(من الصحاح)
[٧٠٥] حديث ومن ابن عباس﵄- (ليس من عزائم السجود) العزم والعزيمة: عقد القلب على إمضاء الأمر، عزم عليه واعتزمه. والعزيمة والصريمة: هي الأمر الواجب الحتم ومنه العزائم لأنه يحتم فيها على الجن والهوام أن لا تضر.
وفي حديث ابن مسعود (أن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه)، يعني بعزائمه: فرائضه التي حتم على العباد وجوبها، وفي الحديث (عزمة من عزمات الله تعالى) أي حق من حقوق الله وواجب مما أوجبه ومثله: (الجمعة عزمة) ومنه (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) أي: لم يوجب، وفي حديث قيام رمضان (من غير عزيمة) أي: من غير إيجاب وإلزام، وعزائم السجود: ما يحقق الإتيان به على التالي؛ بفعل الرسول - ﷺ - والتوقيف منه والمواظبة عليه. فأما من يذهب إلى وجوبها فلا حاجة به إلى التأويل، وأما من يذهب إلى أنها على الاستحباب فإنه يقول: عزائم السجود ما تحقق لسنة من قولهم عزم الأمر أي جد وتحقق، وقيل في قوله تعالى: ﴿فإذا عزم الأمر﴾ أي: حقت الحقائق، وكان ابن عباس يذهب في العزائم إلى معنى الوجوب أو التأكيد في حق السنة، وعلى أحد هذين المعنيين يحمل حديث علي﵁- أن عزائم السجود: آلم تنزيل، والنجم، واقرأ باسم ربك، وإنما أولنا حديث ابن
[ ١ / ٢٧٧ ]
عباس كذلك لأنه لو أراد أنها ليست بسنة لكان قد ناقض في كلامه لقوله (وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يسجد فيها وقراءته الآية ﴿الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ وقوله- (كان داود ممن أمر نبيكم أن يقتدي به فسجدها داود؛ فسجد رسول الله - ﷺ -) - يدل على أنه أراد بعزائم السجود ما وجب منها والمعنى أن رسول الله - ﷺ - لم يؤمر بها ولم يأته فيها توقيف من ربه وإنما أمر أن نقتدي بمن سمي له في الآيات التي بعد قوله ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه﴾ إلى قوله ﴿فبهداهم اقتده﴾ فلما ذكر له سجد داود سجدها استحبابا لموافقته وايثارا لهديه.
(ومن الحسان)
[٧٠٧] حديث عقبة بن عامر: (قلت: يا رسول الله! فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين ) الحديث؛ قوله في هذا الحديث: (فلا يقرأها) كذا وجدناه في نسخ المصابيح، بإعادة الضمير إلى السورة خلط والصواب في الرواية يقرأهما بإعادة الضمير إلى السجدتين، وعلى هذا الوجه روي في كتاب أبي داود وأبي عيسى وغيرهما من كتب أصحاب الحديث. ووجه النهي عن قراءتهما- والله أعلم- أن السجدة شرعت في حق التالي بتلاوته، والإتيان بها من تمام التلاوة وحقها، فإذا كانت بصدد التضييع فالأولى به تركها؛ لأنها لا تخلو إما أن تكون واجبة فيتأثم بتركها، أو سنة فيستضر بالتهاون بها.
أما المعنى قد بيناه، وأما الحديث ففيه كلام، وليس هو من جملة الأحاديث التي يصح الاحتجاج بها، لضعف إسناده، فإنه مخرج عن عبد الله بن لهيعة قاضي مصر وهو ضعيف عندهم وقد روي عن بعض الصحابة أنهم رأوا في الحج سجدتين، وقد روي في حديث عمرو بن العاص عن النبي - ﷺ - أنه أقرأه خمس عشرة سجدة، وهو حديث غريب.
[٧١١] ومنه: حديث ابن عباس: أن النبي - ﷺ - لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة.
[ ١ / ٢٧٨ ]
قلت: وهذا أيضا حديث لا يكاد يثبت ولو ثبت لم يلزم به حجة لما صح أن أبا هريرة قال: سجدنا مع النبي - ﷺ - في ﴿إذا السماء انشقت﴾، و﴿اقرأ باسم ربك﴾، وأبو هريرة إنما لقى النبي - ﷺ - في (٩٨ م/أ) السنة السابعة من الهجرة، وأما حديث زيد بن ثابت: (قرأت على النبي - ﷺ - (والنجم) فلم يسجد فيها، فإن أبا داود روى هذا الحديث في كتابه، وقال: كان زيد الإمام فلم يسجد، والمعنى أن التالي كان زيدا، فحيث لم يسجد هو لم يسجد النبي - ﷺ -. قلت: والحديث محتمل إلى غير ذلك من الوجوه، وهو أن نقول: إذا صح عندنا أن النبي - ﷺ - سجد فيها، نحمل الأمر حيث تركها على أن عارضا منعه من ذلك، فلعله كان على غير وضوء، ولعله كان في وقت يكره فيه السجود، ويحتمل أن الحكم عنده يومئذ كان على اختيار من التالي إن شاء سجد، وإن شاء ترك.
[٧١٣] ومنه حديثه الآخر: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله: رأيتني الليلة .. الحديث، الرجل الذي رأى هذه الرؤيا هو أبو سعيد الخدري، وقد روي عنه هذا الحديث.