ومائة، عن المُغِيرَة بن حكيم، قال: رأيت ابن عمر يجلس على عَقِبَيْهِ بين السجدتين في الصلاة، أي: فيما بين السجدتين، أو في القعدتين، فذكرت ذلك له، أي: سألتُ ابن عمر عن الجلوس على العقبين بين السجدتين في الصلاة، هل هو سنة، فقال: إنما فَعَلتُه منذ اشْتَكَيْتُ، والمعنى أنه خلاف السنة إلا أني فعلته لعذر، والضرورات تبيح المحظورات.
قال محمد: وبهذا نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي بأنه: لا ينبغي أن يجلس أي: المصلي على عقبيه بين السجدتين، فضلًا عن القعدتين، ولكنه أي: المصلي يجلس بينهما، أي: بين السجدتين كجلوسه في صلاته، والجلوس بين السجدتين مقدار تسبيحة سنة، وهو قولُ أبي حنيفة.
فإن قيل ما (ق ١٥٠) الحكمة: لم جعل الله الركوع واحدًا، والسجود اثنين؟
[ ١ / ٣٠٩ ]
فالجواب: قال النيسابوري: الركوع أيضًا؛ لأن الركوع هو الانحناء، وهو يتكرر أيضًا، واحد للركوع، وواحد بعد رفع الرأس، والحط للسجود، وهذا الانحناء هو الركوع، وأما كون السجدة اثنين؛ فلأن إبليس أمر بالسجدة فأبى عنها، واستحفظها، وكان من الكافرين، وأمرنا أن نسجد ووعدنا ربنا بالجنة، فسجدنا ثانيًا شكرًا لهذه النعمة، ورغمًا لإِبليس.
وقيل: إن آدم صلوات الله على نبينا وعليه - لما سجد تاب الله عليه، فرفع رأسه من السجدة، وسجد ثانيًا شكرًا لله - تعالى - فكانتا ميراثًا لنا، هذا خلاصة ما في (خواتم الكلم) (١).
لما فرغ من بيان أحكام الجلوس في الصلاة، شرع في بيان أحكام القعود فيها، فقال: هذا
* * *