بيان أحكام صلاة القاعد، أخذ المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١].
ومن قوله - ﷺ -: "صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب"، رواه أحمد، والبخاري، والأربعة (٢)، عن عمران بن حصين الفرق بين الجلوس والقعود في الصلاة:
الجلوس: وضع المصلي إليته على الأرض متربعًا، كما في الباب السابق.
والقعود: أن يضع الرجل ركبتيه، وساقيه على الأرض، وأن يضع إليته على ساقيه.
_________________
(١) انظر: خواتم الحكم (٢/ ٤٩٦).
(٢) أخرجه: البخاري (١١١٧)، وأبو داود (٩٥٢)، والترمذي (٣٧١)، والنسائي (١٦٦٠)، وابن ماجه (١٢٢٣)، وأحمد (١٩٣١٨).
[ ١ / ٣١٠ ]
١٥٤ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهْري، عن السائب بن يَزيد، عن المطَّلب بن أبي وَدَاعَة السَّهْمي، عن حفصة زوج النبي - ﷺ -، أنها قالت: ما رأيت النبي - ﷺ - يُصلي في سُبْحَتِه قاعدًا قطُّ، حتى كان قبل وفاته بعام فكان يصلي في سُبْحَتِه قاعدًا، ويقرأ بالسورة ويُرَتِّلُهَا، حتى تكون أطوَلَ من أطولَ منها.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وهو من أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من الطبقات الحنفية، كان أصل مولده بواسط، من قرى العراق، وفي نسخة: محمد، أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن عامر الأصبحي، من كبار أتباع التابعين من الطبقة السادسة، من أهل المدينة، حدثنا الزُّهُري، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: بنا رمزًا إلى أخبرنا الزهري، وهو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، يُكنَى أبا بكر من التابعين، من الطبقة الرابعة من الطبقات السبعة، من أهل المدينة.
قال مالك: ما أدركتُ فقيهًا محدثًا غير واحد، قيل: من هو؟
قال: ابنِ شهاب الزهري، كذا قال أبو الفرج بن الجوزي - من علماء الحنبلية - عن السائب بن يزيد، بتحتية وزاي معجمة وهو: ابن سعد الكندي، آخر من مات في المدينة من الصحابة سنة إحدى وتسعين أو قبلها، عن المطلب بتشديد الطاء ابن أبي وَدَاعَة بفتح الواو والدال وهو: الحارث بن صبير بضم المهملة وبفتح الموحدة، ابن سُعَيْد مصغر ابن السَّهْمي، كذا في نسخة، يعني أبي عبد الله، صحابي، أسلم يوم الفتح، ونزل بالمدينة مات فيها، وأمه أروى بنت الحارث بن عبد المطلب، بنت عم النبي - ﷺ - صحابية هاشمية، عن حفصة زوج النبي - ﷺ -، فيه من لطائف ثلاثة أصحاب يروي بعضهم عن بعض، أنها قالت: ما رأيت النبي - ﷺ - يُصلي في سُبْحَتِه بضم السين وسكون الموحدة، أي: النافلة وسميت بذلك لاشتمالها على التسبيح من قبيل تسمية الكل باسم بعضه، وخصت به دون الفريضة.
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٧٣٣)، والترمذي (٣٧٣)، والنسائي في المجتبى (١٦٥٨)، وأحمد (٢٥٩٠٢)، والدارمي (١٣٨٥)، ومالك (٣١١)، والنسائي في الكبرى (٣٧٦)، وابن حبان (٢٥٠٨)، وابن خزيمة (١٢٤٢)، وأبو يعلى (٧٠٥٥).
[ ١ / ٣١١ ]
قال ابن الأثير (١): لأن التسبيحات في الفرائض نفل في النوافل يلزم أنها نوافل في مثلها، قاعدًا قطُّ، بفتح القاف (ق ١٥١) وتشديد الطاء المضمومة، قال ابن هشام في (مغني اللبيب)، هو ظرف زمان لاستغراق ما مضى ويختص بالنفي، يقال: ما فعلته قط انتهى.
والمعنى: فيما رأيت فيما انقطع من عمري يصلي سبحته قاعدًا، بل قام حتى تورمت قدماه، كما قاله الزرقاني (٢)، حتى كان أي: الزمان قبل وفاته بعام أي: بسنة فكان يصلي في سُبْحَتِه قاعدًا، إما لكبره أو لضعفه، ويقرأ بالسورة أي: القصيرة ويُرَتِّلُهَا، بباين بيانها لتبيين معانيها، ويقرأها تمهل، وترتيل ليقع مع ذلك التدبر، كما أمره الله تعالى في سورة المزمل: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤].
ولذا كانت قراءته - ﷺ - حرفًا فحرفًا كما قالت أم سلمة، وغيرها حتى تكون أي: في الكمية من حيثية الكيفية أطوَلَ من أطولَ منها، أي: في الكمية والعطف يحتمل أن يكون من عطف الفرد أو من عطف الجمل، فتأمل كما قاله علي القاري.
* * *
١٥٥ - أخبرنا مالك، حدثنا إسماعيل بن محمد بن سعيد بن أبي وقاص، عن مولى لعبد الله بن عمرو بن العاص، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - ﷺ - قال: "صلاةُ أحَدِكم وهو قاعدٌ مثلُ نصفِ صلاتهِ وهو قائم".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا حدثنا، وفي نسخة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا إسماعيل بن محمد بن سعيد بن أبي وقاص، ﵁، ثقة، حجة، روى له الخمسة، مات سنة أربع وثلاثين ومائة، عن مولى لعبد الله بن عمرو كذا بالواو أن رسول الله - ﷺ - قال: "صلاةُ أحَدِكم أي: في النافلة وهو قاعدٌ أي: من غير عذر، والجملة حالية،
_________________
(١) انظر: النهاية (٢/ ٣٣١).
(٢) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٤٠٠).
(٣) أخرجه: مسلم (٧٣٥)، وأبو داود (٩٥٠)، والنسائي (١٦٥٨)، وابن ماجه (١٢٢٩)، وأحمد (٦٤٧٦)، (٦٧٦٤)، (٦٨٤٤)، والدارمي (١٢٨٤).
[ ١ / ٣١٢ ]
مثلُ نصف صلاتهِ أي: في الأجر، وهو قائم، جملة حالية أخرى، وفي قوله: "أحدكم" إشارة إلى أن رسول الله - ﷺ - ليس كسائر الأنام في هذا المقام فإنه إما أن يصلي معذورًا أو مجوزًا مشكورًا فيكون أجره في الصورتين موقورًا، والحديث رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه عن ابن عمر.
والطبراني عن ابن عمر، وعن عبد الله بن السائب، وعن المطلب بن أبي وداعة بلفظ: "صلاة القاعد نصف صلاة القائم". كذا قاله علي القاري.
قال ابن عبد البر: قوله: "صلاة أحدكم وهو قاعد مثل نصف صلاته وهو قائم" لما في القيام من المشقة أو لما يشاء أن يتفضل به.
وقد سُئِلَ رسول الله - ﷺ - عن أفضل الصلاة، فقال: "طول القنوت"، والمراد صلاة النافلة؛ لان الغرض أن: من أطال القيام فصلى قاعدًا فصلاته باطلة عند الجميع يلزم عليه إعادتها، فكيف تكون نصف فضل صلاة، بل هو عاصٍ، وإن عجز عنه ففرض الجلوس اتفاقًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٢].
فليس القيام أفضل منه؛ لأن كلًا أدى فرضه على وجهه.
فإن قيل: قال رسول الله - ﷺ -: "مثل نصف صلاته"، ولم يقل: نحو نصف صلاته؟
أجيب: إشعارًا بأن صلاة النافلة قعودًا ناقصة صورة، ومعنى من الصلاة قيامًا كما قاله الأصوليون.
لفظ المثل يستعمل فيما إذا كان المذكور مساويًا لما سبقه من اللفظ والمعنى، ولفظ النحو يستعمل فيما إذا كان المذكور مساويًا لما سبقه في المعنى فقط.
هذا خلاصة ما نقله علي القاري عن المبرك شاه في باب خُلق رسول الله - ﷺ - من (شرح الشمائل) للترمذي.
قال أبو عبد الله الباجي، اسمه سعيد بن زيد - من علماء المالكية - يريد - ﷺ - بنصف صلاة القائم، أجر الصلاة؛ لان الصلاة لا تتبعض، وهذا وإن كان عامًا لكن المراد بعض الصلوات؛ لأن القيام ركن باتفاق فهو فيمن صلى الفريضة غير مستطيع للقيام أو نافلة مطلقًا.
[ ١ / ٣١٣ ]
وعن الماجشون، أنه في المريض يستطيع القيام لكن القعود أرفق به، فأما من أقعده في فرض أو نافلة فثوابه مثل صلاة القائم، والأول أظهر، كذا قاله الزرقاني (١).
* * *
١٥٦ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، أن عبد الله بن عمرو قال: لما قَدِمنا المدينة نَالَنَا وَبَاءٌ من وَعْكِهَا شديدٌ، فخرج رسول الله - ﷺ - على الناس وهم يُصلُّونَ في سُبْحَتِهِمْ قعودًا، فقال: "صلاة القاعد مثلُ نصف صلاة القائم".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا حدثنا الزُّهري، وهو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، يُكنى أبا بكر من التابعين من الطبقة الرابعة من طبقات أهل المدينة، أن عبد الله بن عمرو بالواو، أي: عمرو بن العاص، كما في (الموطأ) لمالك، قال: الزرقاني (٢): هذا الحديث منقطع، كما قال ابن عبد البر (٣) وغيره: لأن الزهري ولد سنة ثمان وخمسين، وعبد الله بن عمرو مات بعد الستين فلم يلقه. انتهى.
يقول الفقير: هذا وهم من الزرقاني، وليس في ظاهر العبادة قيد يخصص أن عبد الله بن عمرو مات سنة إحدى وستين أو اثنين أو ثلاث ولفظ بعد يعم الأعوام بين الستين والسبعين، ومع هذا قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته): إن الزهري تابعي من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وكونه من الطبقة الرابعة يشعر ملاقاته به فهذا الحديث ليس منقطعًا، بل هو مرفوع ومتصل.
والحديث المنقطع: هو الذي رُوي عمن لا يمكن أن يكون قد رآه الراوي.
والحديث المرفوع: ما أضيف إلى رسول الله - ﷺ - خاصة من قول أو فعل أو تقرير،
_________________
(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٣٩٩).
(٢) أخرجه: مالك (٣٠٨)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤١٢٠).
(٣) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٣٩٩).
(٤) انظر: التمهيد (١٢/ ٤٥).
[ ١ / ٣١٤ ]
كقول الصحابي: أمرنا رسول الله - ﷺ - بكذا، أو نهانا عن كذا، أو من السنة، أو كنا لا نرى بأسًا، أو كنا نفعل كذا ورسول الله - ﷺ - فينا، ونحوه، فهو مرفوع كما قاله الأصوليون.
قال: لما قَدِمنا المدينة يعني نحن المهاجرين، نَالَنَا أي: أصابنا وَبَاءٌ بفتح الواو، أي: طاعون، قال رسول الله - ﷺ -: "إن هذا الطاعون رجز - أي: عذاب - وبقية عذاب عُذبَه قوم"، رواه مسلم (١) عن أسامة بن زيد ﵁، وقال - ﷺ -: "إن هذا الوباء رجزًا - أي: عذابًا - أهلك الله به: الأمم قبلكم، وقد بقي منه في الأرض شيء يجيء أحيانًا ويذهب"، رواه أحمد عن أبي بن كعب ﵁، كما فصلناه في (بركات الأبرار).
من وَعْكِهَا بفتح وسكون، أي: من حُمى المدينة، شديدٌ، بالرفع، صفة الوباء، ولا يبعد أن يكون خبر مبتدأ محذوف هو هو، أي: وعكها.
قال ابن عبد البر (٢): أهل اللغة قالوا: الوعك لا يكون إلا من الحمى، دون سائر الأمراض، ذكره السيوطي (٣).
وفي (القاموس): الوعك أذى الحمى ووجعها، ومقتها في البدن، وألم من شدة التعب، فخرج رسول الله - ﷺ - على الناس، أي: جمع ليس بهم عذر، وهم يُصلُّونَ في سُبْحَتِهِمْ أي: نافلتهم، وفي زائدة عرضًا من أخرى محذوفة، كقولك: ضربت فيمن رغبت، أصله ضربت من رغبت فيه، قاله ابن هشام في (مغني اللبيب) (٤)، قعودًا، أي: ظننا منهم أن الأمرين مستويان يقتضي ظاهره الإِباحة (ق ١٥٣)، فقال: "صلاة القاعد مثلُ نصف صلاة القائم"، ولا يبعد أن يراد بالناس الذين أصابهم ننبههم على أنهم لا يتساءلون في أمر القيام ما دام لهم عليه قدرة فإنه أفضل وثوابه أكمل.
* * *
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٢٢١٨).
(٢) انظر: التمهيد (١٢/ ٥١).
(٣) انظر: تنوير الحوالك (١/ ١٢٠).
(٤) انظر: مغني اللبيب (ص: ٨٥٥).
[ ١ / ٣١٥ ]
١٥٧ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، عن أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - ركب فرسًا، فصُرع عنهُ، فَجُحِشَ شِقُّه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات وهو جالس، فَصَلَّيْنَا جلوسًا، فلما انصرف قال: "إنما جعل الإمام لِيُؤْتَمَّ به، إذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمدُ، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعين".
قال محمد: وبهذا نأخُذُ، صلاة الرجل قاعدًا للتطوع مثلُ نصفِ صلاتِه قائمًا؛ فأما ما رُوي في قوله: "إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين"، فقد رُوِي ذلك وقد جاء ما قد نَسخَه.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، حدثنا الزُّهري، وهو محمد بن مسلم بن الشهاب الزهري، تابعي في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: "عن" في مكان "حدثنا"، عن أنس بن مالك بن النضر بن ضمضمة ﵁، قال: أخذت أمي أم سليم، بيدي حتى قدم رسول الله - ﷺ - فأتت بي رسول الله - ﷺ - فقالت: هذا ابني وهو غلام كاتب، فخدمته تسع سنين، فما قال لشيء صنعته قط أسأت، أو بئس ما صنعت، وقالت أمي: يا رسول الله، خُوَيْدِمَك أنس، ادع الله له، فقال: "اللهم أكثر ماله وولده، وأطل عمره، واغفر ذنبه" (١).
قال: لقد دفنت من صلبي مائة غير اثنين أو قال: واثنين، وإن ثمرتي تحمل في السنة مرتين، وكان كرمه يحمل في السنة مرتين، وكان يصلي فيطيل القيام حتى تفطر قدماه دمًا، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته).
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٦٥٧)، ومسلم (٤١١)، وأبو داود (٦٠١)، والترمذي (٣٦١)، والنسائي (٨٣٢)، وأحمد (١١٦٦٤)، والدارمي (١٢٥٦)، ومالك (٣٠٤).
(٢) أخرجه: البخاري (٦٣٣٤)، (٦٣٤٤)، ومسلم (٦٦٠)، والترمذي (٣٨٢٩)، وأحمد (١٢٦٠١).
[ ١ / ٣١٦ ]
أن رسول الله - ﷺ - ركب فرسًا، أي: شموسًا يرعب في كل شيء، ويرى عن ظهره حمله، فصُرع عنهُ، بصيغة المجهول، أي: سقط عن ظهره، فَجُحِشَ بضم الجيم وكسر الحاء المهملة، فشين معجمة بشِقُّه أي: خدش، كذا قاله النووي (١).
قال ابن عبد البر (٢): الجحش فوق الخدش.
وقال الرافعي: يقال: جحش فهو مجحوش، أي: إذا أصابه مثل الخدش أو أكثر، والشجح جلده، وكانت قدمه قد انفكت من الصرعة، كما في رواية لبشر بن المفضل، عن حميد، عن أنس، عند الإِسماعيلي.
قال ابن حجر (٣): ولا ينافي ما هنا لاحتمال وقوع الأمرين.
قال: وأخرج عبد الرزاق الحديث عن: ابن جريج عن الزهري، فقال: فجحش ساقه الأيمن، فقيل: لفظ ساقه مصحف عن شقه، والتصحيف إما أن يكون محسوسًا بالبصر، أو السمع، فالأول إما في الإِسناد كحديث شعبة، عن العوام بن الخراجم، بالراء والجيم، صحفه يحيى بن معين، فقال مراجم بالراء والحاء، وإما في المتن كحديث من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال، صحفه أبو بكر الصولي. رواه بعضهم واحل الأحدب، وإما في اللفظ، إذا صحفوا "بالخنصر واحتجر في المسجد" "باحتجم بالمسجد" من تصحيف السمع، وأما في المغني: كما روى عن محمد بن المثنى: نحن قوم لنا شرف نحن من عنزة قد صلى رسول الله - ﷺ - إلينا يريد أن النبي - ﷺ - صلى على عنزة، والعنزة حربة نصبت بين يدي المصلي تتوهم أنها قبيلة، وهذا تصحيف عجيب.
فصلى صلاة من الصلوات أي: الخمس وهو أي: والحال أنه - ﷺ - جالس، لعذره، فَصَلَّينَا أي: نحن معشر الصحابة جلوسًا، أي: جالسين تبعًا له، وسيأتي أن: بعضهم صلوا قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: "إنما جُعِلَ، أي: نصب أو اتخذ أو نحوهما، ذكره الرافعي.
_________________
(١) انظر: شرح مسلم (٤/ ١٣٠).
(٢) انظر: التمهيد (٦/ ١٢٩).
(٣) انظر: الفتح (٢/ ٣٢٤).
[ ١ / ٣١٧ ]
ويجوز أن يريد إنما جُعِلَ الإمام لِيُؤْتَمَّ به، أي: ليقتدى به في جميع أفعاله، وفي نسخة غير مصححة: وإنما (ق ١٥٤) جعل بالواو لكنها غير معتبرة، إذا صلى أي: الإِمام قائمًا فصلوا قيامًا، أي: ذو قيام أو قائمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمدُ، وهذا يدل على المشاركة، كما قال به الشافعي، في قول لا على المقاسمة. كما قال به علماؤنا، لكن لهم دليل آخر، ويدل هذا بأن المراد به: مجرد المشاركة في القول مع قطع النظر عن المقول، وإن صلى أي: الإِمام قعودًا أي: قاعدًا كما في نسخة، أي: سواء كانت بعذر أو بغير عذر، كما هو الظاهر المتبادر، لكن قرينة الحال تفيد تقييده بالضرورة في حق الإِمام، وإطلاقه في حق المأمومين، فصلوا قعودًا أي: أنتم كذلك، أجمعين، بالباء مجتمعين، وليحيى أجمعون بالواو.
وقال الرافعي: هكذا رواه أكثرهم، وهو: تأكيد الضمير في فصلوا، ورواه آخرون أجمعين على الحال.
وفي (الموطأ) ليحيى عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، أنها قالت: صلى رسول الله - ﷺ - وهو شاكِ على وزن قاضٍ من الشكاية، وهو: المرض، فصلى جالسًا وصلى وراءه قوم قيامًا فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: "إنما جُعلَ الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسًا فاجلسوا" (١).
وفي سندٍ آخر ليحيى في (الموطأ) لمالك عن هشام بن عروة عن أبيه، وقد أرسله مالك، وأسنده جماعة عن أبيه، عن عائشة زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: إن رسول الله - ﷺ - خرج من بيتي في مرضه فأتى المسجد، فوجد أبا بكر وهو قائم يصلي بالناس، فاستأخر أبو بكر، فأشار رسول الله - ﷺ - أن كما أنت، فجلس رسول الله - ﷺ - إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله - ﷺ -، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر، أي: يتعرفون منه ما كان النبي - ﷺ - يفعله، لضعف صوته عن أن يُسمع الناس تكبير الانتقال، فكان أبو بكر يسمعهم ذلك، ذكره السيوطي (٢).
_________________
(١) أخرجه: مالك (٣٠٧).
(٢) انظر: تنوير الحوالك (١/ ١١٩).
[ ١ / ٣١٨ ]
قال محمد: وبهذا أي: بما ذكر من الحديثين الأوليين نأخُذُ، أي: نعمل ونقول: صلاة الرجل قاعدًا للتطوع وهو شامل للسنن والنوافل مثلُ نصفِ صلاتِه قائمًا؛ أي: في الأجر، فأما ما رُوى في قوله: "إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين"، فقد رُوِي ذلك أي: بلا شبهة، كما في نسخة، فقد جاء أي: ورد ما قد نَسخَه، أي: حديث قد رفع حكم هذا الحديث، فإن القائم يقتدي بالقاعد الذي يركع ويسجد، وبالعكس في قول أبي حنيفة، وعامة أصحابه وهو مذهب مالك والشافعي.
وقال محمد وأحمد وإسحاق: لا يقتدي القائم بالقاعد، وهو القياس لأن اقتداء القائم بالقاعد اقتداء كامل الحال يناقضها. اعلم أن الحديث الذي عرف تاريخه أنه مؤخر فهو ناسخ وما عرف تاريخه أنه مقدم فهو منسوخ، والنسخ في اللغة الإِزالة، أي: الإِعدام لذات الشيء، أو صفته، وإن كان مزيل الثاني صفة أيضًا، كقولهم: نسخت الظل إذا أزالته ورفعته بواسطة انبساط ضوءها على محل الظل.
وفي الشرع: رفع تعلق (ق ١٥٥) حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عن ذلك الحكم المتقدم، والناسخ: ما دل على الرفع المذكور، وتسميته ناسخًا مجازًا؛ لأن الناسخ في الحقيقة هو الله تعالى.
ويُعرف النسخ بأمور طرحها ما ورد في النص كحديث: بريدة في صحيح مسلم: "كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة" (١)، ومنها ما يجزم الصحابي بأنه متأخر كقول جابر: كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ -: ترك الوضوء مما مسته النار (٢)، أخرجه أصحاب السنن، ومنها ما يُعرف بالتاريخ، كذا قاله الشيخ شهاب الدين: أحمد بن حجر العسقلاني، في (نخبة الفكر من اصطلاح أهل الأثر).
وفي (الهداية): ويصلي القائم خلف القاعد خلافًا لمحمد، وعكسه فهذا يدل على أن محمدًا مخالف في المسألة، وعبارة محمد مشيرة إلى أنه موافق، ولعل عنه روايتين،
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٩٧٧)، وأبو داود (٣٢٣٥)، والترمذي (١٠٥٤)، والنسائي (٢٠٣٢)، وابن ماجه (١٥٧١)، وأحمد (١٢٤٠).
(٢) أخرجه: أبو داود (١٩٢)، والنسائي (١٨٥).
[ ١ / ٣١٩ ]
ومراده بالنسخ نسخ وجوب قعود المأمومين من غير عذر مع الإِمام قاعدًا بعذر، فإن الإِجماع على خلافه اليوم مما سبق إما منسوخ أو مخصوص به - ﷺ -.
* * *
١٥٨ - قال محمد: حدثنا بِشر، حدثنا أحمد، أخبرنا إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيِّ، عن جابر بن يزيد الجُعْفِي، عن عامر الشَّعْبيّ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يَؤُمَّنَّ الناسَ أحدٌ بعدِي جالسًا". فأخذ الناس بهذا.
• قال محمد: أخبرنا بِشر بن أحمد، وفي بشر، حدثنا أحمد، أخبرنا الهمداني يكنى أبا يوسف الكوفي، ثقة تكلم فيه بلا حجة، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، وهي كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، مات سنة ستين ومائة بعد الهجرة، كذا في (تقريب التهذيب)، و(خلاصة الهيئة)، وفي نسخة: أنا، رمزًا إلى أخبرنا إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيِّ، وفي نسخة: "عن" بدل "بن" عن جابر بن يزيد الجُعْفِي، بفتح وسكون، يكنى أبا عبد الله الكوفي، ضعيف، رافضي، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، مات سنة سبع وعشرين ومائة، عن عامر الشَّعْبِيّ، بفتح فسكون، وهو أحد الأعلام من أهل الكوفة، قال: أدركتُ خمسمائة من الصحابة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل الكوفة.
قال مكحول: ما رأيتُ أفقه منه من أهل الكوفة، مات سنة أربع ومائة، فالحديث مرسل وهو حجة عندنا وعند الجمهور. قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يَؤُمَّنَّ الناسَ أحدٌ بعدِي جالسًا". فأخذ الناس بهذا. والظاهر أنه من قول محمد، والإِشارة إلى الشعبي فإنه نص على النسخ غيره فاختصاص جواز الجلوس به، كما قاله علي القاري.
قال الحميدي: هذا منسوخ في قوله: إذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا، هذا هو في
_________________
(١) أخرجه: البيهقي في الكبرى (٤٨٥٤)، وقال: لم يروه غير جابر الجعفي وهو متروك، والحديث مرسل، لا تقوم به حجة. وقال ابن عبد البر: هذا حديث مرسل ضعيف (٢٢/ ٣٢٠)، وقال ابن حزم: وتعلقوا بحديث رواه الجعفي وهو كذاب عن الشعبي مرسلًا، (الأحكام) (٢/ ٢٤٣).
[ ١ / ٣٢٠ ]
مرضه القديم، ثم صلى بعد ذلك جالسًا والناس معه قيامًا لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر من فعل النبي - ﷺ -؛ لأنه - ﷺ - صلى في مرضه الذي مات فيه جالسًا والناس خلفه قيامًا، كما في البخاري.
وقال الشرنبلالي (١) في (مراقي الفلاح): وضح اقتداء قائم بقاعد؛ لأن النبي - ﷺ - صلى الظهر يوم السبت أو الأحد في مرض موته جالسًا والناس خلفه قيامًا، وهي آخر صلاة صلاها إمامًا، وصلى خلف أبي بكر الركعة الثانية، صبح يوم الاثنين مأمومًا، ثم أتم لنفسه، ذكره البيهقي في (المعرفة).
لما فرغ من بيان حكم صلاة القاعد، شرع في بيان حكم الصلاة في الثوب الواحد، فقال: هذا
* * *