بيان أحكام صلاة التهجد والوتر من الليل. . أخذ المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة الذاريات: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]، يعني: أن المتقين يذكرون الله ويصلون أكثر الليل، وينامون أدناه، كما في (عيون التفاسير).
[ ١ / ٣٢٩ ]
ومن قوله - ﷺ -: "رحم الله امرأة قامت بالليل، فصلت ثم أيقظت زوجها فصلى"، وقال - ﷺ -: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل"، والأحاديث في هذا كثيرة.
١٦٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - كيف الصلاة بالليل؟ قال: "مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خشى أَحُدُكم أن يُصبح فَلْيُصَلِّ ركعةَ واحدة تُوتِرُ له ما قد صلَّى".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، أخبرنا نافع، وفي نسخة: قال: ثنا، وليحيى عن مالك عن نافع وعبد الله بن دينار، كلاهما مولى عبد الله بن عمر، وفي نسخة أخرى: أخبرني نافع، عن ابن عمر، ﵄.
قال ابن حجر: ولم يختلف على مالك في إسناده، إلا أن في رواية مكي بن إبراهيم عن مالك أن نافعًا وعبد الله بن دينار أخبراه، كما في (الموطأ) للدارقطني، وأورده الباقون بالعنعنة، ذكره السيوطي، أن رجلًا للنسائي من أهل البادية لم أقف على اسمه، وللطبراني في (الصغير) أن ابن عمر، لكن يكره عليه رواية عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر، كذا قاله الزرقاني.
سأل رسول الله - ﷺ - وهو يخطب: كيف الصلاة بالليل؟ قال السيوطي (١): وفي رواية: محمد بن نصر، قال: يا رسول الله، كنتَ تأمرنا أن نصلي بالليل، فكيف الصلاة بالليل؟ قال: "صلاة الليل مَثْنَى مَثْنَى"، أي: اثنين اثنين، وكرر للمبالغة، أي: مرتين مرتين، وهو غير منصرف، للعدل والوصف.
ولمسلم من طريق عقبة بن حارث، قال: قلت لابن عمر: ما معنى مثنى مثنى، قال: تسلم من كل ركعتين، ذكره السيوطي.
وليحيى: فقال رسول الله - ﷺ -: "مثنى مثنى".
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٩٩١)، ومسلم (٧٤٩)، وأبو داود (١٣٢٦)، والترمذي (٤٦١)، والنسائي (١٦٩٤)، وابن ماجه (١١٧٦)، ومالك (٢٦٩).
(٢) انظر: تنوير الحوالك (١/ ١١٠).
[ ١ / ٣٣٠ ]
قال السيوطي (١): زاد أصحاب السنن، وابن خزيمة من طريق علي الأزدي، عن ابن عمر: وصلاة النهار: مثنى مثنى. انتهى.
وورد في بعض الأحاديث ما يدل على أن الأربع أفضل في الوقتين، وهو قول أبي حنيفة، وفي بعضها: أن الأربع في النهار، وركعتان في الليل، وبه قال صاحباه، ومذهب الشافعي: أن الركعتين أفضل في الوقتين.
فالأولى: أن بعضها ركعتين بتسليمة، وبعضها أربع بلا فصل، فإذا خشى أَحدُكُم أن يُصبح أي: أن يدخل في الصباح، فَلْيُصَلِّ ركعةَ واحدة أي: ركعة واحدة مضافة إلى ركعتين مما مضى، قوله: تُوتِرُ له مجهول، على أنه صفة لركعة واحدة، أي: تجعل وترًا ما قد صلَّى، من شفع قبلها.
* * *
١٦٥ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، عن عُرْوَة، عن عائشة، أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي من الليل إحْدى عَشْرة ركعة، يُوتِرُ منهن بواحدة، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد أخبرنا، حدثنا الزُّهري، أي: محمد بن مسلم بن مالك الزهري، يكنى أبا بكر، من الطبقة الرابعة من الطبقات السبعة من أهل المدينة، وهو تابعي، عن عُرْوَة بن الزبير بن العوام، من التابعين، من الطبقة الثانية من الطبقات السبعة من أهل المدينة، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، الحنبلي في طبقاته (٢).
عن عائشة، ﵂ أن رسول الله - ﷺ - كان أي: أحيانًا أو غالبًا يصلي من الليل، وفي نسخة: بالليل، أي: فيه مبتديًا من إجرائه إحْدى عَشْرة ركعة، بسكون الشين
_________________
(١) انظر: تنوير الحوالك (١/ ١١٢).
(٢) أخرجه: البخاري (٦٣١٠)، ومسلم (٧٣٦)، وأبو داود (١٣٣٥)، والترمذي (٤٤٠)، والنسائي (٦٨٥)، وابن ماجه (١١٩٨)، وأحمد (٢٣٥٣٧)، ومالك (٢٦٤).
(٣) انظر: صفة الصفوة (٢/ ٨٥).
[ ١ / ٣٣١ ]
المعجمة، وبنو تميم تكسرها يُوتِرُ منها بواحدة، أي: منضمة إلى شفع قبلها، فإذا فرغ منها، أي: من تلك الواحدة، أو من صلاة الليل، اضطجع على شقه الأيمن، للاستراحة ليقوم نشيطًا لصلاة الصبح.
قال السيوطي: كذا رواه جماعة الرواة (للموطأ)، وأما أصحاب الزهري فرووا هذا الحديث منه إسناده، هذا فجعلوا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر لا بعد الوتر، قيل: إنه الصواب دون ما قاله مالك.
قال ابن عبد البر: ولا يدفع ما قاله من ذلك لوضعه من الحفظ والإِتقان ولثبوته في ابن شهاب، وعلمه بحديثه. انتهى.
ولا يخفى أنه لا منع من الجمع؛ فإنه ﵇ كان يضطجع تارة التهجد إذا كان في الوقت سعة، وأخرى بعد سنة الفجر إذا كان أدركه الصبح. والله أعلم.
* * *
١٦٦ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر عن أبيه، عن عبد الله بن قيس بن مَخْرَمَة، عن زيد بن خالد الجُهنيّ، قال: قلت: لأرْمُقَنَّ صلاة رسول الله - ﷺ - اللَّيْلَةَ، قال: فتوسَّدْتُ عَتَبَتَهُ أو فُسْطَاطَهُ، قال: فقام يصلي ركعتين خفيفتين، ثم صلَّى ركعتين طويلتين، ثم صلى ركعتين دونهما، ثم صلى ركعتين دونهما، ثم صلي ركعتين دون اللتين قبلهُما، ثم أوْتَر.
• أخبرنا مالك، حدثنا وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى: حدثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا عبد الله بن أبي بكر أي: محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، فقيه، ثقة، مدني، تابعي من الطبقة الثالثة من أهل المدينة، كان على قضاء المدينة، فلما ولي عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم ولاه إمرة المدينة، قالت امرأته: ما اضطجع على
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٧٦٥)، وأبو داود (١٣٦٦)، وابن ماجه (١٣٦٢)، وأحمد (٢١٧٢)، ومالك (٢٦٨)، والنسائي في الكبرى (٣٩٦)، وابن حبان (٢٦٠٨)، والبيهقي في الكبرى (٤٤٥٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٩٠)، وعبد بن حميد (٢٧٣).
[ ١ / ٣٣٢ ]
فراشه منذ أربعين سنة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة من الهجرة، وله سبعون سنة، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته)، عن أبيه، أي: أبي بكر هو محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، النجاري بالنون والجيم المشددة، المدني، القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد، ثقة، عابد، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، مات سنة عشرين ومائة (ق ١٦٢) من الهجرة، عن عبد الله بن قيس بن مَخْرَمَة، بفتح الميمين وبينهما خاء معجمة ساكنة فراء وهاء، عن زيد بن خالد الجُهنيّ، بضم الجيم وفتح الهاء والنون، نسبة إلى قبيلة جهينة، مدني، صحابي، شهير، مات بالكوفة سنة ثمان وستين ملأ الهجرة وله خمس وثمانون سنة، قال: قلت أي: في نفسي، أو بعض أصحابي، لأرْمُقَنَّ بفتح اللام الابتدائية، كاللام في قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦]، وفتح الهمزة وسكون الراء المهملة وضم الميم، وفتح القاف والنون الثقيلة، أي: لأرقبن وأنظرن البينة، وعدل عن الماضي فلما رمقت استحضارًا بتلك الماضية عند المخاطبين واستقرارًا في قلوب السامعين، صلاة رسول الله - ﷺ - اللَّيْلَةَ، أي: في هذه الليلة، حتى أرى أنه - ﷺ - كم يصلي؟ وكيف يصلي ما صلاه؟ قال: فتوسَّدْتُ عَتَبَتَهُ أي: فوضعت رأسي على عتبة بابه - ﷺ - كما وضعت رأسي على وسادتي، والتزمت على بابه كيلا يفوتني من فعله وقوله: شيء، فاعتبر يا مسكين واسمع أقوال الصحابة وأحوالهم، أو فُسْطَاطَهُ، بضم الفاء وكسر السين المهملة والطاءين بينهما ألف: سترة باب البيت من شعر وأو للشك من الراوي، والمعنى: إن كان رسول الله - ﷺ - في الحضر لازم باب بيته كالعتبة، وإن كان في السفر لازم قريب سترة باب خيمته - ﷺ - وأترقبه متى يخرج من بيته فيصلي، بهذا المعنى يندفع وهم التجسس المنهي عنه، قال أي: الراوي، فقام أي: النبي - ﷺ - يصلي ركعتين خفيفتين، أي: تهوينًا على النفس على الطاعة وتمرينًا لها على العبادة، وتدريجًا لها على الإِطالة في غير الملالة، ثم صلَّى ركعتين طويلتين، كذا في الأصل مرتين، وفي (الشمائل) للترمذي: ثلاث مرات للمبالغة في طولها، فكأنه قال: قدر ركعتين طويلتين مرتين أو ثلاث مرات، ثم صلى ركعتين دونهما، أي: أقل في الطول، ثم صلى ركعتين دونهما، وهذا الطريق البدلي كما كان الأول من باب الترقي، فسلك المسلمون في باب التخلي والتحلي، ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهُما، كذا في نسخة، وكذا في (المصابيح) برواية زيد بن خالد الجهني، وكذا في مسلم والترمذي، والنسائي برواية قتيبة.
[ ١ / ٣٣٣ ]
وكذا في سنن أبي داود برواية القعنبي، فيكون صلاة التهجد عشر ركعات ثم أوْتَر؛ فذلك ثلاث عشرة ركعة، فهذا يدل على أنه أوتر بثلاث؛ لأنه صلى عشرًا في خمس دفعات، كما قاله ابن الملك في (شرح المصابيح)، ويؤيده ما قاله مالك في (الموطأ) فتلك ثلاث عشرة ركعة.
* * *
١٦٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن المُنْكَدِر، عن سعيد بن جُبير، عن عائشة، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "ما من امرِئ تكون له صلاة بالليل يَغْلبُه عليها نومٌ إلَّا كتب الله له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة".
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد، وفي نسخة أخرى: ثنا رمزًا إلى: حدثنا، أخبرنا محمد بن المُنْكَدِر، على صيغة اسم الفاعل، عن سعيد بن جُبير، بضم الجيم وفتح الموحدة، وسكون التحتية والراء، وهما تابعيان جليلان، أما محمد بن المنكدر فمن الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وأما سعيد بن جبير، (ق ١٦٣) يكنى أبا عبد الله فمن الطبقة الثانية من أهل الكوفة، ومنقبة محمد بن المنكدر، أن المنكدر دخل على عائشة فقالت له: ألك ولد، قال: لا، فقالت: لو كان عندي عشرة آلاف درهم لوهبتها لك، فما أمست حتى بعث إليها معاوية بعشرة آلاف درهم، فاشترى منها جارية، فهي أم محمد وأبي بكر وعمر، وكان لمحمد بن المنكدر جار مبتلى فكان يرفع صوته من الليل يصيح، وكان محمد يرفع صوته بالحمد، فقيل له في ذلك، فقال: يرفع صوته بالبلاء، وأرفع صوتي بالنعمة.
_________________
(١) أخرجه: أبو داود (١٣١٤)، والنسائي في المجتبى (١٧٨٣)، وأحمد (٢٣٨٢٠)، ومالك (٢٤٨)، والنسائي في الكبرى (١٤٥٧)، والطبراني في الأوسط (٦١٧٢)، والبيهقي في الكبرى (٤٨٢٧)، والطيالسي في مسنده (١٥٢٧)، وابن المبارك (١٢٣٧). قال المنذري: رواه مالك وأبو داود والنسائي، وفي إسناده رجل لم يسم وسماه النسائي في رواية له الأسود بن يزيد، وهو ثقة ثبت وبقية إسناده ثقات، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب التهجير، بإسناد جيد، رواته محتج بهم في الصحيح، (الترغيب) (١/ ٢٣١).
[ ١ / ٣٣٤ ]
وبينا هو ذات ليلة قائم يصلي إذا يبكي فكثر بكاؤه حتى فزع أهله، وسألوه ما الذي أبكاك؟ فاستحجم عليهم، فتمادى في البكاء، فأرسلوا إلى ابن أبي حازم، فجاء فقال: يا أخي ما الذي أبكاك؟ فقال: مرت بي آية من كتاب الله في سورة الزُمَر: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]، أي: ظهر لهم وقت البعث ما لم يكونوا يحتسبون في الدنيا أنه نازل بهم من العقاب، بدل ما يحتسبون من الثواب؛ لأن أعمالهم مع كثرتها لا تنفعهم مع شركهم، كذا في (عيون التفاسير)، فبكى ابن أبي حازم، واشتد بكاؤه، فقال بعض أهله: جئنا بك لتفرج عنه فزدته، فأخبرهم ما أبكاهما.
قال: إن الله تعالى يحفظ المؤمن في ولده وولد ولده وفي دويرته، ودويرات أحواله فما يزالون في حفظ وعافية ما كان بين أظهرهم منقبة سعيد بن جبير أنه كان إذا قام إلى الصلاة كأنه ولد، وكان يبكي الليل حتى غشى، وسمع ويردد هذه الآية بضعًا وعشرين مرة في سورة البقرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١].
وكان يختم في كل ليلتين، وكان يخرج في السنة مرتين، مرة للحج، ومرة للعمرة.
قال: لدغتني عقرب، فأقسمت أمي على أن أسترقي فأعطيت الراقي يدي التي لم تلدغ، وكرهت أن أحنثها، وكان له ديك يقوم من الليل بصياحه، فلم يصح ليلة حتى أصبح، فلم يصل تلك الليلة، فشق عليه فقال: ما له قطع الله صوته، فلم يسمع له صوت بعدها، فقالت له أمه: يا بني لا تدع على شيء بعدها.
قال: إن الخشية أن تخشى الله حتى تحول خشيتك بينك وبين معصيتك، فتلك الخشية.
والذكر: طاعة الله، فمن أطاع الله فقد ذكره، ومن لم يطعه فليس بذاكر، وإن أكثر التسبيح والتلاوة كذا ذكره أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) (١).
عن عائشة، ﵂، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "ما من امرِئ أي: شخص تكون له صلاة بالليل أي: بطريق الورد، يَغْلبُه عليها أي: على صلاته نوم.
قال الباجي - من المالكية: هو على وجهين: أحدهما: أنه يذهب به النوم فلا يستيقظ، والثاني: أن يستيقظ، ويمنعه غلبة النوم من الصلاة، فهنا حكمة: أن ينام حتى
_________________
(١) انظر: صفة الصفوة (٢/ ١٤٠).
[ ١ / ٣٣٥ ]
يذهب عنه مانع النوم، إلَّا كتب الله أي: أثبت له أجر صلاته، (ق ١٦٤) بناء على حسن نيته، وقد ورد: "نية المؤمن خير من عمله". فإن الباجي يريد التي اعتادها، ويحتمل ذلك عندي وجوهان: أحدهما: أن يكون له أجرها غير مضاعف، ولو عملها لكان له أجرًا مضاعفًا؛ لأنه لا خلاف أن الذي يصلي أكمل حالًا وأفضل مآلًا، ويحتمل أن يريد أن له أجر نيته، أي دون أداء طاعته، ويحتمل أن يكون له أجر من تمنى أن يصلي مثل تلك الصلاة، ولعله أراد أجر تأسفه على ما فاته منها. انتهى.
قال ابن عبد البر (١): في الحديث دليل على أن المرء يجازى على ما نوى من الخير، وإن لم يعمله، كما لو عمله، وأن النية يعطى عليها كالذي يعطى على العمل، إذا حيل بينه وبين ذلك العمل بنوم أو نسيان أو غير ذلك من وجوه الموانع، فيكتب له أجر ذلك العمل، وإن لم يعمله، فضلًا من الله ونعمة، كما نقله علي القاري عن السيوطي (٢). وكان نومه عليه صدقة، قال الباجي: يعني أنه لا يحتسب عليه، ويكتب له أجر المصلين، ذكره السيوطي، والحديث رواه أحمد وأبو داود، والنسائي، عن عائشة ﵂.
* * *
١٦٨ - أخبرنا مالك، حدثنا داود بن الحُصَيْن، عن عبد الرحمن الأعرج أن عمر بن الخطاب قال: من فاته من حِزْبه شيء من الليل فقرأه من حين تزول الشمس إلى صلاة الظهر فكأنَّه لم يَفتْهُ شيء.
• أخبرنا مالك، حدثنا وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا داود بن الحُصَيْن، بضم الحاء المهملة وفتح الصاد والياء الساكنة والنون، الأموي، مولاهم، يكنى أبا سليمان المدني، ثقة، إلا في عكرمة، ورُمي برأي الخوارج، كان في الطبقة السادسة (٣) من طبقات التابعين
_________________
(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٣٤٥)، والتمهيد (١٢/ ٢٦٤).
(٢) انظر: تنوير الحوالك (١/ ١٠٦).
(٣) أخرجه: النسائي في المجتبى (١٧٩١)، ومالك (٤٥٨)، والنسائي في الكبرى (١٤٦٥)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤٧٤٨)، وابن المبارك (١٢٤٧) موقوفًا.
(٤) انظر: التقريب (١/ ١٦٢).
[ ١ / ٣٣٦ ]
من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، يكنى أبا داود المزني، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة، ثبت عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة بعد المائة من الهجرة (١)، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: من فاته من حِزْبه أي: من ورده شيء أي: من قراءة أو صلاة أو نحوها من الليل أي: من أوله أو أوسطه أو آخره بأن نام عنه أو غلبته ضعف أو حصل له مانع، فقرأه أي: تدارك تلك القراءة ونحوها من حين تزول الشمس أي: إذا انتقلت من المكان التي طلعت فيه.
كما روى ابن شهاب عن السائب بن يزيد، وعبد الله بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن عبد القاري عن عمر: من نام عن حزبه فقرأ ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأ من الليل، وهذا أولى من حديث داود بن حصين، لأن زوال الشمس إلى صلاة الظهر وقت ضيق لا يسع الحزب. رواه مسلم والأربعة (٢) من طريق يونس عن ابن شهاب به مرفوعًا، كما قاله السيوطي (٣). إلى صلاة الظهر فكأنَّه لم يَفتْهُ شيء.
قال ابن الملك: والمعنى: من فاته حزبه بأن غفل عنه وشيء منه، أو ذهب عن الوقت الذي كان يفعله فيه ففعله في وقت آخر كتب له من الأجر مثل ما لم يفت؛ لأن تعين ذلك الوقت إن لم يكن يقينًا من الشارع وهو الله، وإنما كان باعتبار فعله وجميع الأوقات، وبالنسبة إليه سواء، فعلى هذا تخصيص الليل بالذكر؛ لأن ورد العابدين يوجد فيه غالبًا، فإن قلت: كان التشبيه في كأنه يفضي أن يكون الأجر فيه لقص وليس كذلك.
قلت: هذا من قبيل التشابه لأن تعيين ذلك الوقت، (ق ١٦٥) ولم يكن بتعيين الشارع حتى يكون التفويت منقصًا بوقوعه، ولو كان التعبير بطريق الندب يكون تشبيهًا. انتهى.
ولا يخفى أن صلاة التهجد من تعيين الشارع بطريق الندب، وكذا تأخير الوتر إلى
_________________
(١) انظر: التقريب (١/ ٣٥٢).
(٢) أخرجه: مسلم (٧٤٧)، وأبو داود (١٣١٣)، والترمذي (٥٨١)، وابن ماجه (١٣٤٣) عن عمر موقوفًا.
(٣) انظر: تنوير الحوالك (١/ ١٥٩).
[ ١ / ٣٣٧ ]
آخر الليل لمن لم يثق بالانتباه، وقد يجب التلاوة على بعض القراء من الحفاظ خوف النسيان في الليل لاشتغاله في ضروريات معاشه في النهار.
كما أشار إليه في قوله تعالى في سورة المزمل: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٦، ٧]، وبهذا يتعين أن صلاة الليل والتلاوة فيه أفضل فيكون تشبيه الناقص بالكامل، وإلحاقه به في محله، ثم الظاهر المتبادر أن تدارك ما فات في الليل يكون في جميع أجزاء النهار.
كما في حديث رواه الترمذي في (شمائله) (١) عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - إذا لم يصل بالليل ومنعه من ذلك النوم أو غلبته عيناه صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، لا أنه مخصوص في التدارك أفضل، وأصله قوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢]، ففي تفسير البغوي: قال ابن عباس والحسن وقتادة، يعني خلفًا وعوضًا يقوم أحدهما مقام الآخر، فمن فاته عمل في أحدهما قضاه في الآخر كما قاله علي القاري (٢).
* * *
١٦٩ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسْلَمْ، عن أبيه، أنه قال: كان عمر بن الخطاب يصلي في كل ليلة ما شاء الله أن يصلي، حتى إذا كان من آخر الليل أيْقظ أهلَه للصّلاة، ويَتْلو هذه الآية ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢].
• أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسْلَمْ العدوي، يُكنى أبا عبد الله وأبا أسامة، مولى عمر بن الخطاب ﵁، مدني، عدوي، عالم ثقة في أكابر التابعين، وكان من الطبقة الثالثة، مات سنة ست وثلاثين ومائة (٣)، عن أبيه، أنه أي: أسلم، قال: كان عمر بن
_________________
(١) انظر: الشمائل (٢٦٨).
(٢) انظر: تفسير البغوي (٣/ ٣٧٥).
(٣) صحيح، أخرجه: مالك (٢٥٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤٧٤٣)، والتهجد (٢١٣).
(٤) انظر: التقريب (١/ ١٨٩).
[ ١ / ٣٣٨ ]
الخطاب ﵁ يصلي في كل ليلة ما شاء الله أن يصلي، وما موصولة، وشاء صلتها، والله فاعله، وأن مصدرية، ويصلي مفعول شاء، والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة وألا يزان بدور أن المشبه على عنوان الألوهية المتتبعة لسائر الصفات، كما فصلناه في تفسير سورة الأعلى في (نور الأفئدة). حتى إذا كان من آخر الليل أيْقظ أهلَه أي: عياله للصّلاة، أي: لإِدراك شيء من صلاة السحور والاستغفار فيه، ويحتمل أن يكون إيقاظه لصلاة الصبح، وإنما كان فإنه امتثل الآية، وفيه أهله منه ما كان هو يفعله، ويَتْلو هذه الآية في سورة طه ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ أي: مطلقًا، أو صلاة الليل والنهار، أشقها وأصعبها، يؤيده قوله: ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ أي: اصبر ﴿عَلَيْهَا﴾ أي: على مجاهدتها، ﴿لَا نَسْأَلُكَ﴾ أي: لا نكلفك ﴿رِزْقًا﴾ بتحصيله لنفسك ولا لغيرك، ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ أي: رزقًا حسنًا من حيث لا تحتسب، ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ أي: الجنة ﴿لِلتَّقْوَى﴾ ولأهلها. لقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣].
روى ابن مردويه عن أُبَيّ قال حين نزلت هذه الآية: كان - ﷺ - يأتي بباب عليّ ﵁ فيقول: "الصلاة رحمكم الله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣].
* * *
١٧٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا مَخْرَمَة بن سليمان الوَالبيّ، قال: أخبرني كرَيْب مولى ابن عباس أن ابن عباس أخبره: أنه بات عند ميمونة زوج النبي - ﷺ -، وهي خالته، قال: فاضطجعت في عَرْض الوسادة، واضطجع رسول الله - ﷺ - وأهله في طولها، قال: فنام رسول الله - ﷺ - حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، جلس رسول الله - ﷺ -، فمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات: الخواتِم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شَنٍّ معلَّق،
_________________
(١) صحيح أخرجه: البخاري (١٨٣)، (٤٥٧١)، ومسلم (٨٦٣)، وأبو داود (١٣٦٧)، والترمذي (٢٣٢)، والنسائي في المجتبى (١٦٢٠)، وابن ماجه (١٣٦٣)، وأحمد (٢١٦٥)، ومالك (٢٦٧).
[ ١ / ٣٣٩ ]
فتوضأ منه فأحسن وُضوءه، ثم قام يصلي، قال ابن عباس: فقمت فصنعت مثل ما صنع رسول الله - ﷺ -، ثم ذهبت فقمت إلى جانبه، قال: فوضع رسول الله - ﷺ - يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأُذني اليمنى بيده اليمنى فَفَتَلَهَا، قال: فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوْتَرَ، ثم اضطَجَعَ حتى جاءه المؤذِّن، فقام فصلى ركعتين، خَفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح.
قال محمد: صلاة الليل عندنا مَثْنى مَثْنَى، وقال أبو حنيفة: صلاة الليل إن شئت صلَّيْتَ ركعتين، وإن شئت أربعًا، وإن شئت صليت ستّا، وإن شئت ثمانيًا وإن شئت ما شئت بتكبيرة واحدة، وأفصل ذلك أربعًا أربعًا. وأما الوتر: فقولنا وقول أبي حنيفة فيه واحد، الوترُ، ثلاثٌ لا يُفصَلُ بينهن بتسليم.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد أخبرنا، وفي نسخة: بنا رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا مَخْرَمَة بإسكان الخاء المعجمة، وفتح غيرها، ابن سليمان الوَالبيّ، بكسر اللام والموحدة، المدني، روى عن ابن الزبير وأسماء بنت أبي بكر وعده جماعة، وثقه ابن معين وغيره (١).
قال الواقدي: قتلته الحرورية بقديد سنة ثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة، قال: أخبرني أي: وحدي، كرَيْب بالتصغير مولى ابن عباس روى عن مولاه، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وأسامة، وعائشة، وميمونة، وأم سلمة، وعنه ابناه رشدين، ومحمد، وعبد بن الأشج، ومكحول، وموسى بن عقبة، وآخرون، وثقه ابن معين، وابن سعد، والنسائي، واحتج به الجماعة، مات سنة ثمان وتسعين (٢). أن ابن عباس ﵄، أنه كان عالمًا فقيهًا وحديثًا وعربية وأنسابًا وشعرًا وتفسيرًا، روى الطبراني في (الكبير) أنه قال: دعاني رسول الله - ﷺ - فقال: "نعم ترجمان القرآن أنت"، ودعا لي جبريل مرتين (٣).
_________________
(١) انظر: التقريب (٢/ ٥٧٥).
(٢) انظر: التقريب (٢/ ٤٩٣).
(٣) أخرجه: الطبراني في الكبير (١١١٠٨)، فيه عبد الله بن فراش، وهو ضعيف.
[ ١ / ٣٤٠ ]
وعنه: وضع - ﷺ - يده على كتفي ومنكبي، ثم قال: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل" (١) رواه أحمد والطبراني برجال الصحيح.
وعنه: أن رسول الله - ﷺ - وضع يده في صدره فوجد بردها في صدره، ثم قال: "اللهم احش جوفه علمًا وحلمًا" (٢).
وعنه: ضمني رسول الله - ﷺ - إلى صدره، وقال: "اللهم علمه الحكمة"، وفي رواية "الكتاب" (٣)، رواهما البخاري.
أخبره أنه بات عند ميمونة زوج النبي - ﷺ -، وهي خالته، أي: أخت أم ابن عباس، وسبب وروده، وزاد شريك بن أبي نمر عن كريب، عند مسلم، فرقبتُ رسول الله - ﷺ - كيف يصلي. زاد أبو عوانة: من هذا الوجه "بالليل".
ولمسلم من طريق عطاء عن ابن عباس، قال: بعثني العباس إلى النبي - ﷺ -.
وزاد النسائي من طريق حبيب بن أبي ثابت عن كريب في إبلٍ أعطاه إياها من الصدقة، أي: صدقة التطوع، أو ليستولي طرفه في مصالح غيره، وأسلم عن الضحاك بن عثمان عن مخرمة، فقلت لميمونة إذا قام - ﷺ - فأيقظيني، فكأنه عزم في نفسه السهر ليطلع على الكيفية التي أرادها، ثم خشي أن يغلبه النوم فوصى، أي: ميمونة أن توقظه، وفيه فضل ابن عباس وقوة فهمه وحرصه على تعلم أمر الدين وتعليمه، كذا قاله الزرقاني (٤).
قال: أي: ابن عباس: فاضطجعت أي: وضعت جنبي بالأرض في عَرْض بفتح العين على المشهور وبضمها أيضًا، وأنكره الباجي - من علماء المالكية - نقلًا ومعنى قال: لأن العرض: هو الجانب، وهو لفظ مشترك، وردَّه العسقلاني بأنه لما قال في طولها، تعين المراد، وقد صحت به الرواية. الوسادة، بكسر الواو، ما يتوسد به، ويسمى المخدة، وهو
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٢٣٩٣)، والطبراني في الكبير (١٠٦١٤)، والأوسط (١٤٤٤)، والصغير (٥٤٣).
(٢) أخرجه: الطبراني في الكبير (١٠٥٨٥)، قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه (٨/ ٢٧٦).
(٣) أخرجه: البخاري (٣٧٥٦).
(٤) انظر: الزرقاني (١/ ٣٥٥).
[ ١ / ٣٤١ ]
ما يضعون وجوههم أو رؤوسهم عليه للنوم، وعن محمد بن نصر: وسادته - ﷺ - من أدم أي: من جلد مدبوغ، حشوه ليف، ذكره السيوطي وكذا فراشه.
وعن عائشة ﵂: أنها قالت: إنما كان فراش رسول الله - ﷺ - الذي ينام عليه من أدم حشوه ليف، أي: ليف النخل، كما قاله الترمذي في (شمائله) (١).
واضطجع رسول الله - ﷺ - وأهله أي: ميمونة خالة ابن عباس (ق ١٦٧) في طولها، أي: الوسادة. قال ابن عبد البر: كان ابن عباس - والله أعلم - مضطجعًا عند أرجلهما وعند رأسهما.
وقال الباجي: وهذا ليس بالبين؛ لأنه لو كان كذلك لقال توسدت عرضها، وقوله: اضطجعتُ في عرض: يقتضي أن العرض محل لاضطجاعه، وفي رواية طلحة بن نافع عند ابن خزيمة: ثم دخل - ﷺ - مع أهله ميمونة وفي فرشها، وكانت ليلة صائفا، وفيه يبيت الصغير عند محرمه، وأن زوجها عندها، والاضطجاع مع الحائض، وترك الاحتشام في ذلك بحضرة الصغير، وإن كان مميزًا بل مراهقًا.
وللبخاري في التفسير من رواية شريك عن كريب، فتحدث - ﷺ - مع أهله ساعة، ولأبي زرعة الرازي في (العلل): عن ابن عباس: أتيتُ خالتي ميمونة، فقلتُ: إني أريد أن أبيت عندكم، فقالت: كيف وإنما الفراش واحد، والحال أنه من مسح، أي: صوت يعبر عنه بالملاس، هذا خلاصة ما في (الشمائل).
فقلتُ: لا حاجة لي بفراشكم، أفرش نصف إزاري، وأما الوسادة فإني أوضع رأسي مع رأسكما من وراء الوسادة: فجاء رسول الله - ﷺ -، فتحدثت ميمونة بما قلت، فقال: هذا شيخ قريش.
قال: أي: ابن عباس ﵄: نام رسول الله - ﷺ - حتى إذا انتصف الليل أي: تقريبًا، أو قبله بقليل أو بعده بقليل، وأو للشك في حقيقة مقداره، وفي رواية الشيخين: فلما كان ثلث الليل الأخير أو بعضه، جلس رسول الله - ﷺ -، فمسح النوم أي: أثره من باب إطلاق المسبب أو عينه من باب إطلاق الحال على المحل، "إذا" ظرفية، وقبله
_________________
(١) انظر: الشمائل (٣٢٩).
[ ١ / ٣٤٢ ]
ظرف لجلس، أي: جلس رسول الله - ﷺ - وقت الانتصاف، أي: وقت نصف الليل أو قبله بقليل، أو بعده بقليل، فمسح عن وجهه بيده.
وفي (الموطأ) لمالك: حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ رسول الله - ﷺ - فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده، بالإِفراد، فإن جعلت إذا ظرفية، فقبله ظرف لاستيقظ أي: استيقظ وقت الانتصاف أو قبله، وإن جعلت شرطية فمتعلق بفعل مقدر، واستيقظ، جواب الشرط، أي: حتى إذا انتصف الليل أو قبله أو بعده استيقظ فمسح النوم عن وجهه بيديه. كما قاله الزرقاني.
وفي رواية (الصحيحين) قيد فنظر في السماء ثم قرأ بالعشر آيات الخواتِم، جمع الخاتمة بالجر صفة الآيات، وفي نسخة: الخواتيم بالياء، وكذا في الشمائل للترمذي من هذا الطريق، وإضافة العشر إلى الآيات من قبيل الصفة إلى موصوفها، واللام تدخل في العدد المضاف نحو الثلاثة الأثواب من سورة آل عمران، أولها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، إلى آخر السورة، فيه حل القراءة للمحدث حدثًا أصغر، هو إجماع عليه، كذا في المناوي، ثم أي: بعد قراءة هذه الآيات، قام إلى شَن بفتح الشين المعجمة وتشديد النون، أي: مائلًا إلى قربة بالية، معلَّق، أي: معلقة إلى جدار أو خشبة لتبريد مائها أو المحافظة (ق ١٦٨) من قطعها، فتوضأ منه أي: من مائه فأحسن وُضوءه، أي: أتمه بأن أتى بمندوباته، ثم قام يصلي، أي: حال كونه مصليًا، ولمحمد بن نصر: ثم أخذ ردائه حضرميًا فتوشحه ثم دخل البيت فقام يصلي، قال ابن عباس، ﵄، فقمت أي: من مرقدي، فصنعت مثل ما صنع رسول الله - ﷺ -، أي: من مسح الوجه من النوم وقراءة العشر آيات، والقيام إلى الشن والتوضؤ منه، ثم ذهبت أي: إلى قربه - ﷺ -، فقمت إلى جانبه، أي: جانبه، كما في نسخة، وفي رواية الشيخين: فقمتُ فتوضأتُ فقمت عن يساره، قال: أي: ابن عباس: فوضع رسول الله - ﷺ - يده اليمنى على رأسي، للتبرك وتنزيل الرحمة عليه، وأخذ بأُذني بضم الهمزة وسكون الذال المعجمة اليمنى بيده اليمنى فَفَتَلَهَا، أي: دلكها، زاد محمد بن نصر: فعرفت أنه إنما صنع ذلك ليؤنسني بيده في ظلمة الليل، وقيل: فعل ذلك إيقاظًا له وتنبيهًا له من النعاس، وقيل: ليتنبه بهيئة الصلاة، وموقف الإِمام، والأول أظهر، ذكره السيوطي.
وقال الشمني: لو قام المؤتم منفردًا عن يساره الإِمام، أو خلفه كره، لما روى الجماعة
[ ١ / ٣٤٣ ]
عن كريب مولى ابن عباس، قال: بتُّ عند خالتي ميمونة فقام رسول الله - ﷺ - يصلي من الليل، فقمتُ عن يساره، فأخذني بيمينه فأدارني من ورائه، فأقامني عن يمينه، فصليت معه. وفي الحديث دليل على أن العمل القليل لا يبطل الصلاة، وأن صلاة الصبي صحيحة، وأن له موقفًا من الإِمام كالبالغ، وأن الجماعة في غير المكتوبات جائزة.
أقول: وقد صرح في (الفروع) اتفاق الفقهاء بكراهية الجماعة في النوافل، إذا كان سوى الإِمام الأربعة.
قال في (الكافي): إن التطوع بالجماعة إنما تكره إذا كان على سبيل التداعي، أما لو اقتدى واحد بواحد، أو اثنان بواحد لا تكره، واقتدى ثلاثة بواحد اختلف فيه، وإن اقتدى أربعة بواحد كره اتفاقًا، كذا في (الوسائل شرح الشمائل).
ثم قام فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ست مرات، فتكون اثني عشرة ركعة، وفي العطف بثم إشارة إلى أنه - ﷺ - فصل بين كل ركعتين، وبه صرح في رواية طلحة بن نافع، عن ابن عباس، عند ابن خزيمة، قال: ويسلم من كل ركعتين، ولمسلم من رواية علي بن عبد الله بن عباس، التصريح بالفصل أيضًا، وأنه - ﷺ - استاك بين كل ركعتين إلى غير ذلك، كذا قاله الزرقاني.
ثم أي: بعد ما صلى النبي - ﷺ - اثنتى عشرة ركعة من النوافل، أوْتَرَ، أي: صلى الوتر ثلاث ركعات، ثم أي: بعد ما صلى صلاة الوتر ثلاثًا، اضطَجَعَ أي: رقد فنام حتى نفخ حتى جاءه المؤذِّن، وهو بلال كما سُمِّي في رواية البخاري على ما ذكره السيوطي. فقام فصلى ركعتين خَفيفتين، يعني سنة الفجر، ثم خرج من بيت ميمونة إلى المسجد، فصلى صلاة الصبح، أي: فرضه بجماعة، والحديث رواه الترمذي في (الشمائل).
قال محمد: صلاة الليل عندنا يعني: نفسه، وأبا يوسف مَثْنى مثنى، أي: ثنتين ثنتين، وهو أفضل، كرره تأكيدًا في بيان الحكم، وهما لا ينصرفان للعدل من عدد مكررة هي ثنتين ثنتين وللوصف (ق ١٦٩) بنيتا، وأن أصولهما لم تبن لتكرر العدل، فإنهما معدولتان باعتبار الصيغة والتكرير وهما نكرتان تدخل عليهما لام التعريف كالمثنى والثلاث والرباع، كذا قاله عبد الله بن محمد البيضاوي (١)، وغيره في تفسير قوله تعالى
_________________
(١) انظر: البيضاوي (٢/ ١٤٢).
[ ١ / ٣٤٤ ]
في سورة النساء: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣].
وقال أبو حنيفة، رحمه الله تعالى: صلاة الليل أي: التهجد وغيره من النوافل، إن شئت صلَّيْتَ ركعتين، وإن شئت أربعًا، أي: بجلستين وإن شئت صليت ستَّا، وإن شئت ثمانيًا، وإن شئت بتكبيرة واحدة، أي: زيادة على ذلك من أنواع الشفع إلا أن بعد كل ركعتين لا بد من قعدة، وأفضل ذلك أي: جميع ما ذكر من الأعداد أربعًا أربعًا، فينبغي المناسك أن يصلي تارة أربعًا وأخرى ركعتين جمعًا بين الروايات الواردة في ذلك.
فأما الوتر: فقولنا أي: معشر الحنفية كلنا، وقول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وهو إمامنا فيه أي: في حق الوتر واحد، أي: إسلام واحد لا تعدد فيه، كما بينه بقوله: الوترُ، ثلاثُ ركعات لا يُفصَلُ بينهن بتسليم، أي: في قعدة الأولى، وهذا لا ينافي كونهم مختلفين في أن صلاة الوتر واجبة، كما قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى، أو سنة كما قال، فسنبين تفصيله في باب الوتر إن شاء الله تعالى.
لما ذكر أحكام صلاة الليل، شرع في ذكر حكم الحدث في الصلاة، فقال: هذا
* * *