(من الحسان)
[٨٩٩] حديث ابن عباس ﵁؛ أن النبي؟ قال لعباس: (يا عماه الحديث): قلت: حديث صلاة التسبيح روي عن ابن عباس، والفضل بن عباس، وأبي رافع، وقد روي أيضًا - عن عبد الله بن عمرو، وأم سليم، ﵃ أجمعين.
وهو من سائر الطرق غريب، وفي إسناد بعضه مقال، وقد اختار أبو داور رواية ابن عباس؛ فرواها في (سننه).
والحديث على ما هو في (كتاب المصابيح) غير مستقيم قد سقط منه كلمات لا يعرف بدونها معناه، ولم تخل نسخة من الكتاب عن ذلك الخلل، وتجد ذلك في ثلاثة مواضع
[ ١ / ٣٢٧ ]
أحدها: (ألا أفعل بك عشر خصال)، والرواية: (ألا أفعل لك).
وثانيها: بعد قوله: (أوله وآخره) سقط منه (قديمه وحديثه).
وثالثها: بعد قوله: (سره وعلانيته) سقط منه: (عشر خصال).
وقد وجدت كثيرًا من الناس قد تعذر عليهم تصور معنى هذا الحديث، والمانع منه شيئان:
أحدهما: ما ذكرناه من الحذف.
والآخر: أنهم يرون أن الخصلة إنما تستعمل في سجية خلقية أو خلق مكتسب؛ فتختص بمعنى محمود أو مذموم [١١٦/أ] في نفس الإنسان.
وليس الأمر على ما توهموه؛ فإن الخصلة هي الخلة، والخلة: الاختلال العارض للنفس: إما لشهوتها لشيء، أو لحاجتها إليه بالخصلة، كما يقال للمعاني التي تظهر من نفس الإنسان - يقال أيضًا لما تقع حاجته إليه؛ وقد ورد بمعناه الحديث عن عثمان - ﵁ - أن النبي؟ قال: (ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء)؛ فسماها خصالًا، وهي خارجة عن نفس الإنسان.
وإذا قد بينا الخلل الذي في الحديث، وبينا معنى الخصلة - فالآن نبين معنى الحديث، فنقول - ومن الله التوفيق:
قوله: (ألا أمنحك):
المراد منه: المنحة بالدلالة على فعل ما يفيده الخصال العشر، وهو في المعنى قريب مما تقدمه من قوله: (ألا أعلمك)، وفي رواية أبي داود: (ألا أعطيك؟!)، (ألا أمنحك؟!) (ألا أحبوك؟!)، وكل هذه الألفاظ راجعة إلى المعنى الذي ذكرناه، وإنما أعاد القول بألفاظ مختلفة؛ تقريرًا للتأكيد، وتوطئة للاستماع إليه.
وأما قوله: (ألا أفعل لك عشر خصال) - فإنما أضاف فعل الخصال إلى نفسه؛ لأنه كان هو الباعث عليها والهادي إليها، والخصال العشر منحصرة في قوله: (أوله وآخره، وقديمه وحديثه خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته؛ فهذه الخصال العشر، وقد زادها إيضاحًا بقوله: (عشر خصال) بعد حصر هذه الأقسام، أي: هذه عشر خصال.
ومن نصب الراء (عشر) فالمعنى: خذها عشر خصال، أو دونك عشر خصال، أو منحتك عشر خصال، وما أبه ذلك.
وأما قوله: (إذا أنت فعلت ذلك): أي: أفعل ذلك من تحقيق الخصال العشر إذا أنت فعلت الأمر الذي أمرتك به؛ فقوله ذلك راجع إلى ما قصد تعليمه إياه، ودلالته عليه. هذا، وقد سئلت عن هذه الأقسام، فقيل لي (أليس الأول والآخر يأتيان على القديم والحديث؛ وعلى هذا: فما فائدة هذه الألفاظ، وتقسيمها على عشر خصال؟):
فكان من جوابي لذلك بتوفيق الله، قلت قد علمنا من الحديث أن الخصال العشر هي التي عدها رسول الله؟ مبينات مفصلات؛ فلابد أن يقع البيان على خصال متغايرة لا تتحد معانيها؛ فنقول:
[ ١ / ٣٢٨ ]
معنى قوله: (أوله وآخره) أي: مبدأه [١١٦/ب] ومنتهاه؛ وذلك لأن من الذنب ما لا يواقعه الإنسان دفعة واحدة، وإنما يتأتى منه شيئًا فشيئًا.
ونظير ذلك الإنسان المواقع في الزنا؛ فإنه يتمنى ويشتهي، ثم يتطلع أولًا إليه، فينظر ويراود، ويقبل ويلامس، ويباشر. وهذه الجملة [وإن كانت ذنوبًا متعددة، فإنها الحقيقة راجعة إلى شيء واحد، ولتأكيد الجملة ] أول وآخر؛ فإذا صحت الإنابة، وتقبلت التوبة؛ تجاوز الله عما اجتلاحه العبد في أول الأمر وآخره.
ويحتما أن يكون معنى قوله: (أوله وآخره) أي: ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومعنى: (قديمه وحديثه) أي: ما قدم به عهده وحدث.
ويحتمل: أن يراد بـ (القديم): ما تعوده؛ فتكرر منه فعله؛ ويكون حينئذ على معنى الإصرار؛ ويراد بالحديث: ما ندر منه؛ وهو خلاف الإصرار.
وقوله: (خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته): فهذه الأقسام الثلاثة - وإن كانت متداخلة؛ لأن الخطأ والعمد يأتيان على سائر أقسام الذنب، وكذلك الصغير والكبير، والسر والعلانية - فإن جنس الذنب لا يخلو عن أحد اقسمين من جملة الأقسام المذكورة، لكن ل قسمين متقالبين منها متفارقان عن الآخرين في الحد والحقيقة؛ فالحكم الذي يختص بالخطاء غير الحكم الذي يختص بالعمد، والمؤاخذة التي تتعلق بالصغير غير الذي تتعلق بالكبير، وكذلك السر والعلانية؛ فالخطأ العمد لا يسدان سد الصغير والكبير؛ لاحتمال أن يكون الخطأ والعمد - المذكوران في الحديث - من أحد قسمي الصغير والكبير، وكذلك الصغير والكبير يحتملان أن يكونا في أحد قسمي السر والعلانية؛ فهي إذن خصال متغايرة.
ثم إن قوله: (غفر له ذنبه): يحتمل أن يكون ذلك الغفران في بعض دون بعض، فإذا قال: (أوله وآخره): ارتفعت الشبهة، وبقي احتمال ذلك الغفران في بعض دونما بعض، فإذا قال: (أوله وآخره): ارتفعت الشبهة، وبقي احتمال أن يكون ذلك فيما قدم دون ما حدث، أو على القلب، فإذا قال: (قديمه وحديثه): زال ذلك الاحتمال، وبقي احتمال أن يكون ذلك في الصغير دون الكبير، فإذا نص عليهما، لم يبق للاحتمال مجال، إلا في السر والعلانية، فإذا ذكرا، زال الإشكال والاشتباه. فعلمنا من الوجوه التي ذكرناها: أن الحصر أفادنا معاني لم نكن لنعرفها إلا بإيراد هذه الألفاظ المعبر عنها بـ (الخصال العشر)، والله أعلم.
[٩٠١] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث أبي إمامة ﵁: (فإن البر ليذر على رأس العبد) أي: ينثر ويفرق من قولهم: ذررت الحب والملح والدواء، أذره ذرًا، أي: فرقته، ومن الناس من صفحه فيقول: (ليدر) بالدال الملهمة؛ وهو مشاكل للصواب من طريق المعنى، إلا أن الرواية لم تساعده، وكذلك رواه
[ ١ / ٣٢٩ ]
الحفظة الأثبات؛ والحديث إنما يؤخذ عن رجاله، وليس لأحد أن يخالفهم إلا في لفظ اختلف فيه؛ فيتحقق التصحيف عن بعضهم: فذلك الذي لا حرج فيه.
ومما يفتقر إلى بيانه - من هذا الحديث -: قول الراوي: (يعني: القرآن).
[ ١ / ٣٣٠ ]
هكذا ذكره مؤلف الكتاب من غير أذكر المفسر الذي فسره، وهذا الحديث نقله من (كتاب الترمذي)، وقد رواه الترمذي عن أحمد بن منيع، عن أبي النضر، عن بكر بن خنيس، عن ليث بن ابي سليم، عن زيد بن أرطأة، عن أبي إمامة، وفي روايته (قال أبو النضر: يعني: القرآن)؛ فلم يذكر فيه المؤلف ابا النضر، ومثل هذا لا يتسامح فيه أهل الحديث، والحق معهم؛ فإن ترك ذكر من فسره يوهم أن التفسير من قول الصحابي؛ فيجعل من متن الحديث؛ وفي ذلك خلل بين وفساد عريض.
وهذا الحديث لا يدخل في جملة ما يعتمد من الأحاديث؛ فإن في إسناده بحر بن خنيس؛ وهو ضعيف، وليث بن ابي سليم أيضًا يمد في الضعفاء.