وأما النفث فقد فسر في الحديث أنه الشعر قيل: وإنما سمي الشعر نفثا؛ لأنه كالشيء ينفثه الإنسان من فيه كالرقية، قلت: إن كان هذا التفسير من متن الحديث، فلا معدل عنه، وإن كان من قول بعض الرواة، قلنا أن نقول: لعل المراد منه السحر؛ فإنه أشبه لما شهد له التنزيل، قال الله تعالى: ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾.
وأما همزه، فقد ذكر أيضا في الحديث أنه الموتة، قال أبو عبيد: والموتة: الجنون؛ سماه همزا، لأنه جعله من النخس والغمز، وكل شيء دفعته فقد همزته، قلت: ولو صح أن التفسير من المتن فلا محيد عنه ولا مزيد عليه وإلا فالأشبه أن همزه ما يوسوس به، قال الله تعالى: ﴿وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين﴾.
وهمزاته: خطراته التي يخطرها بقلب الإنسان، وهي جمع المرة من الهمز، وقد قيل: في معنى الآية أن الشياطين يحثون أولياءهم على المعاصي، ويغرونهم عليها كما يهمز الراضة الدواب بالمهماز حثا لها على المشي.
[٥٥٠] ومنه: حديث أبي هريرة﵁- عن النبي - ﷺ - قال: (من صلى صلاة ولم يقرأ فيها
[ ١ / ٢٣٧ ]
بأم القرآن فهي خداج) سميت الفاتحة أم القرآن لكونها مبدأ الكتاب يفتتح بها القرآن يبتدأ بها في الصلاة.
قال الخليل: كل شيء ضم إليه سائر ما يليه يسمى أما.
ولهذا الذي ذكرناه قال ابن عرفة: سميت أم القرآن وأم الكتاب؛ لأن السور تضاف إليها ولا تضاف هي إلى شيء من السور.
وقوله: (فهي خداج): أي ناقصة، تقول العرب: خدجت الناقة إذا ألقت بولدها قبل أوان النتاج، وإن كان تام الخلق وأخدجته إذا ولدته ناقص الخلق، وإن كان تمام الحمل، فالخداج مصدر خدجت الناقة، أقيم المصدر مقام الفعل [٨٤/أ]، والمعنى فهي مخدجة أي ناقصة.
وقال ابن الأنباري: فهي خداج، أي ذات خداج، وقد استدل بهذا الحديث من قال بوجوب قراءة فاتحة
[ ١ / ٢٣٨ ]
الكتاب في الصلاة على سبيل التعيين، واستدل به أيضا من ذهب إلى خلاف ذلك، وقال إضافة النقصان إلى الصلاة التي لم يقرأ فيها بأم القرآن، دليل على أنها جائزة غير مضمحلة.
وفيه: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين). قيل: أراد بالصلاة القراءة، وقد يسمى القراءة صلاة؛ لوقوعها في الصلاة وكونها جزءا من أجزائها قال الله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾ قيل: بقراءتك، وقيل: إنه على سبيل الحذف والإضمار أي بقراءة صلاتك، وقد عرف المراد من هذا اللفظ في الحديث بما أردفه من التفسير والتفصيل.
وقد علمنا بذلك أيضا أن المراد من القراءة قراءة فاتحة الكتاب. قوله نصفين، قيل فيه: حقيقة هذا التقسيم راجعة إلى المعنى لا إلى الألفاظ المتلوة؛ لأنا نجد الشطر الآخر يزيد على الشطر الأول من جهة الألفاظ والحروف زيادة بينة؛ فيصرف التنصيف إلى المعنى؛ لأن السورة من جهة المعنى نصفها ثناء ونصفها دعاء، وقسم الثناء ينتهي إلى قوله: ﴿إياك نعبد﴾ وباقي الآية من قسم المسألة؛ فلهذا قال: هذه الآية بيني وبين عبدي.
وقد ذكر هذا الوجه أبو سليمان الخطابي. وهذا كما يقال: نصف السنة إقامة، ونصفها سفر، يراد به انقسام أيام السنة مدة للسفر ومدة للإقامة لا على سبيل التعديل والتسوية بينهما حتى يكونا سواء لا يزيد أحدهما على الآخر.
قلت: والأظهر أن التنصيف منصرف إلى آيات السورة؛ وذلك أنها سبع آيات: فثلاث منها ثناء وثلاث مسألة، والآية المتوسطة بين آيات الثناء وآيات المسألة، نصفها ثناء ونصفها دعاء. وهذا التأويل إنما يستقيم على مذهب من لم يجعل التسمية آية من الفاتحة، فأما من عد التسمية آية منها؛ فلا يستصوب هذا التأويل، وهو بين واضح والحديث يحكم على من خالفه.
قلت: يحتمل أن يقال: إن المراد من الصلاة في هذا الحديث الدعاء، ثم بين حقيقة القسمة بهذه الصورة المشتملة على طرفي الثناء والمسألة، لا يتعدى الدعاء عن هذين القسمين.
[٥٥٩] ومنه: حديث جابر﵁- كان معاذ بن جبل﵁- يصلي مع النبي - ﷺ - الحديث. الرجل الذي كان يصلي خلف معاذ فانحرف هو حزام بن أبي كعب [٨٤/ب] الأنصاري السلمي الأنصاري السلمي﵁-، ويقال حزم بن أبي كعب.
وفيه: (أفتان أنت يا معاذ)؟! استفهام على وجه التوبيخ؛ ينبه على كراهة صنيع معاذ وهو إطالة الصلاة؛ لأن طول الصلاة كان الباعث للرجل على مفارقة الإمام، وترك الجماعة، فافتتن به. وقد كان - ﷺ - يسمع بكاء
[ ١ / ٢٣٩ ]
الصبي، فيخفف مخافة أن يفتن أمه، فإن قيل: إضافة معاذ النفاق إلى رجل من الصحابة لم يعرف منه قط، أطم وأعظم من صنيعه ذلك فلم جعلت علة التوبيخ إطالة الصلاة دون قوله ذلك.
قلت: لأن النبي - ﷺ - أنكر عليه إطالة الصلاة دون قوله، وبين ذلك في بعض طرق هذا الحديث: أفتان أنت يا معاذ؟! ألا قرأت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها.
وإنما لم يتعرض لقوله ذلك، ولم يوبخه عليه؛ لأن الصلابة في الدين تحمل على ذلك القول، بعد أن رأى التشابه بين صنيع الرجل وصنيع المنافقين، فعذره فيه ولم يعذره في إطالة الصلاة؛ لأنه - ﷺ - بين لهم معالم الدين وعلمهم كيفية إقام الصلاة، وأمرهم بالاقتداء به، ولم يكن فيما شرع لهم أن يصلي الرجل بالقوم على وجه يفضي بهم إلى ترك الجماعة، وقول معاذ للرجل إنه منافق نظير قول عمر﵁- لحاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين بمكة: إنه منافق، فقال - ﷺ -: (كلا إنه من أهل بدر ) الحديث. ولم ينه عمر﵁- عن مقالته تلك، ولم يؤنبه عليها، فكأنه عذره؛ من حيث وجد صنيع حاطب شبيه صنيع المنافقين.
وفيه (نقى بنواضحنا)، الناضح: البعير يستقى عليه، والأنثى ناضحة وسانية، والنضاح الذي يسوق السانية.
وفيه (فتجوزت)، تجوز في صلاته خفف بها وأسرع بها، وهو من الجوز الذي بمعنى القطع.
وأما قولهم: تجوز في كلامه أي تكلم بالمجاز؛ فالتجوز في الكلام غير التجوز في الصلاة؛ لافتراق المأخذين.
[ ١ / ٢٤٠ ]
[٥٦٤ - ٥٦٩] ومنه: حديث أبي هريرة﵁: (كان النبي - ﷺ - يقرأ في الفجر يوم الجمعة بـ ﴿آلم* تنزيل﴾ في الركعة الأولى، وفي الثانية ﴿هل أتى﴾.
قلت: قوله: (كان) لا يقتضي أنه كان يقرأ بهما في صلاة الفجر من يوم الجمعة على الدوام والاستمرار؛ وإنما الوجه أن يقال: كان يقرأ بهما وقتا دون وقت أو كان يقرأ بهما على الأغلب من أحواله.
وعلى هذا الوجه يفسر حديث أبي واقد الليثي﵁: (سأل عمر بن الخطاب﵁ أبا واقد الليثي: ما كان يقرأ ٨٥/أرسول الله - ﷺ - في الأضحى والفطر؟ .. الحديث)؛ لئلا يقع التضاد بينه وبين حديث النعمان بن بشير﵁: (كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ وبين حديث النعمان وحديث بن عباس وأبي هريرة﵃: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين. وعلى هذا الوجه يأول حديث ابن عباس: (كان يقرأ في ركعة الفجر ﴿قولوا آمنا﴾ الحديث) وحديث أبي هريرة قرأ رسول الله - ﷺ - في ركعتي الفجر: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، ﴿قل هو الله أحد﴾.
[ ١ / ٢٤١ ]
(ومن الحسان)
[٥٧٠] حديث ابن عباس﵁: (كان النبي - ﷺ - يفتتح صلاته بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾).
إن سأل سائل عن هذا الحديث ووجه التوفيق بينه وبين حديث عائشة﵂: كان رسول الله - ﷺ - يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قلنا: حديث ابن عباس﵁- لايعدل بحديث عائشة﵂؛ لما في إسناده من الوهن، تفرد أبو عيسى بإخراجه عن أحمد بن عبدة عن المعتمر عن إسماعيل بن حماد أبي سليمان، وهو مجهول ولو ثبت فلا تنافى بين الحديثين؛ فيكون ابن عباس حدث بما علم من افتتاح النبي - ﷺ - بالتسمية، وعائشة حدثت بما سمعت من افتتاحه بالقراءة حالة الجهر.
[٥٧٢] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث أبي زهير النميري﵁-: (أوجب أي: أوجب لنفسه الجنة أو المغفرة أو الإجابة فيما سأل).
[٥٧٣] ومنه: حديث عائشة﵂: (أن النبي - ﷺ - قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف). وكذلك رواه زيد بن ثابت﵁.
ووجه هذا الحديث، أن نقول: أن النبي - ﷺ - لم يزل يبين للناس معالم دينهم بيانا يعرف به الأتم
[ ١ / ٢٤٢ ]
والأكمل والأدنى والأفضل، ويفصل تارة بقوله وتارة بفعله ما يجوز عما لا يجوز. ولما كانت صلاة المغرب أضيق الصلوات وقتا؛ اختار فيها التجوز والتخفيف ثم رأى أن يصليها في الندرة على ما ذكر في الحديث؛ ليعرفهم أن أداء تلك الصلاة على تلك الصيغة جائز، وإن كان الفضل في التجوز فيها، ويبين لهم أن وقت المغرب يتسع لهذا القدر من القراءة.
[٥٧٤] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث عقبة بن عامر﵁: (ألا أعلمك خير سورتين قرأئتا)؟ قلت: القرآن كله خير، ولا يأتي إلا بخير؛ وإنما أشار - ﷺ - بقوله هذا إلى الخيرية في الحالة التي كان عليها عقبة، وذلك أنه كان في سفر وقد أظلم عليه [٨٥/ب] الليل ورآه مفتقرا إلى تعلم ما يدفع به شر الليل وشر ما أظلم عليه الليل ولم ير له ما يستفيد به ويسهل عليه تعلمه في الزمان اليسير كهاتين لما فيهما من وجازة اللفظ والاشتمال على المعنى الجامع من سهولة حفظهما فلم يفهم هو المعنى الذي أراده رسول الله - ﷺ - ون أن الخيرية إنما تقع على مقدار طول السورة وقصرها؛ يدل عليه قوله (فلم يرني سررت بهما جدا) ثم إنه - ﷺ - صلى بهما الصبح ليعرفه أن قراءتهما في الحال المنصوص عليها والزمان المشار إليه أمثل وأولى من قراءة غيرهما وبين له أنهما يسدان مسد الطوليين.
[٥٧٧] ومنه حديث أبي هريرة﵁- (ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من فلان) قيل المعنى بفلان هو عمر بن عبد العزيز ولم يبلغني ذلك من طريق يعتمد عليه وقد ذكر مثل هذا الحديث عن أنس فذكر ابن أسلم- وهو الراوي- عن أنس أن الإمام الذي ذكره هو عمر بن عبد العزيز.
[ ١ / ٢٤٣ ]
[٥٨٢] ومنه: حديث عبد الله بن أبي أوفى﵁- (جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا الحديث) معنى قوله هذا: أي لا أستطيع أن آخذ من القرآن حزبا أتقرب بتأويله إلى الله في آناء الليل وأطراف النهار ولم يرد به القدر الذي يصح به الصلاة؛ لأن من المستبعد أن يعجز العربي المتكلم بمثل هذا الكلام عن تعلم مقدار ما يصح به الصلاة كل العجز، وأنى كان رسول الله - ﷺ - يرخص له في الاكتفاء بالتسبيح على الإطلاق من غير أن يبين ما له وعليه، ولو كان الأمر على ما يقتضيه ظاهر اللفظ لعلمه الآية والآيتان مكان هذا القول ولو قدر مقدر أن الرجل أدركته الفريضة
[ ١ / ٢٤٤ ]
ولم يتسع له الوقت أن يتعلم ما يجزئه فأمره بذلك فالجواب أن لو كان الأمر على ذلك لأعلمه النبي - ﷺ - بما يلزمه بعد ذلك إذ لا يجوز عليه أن يسكت عن البيان عند الحاجة إليه.
[٥٨٣] ومنه: حديث ابن عباس﵁- (أن النبي - ﷺ - كان إذا قرأ سبح اسم ربك الأعلى، قال سبحان ربي الأعلى) فحمل هذا الحديث وما يتلوه إلى آخر الباب عندنا؛ أن يكون ذلك في القراءة في غير الصلاة ومن جملة المحذور فيه أن الصلاة يحضرها الأمي والأعجمي والجاهل بأحكام الشرع، وإذا سمع أحد منهم شيئا من ذلك ظن أنه من كتاب الله أو توهم أن رد القول فيما سوى ذلك جائز في الصلاة وكفى بهذا مانعا. ولو كان النبي - ﷺ - فاعلا [٨٦/أ] ذلك في الصلاة لبينة الراوي ولنقله غيره من الصحابة مع شدة حرصهم على الأخذ منه والتبليغ عنه وقد كان فيهم من هو ألزم لرسول الله - ﷺ - منه وأقدم صحبة، ولم ينقل عن أحد منهم ذلك.
ولو زعم زاعم أنه في الصلاة ذهابا إلى ظاهر الحديث؛؟ قلنا: يحتمل ذلك في غير الفرائض على ما في حديث حذيفة فيما حدث به عن صلاته مع النبي - ﷺ - بالليل وما أتى على آية رحمة إلا وقف وسأل، وما أتى على آية عذاب إلا وقف وتعوذ. ولم ينقل شيء من ذلك فيما جهر به من الفرائض مع كثرة من حضرها والله أعلم.
[ ١ / ٢٤٥ ]