بيان حكم فعل العبث، وهو بفتحتين، عمل ما لا فائدة فيه بالحصى، وهي الحجارة الصغار، يفرش بها المساجد، ونحوها في الصلاة، وبيان حكم ما أي: فعل يكره للمصلي أن يفعله، من تسويته أي: تسوية الحصى عند إرادة السجدة عليها بلا ضرورة، لتسويتها فيكره تسويته بلا احتياج إليه، وما كان النهي فيه ظنيًا، كراهته تحريمه إلا لصارت وإن لم يكن الدليل، نهيًا بل كان مقيد الترك الغير جازم، فهي تنزيهية، والمكروه تنزيهًا إلى
_________________
(١) انظر: التقريب (٢/ ٥٦١).
[ ١ / ٢٨٥ ]
الخلاف أقرب، والمكروه تحريمًا إلى الحرمة أقرب، فتعاد الصلاة مع كونها صحيحة، كترك واجب وجوبًا، وتعاد استحبابًا بترك غيره.
قال صاحب (الهداية) في التجنيس: كل صلاة أديت مع الكراهة؛ فإنها تعادل على وجه الكراهة؛ لقوله - ﷺ -: "لا يصلى بعد صلاة مثلها"، تأويله النهي عن الإِعادة بسبب الوسوسة؛ فلا يتناول الإعادة بسبب الكراهة، قاله صدر الإِسلام علي البزدوي في (الجامع الصغير).
١٤٣ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو جعفر القارئ، قال: رأيت ابن عمر إذا أراد أن يسجد سَوَّى الحصى تسوية خفيفةً؛ وقال أبو جعفر: كنت يومًا أصلي وابن عمر ورائي فالتفتُّ فوضع يدَهُ في قفايَ فَغَمَزَني.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: قال: ثنا أبو جعفر القارئ، بالهمز، ويبدل وقفًا، وهو قارئ المدينة، وهو شيخ الإِمام نافع، وقرأ عليه مالك وغيره، واسمه يزيد بن القعقاع، وقيل: جندب بن ضرورة، وقيل: فيروز، (ق ١٣٧) ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة، كذا في (تقريب التهذيب) (١).
قال: رأيت ابن عمر ﵄، إذا أراد أن يسجد سَوَّى الحصى تسوية خفيفةً؛ أي: لا قليلة تصل إلى حد الكثرة في العمل، وفي الصحيحين من حديث معيقب، أن رسول الله - ﷺ - قال في الرجل يسوي التراب، حيث سجد: "إن كنتَ فاعلًا فواحدة"، وقال أبو جعفر: أي: القارئ: كنت يومًا أصلي وابن عمر ورائي، أي: واقفًا خلفي، فالتفتُّ أنا في: أثناء صلاتي، فوضع يدَهُ في قفايَ فَغَمَزَني، أي: أشارني بعينه إلى خطأي، والمراد بالالتفات أن يميل المصلي يمينًا أو يسارًا، وهو مكروه، وهذا الحديث موقوف إلى ابن عمر في طريق: محمد بن الحسن، ومرفوع في طريق البيهقي، عن أبي
_________________
(١) انظر: التقريب (٢/ ٦٧٥ - ٧٠٦).
[ ١ / ٢٨٦ ]
هريرة ﵁: "إياكم والالتفات في الصلاة، فإنها هلكة".
وفي طريق البخاري عن عائشة ﵂، أنها قالت: سألتُ رسول الله - ﷺ - عن التفات الرجل في الصلاة، فقال - ﷺ -: "هو من اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد" (١).
وقال - ﷺ -: "لا يزال الله مقبلًا على العبد، وهو في صلاته، ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه" (٢) كذا في (مراقي الفلاح).
* * *
١٤٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا مسلم بن أبي مَرْيَمَ، عن عليِّ بن عبد الرحمن المعَاوِيِّ أنه قال: رآني عبد الله بن عمر وأنا أعبَثُ بالحصى في الصلاة، فلما انصرفت نهاني وقال: اصنعْ كما كان رسول الله - ﷺ - يصنعُ، فقلت: وكيف كان رسول الله - ﷺ - يصنعُ؟ قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا جلس في الصلاة وضع كفَّه اليُمنى على فخِذِه اليمنى وقبض أصابعه كلَّها، وأشار بأُصبعه التي تلي الإِبْهَام، ووضع كفه اليسرى على فَخِذِهِ اليسرى.
قال محمد: وبصنيع رسول الله - ﷺ - نأخُذُ، وهو قولُ أبي حنيفة. فأما تسوية الحصى فلا بَأسَ بتسويته مرَّة واحدةً، وتركُهَا أفضل، وهو قولُ أبي حنيفة.
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٧٥١)، وأبو داود (٩١٠)، والترمذي (٥٩٠)، والنسائي (١١٩٦)، وأحمد (٢٣٨٩١).
(٢) أخرجه: أبو داود (٩٠٩)، والنسائي في المجتبى (١١٩٥)، وأحمد (٢١٥٤٧)، والدارمي (١٤٢٣)، والنسائي في الكبرى (١١١٨)، وابن خزيمة (٤٨٢)، والحاكم (٨٦٢)، والطبراني في الكبير (٩٣٤٥)، والبيهقي في الكبير (٣٣٤٦)، وابن المبارك في الزهد (١١٨٦).
(٣) أخرجه: مسلم (٥٧٩)، وأبو داود (٩٨٧)، والنسائي في المجتبى (١١٦٠)، وأحمد (٥٣٣١)، ومالك (١٩٩)، والنسائي في الكبرى (١١٩٠)، وابن حبان (١٩٤٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (٣٢٣٨)، والبيهقي في الصغرى (٤٦٨).
[ ١ / ٢٨٧ ]
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا، وفي نسخة: أخبرني مسلم بن أبي مَرْيَمَ، واسمه يسار المدني، مولى الأنصاري، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، كما في (التقريب) (١)، روى عن ابن عمر، وأبي سعيد، وجماعة، وعنه: شعبة والسفيانان، وابن جريج، ومالك وآخرون، وثقة أبو داود والنسائي وابن معين، وأثنى عليه مالك، وقال: كان رجلًا صالحًا، يهاب رفع الأحاديث، وروى له البخاري ومسلم، ومات في خلافة المنصور، كما قاله الزرقاني، عن عليَّ بن عبد الرحمن المُعَاوِيِّ، بضم الميم وفتح العين المهملة وبعد الألف واو.
قال ابن عبد البر: منسوب إلى بني، معاوية، فخذ من الأنصار، تابعي، مدني، قاضي المدينة، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، كما قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب) (٢)، وروى له مسلم وأبو داود والنسائي، أنه قال: رآني عبد الله بن عمر بن الخطاب وأنا والحال أنا أعَبثُ من باب فرح، أي: لعب بالحصى أي: بصغار الحصى في الصلاة، فلما انصرفت أي: فرغت عنها بالسلام، نهاني أي: عن العود إلى العبث لكراهته، كالعبث بكل شيء، ولم يأمره بالإِعادة؛ لأن ذلك كان يسيرًا لا يشغله عن صلاته، وجاء في حديث أبي ذر: "ومسح الحصى مرة واحدة، وتركها خيرٌ من حمر النعم".
قال أبو عمر (٣) في رواية ابن عيينة: عن مسلم، عن علي، فلما انصرف ومر قال: فرغ عن صلاته، قال: لا تقلب الحصى؛ فإن تقلب الحصى من الشيطان، وقال: اصنعْ كما كان رسول الله - ﷺ - (ق ١٣٨) يصنعُ، فقلت: كيف وفي نسخة: وكيف كان رسول الله - ﷺ - يصنعُ؟ ولعله كان عبثه حال التشهد، فمن هنا، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا جلس في الصلاة أي: للتشهد وضع كفَّه اليُمنى على فخِذِه اليمنى وقبض أصابعه كلَّها، وأشار بأُصبُعه التي تلي الإِبْهَام.
وذكر أبو يوسف في (الأمالي) أنه كان يقبض الخنصر والبنصر، ويحلق بالوسطى
_________________
(١) انظر: التقريب (٢/ ٥٨٣).
(٢) انظر: التقريب (١/ ٤١٦).
(٣) انظر: التمهيد (١٣/ ١٩٦).
[ ١ / ٢٨٨ ]
والإِبهام، ويشير بالسبابة.
عن الحلواني: يقيم الإِصبع عند "لا إله" ويضع عند "إلا الله"؛ ليكون الرفع للنفي والوضع للإثبات.
زاد سفيان بن عيينة، عن مسلم: بإسناده المذكور: وقال: هي، أي: الإِشارة للشيطان، أي مطردته، لا سهو أحدكم ما دام يغيره بإصبعه، ويقول هكذا.
قال الباجي - من علماء المالكية -: إن معنى الإِشارة: دفع السهو، وقمع الشيطان؛ الذي يوسوس، كذا قاله الزرقاني (١)، ووضع كفه اليسرى على فَخِذِهِ اليسرى، وعن كثير من المشايخ لا يشير أصلًا، وهو خلاف الرواية والدراية. انتهى، قاله علي القاري.
وقد وضعت في هذه المسألة رسالة مستقلة، ذكرتُ فيها الرواية والدراية. انتهى.
قال محمد: وبصنيع رسول الله - ﷺ - نأخُذُ، أي: نعمل، قال -تعالى- في سورة الحشر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وهو قولُ أبي حنيفة. فأما تسوية الحصى فلا بَأسَ بتسويته مرَّة واحدةً، وتركُهَا أفضل، وهو قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى.
وكذا قول مالك والشافعي وأحمد، ولا يعرف المسألة خلاف، فالسلف من العلماء، وإنما خالفوا فيها بعض الخلف، في مذهبنا من الفقهاء، كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان ما يلزم المصلي ما يتركه من العبث، شرع في بيان حكم ما يجب على المصلي أن يفعله في صلاته من التشهد، فقال: هذا
* * *