بيان حكم حال الرجل يفعل الجهر بالقراءة في الصلاة الجهرية، وما يستحب من ذلك، أي: وما قدر ما يستحب من ذلك الجهر.
١٣٤ - أخبرنا مالك، أخبرني عَمِّي أبوُ سُهَيْل، أن أباه أخبره أن عمر بن الخطاب كان يجهر بالقراءة في الصلاة، وأنه كان يسمع قراءة عُمر بن الخطاب عند دار أبي جَهْم.
قال محمد: الجهر بالقراءة في الصلاة، فيما يجهر فيه بالقراءة: حسن، ما لم يجهد الرجل نفسه.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى:
_________________
(١) أخرجه: أبو داود (٨١٨)، وأحمد (١٠٦١٥)، وابن حبان (١٧٩٠)، والبخاري في التاريخ (٤/ ٣٥٧)، وفي الضعفاء الصغير (ص: ٦٢)، والبيهقي في الكبرى (٢٢٩٠)، وفي القراءة (٣٣).
(٢) أخرجه: مالك (١٧٩)، والنسائي في الكبرى (٨٨٢٦)، والبيهقي في الكبرى (٢٨٩٤).
[ ١ / ٢٦٥ ]
محمد أخبرنا مالك، وهو ابن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر، الإِمام، صاحب المذهب، الأصبحي، في الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة (١).
أخبرني عَمِّي أبُو سُهَيْل، بالتصغير، وفي نسخة: قال: ثنا، زاد يحيى بن مالك أن أباه؛ أي: مالك بن أبي عامر الأصبحي، اسمه: نافع، تابعي، أخبره أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يجهر بالقراءة في الصلاة الجهرية، وهو إمام في مسجد المدينة، وأنه أي: الشأن كان يُسْمَع أي: بصيغة المجهول، قراءة عُمر بن الخطاب ﵁، عند دار أبي جَهْم، بفتح الجيم وسكون الهاء، وهو عامر بن حذيفة، العدوي، القرشي، وهو مشهور بكنيته، وهو الذي طلب رسول الله - ﷺ - أنبجانيته في الصلاة، ويقال فيه: أبو جهيم بالتصغير، وهو صحابي قرشي عدوي من مسلمة الفتح، ومشيخة قريش ومعمريهم، حضر بناء قريش الكعبة، وبناء ابن الزبير لها، وهو أحد من ترك الخمر في الجاهلية، خوفًا على عقله (٢).
وزاد يحيى بالبلاط، بفتح الموحدة بزنة سحاب، موضع بالمدينة بين المسجد والسوق، كما في (القاموس).
قال ابن عبد البر: وكان عمر مديدًا بالصوت، فيسمع صوته في البلاط، وقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: لا بأس بأن يرفع المتنفل في بيته صوته بالقراءة، ولو له أنشطة وأقوى، كما قاله: الزرقاني.
قال محمد: الجهر بالقراءة في الصلاة، فيما أي: في وقت يجهر فيه أي من الصبح، والعشاءين، وصلاة الجمعة، والعيدين، والتراويح، والوتر في رمضان، ولو قضاء، كما قاله صاحب (الهداية): من فاتته صلاة العشاء فقضاها بعد طلوع الشمس، إن أمَّ فيها جهر، كما فعله (ق ١٢٦) النبي - ﷺ - حين قضى الفجر، غداة ليلة التعريس بجماعة، وإن قضاها وحدها خافت، وهو الصحيح. انتهى. بالقراءة: حسن، أي: يستحب أن يصليها منفردًا، وإن صلاها إمامًا بالناس، فالجهر فيما يجهر فيه، والمخافتة
_________________
(١) تقدم.
(٢) انظر: الكنى والأسماء (١/ ١٨٣)، والتاريخ الكبير (٦/ ٤٤٥)، وأسماء من يعرف بكنيته (٣٢)، والجرح والتعديل (١/ ٣٦)، والاستيعاب (٢/ ٧٨٩)، والإِصابة (٣/ ٥٧٨).
[ ١ / ٢٦٦ ]
فيما يخافت فيه واجب عليه، ما لم يجهد بفتح الياء والهاء، وبضم الياء وكسر الهاء، أي: لم يتعب الرجل نفسه، والمقصود الاعتدال، وأدنى الجهر إسماع غيره، وهو الصحيح.
فإن قيل: ما الحكمة بجهر الإمام بالقراءة في بعض الأوقات، ويخافت فى بعضها؟
الجواب: أن النبي - ﷺ - كان يجهر بالقراءة في الصلاة كلها في الابتداء، وكان المشركون يؤذونه، ويسبون من أنزله ومن نزل عليه، فأنزل الله في آخر سورة بني إسرائيل: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، أي: لا تجهر القراءة في صلاتك كلها، ولا تخافت بها كلها، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]، بأن تجهر بصلاة الليل، وتخافت بصلاة النهار، فكان - ﷺ - يخافت في صلاة الظهر والعصر؛ لأن المشركين مستعدون للإِيذاء في هذين الوقتين ويجهر في صلاة المغرب، لاشتغالهم بالأكل والشرب، وفي صلاة العشاء والفجر لرقادهم، وفي الجمعة والعيدين؛ لأن النبي - ﷺ - أقامهما بالمدينة، وما كان للكفار بها قوة، وهذا العذر وإن زال بغلبة المسلمين، فالحكم باق؛ لأن بقاءه يستغني عن بقاء السبب، كما نقلناه في (سلم الفلاح شرح نور الإِيضاح) و(نجاة الأرواح) (١) للشرنبلالي.
لما ذكر ما يجب على المصلي شرع بذكر ما يسن عليه، فقال: هذا
* * *