بيان تأخير الصلاة، أي: صلاة الظهر والألف واللام للعهد، في وقت شدة الحر، وجه المناسبة ما بين هذا الباب والباب السابق نهي عن الصلاة، واستنبط المصنف - رحمه الله تعالى - هذه الترجمة من قوله - ﷺ -: "فإن شدة الحر من فيح جهنم" (١).
١٨٣ - أخبرنا مالك، أخبرني عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعن محمد بن عبد الرحمن بن ثَوْبَان، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا كان الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحرِّ من فَيْحِ جهنم"، وذكر أن النار اشْتكت إلى ربها، فأذِن لها في كل عام بَنفَسَيْن، نفس في الشتاء ونفس في الصيف.
قال محمد: وبهذا نأخذ، نُبْرِدُ بصلاة الظهر في الصيف، ونصلي في الشتاء حين تزول الشمس، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، أخبرني، وفي نسخة: قال: أخبرني عبد الله بن يزيد بالياء التحتية المفتوحة، والزاي المعجمة، والياء التحتية الساكنة، والدال المهملة المفتوحة، غير منصرف للعلمية ووزن الفعل، المخزومي، المدني، المقبري، الأعور، ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين، مات سنة ثمان وأربعين ومائة، مولى الأسود بن سفيان بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، القرشي، المخزومي، ابن أخي أبي سلمة
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٥٣٤)، ومسلم (٦١٥).
(٢) أخرجه: مسلم (٦١٧)، وأحمد (٩٦٣٩)، ومالك (٢٨)، وابن حبان (١٥١٠)، والبيهقي في الكبرى (٢٠٩٧).
[ ١ / ٣٧٤ ]
ابن عبد الأسد زوج أم سلمة. ذكره ابن عبد البر، وقال: في صحبته نظر، وأشار في (الإِصابة) إلى ترجيح أنه صحابي، عن أبي سلمة إسماعيل أو عبد الله، أو اسمه كنيته ابن عبد الرحمن، أي: ابن عوف الزهري، وعن بالواو، إيماءً عن تحويل السند لتقوية الحكم، والمعنى ابن يزيد روى عن أبي سلمة، وعن: محمد بن عبد الرحمن بن ثَوْبَان، بلفظ تثنية ثوب العامري، عامر قرشي، المدني من أواسط التابعين، عن أبي هريرة، ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا كان الحر أي: اشتد الحر، أصله: اشتد على وزن افتعل من الشدة، ثم أدغمت إحدى الدالين في الأخرى، فأبردوا بقطع الهمزة وكسر الواو المهملة، أي: أخروا إلى أن تبرد الوقت، يقال: أبرد إذا دخل في البرد، وأظهر إذا دخل في الظهيرة، عن الصلاة، أي: بصلاة الظهر، لما جاء في رواية، وعن تأتي بمعنى الباء، كرميت البهم عن القوس، أي: به، قال القاضي عياض: وبه جزم النووي.
وقال القاضي عياض: "أو" زائدة، أي: أبردوا الصلاة، يقال: أبرد الرجل أي: إذا فعله في برد النهار أو للمجاوزة، (ق ١٨٧) أي: تجاوزوا عن وقتها المعتاد إلى أن تنكسر شدة الحر، وقال الخطابي: أي: فأخِّروا عن الصلاة مبردين، أي: داخلين في وقت الإِبراد، فإن شدة الحرِّ تعليل لمشروعية الإِبراد من فَيْحِ جهنم"، بفتح الفاء، وإسكان الياء التحتية، وحاء مهملة - أي: غليانها - أو انتشار شررها وتنفسها، وجهنم اسم أعجمي عند أكثر النجاة، وقيل: عربي ولم ينصرف، للتأنيث والعلمية، سميت بذلك لبعد قعرها، كما في (المحكم).
وحكمة رفع المشقة؛ لأنها قد تسلب الخشوع المقصود فيها، وهذا أظهر، وقيل: لأنها الساعة التي ينتشر فيها العذاب؛ لقوله - ﷺ - في حديث عمرو بن عبسة عند مسلم: "أقصر عن الصلاة عند استواء الشمس؛ فإنها ساعة تسجر فيها جهنم" (١).
واستشكل بأن الصلاة مظنة الرحمة، ففعلها مظنة طرد العذاب، فكيف أمر بتركها؟ وأجيب بأن التعليل: إذا جاء من الشارع وجب قبوله، وإن لم يفهم معناه.
واستنبط له ابن المنير معنى مناسبًا؛ فقال: وقت ظهور أثر العذاب والغضب لا يمنع
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٨٣٢)، وأحمد (١٦٥٦٦).
[ ١ / ٣٧٥ ]
فيه الطلب إلا من أذن له فيه، والصلاة لا تنفك عن كونها طلبًا ودعاء، فناسب الافتقار.
واستدل بحديث الشفاعة؛ حيث اعتذر الأنبياء كلهم للأمم، بأن الله غضب غضبًا لم يغضب مثله، ولا يغضب بعده مثله، سوى نبينا - ﷺ -، فلم يعتذر بل طلب؛ لأنه أذن له في ذلك.
ويمكن أن يقال: تسجر جهنم، أي: تحمى بسبب فيحها، وفيحها سبب وجود الحر، وهو مظنة المشقة؛ التي هي مظنة سلب الخشوع، فناسب أن لا يصلي فيها، لكن يرد عليه أن سجرها في جميع السنة، والإِيراد مختص بشدة الحر، فهما متغايران، فحكم الإِيراد دفع المشقة، وحكم الترك وقت سجرها، لكونه وقت ظهور أثر الغضب، قال الحافظ: واستدراكه مبني على مذهبه من الاختصاص، أما على مذهب مالك من ندب الإِبراد في جميع السنة، ويزداد لشدة الحر قد استدرك.
وذكر أي: النبي - ﷺ -، فهو بالإِسناد المذكور، وهم من جعله موقوفًا على أبي هريرة، أو معلقًا وقد أفرده أحمد في (مسنده)، ومسلم من طرق أخرى عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ -، ذكر أن النار اشْتكت إلى ربها ﷿، بلسان المقال - كما رجحه - فحول الرجال ابن عبد البر، فقالت: يا رب أكل بعضي بعضًا، وقيل: شكواها بلسان الحال، أو تكلم خازنها، أو من شاء الله عنها، قال ابن عبد البر: لكلا القولين وجه ونظائر، ولا رجح حمله على الحقيقة، أنطقها الله الذي أنطق كل شيء.
ورجح البيضاوي المجاز فقال: شكواها مجاز عن غليانها، وأكل بعضها بعضًا مجاز عن ازدحام أجزائها، فأذِن لها في كل عام بَنفَسَيْن، بفتحات وسكون الياء والنون بعدها تثنية نَفَس، وهو ما يخرج من الجوف، ويدخل فيه من الهواء، فشبه الخارج من حرارتها، وبردها إلى الدنيا بالنفس الخارج من جوف الحيوان، نفس في الشتاء ونفس في الصيف، هما بالجر على البدل، أو البيان، ويجوز الرفع بتقدير أحدهما.
وقال الزين بن المنير: المختار الحقيقة (ق ١٨٨) في اشتكائها داخل بعضها ببعض، والنفس لصلاحية القدرة لذلك؛ ولأن استعارة الكلام المحال لكن الشكوى وتغييرها والتعلل له بالإِذن والقبول والنفس وقصره على الاثنين فقط بعيد عن المجاز، خارج عما ألف من استعماله، كما قاله الزرقاني.
[ ١ / ٣٧٦ ]
قال محمد: وبهذا أي: وبهذا الحديث نأخذ، أي: نعمل لغيرنا من الفقهاء، نُبْرِدُ بصيغة التكلم مع غيره، من الإِبراد والتبريد، أي: نؤخر بصلاة الظهر في الصيف، ونصلي أي: الظهر في الشتاء أي: استحبابًا فيهما حين تزول الشمس، أي: تميل عن وسط السماء في أول وقته بناءً على المسارعة إلى العبادة، دليل على كمال الطاعة، وهو أي: الإِبراد بصلاة الظهر في الصيف، وأن نصلي صلاة الظهر في الشتاء حين تميل الشمس عن وسط السماء قولُ أبي حنيفة، ﵀.
وروى البخاري (١) من حديث خالد بن دينار، قال: صلى بنا أميرنا الجمعة، ثم قال لأنس: كيف كان رسول الله - ﷺ - يصلي الظهر؟ قال: كان النبي - ﷺ - إذا اشتد البرد بكرَّ بالصلاة، أي: صلاة الظهر، في أول وقتها في الشتاء، وإذا اشتد الحر أبردها، أخرها قليلًا ثم يصليها.
لما فرغ من بيان تأخير الصلاة في وقت شدة الحر، شرع في بيان أحوال الرجل، من نسيان الصلاة، أو تفويت الصلاة به، فقال: هذا
* * *