بيان ما يعرض بصلاة الرجل، مما يوجب قطع الصلاة، ومما يكره للمصلي أن يفعله فيها، يُسَلَّم عليه، بصيغة المجهول، أي: يسلم إنسان على رجل، وهو أي: والحال أن الرجل يصلي.
أخذ المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩].
ومناسبة بين هذا الباب وذلك الباب مفهوم الملائكة والعدم.
١٧٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر: مرَّ على رجل يصلي. فسلم عليه، فرد ﵇، فرجع إليه ابن عمر، فقال: إذا سُلِّم على أحدكم وهو يصلي فلا يتكلم؛ ولْيُشر بيده.
قال محمد: وبهذا نأخُذُ، لا ينبغي للمصلي أن يرد السلام إذا سُلِّم عليه، وهو في الصلاة، فإن فعل فسدت صلاته، ولا ينبغي لأحد أن يُسَلم عليه، وهو يصلي وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من كبار أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة محمد قال: ثنا، أخبرنا نافع، أي: المدني، مولى عبد الله بن عمر، وفي نسخة: عن نافع أن ابن عمر، ﵄، مرَّ على رجل يصلي، أي: ولم يعلم ابن عمر أن الرجل مصلٍ فسلم أي: ابن عمر عليه، أي: على الرجل فرد ﵇، أي: فأجابه بالكلام، فرجع إليه ابن عمر ورد عليه، وأنكر ما فعله، فقال إذا سُلِّمَ بصيغة المجهول، على أحدكم أيها المصلون وهو أي: أحد منكم يصلي فلا يتكلم؛ أي: بغير ذكر الله؛ لأن التكلم بغير كلام الله - تعالى - فيها يوجب قطعها، ولْيُشر بصيغة الأمر الغائب، أي: يلزم أن يشير المصلي منكم لرد السلام، بيده، فإن الإِشارة تقوم مقام
_________________
(١) صحيح، أخرجه: مالك (٣٩٤).
[ ١ / ٣٥٥ ]
العبارة عند الضرورة، وفي (الظهيرية): ولو سلم إنسان على مصلٍ فأشار إلى رد السلام برأسه أو بيده أو بأصبعه لا يفسد صلاته، وكذا لو طلب من المصلي إنسان شيئًا فأومأ برأسه أو بيده بلا أو نعم لا يفسد صلاته؛ انتهى.
لكن كره للمصلي أن يشير بيده برد السلام بغير عذر، كذا قاله التمرتاشي في (منح الغفار): لا ينبغي فيها، والمكروه ضد المحبوب، وما كان النهي فيه ظنيًا وهي كراهية تحريمه إلا لصادف، وإن لم يكن الدليل نهيًا بلا كان مقيدًا للترك الغير الجازم، فهي تنزيهية، والمكروه تنزيهًا إلى الحل أقرب، والمكروه تحريمًا إلى الحرمة أقرب، وتعاد الصلاة مع كونها صحيحة، كترك واجب وجوبًا، أو تعاد استحبابًا بترك غيره.
قال صاحب (الهداية) في التجنيس كل صلاة أديت مع الكراهة فإنها تعاد على وجه الكراهة، وقوله - ﷺ -: "لا يصلي بعد صلاة مثلها"، تاويله النهي عن الإِعادة بسبب الوسوسة؛ فلا يتناول الإعادة بسبب الكراهية، كذا نقله الشرنبلالي (ق ١٧٦) في (مراقي الفلاح)، على صدر الإِسلام علي البزدوي.
قال محمد: وبهذا أي: بقول ابن عمر نأخُذُ، أي: نعمل ونُفتي، لا ينبغي أي: يحل للمصلي أن يرد السلام أي: بالكلام إذا سُلِّم بصيغة المجهول عليه، أي: على المصلي، وهو في الصلاة، فإن فعل أي: إن رد المصلي السلام بلسانه فسدت صلاته، ولا ينبغي أي: يكره أن يُسَلم أي: إنسان خارج الصلاة عليه، أي: على المصلي، وهو يصلي، وهو أي: عدم اللايغ بالسلام على المصلي قولُ أبي حنيفة، ﵀.
واعلم أن رد المصلي بالسلام بلسانه عمدًا أو سهوًا، مفسد للصلاة؛ لأنه ليس من الأذكار، والكلام مفسد للصلاة، عمدًا كان أو سهوًا؛ لأن رد السلام ليس من الأذكار؛ بل هو كلام وخطاب، والكلام مفسد مطلقًا، كما ذكره الشمني في (شرح النقابة).
قلت: ظاهر كلام ابن عمر على أن كلام المصلي في صلاته يفسدها، وكلام ذي اليدين وهو: أقصرت الصلاة يا رسول الله، وهو رسول الله - ﷺ - في الصلاة.
وقال رسول الله - ﷺ -: "كل ذلك لم يكن"، أي: قصرها، ولا النسيان مني، وقال المأمومون: نعم وقع بعض ذلك، وهذا الكلام يدل على أن كلام المصلي في صلاته لا يفسدها.
[ ١ / ٣٥٦ ]
كيف يكون التوجيه بين الكلامين؟ قلت: كلام ذي اليدين خطاب خاص للنبي - ﷺ -، وجواب خاص له، وذلك لا يبطل الصلاة عندنا.
وفي رواية أبي داود بإسناد صحيح: أن الجماعة أومؤوا برؤوسهم، بأن نعم، فعلى هذه الرواية لم يتكلموا، ولم تفسد صلاتهم.
هذا الحديث موقوف لفظًا، ومرفوع حكمًا، كما روى البخاري في باب: لا يرد السلام في الصلاة، عن عبد الله بن مسعود ﵁.
قال: كنتُ أُسلَّم على النبي - ﷺ - وهو في الصلاة، فيرد عليَّ، فلما رجعنا سلمتُ عليه فلم يرد عليَّ، وقال: "إنَّ في الصلاة لشغلًا".
لما فرغ من بيان ما يمنع أن يفعله المصلي في صلاته، شرع أن يبين ما يفعله المصلي في صلاته، فقال: هذا
* * *