بيان أحكام السهو، أي: سهو المصلي في الصلاة، فيه مضاف محذوف هو أحكام إضافية إلى السهو، من قبيل إضافة الحكم إلى السبب، والسهو غفلة القلب عن الشيء المعلوم، فيستأنف تحصيله لكن الفقهاء لا يفرقون بينهما، وكذا لا يفرقون بينه وبين الشك.
والأدباء عرَّفوا الشك بأنه: تساوي الأمرين، لا مزية لأحدهما على الآخر، والظن تساويهما وجه الصواب راجح، والوهم تساويهما وجه الخطأ أرجح، كما بيناه في (سلم الفلاح).
١٣٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن أحدكم إذا قام في الصلاة جاءَه الشيطان فَلَبَس عَلَيْه، حتى لا يَدري كم صلَّى، فإذا وَجَد أحدُكم ذلك فليسجدْ سجدتين وهو جالس".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد، أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير، بن أبي عامر الأصبحي، من أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، عن الزهري، وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، القرشي، وهو من الطبقة الرابعة من طبقات التابعين أهل المدينة، لقي عشرًا من الصحابة، مات سنة خمس وعشرين، وقيل: قبلها سنة أو اثنتين بعد المائة، عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن، أي: ابن عوف، التابعي ابن الصحابي، كما قاله الزرقاني (١).
عن أبي هريرة، ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن أحدكم إذا قام في الصلاة، أي: في الصلاة التي دخل فيها، سواء كانت فريضة أو نافلة، جاءَه الشيطان عليه فَتلَبَس بفتح الباء الموحدة وبكسر في مضارعه.
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٣٨٩)، والنسائي في المجتبى (١٢٥٢)، ومالك (٢٢٤)، والنسائي في الكبرى (٥٩١)، (٥٩٢)، (١١٧٥)، والدارقطني في العلل (١٣٧٨)، والربيع في مسنده (٢٤٦).
(٢) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٩٣).
[ ١ / ٢٧٣ ]
قال الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُون﴾ [الأنعام: ٩]، أي: خلط عَلَيْه، أي: على أحدكم أمر صلاته، حتى لا يَدري أي: لا يعلم أحدكم كم صلَّى، أي: من عدد الركعات، ولم يغلب له ظن اعتبر بالأقل، وقعد وتشهد بعد كل ركعة ظنها آخر صلاته؛ لئلا يصير تاركًا فرض القعدة، أو تاركًا واجبة القعدة، لقوله - ﷺ -: "إذا نسي أحدكم في صلاته، فلم يدر واحدة صلى أو اثنتين، فليبن على واحدة، فإن لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثًا، فليبن على ثنتين؛ فإن لم يدر ثلاثًا صلى أو أربعًا، فليبن على ثلاث؛ ويسجد سجدتين بعد السلام، ثم يقعد ويتشهد، ويصلي على النبي - ﷺ - يمينًا ويسارًا"، كما نقلناه في (سلم الفلاح) من (فتح القدير).
فإذا وَجَد أحدُكم ذلك أي: ما ذكر من اللبس فليسجدْ أي: سجدتين بعد السلام كمذهبنا، أو قبله كمذهب الشافعي، سجدتين ترغيمًا، أي: تذليلًا للشيطان، لما لبس عليه، وليس عليه أثقل من السجود، لما لحقه من سخط الله لامتناعه من السجود لآدم - صلوات الله على نبينا وعليه - وهو جالس، أي: والحال أن الساجد لسهوه يجلس ويتشهد ويصلي على النبي - ﷺ - فليسلم.
وقد حُكِي أن أبا حنيفة - رحمه الله تعالى - رأى رسول الله - ﷺ - في منامه، يقول له: لم بالسجدة لمن صلى علي في جلوسه الأول من الصلاة الرباعية.
فقال أبو حنيفة: يا رسول الله، فإنه صلى عليك بلا قصد، فتبسم رسول الله - ﷺ - ورضي عنه بهذا الجواب، كما في (بحر الرائق) (١).
* * *
١٣٧ - أخبرنا مالك، حدثنا داود بن الحُصَيْن، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي هريرة، قال: صَلَّى رسول الله - ﷺ - صلاة العصر فسلم في ركعتين، فقام ذو اليَديْن فقال: أقصُرَتِ الصلاةُ يا رسول الله أم نسيت؟ فقال:
_________________
(١) انظر: البحر (١/ ١٠٥).
(٢) أخرجه: البخاري (٧١٤)، (١٢٢٨)، (٦٦٧١)، ومسلم (٥٧٣)، والترمذي (٣٩٩)، والنسائي (١٢٢٥)، (١٢٢٩)، وابن ماجه (١٢١٤)، وأحمد (٩١٨١)، (١٦٢٦٧)، ومالك (٢١٠).
[ ١ / ٢٧٤ ]
"كل ذلك لم يكن" فقال: يا رسول الله، قدْ كان بعض ذلك، فأقبل رسول الله - ﷺ - على الناس فقال: "أصَدَقَ ذو الْيَدَيْنِ؟ " فقالوا: نعم، فأتمّ رسول الله - ﷺ - ما بقَى عليه من الصلاة، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، حدثنا داود، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا ابن الحُصَيْن (١)، بضم الحاء المهملة، والصاد المهملة المفتوحة، والياء التحتية الساكنة، والنون وهو أموي مولاهم، المدني، وثقه ابن معين، وروى له أصحاب السنة، وقال ابن حبان من أهل الحفظ والإِتقان، ورأى برأي الخوارج، ولكن لم يكن داعية.
قال أبو حاتم: لولا أن مالكًا روى عنه لترك حديثه، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، عن ثنتين وسبعين سنة، عن أبي سفيان، اسمه وهب، قاله الدارقطني، وقال غيره: اسمه قُزمان بضم القاف، وإسكان الزاي المعجمة.
قال ابن سعد (٢): ثقة قليل الحديث، روى له أصحاب السنة، مولى عبد الله بن أبي أحمد بن جحش القرشي الأسدي، الصحابي، وابنه عبد الله، ولد في حياة رسول الله - ﷺ -، وذكره جماعة في ثقات التابعين، عن أبي هريرة، ﵁، قال: صَلَّى رسول الله - ﷺ - صلاة العصر، قال ابن عبد البر: كذا رواه يحيى - أيضًا - أي: لم يقل لنا، ورواه ابن القاسم وابن وهب، والقعنبي والشافعي وقتيبة عن مالك (ق ١٣١)، فقالوا: صلى رسول الله - ﷺ - لنا صلاة العصر، فسلم في ركعتين، كذا في جميع النسخ، وكذا في (الموطأ) لرواة مالك، وفي نسخة مصححة: في الركعتين، فقام ذو اليَديْن، واسمه الخرباق بن عمرو السلمي، بضم السين المهملة، وعلى هذا ذكره السيوطي (٣)، وهو
_________________
(١) انظر: (من تكلم فيه) (ص: ٢٨)، والسير (٦/ ١٠٦)، والتاريخ الكبير (٣/ ٢٣١)، وذكر أسماء التابعين ومن بعدهم (١/ ١٣١)، والجرح والتعديل (٣/ ٤٠٨)، ومعرفة الثقات (١/ ٣٤٠)، ومشاهير علماء الأمصار (١/ ١٣٥)، والثقات (٦/ ٢٨٤)، وتاريخ أسماء الثقات (ص: ٨١)، ولسان الميزان (٧/ ٢١١).
(٢) انظر: الطبقات الكبرى (٥/ ٤١٤).
(٣) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٨٨).
[ ١ / ٢٧٥ ]
بكسر الخاء المعجمة، وسكون الراء المهملة، وبالياء الموحدة، والألف والقاف ولقب بذي اليدين؛ لأنه كان في يديه طول، وقيل: كان يعمل بيديه جميعًا، كما ذكره العسقلاني (١)، وهو رجل من بني سليم غير ذي الشمالين.
فقد قال ابن منده: ذو اليدين رجل من أهل وادي القرى أسلم في آخر زمن النبي - ﷺ - والسهو كان بعد أُحد وقد شهد أبو هريرة، وأبو هريرة شهد من زمن رسول الله - ﷺ - أربع سنين، وذو اليدين من بني سليم، وذو الشمالين من أهل مكة، قتل يوم بدر، قبل السهو بست سنين، وهو رجل من خزاعة حليف بني أمية. قال: ووهم فيه الزهري، وجعل مكان ذو اليدين ذا الشمالين.
وقال العسقلاني (٢): ذو الشمالين هو عمير بن عبد الله بن عمرو، صحابي استشهد ببدر، وهو غير ذي اليدين، وذو الشهادتين: خزيمة بن ثابت الأنصاري، وذو اليدين اثنان نفيل بن حبيب، دليل الحبشة إلى الكعبة مع الفيل، والثاني: صحابي اسمه خرباق، وقيل: عمير، والأول هو الصواب، وعمير هو ذو الشهادتين الماضي، وقيل: إن ذا الشهادتين يقال له: ذو اليدين أيضًا، فهم على هذا ثلاثة، فقال: أي: ذو اليدين: أقصُرَتِ الصلاةُ بفتح القاف وضم الصاد، يا رسول الله أم نسيت؟ بفتح النون والسين، ويجوز أن يكون بضم النون، وكسر السين المشددة، فقال: أي: رسول الله - ﷺ -: "كل ذلك لم يكن" أي: لم يكن ذاك ولا ذا، في ظني أني أكملت الصلاة أربعًا، يدل عليه ما جاز في روايات البخاري (٣) في هذا الحديث: أنه - ﷺ - قال: "لم تقصر، ولم أنس"، فنفى الأمرين، ذكره السيوطي (٤).
فقال ابن الملك: فإن قلت: لم يكن خبر صادق لا محالة، أو ليس مطابقًا للواقع، قلت: لم يكن مجازًا من لم يشعر؛ لأن عدم كون الشيء يستلزم عدم الشعور، ففيه ذكر الملزوم وإرادة اللازم، كما قاله علي القاري.
_________________
(١) انظر: الفتح (٣/ ٩٧ - ١٠٠).
(٢) انظر: الفتح (٣/ ٩٧ - ١٠٠).
(٣) أخرجه: البخاري (٤٨٢)، (١٢٢٩)، (٦٠٥١).
(٤) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٨٩).
[ ١ / ٢٧٦ ]
أو يُقال: كل ذلك لم يكن، أي: لم أنس، ولم تقصر، كما في أكثر طرق حديث أبي هريرة، وهو يؤيد قول أصحاب المعاني: لفظ كل إذا تقدم على النفي كان نفيًا لكل فرد للمجموع؛ لأنه من باب تقوية الحكم؛ فيفيد التأكيد في المسند والمسند إليه، ولا يصح أن يقال فيه: بل كان بعضه بخلاف ما إذا تأخر.
كما إذا قيل: لم يكن كل ذلك إذ لا تأكيد فيه. فيصح أن يقال: بل كان بعضه، ولذا أجابه ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، قدْ كان بعض ذلك، أي: القصر عمدًا، أو النسيان سهوًا، وأجابه، وفي رواية أخرى: يقول: بل قد نسيت؛ لأنه لما نفى الأمرين وكان مقررًا عند الصحابي، أن السهو لا يجوز عليه في الأمور البلاغية جزم بوقوع النسيان، لا القصر، وهو حجة لمن قال: لا يجوز السهو على الأنبياء - ﵈ - فيما طريقه التشريع، وإن كان عياض حكى الإِجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال البليغية، وخص الخلاف بالأفعال، لكنهم تعقبوه، نعم اتفق من جوز ذلك على أنه لا يقر عليه، بل يقع له بيان ذلك إما متصلًا بالفعل، كما في هذه القصة، وإما غير متصلًا، كذا قاله الزرقاني (١).
فأقبل رسول الله - ﷺ - على الناس أي: على المأمومين، فقال: "أصَدَقَ ذو الْيَدَيْنِ؟ "، أي: فيما أخبره من القصر، فقالوا: نعم، أي: صدق، فأتمّ رسول الله - ﷺ - ما بقَى عليه من الصلاة، وهو الركعتان، ثم سجد سجدتين، أي: للسهو مثل سجوده للصلاة، أو أطول كما في السجدة الصلبية، وهو أي: الحال أن رسول الله - ﷺ - جالس، قوله: بعد التسليم تأكيد لما قبله.
قيل: كيف تكلم ذو اليدين، والقوم وهم بعد في الصلاة؟ وأجيب بأنهم لم يكونوا على يقين من البقاء في الصلاة؛ لأنهم كانوا مجوزين لنسخ الصلاة من أربع إلى ركعتين.
قال ابن الملك: وفيه ضعف؛ لأن قول ذي اليدين بعض ذلك قد كان، وقولهم: نعم، إنما كان بعد قوله - ﷺ -: "كل ذلك لم يكن"، فكيف جوزوا النسخ، وأجاب بعضهم بأن هذا كان خطابًا للنبي - ﷺ - وجوابًا له، وذلك لا يبطل الصلاة عندنا، وفي رواية
_________________
(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٨٧).
[ ١ / ٢٧٧ ]
لأبي داود (١)، بإسناد صحيح، أن الجماعة أومؤوا: نعم، فعلى هذه الرواية لم يتكلموا.
قال ابن الملك: وفيه أنه يمكن الجمع بين الروايتين بأن كان فعل ذلك بعضهم، إيماء وبعضهم كلامًا، أو اجتمع الأمران في بعضهم، قال السيوطي (٢): فإن قيل: كيف رجع النبي - ﷺ - إلى قول الجماعة، وعندكم لا يجوز للمصلي الرجوع، في قدر من صلاته إلى غيره إمامًا كان أو مأمومًا، ولا يعمل إلا على اليقين نفسه؟
وأجيب عنه بأنه - ﷺ - سألهم ليذكر، فلما ذكروه تذكر فعلم السهو فبنى عليه؛ لأنه رجع إلى مجرد قولهم، كذا قاله النووي، وأما ما قيل من أن حديث ذي اليدين منسوخ، وكان في الابتداء حين كان الكلام فيها صباحًا ممنوع، لأنه برواية أبي هريرة وهو متأخر الإِسلام، وأما ما قيل: مع أنه يجوز أن يرويه من غيره، ولم يكن حاضرًا فغير صحيح.
لما في مسلم عنه: بينا أنا أصلي مع رسول الله - ﷺ - وساق الواقعة، وهو صحيح في حصوره، ولم أر عنه جوابًا شافيًا يكون في المدعي كافيًا، كذا قاله علي القاري.
* * *
١٣٨ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فلا يَدْري كم صلى؛ ثلاثًا أم أربعًا، فليُصل ركعةً ويسجد سجدتين. وهو جالسٌ قبل التسليم، فإن كانت الركعةُ التي صلى خامسةً شفعها بهاتين السجدتين، وإن كانت رابعةً فالسجدتان ترْغِيمٌ للشيطان".
_________________
(١) أخرجه: أبو داود (١٠٠٨)، والدارقطني (١/ ٣٦٦)، والبيهقي في الكبرى (٣٧٢١)، والمدخل للسنن (٦).
(٢) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٨٨).
(٣) أخرجه: مسلم (٥٧١)، وأبو داود (١٠٢٤)، والنسائي (١٢٣٨)، وابن ماجه (١٢١٠)، وأحمد (١١٢٩٢)، (١١٣٧٣)، (٢٧٧٣٥)، من حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد، ومالك (٢١٤).
[ ١ / ٢٧٨ ]
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، حدثنا زيد بن أسلم، يُكنى أبا أسامة، مولى عمر بن الخطاب، ﵁، مدني كان في الطبقة الثالثة من أكابر التابعين، عن عطاء بن يسار، مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ - كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين المشهورين بالمدينة، كان كثير الرواية مرسلًا عند جميع الرواة، وتابع مالكًا على إرساله، والثوري، وجعفر بن ميسرة، ومحمد بن جعفر، وداود بن قيس، في رواية، كما قاله علي القاري.
والحديث المرسل: أن يستوي صدقه وكذبه؛ بأن لا يكون في متنه ولا في روايته خلل بيّن، لكن جهل بعض رواته بعينه، فإن كان (ق ١٣٣) هو الصحابي يسمى مرسلًا، وإن كان عيره يسمى منقطعًا.
وقيل: المرسل ما رواه التابعي عن رسول الله - ﷺ - (١). وهذا الحديث كذلك؛ لأن عطاء بن يسار تابعي، وقد أرسله.
وقال: أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فلا يَدْري كم صلى؛ ثلاثًا أم أربعًا، أي: مثلًا ليبني على الأقل، وفي رواية مسلم: "فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن"، فليُصل ركعةً أي: قل: احتياطًا ويسجد سجدتين، أي: وجوبًا يعني ردها إلى الشفع.
قال الباجي (٢) - من علماء المالكية: يحتمل أن الصلاة مبنية على الشفع فإذا عليه ما يوترها من زيادة، وجب إصلاح ذلك بما يشفع بها، وهو جالسٌ قبل التسليم، أي: قبل التسليم الثاني، وقيل: قبل التسليم الأول، وبه تعلق الشافعي، فإذا كانت الركعةُ التي صلى بعد الشك خامسةً أي: نفس الأمر شفعها أي: ردها إلى الشفع بهاتين السجدتين، وإن كانت رابعةً أي: وقد تمت الصلاة بها؛ فالسجدتان ترْغِيمٌ للشيطان، أي: تذليل وتحقير له، وجبر لنقصان المصلي في حاله.
قال النووي: والمعنى أن الشيطان لبس؛ أي: خلط عليه صلاته، وتدارك ما لبس
_________________
(١) وهذا هو الصواب.
(٢) انظر: المنتقى (٢/ ١٠٣).
[ ١ / ٢٧٩ ]
عليه، فأرغم الشيطان ورده خاسئًا مبعدًا، عن مراده، وكملت صلاة ابن آدم، متمثل بأمر الله تعالى الذي عصى به إبليس من امتناعه من السجود (١).
قال السيوطي (٢): هذا الحديث موصول، وصله مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن أبي سعيد الخدري، ﵁، فلا يضره تقصير من قصر في وصله.
* * *
١٣٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزهري، عن عبد الرحمن الأعرج عن ابن بُحَيْنة أنه قال: صلى لنا رسول الله - ﷺ - ركعتين، ثم قام ولم يجلس، فقام الناس، فلما قضى صلاته ونظرْنا تسْليمه كبّر وسجد سجدتين وهو جالس قبل التسْليم، ثم سلم.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: أنا رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، يعني كان منسوبًا إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة، أخبرنا ابن شهاب، في نسخة: أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة: عن ابن شهاب، أي: الزهري، كما في نسخة، وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب، بن عبد الله بن الحارث بن زهرة، بن كلاب القرشي، الزهري: أبو بكر الفقيه الحافظ، المتفق على جلالته وإتقانه، وهو من الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، لقي عشرًا من الصحابة، مات سنة خمس وعشرين ومائة، وقيل: قبلها سنة أو اثنتين، كذا قاله أبو الفرج بن الجوزي في (طبقاته) (٣)، عن عبد الرحمن، أي:
_________________
(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٨٥).
(٢) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٩٠).
(٣) أخرجه: مسلم (٥٧٠)، وأبو داود (١٠٣٤)، والنسائي (١٢٢٢)، وأحمد (٢٢٤٢١)، ومالك (٢١٨).
(٤) تقدم.
[ ١ / ٢٨٠ ]
ابن هرمز الأعرج، هو المدني من مشاهير التابعين وثقاتهم، يروي عن: أبي هريرة ﵁، واشتهر بالرواية عنه، وروى عنه: الزهري: مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت، عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات بالأسكندرية سنة عشر ومائة، عن عبد الله بن بُحَيْنة، بضم الموحدة، وفتح حاء مهملة، وسكون تحتية، فنون فهاء، هي أم عبيد الله، واسم أبيه: مالك بن المغيث الأزدي، أبي محمد حليف بني المطلب، صحابي، مات بعد الخمسين، أنه قال: (ق ١٣٤) صلى بنا، وفي نسخة (الموطأ) لمالك، لنا أي: لأجلنا رسول الله - ﷺ - ركعتين، ثم قام ولم يجلس، فقام الناس، أي: تبعًا على حسب عادتهم في عادتهم، فلما قضى صلاته أي: أداها وأتمها، ونظرنا أي: انتظرنا تسْليمه كبّر وسجد سجدتين وهو أي: والحال أن النبي - ﷺ - جالس، أي: السجود جالسًا.
وفي رواية الليث عن ابن شهاب، وسجدهما الناس معه، مكان ماض من الجلوس. رواه البخاري ومسلم بلفظ: أن النبي - ﷺ - صلى الظهر، فقام في الركعتين الأوليين، ولم يجلس وقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة، وانتظرنا تسليمه، كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل التسْليم، ثم سلم، أي: بعد ذلك، وفيه مشروعية سجود السهو، أنه سجدتان؛ وأنه يكبر لهما كما يكبر لغيرهما من السجود، وفيه دليل على أن المأموم يسجد مع إمامه إذا سهى إمامه، وفيه دليل للإِمام الشافعي والإِمام مالك، حيث قال الشافعي - رحمه الله تعالى: يلزم على الساهي أن يسجد سجدتين قبل التسليم، سواء كان السهو بإدخال زيادة فيها، أي: في الصلاة، أو نقصان منها.
وقال مالك - ﵀ - يلزم الساهي في الصلاة أن يسجد سجدتين قبل التسليم، إن كان السهو لنقصان، وبعده إن كان السهو بإدخال زيادة فيها.
وعند أبي حنيفة: يلزم على الساهي أن يسجد سجدتين بعد تسليمه، لما روي في سنن أبي داود: أنه - ﷺ - قال: "لكل سهو سجدتان بعد السلام"، وهذا الخلاف في الأولوية حتى لو سجد قبل السلام لا يعيدوا ذلك كان مجتهدًا.
وقد كان شيخ الإسلام خواهر زاده: لا يأتي الإِمام الساهي بسجدتي السهو بعد التسليمتين، ولا ذلك بمنزلة الكلام.
وقال فخر الإِسلام علي البزدوي: يسلم تلقاء وجهه، فرقًا بين سلام القطع وسلام
[ ١ / ٢٨١ ]
السهو، والمنفرد مخير في سجدتين بعد التسليمتين، وبعد تسليمة واحدة، كما في (منح الغفار)، و(سلم الفلاح).
* * *
١٤٠ - أخبرنا مالك، أخبرني عفيفُ بن عمرو بن المسيَّب السَّهْمِيُّ، عن عطاء بن يسار، قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص وكعبًا عن الذي يَشُكُّ كَمْ صلى، ثلاثًا، أو أربعًا، قال: فكلاهما قال: فَلْيقُمْ فليُصَلِّ ركعة أخرى، قائمًا، ثم يسجُدُ سجدتين إذا صلَّى.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا أخبرنا، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: أخبرني بالإِفراد عفيفُ بالتصغير ابن عمرو بن المسيَّب السَّهمِيُّ (١)، أي: كان من قبيلة بني السهم، وقد فصلناه في تفسير سورة التكاثر من (نور الأفئدة)، وكان من الطبقة السادسة عن عطاء بن يسار، كما في نسخة، قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص، بلا ياء، وهو الصواب، وهو: أي: عبد الله بن عمرو بن العاص، صحابي ابن صحابي، وكعبًا، أي: كعب الأحبار، بالحاء المهملة من كبار التابعين، في الطبقة الأولى من أهل الشام، كان في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، كذا في (خلاصة الهيئة)، عن الذي يَشُكُّ أي: يتردد وليس له عليه ظن غالب، كَمْ صلى، ثلاثًا، أو أربعًا، قال: أي: عطاء: فكلاهما أي: عبد الله بن عمرو وكعب الأحبار قالا: بلفظ التثنية، نظرًا إلى معنى كلا، والأفصح إفراده نظرًا إلى لفظه، ومنه قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ الآية [الكهف: ٣٣]، فَلْيقُمْ أي: المصلي، الذي شك في صلاته، وَليُصَلِّ ركعة أخرى، بانيًا على ما تيقن، قائمًا، أي: حال كونه قادرًا على القيام، وفي نسخة: فليصل بالفاء كما في (الموطأ) لمالك، لرواية يحيى الليثي، ومحمد، ثم يسجُدُ سجدتين إذا صلَّى، أي: إذا أتم صلاته.
وهذا الحديث موقوفًا لفظًا، كما ترى، ومرفوع حكمًا.
_________________
(١) انظر: التقريب (١/ ٤٠٤)، وقال: مقبول، قلت: بل وثَّقه النسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، ووثَّقه ابن شاهين أيضًا.
[ ١ / ٢٨٢ ]
كما روى أحمد، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي، عن عبد الرحمن بن عوف وأبي سعيد الخدري، ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا شك أحدكم في الاثنين والواحدة، فليجعلها واحدة، وإذا شك في اثنتين والثلاث، فليجعلها اثنتين، وإذا شك في الثلاث والأربع فليجعلها ثلاثًا، حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم ليتم ما بقي من صلاته، ثم يسجد سجدتين، وهو جالس، قبل التسليم" (١).
وهو قول الشافعي، ومالك، وعند أبي حنيفة: يسجد الساهي سجدتين، وهو جالس بعد السلام، كما قاله الزرقاني.
* * *
١٤١ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا سئل عن النسيان قال: يَتَوَخَّى أحدُكُم الذي يَظُنُّ أنه نسى من صلاته.
قال محمد: وبهذا نأخُذُ، إذا نَاءَ لِلْقيَامِ وتَغَيَّرت حالُه عن القعود وجب عليه كذلك سجدتَا السهو، وكلُّ سهوِ وجبت فيه سجدتان من زيادةٍ أو نقصانٍ، فسجدتا السهو فيه بعدَ التسليم، ومَنْ أدْخَلَ عليه الشيطانُ الشكَّ في صلاته فلم يدرِ أثلاثًا صلى أم أربعًا، فإن كان ذلك أول مَا لَقِيَ، تكلَّمَ واسْتَقْبَلَ صلاته، وإن كان يُبْتلَى بذلك كثيرًا مضى على أكثر ظنه ورَأيِه، ولم يَمْضِ على اليقين، فإنه إن فَعَلَ ذلك لَمْ ينْجُ فيما يَرى من السهوِ الذي يُدْخِلُ عليه الشَّيْطَانُ، وفي ذلك آثار كثيرة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، حدثنا، وفي نسخة: عن بدل حدثنا نافع، عن ابن عمر، ﵄ أنه، أي: ابن عمر، كان إذا سُئِل عن النسيان، أي: عن عدد الركعات في الصلاة، قال: يَتَوَخَّى
_________________
(١) أخرجه: ابن ماجه (١٢٠٩).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٨٤)، عن ابن علية عن أيوب عن نافع.
[ ١ / ٢٨٣ ]
بتشديد الخاء المعجمة، أي: يتحرك أحدُكُم الذي أي: القدر الذي يَظُنُّ أنه نسى من صلاته، أي: فليصلها ثم ليسجد أي: يسجد كما في نسخة سجدتين.
قال محمد: أي: المُصَنِّف، وبهذا أي: بالتحريك عند النسيان من الصلاة نأخُذُ، أي: نعمل ونُفتي بما ذكر بمضمون الأحاديث في الجملة مع قطع النظر عن كون السجدتين قبل التسليم أو بعده، إذا نَاءَ المصلي وقام لِلْقيَامِ، وشرع فيه سهوًا، وتَغَيَّرَ حالُه عن القعود، بأن يكون أقرب إلى القيام، وجب عليه لذلك، أي: النوء وهو البعد، فلذلك فسرنا ناء بقام؛ لأن القيام معنى لازم للبعد عن القعود، وفي هذا اللفظ، إشعار بأن الساهي، إذا لم يبعد عن العود، ولم يقرب إلى حد القيام، وهو: أي عدم القرب إلى حد القيام، أن لا يستوي النصف الأسفل، فحينئذٍ لا يجب عليه سجدتا السهو، فإن قرب إلى القيام بأن استوى النصف الأسفل مع انحناء الظهر، يجب سجدتا السهو، كما قال المصنف رحمه الله تعالى: سجدتَا السهو، وكلُّ سهوٍ ويؤول الكل إلى ترك واجب، وجبت فيه أي: لأجل ذلك السهو، سجدتان يستويان من زيادةٍ أو نقصانٍ، بيان لكل سهو، فسجدتا السهو فيه بعدَ التسليم، خلافًا لمالك، فإنه قال: كل نقصان من الصلاة؛ فإن سجوده قبل السلام، وكل سهو كان بزيادة في الصلاة؟ فإن سجوده بعد السلام كما فصلناه في شرح حديث عبد الرحمن الأعرج عن ابن بحينة، ومَنْ أي: المصلي أدْخَلَ عليه الشيطانُ الشكَّ، أي: التردد، وهو فساد الأمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، في صلاته، فلم يدرِ أثلاثًا صلى أم أربعًا، فإن كان ذلك أي: الشك أول مَا لَقِيَ، أي: دفع قليلًا نادرًا، تكلَّمَ أي: خرج من صلاته بتكلم ينافي لها واسْتَقْبَلَ صلاته، أي: استأنفها لتكمل أدائها، وإن كان يُبتلَى على صيغة المضارع المجهول بذلك أي: الشك كثيرًا مضى أي: عمل على أكثر ظنه ورَأيِه، وفي نسخة: رأيه مقدم على ظنه، ولم يَمْضِ على اليقين، وهو تفسير لما قبله أو تأكيد له، فإنه إن فَعَلَ ذلك، أي: المضي على اليقين، لَمْ ينْجُ بضم الجيم، أي: يخلص فيما يَرَى أي: فيما يذهب إليه من اليقين، من السهوِ الذي يُدْخِلُ عليه الشَّيْطَانُ، فيقع في حرج عظيم، وفي ذلك، أي: فيما ذكرناه من السجدتين بعد التسليم آثار كثيرة، أي: أخبار شهيرة من غير طرق (الموطأ).
* * *
[ ١ / ٢٨٤ ]
١٤٢ - قال محمد: أخبرنا يحيى بن سعيد، أن أنس بن مالك صلى بهم في سفرٍ كان معهُ فيه فصلى سجدتين، ثم نَاءَ للقيام فسبح بعضُ أصحابه، فرجع، ثم لما قضى صلاته سجد سجدتين، لا أدري: أقَبْلَ التسليم أو بعدهُ.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة محمد: أخبرنا يحيى، وفي نسخة: ثنا ابن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة، ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة كذا في (التقريب) (١)، أن أنس بن مالك ﵁ صلى إمامًا بهم، أي: يحيى ومن معهم في سفرٍ كان أي: يحيى معهُ فيه أي: في السفر، فصلى سجدتين، أي: ركعتين، ثم نَاءَ أي: قام للقيام، فشرع فيه فيسبح بعضُ أصحابه، أي: تنبيهًا لما به، فرجع، عن قصد القيام أو بعده إن كانت الصلاة ثنائية، ثم لما قضى صلاته أي: بالسجدتين بالتشهد، سجد سجدتين، قال أي: يحيى: لا أدري: أقَبْلَ التسليم أي: سجد قبله، أو بعدهُ، وفي نسخة: أم بعده.
فهذا الحديث لا لنا ولا لغيرنا، كما قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان حكم الفعل الزائد، من أفعال الصلاة يفعله المصلي سهوًا، شرع في بيان حكم العقل الزائد، يفعله المصلي قصدًا، فقال: هذا
* * *