حكم حال الرجل يصيب، أي: يقبل من امرأته، أي: مملوكته ملكًا نكاحًا أو يمينًا، فمن مرادف الباء بالباء.
قال الله تعالى في سورة ﴿حم (١) عسق﴾ ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، أي: ينظر المنافقون إلى النار بعين خفيفة خوفًا كنظر المقتول إلى السياف، كذا في (عيون التفاسير).
أو يباشرها: أي: يلامس بامرأته، وهي حائض، أي: والحال أنها في الحيض.
٧٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن عبد الله بن عمر، أرسل إلى عائشة يسألُهَا: هل يُباشرُ الرجل امرأته وهي حائض؟ فقالت: لِتَشُدَّ إزارَهَا إلى أسفُلِهَا، ثم ليُبَاشِرْهَا إن شاء.
قال محمد: وبهذا كلِّه نأخُذُ، لا بأس بذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ، من فُقهَائِنا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا أخبرنا، وفي نسخة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا نافع: أن عبد الله بن عمر، ﵄، أرسل إلى عائشة، ﵂، أحدًا حال كونه يسألُهَا: هل يُباشرُ الرجل امرأته وهي أي: والحال أنها حائض؟ فقالت: أي: عائشة لِتَشُدَّ بكسر اللام وفتح التاء المثناة، وضم الشين المعجمة، والدال المهملة المشددة المفتوحة: أمر إلى امرأة غائبة، ويجوز أن يكون إخبارًا عن فعلها لحسن ظنها (ق ٧٧)، إليها إن كانت اللام مفتوحة، أي: لتربط إزارها على أسفلها، أي: ما بين سرتها وركبتها، ثم يباشرها، أي: الرجل بالعناق ونحوه، فالمراد بالمباشرة هنا التقاء البشرتين،
_________________
(١) صحيح، أخرجه: الدارمي (١٠٢٣)، ومالك (١٢٥)، والشافعي في المسند (١٣١١)، والبيهقي في الكبرى (١٤٤١٦).
[ ١ / ١٦٦ ]
لا الجماع: إن شاء، أي: ان أراد الرجل مباشرتها.
قال محمد: وبهذا أي: بهذا الحديث نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي، أقول: لا بأس، أي: لا حرج ولا ضرر، بذلك، بل يستحب إذ ثبت أنه - ﷺ - كان يباشرها كذلك، كما في حديث متفق عليه: أنه كان لا يباشر أحدًا من أزواجه المطهرات، وهن حائضات حتى يأمرهن بالاتزار، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ، من فُقهَائِنا، وكذا من فقهاء غيرنا، وإنما خالفنا الشيعة وبعض أهل البدعة تبعًا لليهود، حيث لم يأكلوا معهن، ولم يضاجعوهن، إن حضن.
والمعتمد في مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي: يجوز أن يتمتع الرجل من الحائض بما فوق الإزار فقط، وأن استمتاع تحت الإزار حرام في وقت الحيض، ولعله أراد بقوله: والعامة من فقهائنا أخرج نفسه عنهم، ودليله ما أخرج الجماعة إلا البخاري (١): أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يوكلوها، ولم يجامعوها في البيوت. فسئل رسول الله - ﷺ - وأصحابه عن ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] والآية من سورة البقرة.
فقال رسول الله - ﷺ -: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح"، وفي رواية: "الجماع".
ولنا عن عبد الله بن سعد: سألت رسول الله - ﷺ -: ما يحل من امرأتي وهي حائض؟ فقال: "لك ما فوق الإزار"، رواه أبو داود.
* * *
٧٤ - أخبرنا مالك، أخبرني الثِّقَةُ عِنْدِي، عن سالم بن عبد الله وَسليمانَ بن يَسَار، أنهما سُئلا عن الحائض، هل يُصيبها زوجُها إذا رَأتِ الطُّهْرَ، قبل أن تَغْتَسِلَ؟ فقالا: لا، حتى تغتسل.
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٣٠٢)، وأبو داود (٢٥٨)، والترمذي (٢٩٧٧)، والنسائي (٢٨٨)، وأحمد (١١٩٤٥)، والدارمي (١٠٥٣).
(٢) صحيح الإسناد.
[ ١ / ١٦٧ ]
قال محمد: وبهذا كلِّه نأخُذُ؛ لا تُبَاشرُ حائضٌ عندنَا حتى تَحِلَّ لها الصلاةُ، أو تجبَ عليها، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: أنا رمزًا إلى أخبرنا مالك بن أنس، من أتباع التابعين، أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة، قال: أخبرني الثِّقَةُ، أي: المعتمد، يعني: ربيعة، والله أعلم.
كما وجدتُ في حاشية المتن عندي أي في معتقدي، ولم يذكر الإِمام مالك بن أنس اسم الثقة؛ لأنه مشهور بين المحدثين بكونه ثقة، وَذِكْر عندي: إشعار بأن كل راوٍ عن مالك ينبغي أن يعتمد بصحة الحديث، عن سالم بن عبد الله، أي: ابن عمر، وهو أحد الفقهاء السبعة، وَسليمانَ بن يَسَار، أي: أحدهم أيضًا، أنهما، أي: سالمِ وسليمان، سُئلا على بناء المجهول، عن الحائض، هل يُصيبها أي: يجامعها زوجُها إذا رأتِ الطُّهْرَ، أي: علامته بقصة أو جفوف قبل أن تَغْتَسِلَ؟ فقالا: أي: كلًا منهما: لا، أي: لا يصيبها حتى تغتسل، لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
إذ تأكيد للحكم، وبيان لغايته، وهو أن يغتسلن بعد الانقطاع، ويدل عليه صريحًا قراءة ﴿يَطْهُرْنَ﴾ بالتشديد، بمعنى يغتسلن، والتزامًا بقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فإنه يقتضي تأخر جواز الإِتيان عن الغسل، وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وزفر وجمهور الفقهاء، يعني: أنه لا يجوز وطء امرأة انقطع حيضها ونفاسها حتى تغتسل.
قال محمد ﵀: وبهذا (ق ٧٨) أي: إنما نعمل بهذا الحديث لا غير نأخُذُ؛ أي: نعمل ونفتي به، بأن لا تُبَاشرُ على صيغة المجهول، أي: لا تُجامع حائضٌ عندنَا حتى تَحِلَّ لها الصلاةُ، أي: بأن تغتسل، أو تجبَ عليها الصلاة، أي: بدخول وقتها، أو بالشروع فيها، وتقديم بهذا على قوله: نأخذ يفيد الحصر، كما أشرنا بلفظ إنما، وهو قولُ أبي حنيفة وقد قال علماء الحنفية: حل وطء من انقطع دمها لأكثر الحيض أو النفاس قبل الغسل دون من انقطع لأقله، إلا إذا اغتسلت بلا خلاف، أو مضى وقت يسع فيه الغسل والتحريمة.
* * *
[ ١ / ١٦٨ ]
٧٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسْلَم: أن رجلًا سأل النبي - ﷺ -: ما يحلُّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: "تَشُدُّ عليها إزارَها، ثم شَأنَكَ بأعْلاها".
قال محمد: وهو قولُ أبي حنيفةَ، وقد جاءَ ما هو أرخَصُ من هذا.
عن عائشة، أنها قالتْ: يَجْتَنِبُ شِعَارَ الدَّم، وله ما سِوَى ذلك (١).
• أخبرنا وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، أخبرنا وفي نسخة: قال ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا، زيد بن أسْلَم: أن رجلًا سأل النبي - ﷺ -: ما يحلُّ لي من امرأتي وهي حائض؟ "وما": مبتدأ بمعنى الاستفهام، ويحل مرفوع المحل؛ لأنه خبر المبتدأ والجار والمجرور متعلق بيحل، "ومن": بيانية بما الاستفهامية، فالمعنى: أي شيء يحل، أي: من أحوال امرأتي، والحال أنها حائض.
قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا رواه بهذا اللفظ مسندًا، ومعناه صحيح ثابت. انتهى.
وقد روى أبو داود، عن عبد الله بن سعد، قال: سألتُ رسول الله - ﷺ -: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ (٢)، قال مالك: ما فوق الإِزار، وسكت أبو داود عليه، وهو صالح للحجية وبه علم اسم الرجل السائل، واختلف في أنه أنصاري أو قرشي، عم: حكيم بن حزام.
قال: أي: النبي - ﷺ -: تَشُدُّ بفتح التاء وضم الشين المعجمة، وضم الدال المشددة، أي: تربط امرأتك عليها، أي: على سرتها إزارَها، ثم شَأنَكَ بالنصب، أي: دونك، كذا قاله علي القاري، ويجوز بالرفع، أي: حالك أن تمساها بأعْلاها، أي: فوق الإِزار، كما رواه أبو داود، فإرجاع الضمير المؤنث إلى الإِزار المذكر على تأويل أنه قطعة من الثوب.
_________________
(١) صحيح، أخرجه: الدارمي (١٠٣٢)، ومالك (١٢٦).
(٢) أخرجه: الدارمي (١٠٤٠).
(٣) أخرجه: أبو داود (٢١٢)، بسند ضعيف.
[ ١ / ١٦٩ ]
قال محمد: أي: ابن حسن الشيباني، ﵀، وهو قولُ أبي حنيفةَ، ﵀، أي: وأكثر أصحابه، وتبعه بعض الأئمة، بل أكثرهم.
وقد جاءَ ما، أي: في حديث هو أرخَصُ، أي: أكثر رخصة من هذا، عن عائشة ﵂، أنها قالتْ: يَجْتَنِبُ بصيغة المجهول، شِعَارَ الدَّم، بكسر الشين: الخرقة أو الفرج على الكناية؛ لأن كلًا منهما علم الدم، وله، أي: وجاز للرجل ما سِوَى ذلك، أي: غير الجماع من المؤاخذة والمباشرة، وهي التجرد عن الثوب فوق السرة وإلصاق جسد الرجل إلى جسد المرأة مجردين عن ثوبهما، وهو مختار الإِمام محمد على ما تقدم، والله أعلم.
وقال الاوزاعي وداود: إذا غسلت فرجها جاز وطؤها، ثم إذا طهرت الحائض ولم تجد ماء.
قال أبو حنيفة: في المشهور عنه لا يحل وطئها حتى يتيمم وتصلي.
قال مالك: لا يحل وطئها حتى تغتسل.
وقال الشافعي وأحمد: متى تيممت حلت، كذا قاله علي القاري.
لما فرغ من بيان السبب الاضطراري للغسل، شرع في بيان السبب الاختياري له، فقال: هذا
* * *