السنة في السجود هي: الطريقة المرضية في الشريعة، وهي الطريقة المسلوكة في الدين من غير افتراض ولا وجوب، وهي نوعان:
أحدهما: سنة الهدي؛ التي أخذها لتكميل الدين، وتاركها يستوجب إساءة؛ كالجماعة والأذان والإِقامة
قال محمد: إذا أصر أهل المصر على ترك الأذان والإِقامة أُمِروا بهما، وإن أبوا يُقَاتَلون بالسلاح؛ لأن ترك ما هو إعلام الدين، استخفاف بالدين.
وثانيهما: زوائد وتاركها لا يستوجب إساءة وكراهة، كسير النبي - ﷺ - لباسه وقيامه وتعوده، وتطويل الركوع والسجود، كذا قاله عبد الرحمن بن قرشي في (شرح المنار) لحافظ الدين النسفي.
١٤٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا سجد وضع كفيه على الذي يضع عليه جَبْهَتَهُ، قال: ولقد رَأيْتهُ في بَرْدٍ شديد، وإنه لَيُخْرِجُ كفَّيْه من بُرْنِسِهِ حتى يَضَعَهُما على الحصى.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا نافع، بن عبد الله، المدني، مولى عبد الله بن عمر، ثقة، فقيه، مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، عن ابن عمر، ﵄، أنه كان إذا سجد أي: إذا أراد
[ ١ / ٣٠٢ ]
السجود، وضع كفيه أي: بعد وضع ركبتيه على الذي أي: قرب المكان الذي يضع عليه جَبْهَتَهُ، وفي قوله: وضع كفيه رد على من يقول: السنة للمصلي أن يضع يديه على الأرض بكمالهما، وهو أن يضعهما مع المرفقين، واليد المطلقة والمطلق مصروف إلى الكمال، وكمال اليدين مع المرفقين، وهذا خطأ، وفي وضع اليدين مع المرفقين تشبيه بأفعال التغليب، وهو مكروه.
وهذا الحديث مطلق ومجمل، فيقيد ويفصل، بما ورد: إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك، رواه أحمد ومسلم عن البراء بن عازب ﵁، وورد عنه: "إذا سجد أحدكم فليباشر بكفيه الأرض، عسى الله أن يكف عنه الغل يوم القيامة"، رواه الطبراني في (الأوسط) (١) عن أبي هريرة ﵁.
وورد أن رسول الله - ﷺ - لما سجد وضع وجهه بين كفيه، رواه مسلم (٢) من حديث وائل، قال: أي: نافع ولقد رَأيْتهُ أي: والحال أني رأيت ابن عمر في يوم بَرْدٍ بفتح الباء وسكون الراء، والدال ضد الحر شديد، وإنه بكسر الهمزة، أي: والحال أنه لَيُخْرِجُ من الإِخراج كفَّيْه من بُرْنِسِهِ بضم الباء الموحدة، وسكون الراء المهملة وضم النون والسين (ق ١٤٧) المهملة، كل ثوب ثوبه منه ملتزق من ذراعه أو جبة أو غير ذلك.
وقال الجوهري: هو قلنسوة طويلة، كان الناس يلبسونها في صدر الإِسلام - كذا في (النهاية) - والمعنى المراد هنا الأول، حتى يَضَعَهُما على الحصى، وتحصيلًا للأفضل، وهو بفتح الحاء المهملة، وسكون الصاد والباء الموحدة الممدودة جمع حصيات، وحصى، أي: أحجار صغار، وفي نسخة: الحصى، وفيه دلالة على استحباب كشف اليدين، في أحوال الصلاة كلها إلا لضرورة لا يطاق عليها.
_________________
(١) أخرجه: ابن أبي شيبة (١/ ٢٣٩)، موقوفًا على عمر، والطبراني في الأوسط (٥٧٨٦) عن أبي هريرة مرفوعًا. قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبيد الله بن محمد المحاربي، وقال ابن عدي: له أحاديث مناكير عن أبي ذئب، قلت: وهذا منها (٢/ ١٢٦).
(٢) أخرجه: مسلم (٤٠١)، وأبو داود (٧٢٣)، والترمذي (٢٦٨)، والنسائي (٨٧٩)، وابن ماجه (٨١٠)، وأحمد (١٨٣٦٥).
[ ١ / ٣٠٣ ]
وقال التمرتاشي في (منح الغفار)؛ لأن إخراجهما منه أقرب إلى التواضع، وأبعد من التشبيه بالجبابرة.
* * *
١٥٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: من وضع جَبْهَتَهُ بالأرضِ فليضعْ كفيْه، ثم إذا رفع جبهتهُ فليرفع كفَّيه، فإن اليدين تسجُدان كما يسجدُ الوجه.
قال محمد: وبهذا نأخُذُ، ينبغي للرجل إذا وضع جَبْهَتَهُ ساجدًا أن يضع كفَّيه بحِذَاء أذنَيهِ، ويجمع أصابعه نحو القبلة، ولا يفتَحُهما، فإذا رفع رأسه رفعهما مع ذلك، فأما مَنْ أصابه برد يُؤذِي وجعل يديه على الأرض من تحت كساء أو ثوبٍ فلا بأس بذلك وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا شافع، عن ابن عمر ﵁، أنه كان يقول: من وضع أي: إذا أراد أن يضع جَبْهَتَهُ بالأرضِ فليضعْ كفيْه، أي: والفاء تعليلية، للأمر بوضع الكفين، وأن مخففة من الثقيلة، ضمير الشأن محذوف تقديره: إنه أي: إن الشأن واليد مبتدأ، ويسجدان خبره، فضمير اسم إن، والمبتدأ مع خبره خبرها، وقيل: إن مخففة من الثقيلة، فأهملت على ما هو الأصح؛ لأن كلمة أن لا تعمل إلا لمشابهتها بالفعل من وجوه، فلما خفف زال المشابه اللفظي، فلا تعمل والإِشكال في رفع اليدين وفي نسخة مصحفة: البدين بالباء التحتية، فإعراب اليدين ظاهر.
كما قاله الشيخ زاده في (حاشية تفسير البيضاوي)، في قوله تعالى في سورة طه: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣]، بتخفيف النون من الثقيلة، في قراءة حفص من السبعة، كما يسجدُ الوجه، أي: كانقياد الوجه لله تعالى، وقد قال الله تعالى في سورة النحل: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [النحل: ٤٩]، وفي سورة النور: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١].
[ ١ / ٣٠٤ ]
وفي صحيح مسلم (١) عن ابن عباس ﵄، قال النبي - ﷺ -: "أمِرتُ أن أسجد على سبعة أعضاء، على: الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا يكف الثياب والشعر"، كما قاله الزرقاني.
قال محمد: وبهذا أي: بوضع الركبتين على الأرض قبل اليدين، إذا قصد السجود، ويرفع اليدين قبل الركبتين إذا أراد القيام نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي، ينبغي للرجل أي: للمصلي إذا وضع جَبْهَتَهُ أي: قصد وضعها ساجدًا أي: مريد السجدة، أن يضع كفَّيه بحِذَاء، بكسر الحاء المهملة، والذال المعجمة الممدودة، أي: بمقابل أذُنَيهِ، بضمتين وبضمة، ويجمع أصابعه نحو القبلة، أي: يميل المصلي أصابع يديه جهة الكعبة مضمومة، وإن كان أفاقيًا وعينها إن كان مكيًا، وكذا يوجهها أصابع رجليه ولا يفتَحُهما، تأكيد لما قبلها، وهو نهي تنزيهي، وفي نسخة: ويجمع بدل ويوجه، فحينئذٍ أن يكون جملة: ولا يفتحهما تأكيدًا لما قبلها، أي: يضم المصلي أصابع يديه إذا وضعهما على الأرض ويوجهها جانب الكعبة، فإذا رفع رأسه رفعهما مع ذلك، أي: مع رفع رأسه والظاهر أنه بعد ذلك (ق ١٤٨) إنما عبر عنه بالمعية حذرًا من زيادة التأخير، فأما مَنْ أي: المصلي أصابه برد بفتح الموحدة والراء الساكنة، والدال ضد الحر، يُؤذِي أي: يؤثر، وفي نسخة يؤذيه، فجعل يديه على الأرض من تحت كساء أي: ولو منفصلًا عنه، أو ثوبٍ، أو ولو متصلًا به، فلا بأس، أي: فلا كراهة، بذلك أي: بما ذكر، وهو قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى.
فلما فرغ من بيان بعض أحكام الصلاة، شرع في بيان أحكامها، فقال: هذا
* * *