(من الصحاح)
[٨٤٩] حديث عائشة - ﵂ - عن النبي؟: (خذوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا).
[ ١ / ٣١٤ ]
قلت: كان النبي ﷺ يخاطب بهذا القول وأشباهه أقوامًا يعرفون صرف الكلام وفصل الخطاب ويفهمون مواقع من اللهجة العربية بعد أن شملتهم بركة الصحبة فألهموا الصواب وقد علموا أن الله تعالى منزه عن النقائص والعوارض والحوادث فلا يعتريه الملال ولا تعتوره الأحوال، وقد سلك سبيلهم العلماء الراسخون وبينوا للناس ما أشكل عليهم من ذلك وقد تكلم جمع منهم في معنى هذا الحديث واستحرجوه على وجوه قابلة للاحتمال، ووقع الاختيار منها على وجهين فيما نرى أحدهما: أن الله لا يمل أبدًا وإن مللتم وذلك نظير قولهم فلان لا ينقطع حتى ينقطع خصمه أي لا ينقطع بعد انقطاع خصمه بل يكون على ما كان عليه قبل ذلك؛ لأنه لو انقطع على عقب من انقطاع خصمه لم يظهر له بهذا القول مزية ولم يثبت فضيلة، وعلى هذا المعنى قول الشنفري:
صليت مني هذيل بحزق لا يمل الشر حتى يملوا
والوجه الآخر - هو أجودهما: أن نقول ذكر الملال فيما أسند إلى الله تعالى على طريق الازدواج، والعرب تفعل ذلك في معارضة الفعل بالفعل فتذكر إحدى اللفظتين موافقة للأخرى وإن خالفتها في المعنى وله في التنزيل نظائر منها قوله تعالى: ﴿يخادعون الله وهو خادعهم﴾ وقوله ﴿فيسخرون منهم سخر الله منهم﴾ وقوله ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [١١١/ب] وقوله ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ وقوله: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾.
قال الشاعر:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ومن المستبعد أن يفخر ذو عقل بجهل، وإنما أراد فنجازيه بجهله ونعاقبه على سوء صنيعه، ومعنى الحديث لا يغرض الله عن العبد إعراض الملوك عن الشيء حتى يمل هو عن القيام بطاعة الله ويمتحن بالإعراض عن خدمته.
[٨٥١] ومنه: حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي -؟ (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)، الدين الطاعة والجزاء، وقد استعير للشريعة اعتبارًا بالطاعة والانقياد، والمعنى أن دين الله
[ ١ / ٣١٥ ]
الذي تعبد به عباده مبني على اليسر والسهولة رحمة منه سبحانه حيث لم يكلفهم بالجهد فلم [يشق] عليهم، والمشادة في الشيء، التشدد فيه والمشادة في الدين أن يتعمق فيما لم يؤمر فيه بالتعمق وأن لا يرضى لنفسه من العمل ما يفضي به إلى السآمة والحير والانقطاع فيضعف عما تعبد به؛ فيغلبه الدين وينقطع عما كان يتسبب به إلى الوصول ويرد بما كان يتعمله للقبول كالقسيسين والرهابنة الهالكين في الديارات والصوامع. فهذا وجه النهى عن المشادة في الدين، وفي معناه حديثه الآخر (إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق).
وفيه (فسددوا): سدد الرجل إذا لزم الطيقة المستقيمة وأدخل فيه الفاء لما تضمنه من معنى الشرطية وتقيدره، وإذ بينت لكم ما في المشادة من الوهن في العزيمة والفترة عن العمل، فسددوا أي: اطلبوا بنياتكم السداد وهو القصد المستقيم.
قال شمر: سدد من السداد وهو الوفق الذي لا يعاب، والوفق المقدار، وفي الدعاء اللهم سددنا، أي: وفقنا للخير.
[ ١ / ٣١٦ ]
وفيه (واستعينوا بالغدوة والروحة)، الغدوة بضم الغين نقيض الرواح، وهما السير في طرفي النهار.
وفيه (وشيء من الدلجة) أدلج القوم إذا ساروا من أول الليل، والاسم الدلج بالتحريك والدلجة والدلجة أيضًا مثل برهة من الدهر [١١٢/أ] وبرهة وادلج بتشديد الدال إذا سار من آخر الليل والاسم منه الدلجة، والدلجة، ومنهم من قال: الاسم بفتح الدال لا غير والمراد من الألفاظ الثلاثة الحث على التحريك لعبادة الله في الأوقات الصلاصة وكأنه بيان قوله سبحانه ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ وإنما قال بشيء من الدلجة ليأخذ العبد بحظه من آناء الليل على ما تيسر له ثم لينتهي عن التحامل على نفسه بالسهر في سائر الليل بل يكتفر بشيء منه، فإن ذلك من المشادة المنهي عنها.