بيان أحكام قصر الصلاة في السفر، وإضافة الباب إلى قصر بمعنى في، وإضافة القصر إلى الصلاة بمعنى اللام.
والقصر في اللغة: الحبس؛ تقول: قصرت الشيء إذا حبسته أي: جعلت الصلاة ركعتين في السفر، وفي الاصطلاح: تخصيص الشيء بشيء.
والسفر لغة: قطع المسافة، وشرعًا: هو الخروج من بيته قصد مسيرة ثلاثة أيام بلياليها فما فوقها بسير الإِبل، ومشي الأقدام، كذا قاله السيد الشريف محمد الجرجاني
[ ١ / ٣٩٠ ]
الحنفي، وأما تقييد القصر بالسفر، فلتربية الفائدة؛ أي: لتقوية فائدة الخبر، واقتبس المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، وأيَّد اقتباسه بقول عائشة وغيرها.
١٨٩ - أخبرنا مالك، أخبرني صالح بن كَيْسَان، عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر، عن عائشة، أنها قالت: فُرِضَتْ الصلاة ركعتين؛ في السفر والحَضَر، فزيد في صلاة الحضر، وأقرّت صلاة السفر.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، أخبرني صالح بن كَيْسَان، بفتح الكاف وسكون التحتية، يكنى أبا محمد، وأبي الحارث المدني، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقة، فقيه من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وهي من الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، كذا في (خلاصة الهيئة)، وهو من التابعين، لقي جماعة من الصحابة، وهو ابن تسع سنين، مات بعد الهجرة سنة ثلاثين أو بعد الأربعين، كذا في (التقريب) (١).
(ق ١٩٧) عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر بن العوام، تابعي ثقة جدًا، من الطبقة الثانية، من أهل المدينة، مات قبل المائة من الهجرة، قال: سلوني فقد تركت حتى كدت أن أنسى، وإني لأُسأل عن الحديث فيفتح لي حديث يومي، واجتمع قوم في الحرم فقالوا: تمن، فقال: أتمنى أن يؤخذ عني العلم، وكان يتألف الناس على خدمته، وقال: رب كلمة اجتملتها أورثتني عزًا طويلًا.
وقال: إذا رأيت الرجل يعمل الحسنة، فاعلم أن لها عنده إخوان؛ فإن الحسنة تدل على أختها، وإن السيئة تدل على أختها.
وقال لبنيه: تعلموا؛ فإنكم إن تكونوا صغار قوم، عسى أن تكونوا كبراءهم، واسوءتاه، ماذا أقبح من شيخ جاهل.
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٣٥٠)، ومسلم (٦٨٥)، وأبو داود (١١٩٨)، والنسائي (٤٥٥)، ومالك (٢٧٥)
(٢) انظر: التقريب (١/ ٢٥١).
[ ١ / ٣٩١ ]
وكان إذا جاء الرطب تسلم حائطه فيدخل الناس فيأكلون، ويحملون، وكان إذا دخله ردد هذه الآية: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]، حتى يخرج، وكان يقرأ ربع القرآن كل يوم، نظرًا في المصحف، يقوم به الليل، فما تركه إلا ليلة قطعت رجله، ثم عاود الليلة القليلة، ووقعت الأكلة في رجله فقطعت وهو صائم، ولم يمسكه أحد، ولم يتضرر وجهه، ودخل أكبر ولده اصطبله فرفسه، أي: دق عنقه دابة فقتلته، فما سمع من شيء حتى قدم المدينة، فقال: اللهم إنه كان لي أربع أطراف فأخذت واحدًا، وأبقيت لي ثلاثة، فلك الحمد، وكان لي بنون أربع فأخذت واحدًا، وأبقيت ثلاثة، فلك الحمد، دائم الله، لئن أخذت فقد أبقيت، ولئن ابتليت لطال ما عافيت، وقال له الأطباء: نعطيك شيئًا لئلا تحس، قال: لا شأنكم، فنشروها بالمنشار، فما حرك عضوًا عن عضو، وصبر.
فلما رأى القدم بأيديهم: دعا بها فقبلها، ثم قال: أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ما مشيت بك إلى حرام قط، وقال: معصية، أو قال: سوء، وكان برد الصوم، ومات يوم مات وهو صائم.
ورأى رجلًا يصلي فخفف، فقال: أما كان لك إلى الله حاجة، إني لأسأل الله تعالى في صلاتي حتى أسأله الملح.
وقال: إذا جعل أحدكم لله تعالى شيئا فلا يجعل ما يستحي أن يجعل الكريم؛ فإن الله تعالى أكرم الأكرمين، وأحق من اختير له، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي من الحنبلية في (طبقاته) (١).
عن عائشة، ﵂، قالت؛ فُرِضَتْ الصلاة على بناء المجهول، أي: فرض الله الصلاة، أي: جنس الصلاة حين فرضها، وهي الصلوات الخمس والمراد بها الرباعية، ركعتين؛ في السفر والحَضَر، أي: في صدر الإِسلام، كررها لإِفادة عموم التثنية لكل صلاة.
قال أبو السعادات ابن الأثير في (شرح المسند): إن قصر الصلاة في السنة الرابعة من الهجرة، وهو مأخوذ من قول غيره: إن نزول آية الخوف كان فيها.
_________________
(١) انظر: صفة الصفوة (١/ ١٤٩).
[ ١ / ٣٩٢ ]
وذكر الدولابي: أن القصر كان في ربيع الآخر من السنة الثانية.
وذكر السهيلي: بلفظ بعد الهجرة بعام، أو نحوه، وقيل: بعد الهجرة بأربعين يومًا.
فزيد في صلاة الحضر، وأقرّت أي: جعلت مقررة على حالها من القصر، صلاة السفر، وفي بعض النسخ: في، لكنها لم توجد (ق ١٩٨) في الأصل.
روى ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي، من طريق الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂ أنها قالت: فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلما قدم النبي - ﷺ - المدينة واطمأن، زيد في صلاة الحضر، ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر، أي: قررت على ركعتين لطول القراءة، وصلاة المغرب، لأنها وتر النهار (١).
واحتج بظاهر الحديث الحنفية وموافقوهم على أن القصر في عزيمة لا رخصة، واستدل مخالفوهم بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]؛ لأن نفي الجناح لا يدل على العزيمة، والقصر إنما يكون من بطول منه، ولقوله - ﷺ -: "صدقة تصدق الله بها عليكم".
فالمفروض أربع، إلا أنه رخص بأداء ركعتين، وأجابوا عن حديث عائشة بأنه غير مرفوع، وبأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة، قاله الخطابي وغيره.
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه مما لا مجال للرأي فيه؛ فله حكم الرفع، وعلى تسليم أنها أخذته عن النبي - ﷺ - أو عن صحابي أدرك ذلك.
وقول إمام الحرمين: لو ثبت لنقل متواترًا فيه نظر أيضًا؛ لأن التواتر في مثل هذا لا يلزم، والذي يظهر وبه تجمع الأدلة أن الصلاة فرضت ليلة الإِسراء ركعتين، إلا المغرب، ثم زيد بعد الهجرة إلا الصبح، ثم بعد أن استقر فرض الرباعية، وخففت منها في السفر عند نزول قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١].
* * *
_________________
(١) أخرجه: ابن حبان (٢٧٣٨)، وابن خزيمة (٣٠٥).
[ ١ / ٣٩٣ ]
١٩٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا خرج إلى خَيْبر قصر الصلاة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، أخبرنا نافع، المدني، مولى عبد الله بن عمر، وفي نسخة: "عن" في موضع "أخبرنا"، أن عبدالله بن عمر: أنه كان إذا خرج إلى خَيْبر قصر الصلاة، وخيبر حصن قرب المدينة، وإن أدى إلى تعارض لما بينهما من المسافة، ومذهب أبي حنيفة أنها لا تقصر في أقل من ثلاث مراحل.
وقال مالك والشافعي وأحمد: تقصر في مرحلتين.
وقال الأوزاعي: في مرحلة.
وقال داود الطائي: يجوز القصر في طويل السفر وقصره، كذا قاله علي القاري، وقال الزرقاني (١): ما بين خيبر والمدينة ستة وتسعون ميلًا.
* * *
١٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر كان إذا خرج حاجّا أو مُعْتَمِرًا قَصَرَ الصلاة بذي الحُلَيْفَة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك بن أنس، وفي نسخة: أخرى: ثنا، أخبرنا نافع، وفي نسخة أخرى: ثنا، وفي نسخة أخرى: "عن" موضع "أخبرنا"، أن عبد الله بن عمر كان إذا خرج من المدينة حاجّا أو مُعْتَمِرًا قيد أن اتفاقيات واقعات قَصَرَ الصلاة أي: ابتدأ في قصرها بذي الحُلَيْفَة، بضم الحاء المهملة وفتح اللام وسكون الياء التحتية وفتح الفاء والهاء، مكان على أربعة أميال من المدينة، وعلى مائة ميل من مكة، والجمهور على أنه لا يجوز القصر إلا بعد مفارقة بنيان
_________________
(١) صحيح، أخرجه: البيهقي في الكبرى (٥٤٩٢).
(٢) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٤٣٣).
(٣) أخرجه: مالك (٣٢٨)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤٣٢٤).
[ ١ / ٣٩٤ ]
بلده، وفي رواية عن مالك: لا بد أن يكون على المصر على ثلاثة أميال.
قال سعيد بن زيد الباجي: خص ابن عمر سفره بالحج والعمرة؛ لأنهما لا خلاف في القصر فيه.
وقال أبو عمر: وكان ابن عمر يتبرك بالمواضع التي كان - ﷺ - ينزلها ويتمثل فعله بكل ما يمكنه، ولما علم أنه - ﷺ - قصر العصر بذي الحليفة حين خرج في حجة الوداع فعل مثله، وإنما سفر ابن عمر في غير الحج والعمرة، فكان (ق ١٩٩) يقصر إذا خرج من بيوت المدينة، ويقصر إذا رجع حتى يدخل بيوتها، كما رواه عنه نافع، كذا قاله الزرقاني (١).
* * *
١٩٢ - أخبرنا مالك، أخبرني ابن شهاب الزُّهْريِّ، عن سالم بن عبد الله، أن ابن عمر خرج إلى رِيم، فقصر الصلاة في مسيرة ذلك.
• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من أتباع التابعين من الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال، وفي نسخة: محمد أخبرنا، أخبرني ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن شهاب الزُّهْرِيّ، من التابعين من الطبقة الرابعة، من الطبقات السبعة من أهل المدينة، عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁، كان تابعيًا من الطبقة الثانية، من أهل المدينة المنورة، كان سالم أشبه أولاده به، وكان يحبه حبًا شديدًا، فإذا قيل له في ذلك أنشد: يلومونني في سالم والوهن في جلده بين العين والأنف سالم، وكان سالم يخرج إلى السوق فيشتري حوائج نفسه، وزحمه رجل فقال له: بعض هذا يكفي، فقال الرجل: ما أراك إلا رجل سوء، فقال: ما أحسبك أبعدت، ولم يكن أحد في زمانه أشبه عن معنى من الصالحين منه في الزهد والفضل والعيش، كان يلبس الثوب بدرهمين.
وقال له سليمان بن عبد الملك - رآه حسن السحنة - أي شيء تأكل؟ قال: الخبز والزيت، وإذا وجدت اللحم أكلته. قال: أو تشتهيه، قال: إذا لم أشتهه تركته حتى أشتهيه.
_________________
(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٤٢٣).
(٢) إسناده صحيح.
[ ١ / ٣٩٥ ]
ودخل هشام بن عبد الملك الكعبة، فإذا هو بسالم، فقال: سلني حاجة، قال: إني لأستحي أن أسأل في بيته غيره، فلما خرج في أثره، فقال: الآن قد خرجت فسلني، قال: من حوائج الدنيا أم الآخرة؟ قال: من حوائج الدنيا، قال سالم: ما سألت من يملكها، فكيف أسأل من لا يملكها؟
ودخل مكة فصلى العشاء، ثم قام إلى ناحية من باب بني شيبة، فلم يزل يميل يمينًا ويسارًا، حتى طلع الفجر، ثم جلس فاجتنب غيره، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي من الحنبلية في (طبقاته).
أن ابن عمر بن الخطاب ﵄ خرج إلى رِيم، بكسر الراء، منصرف وغير منصرف، موضع قريبة من المدينة، ذكره في (النهاية)، فقصر الصلاة في مسيرة ذلك، أي: أثناء سيره هنالك.
* * *
١٩٣ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أنه كان يسافر مع ابن عمر البَريدَ فلا يَقْصُرُ الصلاة.
قال محمد: إذا خرج المسافر أتمّ الصلاة، إلا أن يريد مسيرة ثلاثة أيام كَوَامِل بسير الإِبل، ومشى الأقدم، فإذا أراد ذلك قصر الصلاة حين يخرج من مصره، ويجعل البيوت خلف ظهره، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، حدثنا نافع، أنه كان يسافر مع ابن عمر البَريدَ، محل ثلاثون ميلًا من المدينة، كما قاله الزرقاني.
وقال الشمني: أربع فراسخ من المدينة، فلا يَقْصُرُ الصلاة، لعدم تحقق المسافة الشرعية في قصر الصلاة.
_________________
(١) صحيح، أخرجه: مالك (٣٤٤)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤٢٩٥)، والشافعي في المسند (٩٧)، والبيهقي في الكبرى (٥٥٠٢).
[ ١ / ٣٩٦ ]
قال محمد: إذا خرج المسافر أي: مريد السفر أتمّ الصلاة، أي: في جميع الأحوال، إلا أن يريد أي: يقصد مسيرة ثلاثة أيام كَوَامِل، كذا في نسخة، أي: بلياليها، بسير الإِبل، أي: يوجد المعتدل، ومشى الأقدم أي: يحبب عرف الأنام، فإذا أراد ذلك قصر الصلاة أي: وجوبًا عندنا، وجوازًا عند غيرنا، لكن لا يقصر في بلده بل يقصر حين يخرج من مصره، ويجعل البيوت أي: بيوت بلده، (ق ٢٠٠) ولو في يمينه ويساره خلف ظهره، لما روى ابن أبي شيبة في (مصنفه)، عن حرب بن الأسود الدؤلي: أن عليّا خرج من البصرة، صلى الظهر أربعًا، ثم قال: لو جاوزنا هذا الخص؟ والخُص بضم الخاء المعجمة وتشديد الصاد المهملة: البيت من القصب، أو ما يسقف من خشب، وهو أي: قصر الصلاة حين يخرج من مصره، ويجعل البيوت خلف ظهره، قولُ أبي حنيفة، وهو نعمان بن ثابت بن طاووس بن هرمز بن ملك بني شيبان، من الطبقة السادسة، من طبقات الفقهاء الحنفية، وهو تابعي ولد في عهد الصحابة، سنة ثمانين، وقيل: إحدى وستين، وقيل: ثلاث وستين، ولقي جماعة منهم، كأنس بن مالك، وعامر بن الطفيل، وعبد الله بن الزهري، وسهل بن سعد الساعدي، وهو ابن سبعين سنة، ومات ببلدة بغداد، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة.
لما فرغ من بيان أحكام قصر الصلاة في السفر، شرع في بيان صلاة المسافر، فقال: هذا
* * *