الختان، بكسر الخاء المعجمة والتاء والنون بينهما ألف: موضع ما يختن، كذا قاله علي القاري، والمراد بهذه التثنية ختان (ق ٧٩) الرجل، وهو قطع جلدة كمرته، وخفاض المرأة، وهو موضع قطع جليدة في أعلى فرجها تشبه عرف الديك، بينها وبين مدخل الذكر جلدة رقيقة، وإنما تثنى بلفظ واحد تغليبًا، وله نظائر وقاعدته رد الأثقل إلى الأخف، والأدنى إلى الأعلى، كذا قاله الزرقاني.
٧٦ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهْريُّ، عن سعيد بن المُسَيَّبِ، أن عمر
_________________
(١) صحيح، أخرجه: مالك (١٠١)، وعبد الرزاق في مصنفه (٩٣٦)، والبيهقي (٨٠١).
[ ١ / ١٧٠ ]
وعثمان وعائشة كانوا يقولون: إذا مَسَّ الخِتَانُ الخِتَانَ، فقد وَجب الغُسْلُ.
• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك حدثنا وفي نسخة: قال ثنا رمزًا إلى حدثنا الزُّهْريُّ، وهو ابن شهاب، عن سعيد بن المُسَيَّبِ، وهو من سادات التابعين، أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعائشة أي: زوج النبي - ﷺ -، كانوا يقولون: أي: كان مذهبهم إذا مَسَّ أي: إذا جاوز، الخِتَانُ أي: ختان الرجل والمرأة، الخِتَانَ، أي: ختان الآخر منهما من غير حائل بينهما، فالمراد بالختان الثاني موضعه من فرج الأنثى، وهو مشاكلة؛ إنما يسمى خفاضًا لغة كقوله - ﷺ -: "اخفضي"، فقد وَجب الغُسْلُ، أي: سواء أنزل أم لا؛ لأن المراد بالمس والالتقاء المجاوزة لا حقيقة المس، والالتقاء؛ لأنه لا يتصور عنده غيبة الحشفة ولو دفع مس بلا إيلاج لم يجب الغسل بالإِجماع.
وصدر الإِمام بهذا الخبر إشارة لدفع ما رواه زيد بن خالد الجهني، أنه سأل عثمان: إذا جامع الرجل فلم يمن؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره، سمعته من رسول الله - ﷺ -. قال زيد بن خالد، فسألتُ عن ذلك عليّا، ﵁، والزبير، وطلحة، وأُبيّ بن كعب، فأمروه بذلك، رواه الشيخان، واللفظ للبخاري وللإِسماعيلي، فقالوا بمثل ذلك، عن النبي - ﷺ -.
قال الإِمام أحمد: حديث معلول؛ لأنه ثبت عن هؤلاء الخمسة الفتوى بخلاف هذا الحديث.
وقال علي بن المديني: إنه شاذ، فالحديث المعلول والشاذ معطوفان لا يُعمل بهما، والحديث المعلول ما في روايته علة خفية قادحة كصفة الوهم، والحديث الشاذ ما يخالف فيه الراوي من هو أرجح منه.
فقال: الحديث الشاذ ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه (١) من طريق ابن عيينة،
_________________
(١) أخرجه: الترمذي (٢١٠٦)، وأحمد (١٩٣١)، والنسائي في الكبرى (٦٤٠٩)، وعبد الرزاق في مصنفه (١٦١٩٢)، وسعيد بن منصور في سننه (١٩٤)، والبيهقي في الكبرى (١٢٦٥٢).
[ ١ / ١٧١ ]
عن عمرو بن دينار، عن عويجة، عن ابن عباس ﵄، أن رجلًا توفى على عهد رسول الله - ﷺ - ولم يدع وارثًا إلا مولى أعتقه سيده، فقال رسول الله - ﷺ -: "هل له أحد؟ " قالوا: لا، إلا غلام أعتقه، فجعل - ﷺ - ميراثه له، هذا خلاصة النخبة والفكر والشرح في فرائض (مشكاة المصابيح).
فالمسألة: من مات ولم يدع أحدًا فميراثه لبيت المال.
قال ابن عبد البر: ومحال أن يسمع هؤلاء الخمسة من رسول الله - ﷺ - إسقاط الغسل من التقاء الختانين ثم يفتو بإيجابه.
وأجاب الحافظ وغيره: بأن الحديث ثابت من جهة اتصال السند وحفظ رواته، وليس فردًا ولا يقدح فيه إفتاؤهم بخلافه؛ لأنه ثبت عندهم، ناسخه، فذهبوا إليه فكم من حديث صحيح هو منسوخ من حيث الصناعة الحديثية.
وقد ذهب الجمهور إلى ناسخه بحديث أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب (ق ٨٠) الغسل"، رواه الشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وبحديث عائشة نحوه مرفوعًا في مسلم وغيره، كما قاله الزرقاني.
* * *
٧٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النَّضْرِ مَوْلَى عمر بن عُبَيْد الله، عن أبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن، أنَّه سأل عائشةَ؛ ما يُوجب الغُسْلَ؟ فقالت: أتَدْرِي ما مَثلُكَ يا أبَا سَلَمَةَ؟ مَثَلُ الفَرُّوجِ يَسْمَعُ الدِّيَكَةَ تَصْرُخُ فَيَصْرُخُ معها، إذا جَاوَزَ الخِتَانَ الختان فقد وَجَبَ الغُسْل.
_________________
(١) صحيح، أخرجه: الترمذي (١٠٩)، وأحمد (٢٤٥١٦)، ومالك (١٠٢)، والنسائي في الكبرى (١٩٦)، وابن حبان (١١٧٦) (١١٧٧)، وابن أبي شيبة (١/ ١٠٨)، وعبد الرزاق في مصنفه (٩٣٨)، والطبراني في الكبير (٩٢٥١)، والأوسط (٥١٩٧).
[ ١ / ١٧٢ ]
• أخبرنا، وفي نسخة: محمد: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، أخبرنا وفي نخسة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا أبو النَّضْرِ بفتح النون وسكون الفاء المعجمة، والراء: سالم بن أبي أميّة، مَوْلَى عمر بن عُبَيْد الله، بالتصغير عن أبي سَلَمَةَ، أي: إسماعيل، أو عبد الله، واسمه وكنيته: ابن عبد الرحمن، أي: ابن عوف، أنَّه سأل عائشةَ؛ أي: زوج النبي - ﷺ -، ما يُوجب الغُسْلَ؟ أي: ما حد جماع، يكون سببًا لوجوب الغسل على الفاعل والمفعول، فقالت: تلاطفه وتعاتبه استفهامًا إنكاريًا: أتَدْرِي ما مَثلُكَ بفتح الميم والثاء المثلثة وضم اللام، وكاف الخطاب، أي: صفتك العجيبة يا أبَا سَلَمَةَ؟ فكأنه قال: لا قالت مثلك مَثَلُ الفَرُّوجِ قال المجد: هو بفتح الفاء، وضم الراء المشدودة، وسكون الواو، والخاء المعجمة، فرخ الدجاج، يَسْمَعُ صوت الدِّيَكَةَ، وهي بكسر الدال وفتح الياء التحتية، وفتحِ جمع: ديك، ويجمع أيضًا على ديوك ذكر الدجاج، تَصْرُخُ أي: بضم الراء: تصيح فَيَصْرُخُ معها، أي: يصيح معها، أي: مع الديكة.
قال ابن عبد البر: عاتبته بهذا الكلام؛ لأنه قلد فيه من لا علم له به، لأنها كانت أعلم بحال النبي - ﷺ -، وقد كان أبو سلمة لا يغتسل من التقاء الختانين لروايته عن أبي سعيد حديث: "الماء من الماء"، فلذلك نفرته عنه.
قال الباجي: يحتمل أنه كان في زمن الصبا قبل البلوغ، يسأل عن مسألة الجماع، وهو لا يعرفه إلا بالسماع، كالفروج يصرخ لسماع الديكة، وإن لم يبلغ حد الصراخ.
ويحتمل أنه لم يبلغ مبلغ الكلام في العلم لكنه يسمع الرجال يتكلمون فيه، فيتكلم معهم. إذا جَاوَزَ الخِتَانَ الختان فقد وَجَبَ الغُسْل، والحديث مرفوعًا، أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما، وعن عائشة بلفظ: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله - ﷺ - فاغتسلنا.
* * *
٧٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن كَعْبٍ؛ مولى عثمان بن عفان، أن محمود بن لَبِيدٍ؛ سأل زيد بن ثابت: عن الرَّجل يُصيب
_________________
(١) صحيح، أخرجه: مسلم (٣٤٦)، (٣٥٠)، ومالك (١٠٦).
[ ١ / ١٧٣ ]
أهلَه، ثم يُكْسِلُ؟ فقال زيد بن ثابت: يَغْتَسِلُ، فقال محمود بنِ لِبيد: فإن أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ لا يَرى الغُسل، فقال زيد بن ثابت: إن أُبَيَّ بنَ كَعْب نَزَعَ من ذلك قبل أن يموت.
قال محمد: وبهذا كلِّه نأخُذُ؛ إذا الْتَقَى الختانان، وتَوَارَتِ الْحَشَفَةُ وَجَبَ الغُسل، أَنْزَلَ أو لم يُنْزِلُ، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، وفي نسخة: قال ثنا رمزًا إلى حدثنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري، ولقيس صحبة، عن عبد الله بن كَعْبٍ؛ الحميري المدني، مولى عثمان بن عفان، صدوق، روى له مسلم والنسائي، أن محمود بن لَبِيدٍ؛ بفتح اللام، وكسر الموحدة، ابن عقبة بن رافع الأنصاري الأوسي الأشهلي، أبا نعيم المدني، صحابي صغير، وَجُلُّ روايته عن الصحابة، مات سنة تسعين، وقيل: سبعة، وله تسع وستون سنة، وفي بعض النسخ: محمد سأل زيد بن ثابت، وهو من أعيان الصحابة وكبرائهم عن الرَّجل يُصيب أهلَه، أي: يجامع امرأته وجاريته ثم يُكْسلُ؟ بضم الياء التحتية وسكون الكاف وكسر السين المهملة من أكسل الرجل إذا جامع، ثم أدركه فتور، فلم ينزل أو معناه صار ذا كسل على ما ذكره السيوطي، فقال زيد بن ثابت: يَغتَسِلُ، خبر معناه إنشاء.
فقال محمود بن لِبيد: فإن أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ لا يَرَى أي: لا يختار الغُسل، أي: حين الكسل، فقال زيد بن ثابت: إن أُبَيَّ بنَ كَعْب نَزعَ أي: رجع أُبيّ عن ذلك قبل أن يموت. وفي رجوعه دليل على أنه صح عنده، أنه منسوخ، ولولا ذلك ما رجع عنه أبيّ بن كعب.
قال محمد بن الحسن (ق ٨١) الشيباني: وبهذا نأخُذُ؛ أي: إنما نعمل ونفتي بهذا الحديث: إذا الْتَقَى الختانان، أي: جاوز ختانه في ختانها، كما بينه المصنف، ﵀، بعطف تفسيري بقوله وتَوَارَتِ أي: غابت الْحَشَفَةُ بفتحتين، أي: رأس الذكر بفرجها، فقد وَجَبَ الغُسل، على الفاعل والمفعول، أَنْزَلَ أو لم يُنزِلُ، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀.
[ ١ / ١٧٤ ]
أجمع الأئمة على أن الرجل إذا جامع امرأته، والتقى الختانان فقد وجب الغسل عليهما، وإن لم يحصل الإنزال، كما قاله علي القاري.
فإن قيل: ما الحكمة فى الأمر بالختان، ولأي معنى سره؟
الجواب: قيل: للتطهر؛ لأنه يوجب المحبة الإِلهية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فيحصل الاحتراز من البول بالختان.
وقيل: أمر بذلك لأنه وضع على عضو عبارة، وعلامة يعرف بها، فوضع على القلب التوحيد، وعلى اللسان: الشهادة، وعلى الوجه: الوضوء، وعلى الجبين: السجدة، وعلى الرأس: المسح، وعلى الشفة: قص الشارب، وعلى الأصابع: تقليم الأظافر، وعلى العانة حلقها، وعلى الإِبط: نتفها، وعلى الذكر: الختان.
وقيل: في الختان خواص، منها: نضارة الوجه، ونماء البدن كالشجر إذا انقطع فضله، وغصنه الزائد، ويحصل لها النماء.
فإن قيل: ما معنى قوله - ﷺ -: "أول من اختتن إبراهيم ﵇"، وفي الخبر: ولد الأنبياء ﵈ مختونين؟
الجواب: أقول: إنه ﵇ ولد مختونًا، ولكنه ختن نفسه، ليقتدي به؛ لأنه مقتدى الأمم، ومتبوع الملل، كما في (خواتم الكلم).
لما فرغ من بيان ما يوجب الطهارة الكبرى، شرع ما يوجب الطهارة الصغرى، فقال: هذا
* * *