بيان وقت الجمعة، وبيان ما يستحب من الطيب والدهان، إضافة الوقت إلى الجمعة من قبيل إضافة السبب إلى المسبب، فوقتها إذا زالت الشمس من وسط السماء، كالظهر عند الجمهور. وشذّ بعض الأئمة، وهو: أحمد، فجوز صلاتها قبل الزوال.
واحتج مالك بفعل عمر وعثمان، لأنهما من الخلفاء الراشدين، الذين أُمِرْنَا باقتدائهم، كذا قاله الزرقاني (١).
_________________
(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٤٠).
[ ١ / ٤٣٧ ]
والدهان: مصدر دهنه ككتبه كتابًا، وفي نسخة: والدهن، بفتح الدال، مصدر منه، ولا يبعد أن يكون بالضم للاسم مناسبة للتطيب، فالتقدير من استعمالهما.
٢٢٣ - أخبرنا مالك، أخبرني عَمِّي أبو سُهَيْل بن مالك، عن أبيه، قال: كنت أرى طِنْفِسَةً لِعَقِيل بن أبي طالب يوم الجمعة، تُطرح إلى جدار المسجد الغربي فإذا غشي الطَّنْفِسة كلَّها ظلُّ الجدار، خرج عمر بن الخطاب إلى الصلاة يوم الجمعة ثم يرجع بعد الصلاة، فنُقِيلُ قائلة الضَّحَاء.
• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، قال: أي: مالك، كذا في نسخة، أخبرني عَمِّي أبو سُهَيْل بالتصغير ابن مالك بن أبي عامر الأصبحي، اسمه نافع، عن أبيه، (ق ٢٢٣) وهو مالك، تابعي ثقة، وفي هذا الباب ثلاثة أحاديث، الحديث الأول ما رواه المصنف بالواسطة عن أبي سهيل، قال: كنت أرى أي: أبصر طِنْفِسَةً بكسر الطاء، وسكون النون، وفتح الفاء، هو الأفصح، ويجوز ضمها وكسرها، كذا في (المطالع)، وفي (المصباح)، أن الطنفسة بكسرتين: بساط له حمل رقيق، وقيل: هو ما يُجعل تحت الرجل على كتفي البعير، والجمع طنافس، وفي (القاموس): الطنفسة: مثلثة بالطاء والفاء وبكسر الطاء والفاء، وبالعكس واحدة الطنافسة: البسط والثياب.
وقال أبو علي: الثاني: بفتح الفاء لا غير، وهي بساط صغير، وقيل: حصير من سعف أو دوم عرض ذراع، لِعَقِيل بفتح العين ابن أبي طالب الهاشمي، أخي علي وجعفر، يوم الجمعة، بالنصب ظرف أرى، تُطرح بصيغة المجهول، والضمير عائد إلى الطنفسة، إلى جدار المسجد الغربي بالجر صفة الجدار، فإذا غشي الطَّنْفِسة كلَّها بالنصب تأكيد الطنفسة، ظلُّ الجدار بالرفع على أنه فاعل لغشى، خرج عمر بن الخطاب إلى الصلاة يوم الجمعة وصلى الجمعة بالناس في خلافته.
_________________
(١) صحيح، أخرجه: مالك (١٣).
[ ١ / ٤٣٨ ]
قال ابن حجر (١) في (فتح الباري على البخاري): هذا إسناد صحيح، وهو ظاهر أن عمر كان يخرج بعد زوال الشمس، وفهم بعضهم عكس ذلك، ولا يتجه إلا أن يحمل على أن الطنفسة كانت تفرش خارج المسجد وهو بعيد، والذي يظهر أنها كانت تفرش له داخل المسجد، وعلى هذا كان عمر يتأخر بعد الزوال قليلًا.
وفي حديث السقيفة عن ابن عباس: فلما كان يوم الجمعة وزالت الشمس، خرج عمر فجلس على المنبر.
قال مالك: والد أبي سهيل: ثم يرجع بالنون، أي: بعد صلاة الجمعة، كذا في (الموطأ) لمالك، فنُقِيلُ بفتح النون، وكسر القاف، من قال قيلولة، إذا نام نصف النهار، ومنه قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤]، قائلة الضَّحَاء، مفعول مطلق مضاف إلى الضحاء بفتح الضاد المعجمة الممدوة بمعنى: الضحوة.
وقال أحمد: يجوز الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة.
لما روى مسلم (٢) عن سهل بن سعد الساعدي: أنه قال: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله - ﷺ -، وفي الاستدلال به نظر، ولا دلالة فيه إلا على التكبير، وجعل القيلولة والغداء على وجه التأخير.
وروى أحمد عن ابن مسعود، ﵁، أنه كان يصلي الجمعة ضحى، ويقول: إنما عجلت بكم خشية الحر عليكم.
وفيه: أنه لا يصح أن يكون معارضًا لعمله - ﷺ -.
وقد روى البخاري (٣) أنه - ﷺ - كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس، والقياس يقتضي ذلك؛ لأن الجمعة خلف عن الظهر.
ويمكن تأويله بأنه أراد بالضحى آخره، وهو أول الزوال، وقوله: عجلت بكم،
_________________
(١) انظر: الفتح (٢/ ٣٨٧).
(٢) أخرجه: البخاري (٩٣٩)، ومسلم (٨٥٩).
(٣) أخرجه: البخاري (٨٦٢).
[ ١ / ٤٣٩ ]
أي: في الخطبة والصلاة على خلاف عادته في إطالتها في أيام البرد، والله أعلم.
والحديث الثاني: ما رواه المصنف بالواسطة عن ابن عمر ﵄:
* * *
٢٢٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر، كان لا يَروح إلى الجمعة إلا وهو مُدَّهِنٌ متطيّب، إلا أن يكون محرمًا.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة محمد أخبرنا، (ق ٢٢٤) وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا نافع، المدني، مولى ابن عمر، وفي نسخة: "عن" موضع "أخبرنا"، أن ابن عمر، ﵄ كان لا يَروح أي: لا يذهب إلى الجمعة إلا وهو مُدَّهِنٌ بتشديد الدال، أي: متدهن بزيت أو نحوه لشعره، وبدنه، متطيّب، أي: بخور وغيره، إلا أن يكون محرمًا، فإن كلًا منهما حينئذٍ محرمًا.
والحديث الثالث: ما رواه المصنف بالواسطة عن عثمان بن عفان فقال:
* * *
٢٢٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزُّهْرِي، عن السائِب بن يزيد، أن عثمان بن عفَّان زاد النداء الثالث يوم الجمعة.
قال محمد: وبهذا كله نأخذ، والنداء الثالث الذي زيد هو النداء الأول، وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا الزُّهْرِي، هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، يكنى أبا بكر، ثقة، تابعي في الطبقة الرابعة من أهل
_________________
(١) صحيح.
(٢) أخرجه: البخاري (٨٧٠)، والترمذي (٥١٦)، وابن ماجه (١١٣٥)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٥١)، والطبراني في الكبير (٦٦٤٩)، والبيهقي في الكبرى (٢٠٥٦).
[ ١ / ٤٤٠ ]
المدينة، وفي نسخة: قال: ثنا، عن السائِب بن يزيد، أي: سعد بن ثمامة الكندي، وقيل غير ذلك في نسبه، ويعرف بابن نمر، صحابي صغير له أحاديث قليلة، وحج به - ﷺ - وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة، مات سنة إحدى وتسعين، وقيل: قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (١). أن عثمان بن عفَّان ﵁، وهو أشد هذه الأمة حياء.
عن عائشة (٢) ﵂، أنها قالت: كان رسول الله - ﷺ - مضطجعًا في بيته، كاشفًا عن فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له، وهو على ذلك الحالة، فتحدث أبو بكر، ثم استأذن فأذن له، وهو كذلك، فتحدث، أي: عمر، ثم استأذن عثمان، فجلس النبي - ﷺ - وسوى ثيابه، فلما خرج قالت عائشة ﵂: دخل أبو بكر فلم تهتش له، أي: لم تتحرك لأجل أبو بكر، ولم تبال له، ثم دخل عمر فلم تهتش له، ولم تبال له، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك، فقال - ﷺ -: "ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكة".
والمراد من استحياء النبي - ﷺ - والملائكة من عثمان، توقيرهما وتعظيمهما له.
وفي رواية: قال رسول الله - ﷺ -: "إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحالة أن لا يُبلغ إليَّ في حاجته"، كذا أورده الإِمام البغوي في المناقب من (المصابيح)، زاد النداء الثالث أي: الذي في المنارة الآن بعد الزوال، أُحْدِثَ في زمن عثمان ﵁، يوم الجمعة.
وروى البخاري أيضًا من حديث السائب بن يزيد قال: الأذان يوم الجمعة كان حين يجلس الإِمام على المنبر في عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر وعمر، فلما كان في خلافة عثمان، وكثروا، أمر بالأذان الثالث فأذن على الزوراء، وهي دار بسوق المدينة مرتفعة، فثبت الأمر على ذلك، ويسمى هذا الأذان ثالثًا باعتبار الشرعية؛ لأن الأول منها بين يدي الإِمام، والثاني إقامة الصلاة، والإِقامة قد تسمي أذانًا، كما في الحديث: "بين كل أذانين صلاة" (٣)؛ ولأن الأذان في أصل اللغة: الإِعلام.
_________________
(١) تقدم.
(٢) أخرجه: مسلم (٢٤٠١).
(٣) أخرجه: البخاري (٦٢٤)، ومسلم (٨٣٨).
[ ١ / ٤٤١ ]
قال محمد: أي: (ق ٢٢٥) ابن الحسن بن فرقد الشيباني، وبهذا أي: الحديث الذي ذكر في هذا الباب كله نأخذ، أي: نعمل ونُفتي، والنداء الثالث الذي زيد أي: في زمن عثمان وإن كان باعتبار حدوثه ثالثًا، هو النداء الأول، أي: لوقوعه أولًا، وهو قولُ أبي حنيفة، ولا أظن فيه خلافًا بين الأئمة هذا.
وقال السيوطي: مالك عن صفوان بن سُليم: قال: لا أدري أعن النبي - ﷺ - أم لا، قال: "من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر ولا علة طبع الله على قلبه"، رواه يحيى.
قال ابن عبد البر: هذا الحديث بسند من وجوه، أحسنها إسنادًا حديث أبي الجعد الضمري: أخرجه الشافعي في (الأم)، وأصحاب السنن الأربعة بلفظ: "من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونًا طبع الله على قلبه" (١).
قال عبد الباقي: معنى الطبع على القلب أن يجعل بمنزلة المختوم عليه لا يصل إليه شيء من الخير. انتهى.
وصفوان هذا: تابعي مدني، قيل: إنه لم يضع جنبه على الأرض أربعين سنة.
وقال الإِمام أحمد: يستند بذكره القطر.
وروى أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم في (مستدركه)، وابن حبان عن سمرة بن جندب مرفوعًا: "من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار، فإن لم يجد فبنصف دينار" (٢).
وفي رواية البيهقي: عنه أيضًا: "من ترك الجمعة بغير عذر فليتصدق بدرهم أو نصف درهم، أو صاع، أو قدر" (٣) والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه: الترمذي (٥٠٠)، وابن ماجه (١١٢٥)، وأحمد (١٤١٢٩)، (١٥٠٧٢)، والدارمي (١٥٣٤)، ومالك (٢٣٩)، وابن حبان (٢٧٨٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ٦١)، وابن خزيمة (١٨٥٨)، والحاكم (٣٨١١)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٦٦)، حديث (٩١٧)، وأبو يعلى (١٦٠٠)، والبيهقي في الكبرى (٥٦٧٦)، والشعب (٣٠٠٣).
(٢) أخرجه: أبو داود (١٠٥٣)، والنسائي (١٣٧١)، وابن حبان (٢٧٨٩)، وابن أبي شيبة (٢/ ٦١)، والحاكم (١٠٣٥)، والبيهقي في الكبرى (٦٠٨٣).
(٣) انظر: السابق.
[ ١ / ٤٤٢ ]
لما فرغ من بيان وقت الجمعة، وبيان ما يستحب فيه، شرع في بيان القراءة في صلاة الجمعة، وبيان ما يستحب فيها، فقال: هذا
* * *