بيان حكم حال الرجل يصلي منفردًا ويقرأ السورة في كل ركعة من الفريضة.
١٣٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا صلى وحده يقرأ في الأربع جميعًا من الظهر والعصر في كل ركعة بفاتحة القرآن وسورةٍ من القرآن، وكان أحيانًا يقرأ بالسورتين والثلاث في صلاة الفريضة في الركعةِ الواحدةِ ويقرأ في الركعتين الأوليين من المغرب كذلك بأُمّ القرآن وسورةٍ سورةٍ.
قال محمد: السنةُ أن يقرأ في الفريضة في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورةٍ، وفي الأخْرَيَيْن بفاتحة الكتاب.
وَإنْ لمْ تقْرَأ فيهِمَا أجْزأك، وإن سَبّحْت فيهما أجْزَأك وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا مالك أي: مالك بن أنس بن عامر بن عمير الأصبحي، من كبار أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من الطبقات السبعة، من أهل المدينة، كما قاله أبو الفرج بن الجوزي (١)، أخبرنا نافع، مولى عبد الله بن عمر، وفي نسخة: أخبرني، بالإِفراد، وفي نسخة أخرى: عن نافع أخبرنا عن ابن عمر، ﵄، أنه كان إذا صلى وحده أي: منفردًا يقرأ في
_________________
(١) أخرجه: مالك (١٧٥)، والشافعي في الأم (٧/ ٢٠٧)، والبيهقي في الكبرى (٢٣١٠)، ومحمد في الحجة (١/ ١٠٧).
(٢) تقدم.
[ ١ / ٢٦٢ ]
الأربع أي: من ركعات الصلاة جميعًا أي: في جميعهن لا في بعضهن من الظهر والعصر ونحوهما من العشاء في كل ركعة بفاتحة الكتاب، سميت سورة الفاتحة بها؛ لأن القرآن افتتح بها، لكونها أول سورة (ق ١٢٤) نزلت بكمالها على أكثر أقوال المفسرين، وهي لم تنزل على من قبل هذه الأمة، من الأمم السابقة، والتاء فيها للنقل من الوصفية إلى الإِسمية، وهي مصدر بمعنى انفتح أطلقت عليه سمية للمفعول باسم إشعارًا بأصالتها، كان نفس الفتح والمراد بالكتاب هو المجموع الشخصي، لا القدر المشترك بينه وبين أجزاء ما عليه اصطلاح أهل الأصول؛ وإضافتها إليه بمعنى اللام، كما في جزء الشيء لا بمعنى من كما في خاتم فضة، لما عرفت أن المضاف إليه لا جزء هي له كما في (عيون التفاسير) لشيخ الدين أحمد بن محمد السيواسي، وأبي السعود بن محمد العمادي (١)، وسورةٍ من القرآن، إما طويلة، وإما قصيرة، ويقوم ثلاث آيات قصار وآية طويلة مقامها، وهذا لم يوافق عليه مالك ولا الجمهور، بل كرهوا قراءة شيء بعد الفاتحة في الأخريين وثالثة المغرب.
كما في الصحيحين وغيرهما عن أبي قتادة أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم القرآن وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الثانية (٢)، وهكذا في العصر، كما قاله الزرقاني (٣). وكان أي: ابن عمر أحيانًا أي: في بعض الأوقات يقرأ بالسورة، كذا في نسخة: أي مرة وهو أقل المراتب، والسورتين والثلاث لبيان الجواز في صلاة الفريضة، وفي نسخة في الصلاة الفريضة في الركعةِ الواحدة دفعًا لتوهم أن يكون قراءة السورتين والثلاثة في الركعات، ويقرأ أي: كان يقرأ في الركعتين الأوليين من المغرب كذلك، أي: مثل ما تقدم، بأُمّ القرآن وسورةٍ سورةٍ، أي: في كل ركعة، ويعرف به أنه كان يفعل كذلك في الفجر.
قال محمد: السنةُ أي: الشريعة الثابتة بالسنة، فلا ينافي أن أصل القراءة فرض، وتعيين الفاتحة وضم السورة واجب أن تقرأ بصيغة المخاطب خطابًا عامًا، نحو قوله تعالى
_________________
(١) انظر: تفسير أبي السعود (١/ ٩).
(٢) أخرجه: البخاري (٧٧٦)، ومسلم (٤٥١)، وأبو داود (٧٩٨)، والنسائي (٩٧٧)، وأحمد (١٨٩٢٦).
(٣) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٣٥).
[ ١ / ٢٦٣ ]
في سورة محمد: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، في الفريضة في الركعتين الأوليين، أي: مطلقًا سواء يكون بعدهما ركعتين أو لا بفاتحة الكتاب، أي: فحسب، وكفا في ثالثة المغرب، وَإنْ لمْ تقْرَأ فيهِمَا، أي: في الأخْرَيَيْن، وكذا في الآخرة في المغرب: أجْزأك، أي: كفاك وجاز لك حيث قرأت في الأوليين، وخرجت عن عهدة الفرض والواجب، وإن سَبّحْت فيهما، أي: في الأخريين، بدل الفاتحة، أجْزَأك، وهو أفضل من السكوت، وهو قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى.
وبه قال النخعي والثوري، وسائر الكوفيين، والدليل على ذلك ما رواه الشيخان عن أبي قتادة: أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورتين، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب ويسمي الآية أحيانًا (١).
وروى ابن أبي شيبة عن شريك، عن أبي إسحاق السبيعي، عن علي وابن مسعود ﵄ أنهما قالا: اقرأ في الأوليين وسبح في الأخريين (٢)، ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي، فالحديث موقوف ظاهرًا ومرفوع حكمًا، ثم التسبيح ليس بفرض إجماعًا، فإذا سكت جاز.
(ق ١٢٥) وروى الحسن أي: حسن بن زياد، عن أبي حنيفة: أن القراءة فيهما بعد الأوليين واجبة، وينبغي أن يكون العمل بهما، وفي (المحيط): لو سكت المصلي عمدًا يكون مسيئًا؛ لمخالفة السنة.
ثم اعلم أن قراءة آية في كل ركعة، سواء كانت طويلة أو قصيرة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].
ولقوله - ﷺ - للمسيء صلاته: "اقرأ ما تيسر من القرآن" (٣) فلو قرأ في ركعتين من الفرض بأي ركعتين كان لا تفسد.
_________________
(١) تقدم.
(٢) رواه ابن أبي شيبة (١/ ٣٢٧)، قال الزيلعي: فيه انقطاع وهو عن عائشة غريب.
(٣) أخرجه: البخاري (٧٥٧) (٧٩٣)، ومسلم (٣٩٧)، وأبو داود (٨٥٦)، والترمذي (٣٠٢)، والنسائي (٨٨٤)، وابن ماجه (١٠٦٠)، وأحمد (٩٣٥٢).
[ ١ / ٢٦٤ ]
وقال الشافعي: قراءة الفاتحة في كل ركعات الفرض.
وقال مالك: في أكثره.
وقال زفر: في ركعة واحدة منه، وأما الوتر والنفل فيجب القراءة في كل ركعات منها اتفاقًا، ثم قراءة الفاتحة واجبة عندنا.
وقال مالك والشافعي وأحمد: هي ركن، وكذا ضم سورة وثلاث آيات واجب عندنا، لما روى أبو داود وابن حبان عن أبي سعيد، قال: أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر (١)، ولما كان الدليل ظنيًا قلنا بوجوبها، كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان حكم حال الرجل، يصلي منفردًا ويقرأ السورة في كل ركعة من الفريضة، شرع في بيان حكم حال الرجل، يجهر بالقرآن في الصلاة، فقال: هذا
* * *