٥٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أنَّ عمر ذَكَرَ لرسول الله - ﷺ - أنَّهُ تُصيبُه الجنابة من الليل؛ فقال: "توضأ، ثم اغْسِلْ ذَكرَك ونَمْ".
قال محمد: وإن لم يتوضَّأ ويَغْسِلْ ذَكَرَهُ حين ينامُ فلا بَأسَ بذلك أيضًا.
• محمد قال: ثنا، كذا في نسخة رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخبرنا: مالك، أخبرنا، كذا، وفي نسخة أخرى: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن
_________________
(١) هكذا بالأصل.
(٢) صحيح، أخرجه: البخاري (٢٨٧)، ومسلم (٣٠٦)، وأبو داود (٢٢١)، والترمذي (١٢٠)، والنسائي في المجتبى (٢٥٩)، وابن ماجه (٥٨٥)، وأحمد (٣٦١)، (٥٤٧٣)، والدارمي (٧٥٦)، ومالك (١٠٩)، والنسائي في الكبرى (٩٠٥٥)، وابن حبان (١٢١٢)، وابن خزيمة (٢١٤)، والبيهقي في الكبرى (١٤٤٢٩).
[ ١ / ١٣٤ ]
عمر بن الخطاب ﵁ ذَكَرَ لرسول الله - ﷺ -.
وقد بين النسائي سبب ذلك عن طريق ابن عوف عن نافع، قال: أصاب ابن عمر جنابة فأتى عمر فذكر ذلك له، فأتى عمر النبي - ﷺ - فاستأمره، فقال: ليتوضأ، ويرقد، وعلى هذا فالضمير في قوله أنه يصيبه، يرجع لابن عمر، وعدل عن مقتضى الظاهر، وهو أن يقول إنه قد أصابه الجنابة، أي: في الليل لإِحضار حال ابنه عند النبي - ﷺ -، ويحتمل أن تكون "من" في الليل لابتداء الغاية في الزمان، أي: ابتداء إصابة الجنابة الليل، كما قيل في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨].
قال: أي رسول الله - ﷺ -: توضأ، أي: يا عبد الله، هذا كان عبد الله بن عمر حاضرًا عند النبي - ﷺ -، فوجه الخطاب إليه، ويحتمل أن يكون الخطاب لعمر بن الخطاب، في غيبة ابنه جواب الاستفتاء، ولكن يرجع إلى ابنه؛ لأن استفتاء عمر إنما هو لأجل ابنه.
ثم اغْسِلْ ذَكَرَك ونَمْ بفتح النون: أمر من باب علم، أي: ارقد، والأمر في هذه الثلاثة للندب كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].
وقالوا: ثم للجمع لا للترتيب، عند أبي حنيفة، ﵀، كما في رواية أبي نوح عن مالك: "اغسل ذكرك ثم توضأ".
لذا قال أبو عمر: هذا من التقديم والتأخير، أي: إن أردت اغسل وتوضأ ونم.
قيل: حكمته ينشط للعود بالجماع، أو إلى الغسل إذا بل أعضاؤه، وقيل: المبيت على إحدى الطهارتين، خشية أن يموت في منامه.
وقد روى الطبراني في (المعجم الكبير) بسند لا بأس به: عن ميمونة بنت سعد، قالت: قلت: يا رسول الله: هل يأكل أحدنا وهو جنب؟ قال: "لا يأكل حتى يتوضأ". قلت: يا رسول الله، هل يرقد الجنب؟ قال: "ما أحب أن يرقد وهو جنب حتى يتوضأ، فإني أخشى أن يتوفى فلا يحضر جبريل".
وفي الحديث: أن غسل الجنابة ليس على الفور، وإنما يتضيف عند القيام إلى الصلاة، واستحباب التنظيف عند النوم.
قال ابن الجوزي: وحكمته: أن الملائكة تبعد عن الوسخ والريح الكريهة، بخلاف الشياطين، فإنها لا تقرب من ذلك.
[ ١ / ١٣٥ ]
وأخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف، عن يحيى وأبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة، والأربعة عن مالك به.
كما قاله الزرقاني. . ولكن.
قال محمد: وإن لم يتوضَّأ، أي: من أراد أن ينام ولم يغسل ذكره فلا بأس، أي: لا ضرر بذلك، أي: بأن ينام مقارنًا بالحديث وعدم غسله أيضًا كما نام مقارنًا بالوضوء، ويغسل ذكره أو يلفه بخرقة أنه إذا خاف تلويث الثوب بالبلل، فيتعين أن يغسل ذكره، أو يلفه بخرقة صيانة عن تنجيسها، كما قاله "علي القاري"، وفي بعض النسخ: حتى نام بصيغة الماضي، (ق ٦١) فحينئذ يكون عطفًا على معنى كلمة لم يغسل، والمناسبة بين المعطوف والمعطوف عليه التضاد بالنفي والإِثبات، وكلمة حتى للعطف، لمناسبة أن المعطوف يعقب المعطوف عليه.
وكذا الغاية تعقب المغيَّا مع قيام معنى الغاية كقوله: جاء الربيع، وأتاك المرعى، اسْتَنَّت الفصال حتى القرعي المرعي اسم المكان، والنباتات والفصال: جمع فصل وهو ولد الناقة انفصل عن أمه وانقطع عن اللبن، والاستنان: أن يرفع يديه، ويطرحهما معًا في حالة العدو، والقرعى جمع القريع وهو: الفصل له بثر أبيض يخرج بالفصاد، ودواؤه بالملح، والبثر بفتح الموحدة وسكون المثلثة والراء المهملة: أدْرة مائية تخرج في وجه ولد الناقة وعينيه، كما قاله عبد الرحمن بن عبد الملك: في "شرح المنار".
* * *
٥٦ - قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن أبي إسحاق السَّبيعيّ، عن الأسْوَدِ بنِ يزيد، عن عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يُصِيبُ من أهله، ثم ينام ولا يَمَسُّ ماء، فإن استيقظ من آخِرِ الليل عاد واغتسل.
_________________
(١) صحيح، أخرجه: البخاري (٢٨٦)، ومسلم (٣٠٥)، وابن ماجه (٥٨١)، وأحمد (٢٤٢٣٤)، والنسائي في الكبرى (٩٠٥٢)، والطبراني في الأوسط (٦٠٨٨)، والبيهقي في الكبرى (١٠٠٥).
[ ١ / ١٣٦ ]
قال محمد: وهذا الحديث أرْفَقُ بالناس. وهو قولُ أبي حنيفة.
• قال محمد: لعله أعاد لتغيير سنده تقوية للحكم، وفي نسخة: أخبرنا أبو حنيفة، وفي نسخة: وأخبرنا بالواو، عن أبي إسحاق السَّبيعِيَّ، بفتح وكسر، هذا هو المشهور.
وقال السيوطي: مثلثة نسبة إلى سبيع: بطن من همدان ومحلة بالكوفة، وفي (أسماء الرجال)، لصاحب المشكاة هو: عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني الكوفي، رأى عليًا وابن عباس، وغيرهما من الصحابة، سمع من البراء بن عازب، وزيد بن أرقم، روى عنه: الأعمش والثوري، وهو تابعي مشهور، كثير الرواية، ولد لسنتين من خلافة عثمان بن عفان، ومات سنة تسع وعشرين وماىة، وضبط السبيعي كما قدمنا، عن الأسْوَدِ بن يزيد، وهو من أجلاء التابعين.
عن عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يُصِيبُ من أهله، أي: من نسائه بالمجامعة، ثم ينام ولا يَمَسُّ ماء، أي: بغسل ذكره ولا للوضوء وللغسل، بل ربما يتيمم وربما يتركه أيضًا لبيان الجواز وشفقة على الأمة، حيث جمل في الأمر السعة، فإن استيقظ من آخِرِ الليل عاد أي: إلى الجماع ثانيًا، يعني: أحيانًا، واغتسل، أي: غسلًا واحدًا.
كذا أخرجه المصنف، ﵀، في الآثار، من باب الغسل من الجنابة.
قال محمد: غير المنصف عن نفسه بصيغة الماضي، للتواضع، وبيانًا للأدب، وهذا الحديث أرْفَقُ بالناس. أي: من الحديث السابق، وهو أي: الرفق بالناس، قولُ أبي حنيفة ﵀.
والظاهر أنه لا خلاف فيه لأحد.
لما فرغ من بيان الاغتسال من الجنابة التي تصيب الرجل، شرع في بيان الاغتسال يوم الجمعة فقال: هذا
* * *
[ ١ / ١٣٧ ]