باب سنية تسوية الصفوف، وهو اعتدال القامة بالصفوف، على نمط واحد، يراد به - أيضًا - سد الخلل؛ الذي في الصف، وإنما جمع مع الغنية عنه بالمفرد - كما في بعض النسخ - تسوية الصفوف على صيغة المفرد؛ تنبيهًا على أن التسوية لازمة في كل صف على حدته، وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة أجمعها حديث ابن عمر ﵄، أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولا تزروا فرجات للشياطين، ومن وصل صفّا وصله الله، ومن قطع صفّا قطعه الله" (١)، رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة والحاكم.
وهذا يدل على أن عدم تسوية الصفوف وترك الفرجة في خلل الصفوف مكروه للمصلي، كما قاله الفاضل: سيد محمد الزرقاني (٢).
٩٧ - أخبرنا مالك، أخبرني نافع، عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب كان يأمر رِجَالًا بتسوية الصفوف، فإذا جاءوه فَأخْبَرُوهُ بتسويتها كبر بعدُ.
_________________
(١) أخرجه: أبو داود (٦٦٦)، والنسائي في المجتبى (٨١٨) عن ابن عمر، وأحمد (٥٦٩٦)، والنسائي في الكبرى (٨٩٣)، والحاكم (٧٧٤)، وابن خزيمة (١٥٤٩)، والبيهقي في الكبرى (٥٢٨٨).
(٢) انظر: شرح الزرقاني (٤/ ٤٦١).
(٣) أخرجه: مالك (٣٦٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (٢٤٣٨)، والبيهقي في الكبرى (٢٣٤٠)، والخلال في السنة (٣٦٣).
[ ١ / ٢١٦ ]
• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك، أخبرنا، وفي نسخة: أخبرني، بالإِفراد نافع، عن ابن عمر ﵄، أن عمر بن الخطاب ﵁، كان يأمر رِجَالًا أي: من أصحابه بتسوية الصفوف، أي: صفوف الصلاة، يمنة ويسرة، فإذا جاءوه أي: إلى عمر بخبر تسوية الصفوف، فَأخْبَرُوهُ أي: إلى عمر ﵁ بتسوية الصفوف، وفي نسخة: بتسويتها فالفاء في فأخبروه عاطفة، وقوله: كَبَّرَ جواب، إذا أي: قال: الله أكبر بعد، أي: بعد خبرهم بتسويتها، وبعد صلى على الضم؛ لكونه مقطوعًا عن الإِضافة، عن هذا الحديث مختصرًا، لكونه موقوف حقيقة، مرفوع حكمًا.
عن النعمان بن بشير ﵁ أنه قال: كان رسول الله - ﷺ - يسوي صفوفنا، حتى كأنما يسوي القداح، فرأى رجلًا باديًا صدره من الصف، فقال: "يا عباد الله، لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم" (١) رواه مسلم وأبو داود والنسائي، كلهم في باب الصلاة بهذا اللفظ.
والمراد به: وجوه القلوب؛ فإن اختلاف القلوب يفضي بهم إلى اختلاف الوجوه، وإعراض بعضهم عن بعض؛ إذ الظاهر عنوان الباطن، فمخالفة الظاهر أوامر الشرع، قد يؤدي إلى كدورة وعداوة فيما بينهم، وقيل: معناه: يحول الوجوه إلى القضاء، فيكون محمولًا على التهديد، وقيل: معناه: يغير صورها إلى صور أخرى.
* * *
٩٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو سُهَيْل بن مالك، وأبو النَّضْر مولَى عُمر بن عُبيد الله، عن مالك بن أبي عامر: أن عثمان بن عفَّان كان يقولُ في خُطبته،
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٤٣٦)، وأبو داود (٦٦٣)، والنسائي (٨١٠)، وابن ماجه (٩٩٤)، وأحمد (١٧٩٧٣)، وابن حبان (٢١٧٥)، وعبد الرزاق في مصنفه (٢٤٢٩)، والبيهقي في الكبرى (٢٣٣٨).
(٢) أخرجه: مالك (٢٢٧)، وعبد الرزاق في مصنفه (٥٧٧٣)، (٢٤٤٠)، (٢٤٤٢)، (٢٤٤٣)، والشافعي في المسند (٢٩٧)، والأم (١/ ٢٠٣)، والبيهقي في الكبرى (٥٩٢٨).
[ ١ / ٢١٧ ]
إذا قامت الصلاةُ: فاعْدِلُوا الصُفُوفَ، وحَاذُوا المنَاكِبَ، فإنَّ اعْتِدالَ الصفوف من تمام الصلاة، ثم لا يُكَبِّر حتى يأتيه رِجال قد وَكَّلَهُمْ بتسوية الصفوفِ فيخبرونه أنْ قد استَوَت، فيكبر.
قال محمد: ينبغي للقوم إذا قال المؤذن: حيَّ على الفَلَاح، أن يقوموا فَيصُفُّوا ويُسوُّوا الصفوفَ، ويُحَاذُوا بين المناكبِ، وإذا أقام المؤذنُ الصلاةَ كبر الإِمامُ. وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك، وفي نسخة قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: أخبرني، بالإِفراد: أبو سُهَيْل (١) بالتصغير، اسمه نافع بن مالك، وأبو النَّضْر (٢) بالمعجمة مولَى عُمر بن عُبيد الله، عن مالك بن أبي عامر، الأنصاري، الأصبحي، سمع من عمر، وهو من كبار التابعين، ثقة، روى له الجميع، مات سنة أربع وسبعين على الصحيح (٣)، أن عثمان بن عفَّان ﵁، كان يقولُ في خُطبته - إذا قامت الصلاةُ - فاعْدِلُوا الصُفُوفَ، أي: أقيموها معادلة متساوية، وحَاذُوا أي: سووا بالمنَاكِبَ، وهو كالتفسير لما قبله مع الإِيماء إلى الاتصال؛ فإنَّ اعْتدالَ الصفوف من تمام الصلاة، أي: من كمال صلاة الجماعة وهو داخل في مفهوم قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
ولذا لم يقل: صلوا؛ فالفاء تعليلية، فعلم أن تمام الصلاة علة الأمر باعتدال الصفوف وبتسوية المناكب، ثم أي: بعد أمر عثمان بن عفان ﵁ إلى أصحابه بتسوية الصفوف لا يُكَبِّر أي: التحريمة حتى يأتيه رِجال أي: من أصحابه، قد وَكَّلَهُمْ بتشديد الكاف المفتوحة، من التوكيل بتخفيفها؛ أي: تفويض الأمر إلى آخر بتسوية الصفوفِ، أي: أمرًا وفعلًا، فيخبرونه هكذا في الأصل، أي: فهم يخبرونه، والأظهر أن
_________________
(١) انظر: التقريب (٢/ ٦١٨ - ٦١٩).
(٢) انظر: التقريب (١/ ١٩٤).
(٣) انظر: التقريب (٢/ ٥٦٧).
[ ١ / ٢١٨ ]
يكون فيخبرونه، كما هنا أنْ بفتح الهمزة وسكون النون (ق ١٠٢) خفيفة من الثقيلة، وضمير الشأن محذوف، وفي بعض النسخ أنه إثبات ضمير الشأن قد استَوَت، أي: الصفوف فيكبر، أي: يقول عثمان بن عفان: الله أكبر، للافتتاح.
قال الباجي من علماء المالكية: مقتضاه أنه وكل من يسوي الناس في الصفوف، وهو سنة.
قال محمد: ينبغي أي: يستحب للقوم، وهو يشمل الإِمام وغيره إذا قال المؤذن: حيَّ على الفَلَاح، أي: الأول والثاني، وهو أقرب أن يقوموا إلى الصلاة، ليصح أخبار المؤذن بقوله: قد قامت الصلاة، على الحقيقة وإلا فيكون مجازًا، أي: قربت قيامها، فمحل كلمة "أن يقوموا" مرفوع على أنه فاعل لقوله ينبغي، فَيصُفُّوا بضم الصاد وتشديد الفاء، من صففت القوم من باب نصر، أقمتم في الحرب وغيرها صفًا، وجاء لازم أيضًا ومنه يصف النساء خلف الرجال، ولا يصف معهم، وهذا المعنى هو المناسب هنا، والمعنى: فيصفوا ويُسوَّوا الصفوفَ، ويُحَاذُوا بين المناكبِ، وإذا أقام المؤذنُ الصلاةَ أي: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، كبر الإِمامُ، وهو تكبير الإِمام حين قال المؤذن: قد قامت الصلاة، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀.
وحكم المصنف بأن المؤذن إذا قال: قد قامت الصلاة، كبر الإمام يدل على أن الحديث الموقوف، وهو حديث عثمان بن عفان ﵁ معمول به، ويحتج به، ولكنه مرفوع حكمًا، لما رواه أبو داود في الصلاة، عن النعمان بن بشير ﵁ أنه قال: كان رسول الله - ﷺ - يسوي صفوفنا إذا قمنا إلى الصلاة، فإذا سوينا كبر (١).
وهذا يدل على أن السنة للإِمام أن يسوي الصفوف، ثم يكبر، كذا في (المصابيح) في باب تسوية الصفوف.
وهذه السنة قد ماتت في زماننا هذا، فيلزم على الإِمام والقوم أن يحيياها.
قال رسول الله - ﷺ -: "مَنْ أحيا سنتي عند فساد أمتي، حلت له شفاعتي يوم القيامة".
_________________
(١) أخرجه: أبو داود (٦٦٥)، والبيهقي في الكبرى (٢٣٣٩)، وأبو عوانة (١٣٨٠).
[ ١ / ٢١٩ ]
اعلم أن علمائنا قالوا: يقوم الإِمام والقوم عند "حي على الصلاة"؛ لأنه أمر بالإِقبال على الصلاة، فيستحب المسارعة إليه، ولو لم يكن الإِمام حاضرًا، لا يقوموا حتى يقف مكانه، ويشرعوا بعد فراغ المؤذن من قوله: قد قامت الصلاة، في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى، وعند الفراغ من الإِقامة، في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى؛ للمحافظة على فضيلة متابعة المؤذن في إجابة الإِقامة، وليدرك المؤذن أيضًا أول صلاة الإِمام، وهذا هو الأظهر، وعليه جمهور العلماء، وبه العمل في الأكثر، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد فتدبر، كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان تسوية الصفوف، شرع في بيان كيفية افتتاح الصلاة، فقال: هذا
* * *